مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

02/03/2002

- ردود الفعل الدولية تجاه مبادرة الأمير عبد الله
- محاكمة عزمي بشارة وتقليم أظافر فلسطينيي إسرائيل

- روسيا والتمدد الأميركي في آسيا الوسطى

- مصرع سافمبي والأمل في استقرار أنغولا

- مدغشقر في ظل صراع على السلطة

جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:

مبادرة الأمير عبد الله تثير ردود أفعالٍ دولية وتكهنات حول مغزاها وما ترمي إلى تحقيقه.

محاكمة عزمي بشارة تتحول إلى محاولة لتقليم أظافر فلسطيني إسرائيل، وتثير الكثير من الاحتجاجات الداخلية والدولية.

وروسيا مكتوفة اليدين في مواجهة التمدد الأميركي في آسيا الوسطى، ويؤرقها نشر قواتٍ أميركي في جورجيا.

ردود الفعل الدولية تجاه مبادرة الأمير عبد الله

ما الذي يقرر نجاح أو فشل بالون الاختبار السياسي أو الدبلوماسي الذي أطلقه ولي العهد العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز؟ سؤال إذا صحت الإجابة عليه بناءً على ردود الفعل العربية والدولية على خواطر الأمير فإن أي تفاؤل بشأن النتيجة سيكون في محله، ولكن إذا كانت الإجابة تنتظر وضوح الموقف الإسرائيلي من مبدأ مقايضة الأرض بالسلام وفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي في ظل حكومة يرأسها الليكودي (أرئيل شارون) فإن لا مجال هناك لأي تفاؤل.

عبد الله بن عبد العزيز آل سعود
تقرير/ حسن إبراهيم: الأرض مقابل السلام، ما الجديد في هذا؟ لأول وهلةٍ كان هذا رد فعل كثير من المراقبين على مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز، لكن قطراً بحجم المملكة العربية السعودية ومكانتها في العالمين العربي والإسلامي وأهميتها كواحدةٍ من أهم البلاد المنتجة للطاقة في العالم جعل من المبادرة صاروخاً انطلق في سماء القضية الفلسطينية، أكثر المتحمسين كان (خافير سولانا) منسق السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي معبراً عن مناخٍ أوروبي عام متعاطف مع القضية الفلسطينية وناقم على تشدد الحكومة الإسرائيلية وإجراءاتها القمعية وقتلها المتعمد للشعب الفلسطيني، أما الولايات المتحدة فقد تحمَّست للمبادرة، لكنها تناولتها على طريقة (لا تقربوا الصلاة)، فاتصل الرئيس (بوش) بالأمير عبد الله يحثه على تدعيم المبادرة كي ينتهي العنف، ولم يتحدث عن الشق الأهم ألا وهو انصياع إسرائيل للقرارات الدولية التي صدرت بعد حرب 67، أي القرارين (242)، و(338) المتعلقين بالانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران من عام 67، الدول العربية بلا موقف واضح حتى الآن، مصر رحبت على لسان رئيسها حسني مبارك لكنه حذر من تمييع المبادرة وتحويلها إلى احتفالية لقاءات سعودية إسرائيلية بدون تحقيق انفراج يذكر على أرض الواقع، وينتظر الجميع القمة العربية للبحث في مدلولات المبادرة والاستماع إلى ولي العهد السعودي وهو يطرحها عليهم بنفسه.

إسرائيل المعنية مباشرة بالمبادرة رحبت في البداية بحماسٍ على لسان رئيسها بحماس على لسان رئيسها (موشيه كاتساف) الذي قال أنه على استعداد لزيارة السعودية للقاء الأمير عبد الله، لكن منصب الرئيس في إسرائيل تشريفي ولا يحمل وزناً تنفيذياً، أما حكومة شارون الائتلافية فقد أبدت ترحيبها بحذر، وقالت إنها تعتقد أن المبادرة عمل إيجابي، لكن (شارون) الذي ليس الانسحاب من الضفة في برنامج السياسي أو في عقيدته كجنرال سابقٍ في الجيش الإسرائيلي قام على أساس استعادة أرض الأجداد كما يسمون فلسطين لا يبدو منتشياً بسبب المبادرة السعودية، ولا يعرف إن كانت عمليات القتل التي قام بها الجيش الإسرائيلي في مخيم بلاطة رداً شارونياً على المبادرة.

بعض المراقبين شككوا في مصداقية المبادرة نفسها، فهناك رأي يرى أنها محاولة من السعودية لدرء وصمة تفريخ الإرهاب عن نفسها التي أضحى الإعلام الغربي يرددها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهناك من يقول إن السعودية تريد تحويل الأنظار عن العراق الذي تصرُّ الولايات المتحدة على اتهامه بمواصلة إنتاج أسلحة الدمار الشامل وأن اتهامه بمواصلة إنتاج أسلحة الدمار الشامل وأن تحويل الأنظار معناه توفير الجو الكافي لحشد القوات الأميركية تمهيداً لضرب العراق.

القراءات المبدئية تقول إنه ورغم إيجابية انسحاب إسرائيل إلى حدود 67 إلا أن خلو المبادرة من أي إشارة إلى القرار (198) الخاص بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم قد يفرغها من أي محتوى حقيقي.

جميل عازر: وقد تحدثت إلى عبد الباري عطوان (رئيس تحرير صحيفة القدس العربي في لندن)، سألته أولاً: ما الذي سيقرر نجاح أو فشل المبادر السعودية؟

عبد الباري عطوان: الذي سيقرر نجاح مبادرة الأمير عبد الله أو فشلها بالدرجة الأولى هم الولايات المتحدة الأميركية و(أرييل شارون) رئيس وزراء إسرائيل، فطالما أن الإدارة الأميركية يعني لم تستقبل هذه المبادرة الاستقبال المطلوب، وطالما أن أرييل شارون رد عليها من خلال إرسال الدبابات لاحتلال المخيمات الفلسطينية وارتكاب مجازر جديدة، فهذا يعني أن الجانبين لا يعيران أي اهتمام أو أي تقدير لمثل هذه المبادة، ولا يؤمنان بوجود أي رد فعل عربي أو أي إرادة عربية حقيقية.

جميل عازر: طيب، هل لدى العرب أو بالأحرى لدى الفلسطينيين أي بديل بعد صراع يعود إلى بدايات القرن الماضي؟

عبد الباري عطوان: يعني.. يعني علينا أن نضع في اعتبارنا بأن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى مبادرات سلام، هناك العديد من هذه المبادرات، هناك زحمة مبادرات سلام، هل الفلسطينيين يعني الآن يحتاجون من العرب إلى مبادرة؟ لا، أعتقد أن ما يحتاجه الفلسطينيون في هذه الفترة من الدول العربية ومن.. خاصةً من الدول العربية ذات النفوذ مثل السعودية، ومصر، وسوريا، يعني يحتاجون التدخل لوقف العدوان الذي يمارس عليهم في وضح النهار.

جميل عازل: طيب، في تقديرك لماذا لم يتقن العرب حتى الآن أسلوب خذ وطالب؟

عبد الباري عطوان: يعني العرب مارسوا إسلوب خذ وطالب لكن المشكلة أن.. أن.. يعني الطرف الآخر يعني يأخذ ولا.. ولا يعطي، يعني مثلاً اتفاقات أوسلو، أو قبول الفلسطينيين لاتفاقات أوسلو، وهي بالمناسبة عارضتها المملكة العربية السعودية بشراسة مثلما عارضت التطبيع.. قبلوا باتفاقات أوسلو، وقبلوا بالتدرج بالحل، يعني اتفاقات أوسلو يعني.. تعني تطبيقاً عملياً لخد وطالب بدأ وبالقضايا السهلة، وقبلوا بالحكم الذاتي، وقبلوا بالاعتراف بإسرائيل، وقبلوا بالتنازل عن 80% من فلسطين، وماذا كانت النتيجة؟ الآن أرييل شارون لا يعيد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، وإنما يرتكب مجازر ويحاصر رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية الذي وقع اتفاقاً مع إسرائيل، وتبني نظرية خدوا طالب.. فالعيب ليس في.. في.. في الفلسطينيين أو في العرب من حيث إتقان أو عدم إتقان، لأ العيب إنه.. إنه هناك عدو شرس لا يريد أن يعطي، وهناك يعني أنظمة عربية عاجزة بالكامل عن ممارسة أي ضغط حقيقي، أو حتى فرض أي احترام حقيقي على الولايات المتحدة الأميركية وعلى إسرائيل.

جميل عازر: طيب، في ظل الظروف الراهنة وفي تقديرك ما هي التداعيات التي ستنطوي عليها هذه المبادرة بالنسبة للقمة العربية القادمة؟

عبد الباري عطوان: يعني طبعاً مثلما تبنت قمة فاس الثانية مبادرة الملك فهد من النقاط الثمانية، أعتقد أن القمة العربية القادمة ربما تتبنى هذه المبادرة إذا حاول الأمير عبد الله أن يضعها في شكل مبادرة، مازالت هي تصريحات صحفية غامضة، مازالت لم تقدم بشكل رسمي، مازالت لم.. يعني مازالت يعني هيكل عظمي لم يتم إضافة أرطال من اللحم إليها، لا تفاصيل على الإطلاق طبعاً عندما يبلورها الأمير عبد الله ويقدمها إلى القمة ستكون مبادرة عربية، وسيكون مصيرها مثل مبادرة الملك فهد، أو الأمير فهد. يعني مجرد تبني وإظهار أن العرب عندهم.. لديهم رغبة في السلام، والأخطر من ذلك إظهار أن المملكة العربية السعودية مستعدة للتطبيع مع إسرائيل، و هذا هو تطور خطير جداً في تقديري، لأنه عندما تطبع أغنى دولة عربية في العالم مع إسرائيل، أو عندما تطبع دولة عربية فيها الحرمين الشريفين، أعتقد هذا يعني و.. و.. وتنص صراحة المبادرة على التبادل التجاري، وعلى التبادل السياحي، وعلى الاعتراف الكامل. فأنا في تقديري هذه ستسبب مشاكل أكبر للعرب من أن تحل مشكلة فلسطين أو مشكلة اللي.. اللي.. الضفة الغربية وقطاع غزة مثلما حصرها الإسرائيليون و.. والأميركان.

محاكمة عزمي بشارة وتقليم أظافر فلسطينيي إسرائيل

جميل عازر: لم يجد الكنيست الإسرائيلي حرجاً في رفع الحصانة عن النائب العربي عزمي بشارة لتقديمه إلى المحاكمة، لأن اليمين اليهودي يتهمه بتصريحات تحريضية عندما كان في سوريا تأييداً للمقاومة الشعبية للاحتلال الإسرائيلي، وما من شك في أن للمحاكمة أبعادها السياسية، سيكون لها مضاعفات على العلاقات بين العرب الإسرائيليين والدولة اليهودية.

عزمي بشارة
تقرير/ عب الحق صداح: مع أن محكمة الناصرة سارعت منذ البداية إلى رفض وصم المحاكمة بالسياسية، فإن بشارة ودفاعه استمات في اعتبار غايات المحاكمة سياسية، وبنيا استراتيجية الدفاع على هذا الاعتبار الذي قالوا إنه سيهد أركان الاتهام.

القضاء الإسرائيلي وصف القضية بأنها جنائية تصل عقوبة الإدانة فيها إلى ثلاث سنوات سجن نافذة، لكن الخلاف بين بشارة والمحكمة لا يبدو أنه قائم بسبب طبيعة التهمة، ولا بالعقوبة المترتبة عليها بقدر ما هو قائم بسبب الحيثيات التي استندت عليها المحكمة في توجيه التهمة، فما تعتبره المحكمة تحريضاً على العصيان في دعوة بشارة للفلسطينيين للمقارنة لا يعدو في تقديري بشارة أن يكون إلا تضامناً مشروعاً من فلسطينيِّ الداخل مع إخوانهم في الضفة والقطاع. وما ترى المحكمة أنه تجاوز خطير من قبل بشارة أن ينظم زيارات لعرب 48 لسوريا لا يرى فيه هو غير زيارات شرعية للم الشمل وتواصل عربي يميله الواجب القومي.

والحقيقة أن إسرائيل لم تكن جاهلة لنضال بشارة من أجل حقوق الفلسطينيين في الأراضي، ولا تشبعه بالفكر القومي العربي، غير أن تزامن أفعاله مع الانتفاضة الثانية وصدور بعض دعواته لمقاومة إسرائيل من على منبر في سوريا وأمام مسؤولي حزب الله اللبناني في الذكرى السنوية الأولى لوفاة الرئيس حافظ الأسد، جعل المسكوت عنه جرمية تستوجب العقاب دون انتظار.

ولعل مسألة التوقيت هذه هو سرعة تجريد بشارة من حصانته البرلمانية هي التي دفعت حتى بالاتحاد الأوروبي إلى الجزم بالطبيعة السياسية للمحاكمة، وبأن النية المبيتة من ورائها هي تقليم أظافر عرب الداخل.

أما بشأن الفلسطينيين في الضفة و القطاع فيبدو أن إسرائيل قد اختارت أثقل الوسائل لإخماد انتفاضتهم بعد ما اسخنتها العمليات الفدائية بالجراح، وقد كان في اقتحام إسرائيل مخيم بلاطة قرب نابلس والمعارك الضارية التي دارت رحاها فيه آيةً لهذه التوجه الإسرائيلي الجديد. الإسرائيليون برروا خشونة الاقتحام بأن بلاطه أصبح وكراً لمن يسمونهم بالإرهابيين، والفلسطينيون برروا استماتتهم في الدفاع بأن المخيم رمز للمقاومة ولمشكلة اللاجئين.

أما المراقبون فقد أجمعوا على أن أحداث بلاطه ستؤرخ لنقلةٍ نوعيةٍ في التصعيد الإسرائيلي تماماً مثلماً تؤرخ محاكمة عزمي بشارة لنقلة جديدةٍ في تعامل تل أبيب مع عرب الداخل.

جميل عازر: ومن قناة الجزيرة في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً:

مدغشقر جزيرة التناغم الديني والعرقي في ظل صراع على السلطة بعد على نتيجة الانتخابات.

[فاصل إعلاني]

روسيا والتمدد الأميركي في آسيا الوسطى

جميل عازر:مهما تكن الرائع أو المبررات وراء إرسال عسكريين أميركيين إلى جمهورية جورجيا، فأن روسيا بوسائل إعلامها والعناصر الوطنية بين ساستها ستظل مرتابة في أي تحرك أميركي أو أوروبي عند حدودها، فوجود قوات أميركية في واحدة على الأقل من الجمهوريات السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى، والآن في جورجيا لمحاربة الإرهاب، يؤكد استقلالية اتخاذ القرارات في مثل هذه الجمهوريات الحديثة الاستقلال، وقد تكمن في الرفض الروسي العفوي بدور تحول في رسم استراتيجيات موسكو على الأمد الطويل.

تدريبات عسكرية روسية
تقرير/ أكرم خزام: الدوافع الحقيقية لطلاب رئيس جورجيا (شيفرنادزة) معونات عسكرية أميركية بحجة القضاء على الإرهابيين من تنظيم القاعدة ومن المقاتلين الشيشان في وادي (بنكيسي) المحاذي للحدود الروسية، الدوافع الحقيقية تكمن في تثبيت أركان حكمه التي تهتز بين الحين والآخر على إيقاع ضربات المعارضة المنظمة وغير المنظمة من جهة، وفي مواجهة الدب الروسي الذي يلوح بالاعتراف (بأبخازيا) و(أوسيديا) الجنوبية المتمردتين على حكم شيفرنادزة كدولتين مستقلتين من جهة ثانية.

عشرة أعوام من الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي لم تساعد جورجيا في الوقوف على قدميها في ظل حكم رئيس كان شيوعياً في الزمن الغابر، وارتأى أن الولاء للولايات المتحدة سيؤمن له ولحكمه ولشعبه الأمان والرخاء، حملة الولايات المتحدة ضد ما تسميه الإرهاب الدولي منحته فرصة الاعتماد على القوة العسكرية الأميركية لتصفية حسابات مع الجارة روسيا ولكبح أي جماح للمعارضين لحكمه، التواجد الأميركي في جورجيا سيؤمن للأميركيين نقطة إضافية بعد حصولهم على قواعد في (أوزبكستان) و(طاجيكستان) و(قيرغيزستان) تشكل مركزاً حيوياً قريباً من بحر قزوين المكتظ بثروات الغاز والنفط، وتمهد لمراقبة خطوط نقله إلى أوروبا والولايات المتحدة.

روسيا الرسمية التي تفتقد لاستراتيجية حيال كومنولث الدول المستقلة غضت الطرف عن قبول دول آسيا الوسطى بالسيناريو الأميركي لمحاربة الإرهاب واكتفت بالإعراب عن قلقها من التواجد العسكري الأميركي المحتمل في جورجيا، أما روسيا الشعبية فقد لوحت بإمكانية الاعتراف باستقلال (أبجازيا) و(أوسيديا) الجنوبية عن جورجيا، بيد أن القرار النهائي لهذه الإمكانية يعتبر من صلاحيات الرئيس الروسي دستورياً، ولذا فإن الاحتجاج الشعبي الروسي على ما يجري في جورجيا سيذهب أدراج الرياح أمام استمرار حلم الكريملين في الحصول من الأميركيين على ثمن ما لقاء دعمه للحملة الأميركية ضد الإرهاب الدولي.

العاصمة الروسية تبدو لا حول لها ولا قوة في مواجهة الولايات المتحدة التي تقترب رويداً رويداً من حدود روسيا الاتحادية ولا يعرف بعد ما الذي باستطاعتها فعله في حال إقدام الأميركيين على تهذيب المتمردين في (أبخازيا) و(أوسيديا) الجنوبية إثر قضائهم –أي الأميركيين- على الموصوفين بالإرهابيين في وادي (بانكيسي).

أكرم خزام –الجزيرة- برنامج (الملف الأسبوعي) موسكو.

مصرع سافمبي والأمل في استقرار أنغولا

جميل عازر: أثار مصرع (جوناز سافمبي) زعيم حركة (يونيتا) في (أنغولا) بعض الأمل في أن يؤدي اختفاء هذا الثائر إلى استتباب السلام في هذه الدولة الإفريقية التي مزقتها حربٌ أهلية مستمرة منذ الاستقلال عن البرتغال عام 75 ولكن الأمل شيء والواقع شيء آخر، فمن السابق لأوانه القول أن (يونيتا) ستهرول إلى وقف لإطلاق النار، فلكل من الجانبين حساباته وأولوياته في الصراع على السلطة والتحكم بثروات البلاد.

جوناس سافيمبي
تقرير/ حسن إبراهيم: لم يصدق الأنغوليون أن الكابوس قد انزاح، ولم يهتم أي منهم كيف انزاح؟ جسد (سافمبي) المدرج بالدماء كان أكثر من أقصى أحلام سكان (لواندا) عاصمة (أنغولا)، ولا غرو في ذلك فحياة (جوناز روس ماهيرو سافينبي) كان تمازحاً عجيباً بين (...) وشهوة السلطة، ربما لا يهم الآن كيف يذكر التاريخ (جوناز سافمبي) لكن من المؤكد أن عشرات الآلاف ممن فقدوا أطرافهم بسبب ملايين الألغام الأرضية التي زرعها الرجل، الذي ترعرع على أيدي أجهزة الاستخبارات الغربية، يتذكرونه بغلٍ شديد، استخدمه نظام الفصل العنصري وهو يقاتل ميليشيات الاتحاد الوطني الأفريقي، وكان بذلك أول زعيم حركة تسمي نفسها حركة عسكرية إفريقية تقف إلى جانب نظام يستعبد الأفارقة، دعمته الحكومات الغربية فكان يحل ضيفاً مكرماً على عواصمها ويتلقى الدعم المعنوي والمادي والعسكري، فهو كان أمل الغرب في إنهاء ما كان يسمى بالحزام الأحمر المتاخم لجنوب إفريقيا رغم أنه تدرب على حرب العصابات في الصين الشعبية في الستينات، وقاتل (سافمبي) بشراسة من الأدغال الغربية من (موانجية) الواقعة على نهر (لونجوين بونجو) التي انطلقت منها حركته في مارس آذار عام 66، ضربت حركته المثل في القسوة فكان لا يأخذ الأسرى لمقايضتهم بأسراه، بل ليمثل بهم ثم يقتلهم لزرع الرعب في مواطني أنجولا، ولم ترتفع إلا أصوات خافتة في الإعلام الغربي ضده حتى انتهت الحرب الباردة وانهار نظام (Aparthied) في جنوب أفريقيا بعيد ذلك، كما انهار الاتحاد السوفيتي، ورغم انقطاع معظم الدعم المالي الغربي عن (يونيتا) إلا أن (سافمبي) كان يستخدم ريع ما تبيعه الحركة من الماس في تمويل آلته الحربية، وقد نددت كثير من الهيئات الدولية بمحور الماس والرعب الذي كان (سافمبي) من أهم عناصره، ورغم أنه عاد إلى (لواندا) بعد اتفاقية سلام عام 97 إلا أنه رفض الاعتراف بنتيجة الانتخابات الرئاسية التي فشل فيها فشلاً ذريعاً واتهم الحكومة بتزوير النتيجة رغم الإشراف الدولي المكثف عليها، وعاد يمارس لعبة الحرب الدموية التي أتقنها ربما أكثر من معظم لوردات الحرب في أفريقيا، لكن موته فتح احتمالات شتى، الرئيس الأميركي (جورج بوش) لم يرد أن يتخلى تماماً عن حلفاء بلاده السابقين حتى وهو يفتح صفحة جديدة مع أنجولا التي كانت دولة ماركسية في الماضي، فقد أهاب بالرئيس (جوزيه أدواردو دوستانتوس) أن يتفاوض على اتفاقية سلام فورية مع حركة يونيتا، كي يحل السلام في أنجولا المنكوبة.

من حسن حظ أنجولا أن (سافمبي) كان ديكتاتوراً، لم يسمح ببروز صف ثاني من القياديين يمكن أن يقودوا الحركة بعد موته وربما يسهل هذا من العودة الطواعية لمقاتلي الحركة إلى الشرعية الدولية.

مدغشقر في ظل صراع على السلطة

جميل عازر: ودولة أفريقية أخرى دخلت مراحل الصراع الأولى على السلطة، ففي مدغشقر أعلن رئيسها (ديديه راتسي راكا) الأحكام العرفية بعد إعلان منافسة في الانتخابات (مارك رافالو منانا) نفسه رئيساً وتعيينه مجلساً للوزراء، فالأخير المطالب بالرئاسة يتهم الرئيس الحالي بالتلاعب بنتيجة الانتخابات التي أظهرت أن أياً منهما لم يحقق أغلبية مطلقة، وهذا ما أيدته المحكمة الدستورية وفي ظل الظروف السائدة في دولة تعتبر بين أفقر عشر دول في العالم يصبح الاحتكام إلى الدستور، ناهيك عن صناديق الاقتراع مسألة ثانوية.

تظاهرات في مدغشقر
تقرير/ جهان اليعقوبي: مدغشقر هذه الجزيرة المنسية المغروسة في مياه المحيط الهندي بين العالم العربي وجنوب أفريقيا تحولت مؤخراً إلى بؤرة للنزاع والجدل المحتدم منذ أن طعن مرشح المعارضة (مارك رافالو منانا) في صحة النتائج الرسمية للانتخابات الرئاسية، ادعى أنه الفائز فيها بأغلبية مطلقة، هذه الجزيرة التي تعتبر ثامن أفقر دولة في العالم حيث يعيش أكثر من 70% من سكانها تحت خط الفقر كانت قديماً مملكة مستقلة، ثم استعمرها الفرنسيون آواخر القرن التاسع عشر، ولم تنل استقلالها إلا عام 1960، الرئيس الحالي (ديديه راتسي راكا) هو رجل فرنسا في مدغشقر وهو أدميرال سابق وزعيم حزب (أريما) حكم البلاد بيد من حديد منذ عام 75 ما عدا فترة قصيرة حكم فيها (البارزافي) الذي فاز في انتخابات 93 بعد إقرار نظام التعددية الحزبية، ولكن المحكمة الدستورية قضت بعزله وعاد (راتسي راكا) إلى السلطة أما منافسه الجديد (مارك رافالو منانا) فهو رجل أعمال ثري ونائب رئيسة الكنيسة البروتستانتيه في مدغشقر، وليس لديه حزب سياسي، ولكنه حصل على منصب عمدة العاصمة بعد حملة شعبية عام 99 وزع فيها الأموال على سكان (انتناناريبو) وليس لدى (رافالو منانا) أي سياسة اقتصادية بديلة، فهو مثل (راتسي راكا) لا يقدم سوى الإغراءات للاستثمارات الأجنبية لتأتي وتستغل الأيدي العاملة الرخيصة في بلاده، ولكن الرغبة في التغيير ربما تكون وراء شعبيته الجارفة التي تكتح العاصمة فقط، فما زال الناس في المناطق الريفية مخلصين لرئيسهم المخضرم الذي لم يعرفوا غيره تقريباً في ظل نسبة من الأمية تتجاوز الـ 60% ويقول المراقبون أنه إذا استمر الصراع الحالي بين الرئيسين، فربما يكون مقدمة لصراع عرقي قد يقسم البلد إلى نصفين، ومن الجائز القول إن هذا الصراع ربما يخفي تنافساً بين واشنطن وباريس على موقع مدغشقر الاستراتيجي، لأن الولايات المتحدة ربما تفكر في اتخاذها قاعدة عسكرية استراتيجية كبديل لقاعدة (دييجوجارسيا) التي ينتهي عقد إيجارها عام 2016، وتبقى الأنظار معلقة على صندوق الانتخابات المقرر أن يحتكم إليه الشعب مرة أخرى في الرابع والعشرين من الشهر الجاري.

جميل عازر: وبهذا نختتم الجولة في (الملف الأسبوعي) تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.