مقدم الحلقة

توفيق طه

تاريخ الحلقة

09/09/2001

- نتائج مؤتمر ديربان.
- انتخابات حزب العمل الإسرائيلي.
- زيارة شارون لروسيا.
- انتخابات رئاسة الوزراء في فيجي.
- تصادم البروتستانت والكاثوليك في أيرلندا الشمالية.
- الإيدز وفقراء العالم الثالث.

توفيق طه
توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة الجديدة في الملف الأسبوعي أصحبكم فيها في غياب الزميل جميل عازر.

في جولة اليوم ديربان وانسحاب وفدي إسرائيل والولايات المتحدة، لتفادي إدانة إسرائيل، بينما ترفض الدول الأوروبية الاعتذار لأفريقيا عن جرائم الماضي.
انتخابات حزب العمل الإسرائيلي تتحول إلى فوضي (.....)، بينما تتصاعد الهجمات الإسرائيلية ضد المناطق السكنية الفلسطينية، والفلسطينيون يردون بقوة.
وفي فيجي يفوز (جون سبايت) ورهينته السابق (شودري) بمقعدين في البرلمان وتكريس الفرقة بين السكان الأصليين والمهاجرين الهنود.

نتائج مؤتمر ديربان

لاشك في أن كتب التاريخ ستذكر مؤتمر ديربان كساحة مواجهة غير مسبوقة بين الشمال والجنوب، وهي مواجهة مهما تكن نتيجتها فهي –بلا شك- تشكل انتصاراً معنوياً وأخلاقياً لشعوب العالم الثالث فالشعب الفلسطيني الذي تنزف دماؤه وتنتهك حرمة أراضيه كل يوم أدرك أن شعوب العالم عبر المنظمات غير الحكومية تقف معه في مواجهة الصهيونية أبشع أشكال العنصرية، وأفريقيا وجهت ضربة قاضية إلى صميم النسيج الأخلاقي الغربي، بسبب تقاعس الغرب بل ورفضه مجرد الاعتذار عن جريمة الرق، دع عنك دفع تعويضات عن تلك التجارة البشعة.

محتجون يتظاهرون ضد العنصرية الإسرائيلية في فلسطين أمام مقر انعقاد المؤتمر الدولي لمكافحة العنصرية بديربان بجنوب أفريقيا
تقرير/ حسن إبراهيم: يعتقد كثير من المراقبين أن من حسنات مؤتمر ديربان إسقاطه لأوراق التوت الأخلاقية التي كانت تستر الماضي القبيح للعالم الغربي، فلم يعد بمقدور هذه الدول التغني بحقوق الإنسان كقيمة جوهرية في نسيجها الاجتماعي والسياسي بعد تحيزها الفاضح لإسرائيل، وبعد وقوفها حجر عثرة أمام تحقيق انطلاقة عالمية نحو عالم أفضل عالم يواجه ذنوبه بشجاعة ويواجه مسؤولياته، لكن ها هي الولايات المتحدة الأميركية تنسحب ومعها إسرائيل تخوفاً من إدانة محتملة، بعد أن أدانت المنظمات غير الحكومية إسرائيل ووصمتها بالعنصرية، تبرير الولايات المتحدة انسحابها برفضها إدانة إسرائيل غير مبرر، فانسحابها آتٍ قبل انتهاء النقاش حول الشرق الأوسط وبعض المراقبين عزو الانسحاب إلى رفض الولايات المتحدة للمطالب الأفريقية، إفريقيا التي انتزع منها ملايين البشر رجالاً ونساءً للعمل عبيداً في العالم الجديد منذ القرن السادس عشر، وقضي الملايين منهم نحبهم خلال الرحلة القاسية للقارة الأميركية.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أصدرت قرارها بتحرير العبيد في عام 1865م إبان عهد الرئيس (إبراهيم ليكن) إلا أن العنصرية ضد الأميركيين من أصل إفريقي لم تنتهي، وعلى الرغم من حركة الحقوق المدينة في الستينات والتي قادها الدكتور (مارتن لوثر كينج) إلا أن الزنوج مازالوا يقبعون في قاع السلم الاجتماعي الموقف المؤلم لكثير من الأفارقة كان الموقف الأوروبي، أوروبا التي حولت الرق إلى أكبر تجارة رابحة في عصر ما بعد الثورة الصناعية ترفض الاعتذار عن جرائم الماضي وتسميه فقط بالأمر المؤسف، لكن على الأقل، تقبل أوروبا التفاوض حول موضوع التعويضات وهو ما ترفض الولايات المتحدة مجرد التعليق عليه.

أما مفاوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رئيسة جمهورية أيرلندا السابقة (ماري روبنسون) فقد أتت مواقفها صدمة للكثيرين، فهي تتشدد في موضوع إدانة إسرائيل وتطالب الأفارقة بالتنازل حول موضوع الاعتذار والتعويضات، كأنها ممثلة الغرب في المنظمة الدولية، ولا تمثل جميع دول العالم كونها معينة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، إذن ما الذي بقي للدول التي اجتمعت في ديربان؟!

كثير من المراقبين باتوا يعتقدون أن المنظومة الغربية تقبل فقط بإدانة ضحايا محرقة هتلر لليهود، ولا شيء سواها لكن ما يعزي كثيرين هو أن العالم قد رأي وسمع بالصورة والصوت رفض جماهير العالم عبر المنظمات غير الحكومية رفضهم للصهيونية وممارساتها وأنه لا يمكن الاستمرار في الحياد ما دامت إسرائيل تمارس القتال والتدمير اليومي بدون ردع أو محاسبة من نفس العالم الغربي، الذي يمدها بالمال والسلاح والدعم المعنوي أما نظرة القارة السوداء إلى المنظومة الغربية فيبدو أنها قد تغيرت نحو الأسوأ بصورة غير مسبوقة.

انتخابات حزب العمل الإسرائيلي

توفيق طه: من المضحكات المبكيات انتخابات حزب العمل الإسرائيلي فنتيجتها التي فاز فيها جناح اليسار بزعامة (دبرهام برج) رئيس الكنيست احتج عليها بشدة (بنيامين بن اليعازر) وزير الدفاع الإسرائيلي وزعيم أقصي يمين العمل وحليف شارون، واتهم الوزير منافسة بتزوير الانتخابات والتأثير على الناخبين في أجواء تشبه ما كانت إسرائيل تتندر به على انتخابات الدول العربية، ولا يعول العرب كثيراً على أي من الجناحين، رغم تفضلهم التقليدي لليسار وقوي السلام، إذ أن الخطاب السياسي الإسرائيلي انحرف إلى اليمين بصورة مخيفة منذ بداية الانتفاضة، ولا يبدو أن الجانبين يختلفان كثيراً في قمع الفلسطينيين بل في طريقة هذا القمع ومقداره.

وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن أليعازر (يمين) يغادر مركز إقتراع عقب أدلائه بصوته في انتخابات رئاسة العمل
تقرير/ سيد خضر: حزب بدون رؤية، بدون استراتيجية وبدون قائد، هذا هو حال حزب العمل اليوم، ذلك الحزب الذي هيمن على الحياة السياسية الإسرائيلية منذ قيام إسرائيل عام 48 وحتى بداية السقوط عام 76 على أيدي مناجم بيجن زعيم الليكود آنذاك، حزب العمل لا يزال حتى اليوم يبحث عن زعيم جديد يحل محل إيهود بارك الذي استقال منذ عشرة أشهر، لا بسبب الانتفاضة ولا بسبب ضغوط سياسية داخلية بل بسبب تنامي حقد الإسرائيليين عليه وعلى أسلوبه المتعجرف في قيادة البلاد، والذي أدي إلى هزيمته النكراء أمام آرئيل شارون في فبراير شباط الماضي.

منذ ذلك التاريخ يقود شمعون بيريز الحزب بشكل مؤقت حتى يتم انتخاب زعيم جديد، ولكن من وعلى أي أساس، لم يترشح سوس أثنين لهذا المنصب وزير الدفاع الحالي بنيامين بن اليعازر ورئيس الكنيست إبراهام برج والفرق شاسع بين الاثنين، وكذلك الخلافات والاختلافات التي انعكست على نتيجة التصويت أو بالأحرى تمخضت عن فضيحة جديدة، لا أحد يريدها في حزب العمل، اتهامات بالتزوير وقدح وذم شخصي، ولا أحد يعرف بعد أين ستنتهي فصول هذه المسرحية، إذ حتى لو أعلنت لجنة الانتخابات فوز أحد المرشحين فإن سلطته ستكون محدودة بسبب الفارق البسيط في الأصوات بينهما.

أما الفارق السياسي فهو يشكل هوة سحيقة، فـ بورج رئيس الكنيست يمثل التيار اليساري في الحزب وأسمه يجذب ما تبقي من معسكر السلام كون بورج كان أحد نشطاء حركة السلام الآن، كما أن علاقته السيئة بإيهود باراك قد تجذب إليه كل الأطراف التي تضررت من سياسات رئيس الوزراء الأسبق، أما بنيامين بن اليعازر، المهاجر العراقي ذو التاريخ العسكري الملطخ بالدم العربي فإنه يمثل تيار الصقور داخل حزب العمل، فهو الذي يشرف على تنفيذ سياسة الاغتيالات التي تشنها إسرائيل ضد نشطاء الانتفاضة وهو الذي يعطي الأوامر بقصف المدن والمواقع الفلسطينية ويشدد الحصار عليها، وقد لقبه بعض الإسرائيليين بشارون الصغير نظراً لتطرف موافقة تجاه الفلسطينيين، وإن كان يعلن على الدوام استعداده للتفاوض معهم.

وفي الوقت الذي تحتدم فيه المعركة بين بورج وبين اليعازر يلتزم شيمون بيريز الصمت، إذ رغم عدم ترشحه لهذا المنصب فإنه يأمل في الإبقاء على سلطته داخل الحزب، ربما كمرجع أخير أو ملاذ بديل عندما تحين ساعة الحزم، ساعة اختيار مرشح الحزب لخوض الانتخابات القادمة العام المقبل، هذا إذا استطاع التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، ينص على إنهاء الانتفاضة والعودة إلى طاولة المفاوضات وإلا فإن الإسرائيليين قد لا يمانعون بالتجديد لشارون في ظل غياب المرشح البديل.

زيارة شارون لروسيا

توفيق طه: أما على صعيد الدبلوماسية الإسرائيلية فقد لاحقت لعنة الانتفاضة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيريل شارون إلى موسكو، التي ذهب إليها والأمل يحدوه في تحقيق فتح دبلوماسي، فعاد بخفي حنين، فقد رفضت روسيا منطقه في التعامل مع الانتفاضة الفلسطينية، وجاوبه شارون برفض كامل من المؤسسات الرسمية والدينية الروسية، فقد رفض رئيس الكنيسة الأرثوذكسية مقابلته، ورفض لقاءه كذلك رئيس مجلس الدوما.

من ناحية أخرى لم يفلح شارون في التلويح بالخطر الإيراني، فقد أكد بوتين على اعتزام بلاده المضي قدماً في تنفيذ بناء المفاعلات النووية في مشروع بوشهر الإيراني، بل وكان بوتين بارداً حتى في موضوع زيادة هجرة اليهود الروس إلى إسرائيل.

شارون لدى وصوله العاصمة الروسية
تقرير/ أكرم خزام: المطالب التي حملها شارون في جعبته لدي وصوله موسكو لمناقشتها مع القيادة الروسية كانت واضحة وجلية، وتمثلت في تأييد إسرائيل في مواجهة ومكافحة ما أسماه الإرهاب العربي والفلسطيني، وبقطع التعاون العسكري الروسي الإيراني والعلاقات الروسية العراقية، وبإفساح المجال لهجرة اليهود الروسي مجدداً إلى إسرائيل.

الكرملين قال بوضوح: إن روسيا تؤكد على ضرورة التنفيذ الكامل لقرارات الأمم المتحدة، فيما يتعلق بالتسوية الشرق أوسطية، والموافقة غير المشروطة على تقرير (ميتشل) كسبيل لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني الدائر، مع التنويه بأن علاقات روسيا مع العرب والفلسطينيين جيدة، وتشكل أساساً للمساهمة في التوصل إلى تسوية سلمية شاملة، الكريملين أكد أيضاً لشارون أن روسيا ماضية في تعميق وتطوير العلاقة مع إيران والعراق وأن التعاون العسكري الروسي الإيراني لا يخل بالالتزامات الدولية، وذكره أنه تم الاتفاق مع إيران على مواصلة تنفيذ مشروع بوشهر الخاص بتشييد المفاعلات النووية.

الرفض الروسي لمطالب شارون رافقه توجيه صفعة علنية لسياسته ولأول مرة في تاريخ العلاقة الروسية الإسرائيلية عبر رفض بطريرك موسكو وعموم روسيا اليكسيه الثاني ورئيس مجلس الدوما الروسي جنادي سيلزيوف لاستقباله ما عنا الرفض الشعبي لنهجه، ناهيك عن أن هذا الرفض غير وارد دون موافقة الكريملين، أما ما يتعلق بموضوع هجرة اليهود الروس مجدداً إلى الدولة العبرية فوجئ شارون بالبرود حتى من قبل أبناء جلدته حيال هذه الدعوة ما دفعه إلى القول بحزن بالغ: أين التصفيق؟ لتعلموا أن إسرائيل بحاجة إلى مليون يهودي شارون ودع العاصمة الروسية خائباً خالي الوفاض، ولم يترك بصمات تذكر إلا في وسائل الإعلام الروسية الموالية لإسرائيل إذ سمحت له بإدانة الإرهاب العرفاتي –حسب تعبيره- وبالقول: إن السلام في ظل وجود عرفات غير ممكن وإن إسرائيل بحاجة إلى بديل برجماتي لرئيس السلطة الفلسطينية أكرم خزام.. الجزيرة برنامج (الملف الأسبوعي) موسكو.

توفيق طه: ومن قناة الجزيرة في قطر نتابع هذه الجولة في الملف الأسبوعي وفيها أيضاً، اقتراب العلماء من تطوير مصل ضد الإيدز يفتح كثيراً من الأسئلة الأخلاقية حول احتفاظيات الدواء في العالم.

انتخابات رئاسة الوزراء في فيجي

كان من الطبيعي أن يفوز رئيس الوزراء فيجي السابق ماهندرا شودري بمقعد برلماني عن دائرته، التي تتكون في معظمها من الجاليات الهندية، لكن كان أمر مثير لآسى وإعجاب الكثيرين فوز رجل الأعمال جورج سبايت (زعيم التيار اليميني) الذي أدار حملته الانتخابية من زنزانته، سبايت يقبع في السجن انتظاراً لمحاكمته بسبب قيامه ومجموعة من أنصاره من سكان البلاد الأصليين باحتجاز رئيس الوزراء ذي الأصول الهندية العام الماضي، ومن الواضح أنه قد خابت آمال أولئك الذين كانوا يأملون في أن تجري الانتخابات على أسس غير عرقية، ويبدو أن الجزيرة الخضراء ستشهد المزيد من الاحتكاكات، خاصة في ظل مطالبة السكان الأصليين بتغييرات دستورية، تضمن بقاء الحكم في أيديهم بصورة مطلقة.

رئيس وزراء فيجي لايسينيا كاراسي
(يسار) يواسي مواطنة من أصل هندي عقب خسارة حزبه للانتخابات البرلمانية في فيجي
تقرير/ خالد القضاة: أثبتت انتخابات فيجي مرة أخرى أن التناحر بين الأعراق التي تسكن البلاد ظلت سمة بارزة للحياة السياسية في الأرخبيل الذي يضم 322 جزيرة، وقد اعتزل أرخبيل منذ استقلاله عن بريطانيا عام 80 على اضطرابات سياسية تحكمت بها الأعراق المختلفة التي تسكن حوالي 100 جزيرة فقط، وجاءت النتائج لتدل على أن الوضع المقبل لن يختلف كثيراً عما كان عليه قبل انقلاب العام الماضي، فالحزبان الرئيسيان وهما: حزب العمال والحزب القومي فاز كل منهما بـ 27 مقعد من أصل 71 هو عدد مقاعد البرلمان، وهذا التقارب بين الحزبين الرئيسيين في عدد المقاعد يعني عدم قدرة أي منهما على تشكيل حكومة بمفرده على أساس الأغلبية، الصراع السياسي التي تفرزه فيجي يدور بين زعيمين كل منهما تدعمه شريحة كبيرة من سكان البلاد، فرئيس الوزراء السابق ماهندرا شودري الذي يتزعم حزب العمال يتمتع بتأييد قوي في أوساط المنحدرين من أصل هندي، والذين يتركزون أساساً في المناطق الريفية.

وكان شودري رئيس الوزراء المنتخب لفيجي منذ عام 99، لكن مجموعة صغيرة من المتمردين أطاحت حكمه عندما اقتحمت مبنى البرلمان في الشهر الخامس من العام الماضي، لتنهي بذلك حكومة أول رئيس وزراء من أصول هندية في البلاد، وشودري أيضاً هذه المرة يعتمد كثيراً على الجيش الذي أبدي استعداده للتصدي لأي محاولة انقلابية قد تفكر فيها بعض الجهات، أما اللاعب الثاني فهو زعيم الحزب القومي لاذينيا كاراسي الذي عينته القوات المسلحة لرئاسة الحكومة الانتقالية بعد انقلاب العام الماضي ويتمتع كاراسي بشعبية أكبر بين السكان الأصليين المحافظين الذين يسكنون المدن، ويتجه الرجل إلى تشكيل حكومة ائتلاف مع مختلف ألوان الطيف السياسي في البلاد باستثناء أولئك المنتسبين إلى حزب العمال.

وهناك جورج سبايت قائد انقلاب العام الماضي أيضاً والذي توقع أن يفوز حزبه هذا العام بمقعد أو اثنين فقط، لكنه فاز بثلاثة أضعاف المتوقع، ورغم أن سبايت فاز شخصياً بأحد مقاعد البرلمان فإنه مازال محتجزاً في السجن انتظاراً لمثوله أمام المحكمة بتهمة الخيانة، ومع ذلك يبدو الحزب الذي ينتمي إليه مستعداً للقيام بدور مهم في البرلمان القادم، إذن أسباب عرقية دهورت الوضع في العام الماضي ومازالت التركيبة السياسية كما كانت عليه، مما يوحي بأن فيجي ستبقي في حالة انتظار وترقب وهذا يعني أيضاً احتدام المنافسة في المرحلة القادمة، ويعني شيئاً أهم من ذلك، وهو أن النظام السياسي هناك سيبقي معرضاً لأحداث لا يمكن التنبؤ بها.

تصادم البروتستانت والكاثوليك في أيرلندا الشمالية

توفيق طه: ما أقبح أن يعتدي إنسان على طفل أو طفلة!! لكنهم في بلفاست عاصمة أيرلندا الشمالية يلقون القنابل الحارقة على تلميذات يافعات بسبب انتمائهن الطائفي، ولم يكن يدر في خلد الموقعين على اتفاقية الجمعة العظيمة أن تتدهور الأحوال إلى هذه الدرجة، لكن الكيل بمكيالين من قبل ساسة لندن حيال الكاثوليك وبطء سير الإصلاحات الاقتصادية والسياسية في أيرلندا الشمالية في ظل تصاعد أصوات الداعين إلى الكراهية، كلها عوامل حولت الإقليم كله إلى قنبلة موقوتة، ويعتقد كثير من المراقبين أن الجيش الجمهوري الأيرلندي، الذي يلقى الكثيرون في الصف البروتستانتي اللوم عليه في تصعيد الأمور يعتقدون أنه مارس كثيراً من ضبط النفس تجاه الاستفزازات البروتستانتية، والحل بالطبع هو استمرار الحوار، وتقديم التنازلات من الجانبين، أما مد جسور الثقة والود بين الطائفتين، فهذه عملية أمدها طويل.

جنود من الجيش البريطاني يؤمنون طريق أردويني شمالي بلفاست عقب اندلاع أعمال العنف بالمدينة
تقرير/ حسن إبراهيم: البروتستانت في أيرلندا الشمالية يعيدون عقارب الساعة إلى الوراء، ليس فقط إلى ما قبل اتفاقية الجمعة العظيمة التي وقعتها الأطراف المتصارعة في قلعة السوموت عام 98، بل حتى إلى أيام ما قبل انتفاضة الحقوق المدينة، التي اندلعت عام 69، ووصلت الكراهية بين الجانبين حداً جعل البروتستانت يعتدون على طفلات طالبات لمنعهن من الوصول إلى مدرستهن، جريمة الطالبات أنهن كاثوليكيات، تقع مدرستهن في حي بروتستانتي، فما الذي أوصل الأمور إلى هذه الدرجة من التدهور؟ بالطبع يلقي البروتستانت، وحتى الساسة في لندن اللوم على عائق الجيش الجمهوري الأيرلندي، ويقولون أنه لولا تعنت الجيش في تسليم أسلحته، لما وصلت الأمور إلى هذه الدرجة من التردي، لكن الجمهوريين يردون بأنه بسبب خوفهم من هذا التردي احتفظوا بأسلحتهم حماية لهم ولطائفتهم ولأطفالهم.

ويبدو أن القوة الاتحادية، حتى تلك التي تريد السلام ترفض قبول إصلاحات جذرية في المجتمع الأيرلندي، فلا يدور نقاش جدي حول شرطة أيرلندا الشمالية التي يغلب عليها البروتستانت، ولا في توزيع المناصب في الجهاز الإداري في أيرلندا الشمالية، والنتيجة هي تفاقم الاحتقان، والجمهوريون وكثير من ساسة لندن ودبلن يدركون أن تسليم الجيش الجمهوري أسلحته لن يقدم أو يؤخر شيئاً ما لم يقابله تسليم مماثل لأسلحة المنظمات البروتستانتية وإحداث إصلاحات جذرية في بنية المجتمع الأيرلندي، ومثل ما يرفض الاتحاديون ومن ورائهم لندن منطق بعض المتشددين في الجانب الجمهوري، فإن كثيرين من مثيري الكراهية في المجتمع الأيرلندي ينتمون إلى المعسكر البروتستانتي، ويأتي على رأس هؤلاء القس الدكتور إيان بيزلي الذي عارض اتفاقية الجمعة العظيمة، وعارض الاستفتاء على بنودها، التي تدعو إلى التنسيق مع حكومة دبلن، وما انفك يدعو إلى إقصاء شين فين (الجناح السياسي للجيش الجمهوري الأيرلندي).

وبالإضافة إلى بيزلي تأتي المؤسسة الاتحادية بكل رموزها بمن فيهم ديفيد تمبل الذي أدت استقالته من منصبه إلى تأزيم الأمور وإعادة لندن لحكمها المباشر لبلفاست، لا توجد حلول سحرية للمشكل الأيرلندي فهو صراع امتد عبر قرون طويلة وأخذ أشكالاً متعددة، ويعتقد بعض اللاصقين بالشأن الأيرلندي أن الاستمرار في إجراء الإصلاحات لرفع المظالم التاريخية على الكاثوليك وكبح جماح الحركات المسلحة من الطرفين هو السبيل الوحيد لإحراز بعض التقدم في طريق إحلال السلام في الإقليم المضطرب.

الإيدز وفقراء العالم الثالث

توفيق طه: وأخيراً قال المهاتما غاندي باستطاعة العالم أن ينتج ما يشبع جميع البشر، لكنه بالتأكيد سيعجز عن إنتاج ما يشبع جشعهم، ويبدو أن هذا هو لسان حال مرضى الإيدز من فقراء العالم الثالث وهم يراقبون الأنباء عن قرب اكتشاف مصل ضد المرض القاتل، فهم يدركون أن شركات تصنيع الأدوية سترفض رفضاً باتاً بيع الأدوية المنقذة للحياة بأسعار في متناول الجميع، ولعل الأزمة التي أثارتها شركات الأدوية في مطلع هذا العام في جنوب أفريقيا والبرازيل وغيرهما من بلاد العالم الثالث التي قررت صناعة أدوية الإيدز وتوزيعها بأسعار رمزية، لعل ذلك دليل على مدى جشع هذه الشركات، وهذا يفتح الباب واسعاً أمام كثير من التساؤلات حول العولمة وأخلاقية ترك الاقتصاد في يد قوى العرض والطلب، وإلى أن يتوصل العالم إلى حل لمعضلة الإيدز والفقر والجشع، سيظل المرض يفتك بحياة الملايين في جميع أنحاء العالم.

عدد من المواطنين الكينيين يقفون على باب البرلمان مطالبين باستيراد أدوية أرخص ثمناً لمعالجة الإيدز
تقرير/ خالد القضاة: يتحدث الأطباء عن أنباء واعدة بقرب التوصل إلى علاج يطيل بقاء المصاب بالإيدز على قيد الحياة، وبالتحديد عن الاستفادة من الفيروس المسميHeba tits G الذي يتداخل عمله مع فيروس المناعة البشرية Hiv ويعول الباحثون والأطباء على أنه سيتم قريباً التعرف بدقة على أطوار الإصابة بالإيدز، لكن الذي يخشى منه في هذا الصدد هو أن تتدخل السياسة ومعها الاقتصاد في الحد من تباشير هذا الأمل الذي يلوح في الأفق، فالشركات التي ستتولى البحث عن هذا العلاج ستكون على عادتها منهمكة في الكسب السريع، وفي البحث عن دواء يدر أرباحاً، وليس عن أمصال تقي من الإصابة بالمرض وهي بمعني أدق تكون نزعتها تجارية في التعامل مع مكافحة المرض.

عدد المصابين حالياً بالإيدز اللعين يصل إلى نحو40 مليون، والنصيب الأكبر من هذا الرقم تستأثر به أفريقيا التي تؤوي أكثر من ثلثي حالات الإيدز في العالم، وللأرقام عند الحديث عن الإيدز أهمية اقتصادية، فمن المتوقع أن يلقي ربع العاملين في بعض قطاعات الصناعة في جنوب أفريقيا حتفهم في السنوات الخمس القادمة كضحايا للمرض، وقد يؤدي تفشي الإيدز إلى خفض مستوى عمر الفرد في أفريقيا إلى 30 سنة فقط وهذا يعني القضاء على الفئة المنتجة، والإيدز مرض حضاري وثقافي أيضاً، فهو يعكس البون الشاسع بين الشمال والجنوب، حيث أنفق العالم على مكافحة الإيدز حتى اليوم أكثر من 180 مليار دولار كان منها مجرد 10 مليارات فقط في الدول النامية، حتى اللحظة التوعية والابتعاد عن الموبقات إضافة إلى تضافر الجهود بين الدول الغنية والمتقدمة والعالم الثالث هي التي تؤدي إلى كبح جماح هذا الموت الأسود، كما يسميه خبراء الصحة.

توفيق طه: بهذا نأتي مشاهدينا الكرام إلى ختام هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع الجزيرة نت، في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود للقائكم في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، تحية لكم من فريق البرنامج وهذا توفيق طه يستودعكم الله.