مقدم الحلقة:

توفيق طه

تاريخ الحلقة:

29/12/2001

- آثار شريط بن لادن الأخير على الأميركان
- آثار إطلاق النار على الدورية الإسرائيلية من الأردن
- توتر العلاقات بين الهند وباكستان
- دور قبائل التوتسي والهوتو في مجازر رواندا وبوروندي

توفيق طه
توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) ومعنا هذا الأسبوع:

شريط أسامة بن لادن الجديد يربك المؤسسة الأميركية ويثير تساؤلات حول مصداقية المعايير الأميركية في التعامل مع العالمين العربي والإسلامي.

إطلاق الرصاص على دورية إسرائيلية من الجانب الأردني، والجانبان يؤكدان على ثبات علاقاتهم والتوتر بين الهند وباكستان يوشك أن يوصل البلدين إلى حالة حرب وحسابات دولية وإقليمية قد نزع فيل الأزمة.

آثار شريط بن لادن الأخير على الأميركان

لقطة لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في شريطه الأخير
شريط أسامة بن لادن الجديد الذي ثبته قناة (الجزيرة) الفضائية يثبت أن أخطر مطلوب في العالم كان حياً يُرزق حتى بدايات شهر ديسمبر كانون الأول، فهو يشير في الشريط إلى مرور شهرين على بداية الهجوم الأميركي وحوالي ثلاثة أشهر على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومهما تكن مآلات رجل حياً كان أم ميتاً داخل أفغانستان أم خارجها فهو بلا شك يخاطب مشاعر يحس بها كثيرون في العالمين العربي والإسلامي، وما يقلق الأميركيين هو مستوى استجابة الجماهير الغاضبة لهذا الخطاب.

حسن إبراهيم: تُرى هل أفسد شريط بن لادن الأخير فرحة الرئيس الأميركي بأعياد الميلاد ورأس السنة؟

لا أحد يعرف هذا بالتأكيد، لكن لاشك أن الشريط لطمة للإرادة الأميركية، وإثبات لأن أطنان القنابل التي ألقيت على تورا بورا وعلى القرى الأفغانية حول جلال أباد لم تفلح إلا في قتل المدنيين الأفغان، الشريط يثبت أيضاً أن الجهود الاستخباراتية الأميركية والرقابة المتطورة التي أحكمت حلقاتها على أفغانستان من الفضاء والجو والأرض لم تفلح في العثور على زعيم تنظيم القاعدة، ويختلف الشريط الذي تلقت قناة (الجزيرة) نسخة منه عن الشريط الذي بثته قنوات الإعلام الأميركية في أن صورة زعيم القاعدة وصوته في الشريط الذي وجدته القوات الأميركية كانت غير واضحة، مما ترك الفرصة للكثيرين في التشكك من مصداقية الشريط، وأثار شبهة أن يكون الشريط مزوراً، لكن الشريط الذي بثته قناة (الجزيرة) مساء الخميس الماضي كان واضحاً لا لبس فيه، يواجه فيه أسامة بن لادن الكاميرا، وقد يشكل البعض في تاريخ تسجيل الشريط، لكن لا شك في أن الشريط نفسه حقيقي تماماً، يربط أسامة بن لادن ما بين الهجمات التي حدثت في الحادي عشر من سبتمبر وما بين الممارسات الأميركية في هذا العالم من تأييد مطلق وأعمى لإسرائيل التي تقتل الفلسطينيين كل يوم ومن عقوبات دولية تفرضها الأمم المتحدة على العراق وتبقى عليها بضغط أميركي، وقد أدت العقوبات إلى وفاة ما يناهز مليون طفل وولادة عشرات الآلاف من الأطفال المشوهين بسبب استخدام الولايات المتحدة لقذائف اليورانيوم المنضب، وأدت العقوبات كذلك إلى حالة من الجوع وسوء التغذية في العراق الذي يعتبر واحدً من أكبر بلاد العالم إنتاجاً للنفط، ولم يعترف أسامة بن لادن صراحة بأنه دبر العمليات، لكنه من الواضح أنه يباركهما، ويعني بعض من نفذوهما، لكنه لم يقل صراحة بأنه أو تنظيمه قد نفذ العمليات الإرهابية، ورغم تشكك الولايات المتحدة فقد أحدث الشريط روياً واسعاً في العالم الإسلامي ولا يمكن أن ينكر العالم أن هناك مظالم كثيرة تقع على كثير من دول العالم الثالث، وأن الشارع الإسلامي يعيش حالة احتقان خطيرة، وغالباً ما تؤدي ظروف الاحتقان إلى صعود نجم التيارات المتشددة التي ترى أنه لا خير يُرجى في أنماط الحكم السائدة في بلاد العالم العربي والإسلامي، ومن هنا فقد يكون الأفغان العرب استجابة تلقائية لهذه الظروف المأساوية، فهم غاضبون مصممون على قتال من يرونهم أعداء للإسلام وأساطين للظلم، وتركيز الولايات المتحدة على محاربة الأصولية الإسلامية أدى إلى نتائج عكسية، فبدلاً من تجفيف منابع الغضب عمدت الولايات المتحدة بقواتها الساحقة وقنابلها الضخمة إلى قصف مواقع لتنظيم القاعدة ظناً منها أن ذلك قد يشيع حالة من الرعب في أوساط الإسلاميين تجعلهم إما أن يغيروا مواقفهم أو أن ينكمشوا خوفاً من رد فعل أميركي مدمر، لكن حتى لو تحقق هذا على المدى القصير والمتوسط فإن المدى البعيد يبقى ساحة للراديكالية الإسلامية وغير الإسلامية حتى يُرفع الظلم عن كاهل البشرية.

آثار إطلاق النار على الدورية الإسرائيلية من الأردن

مروحية إسرائيلية تحلق فوق غور الأردن بعد العملية الناجحة
توفيق طه: على الرغم من أن العلاقات الأردنية الإسرائيلية لم تتأثر كثيراً في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون إلا أن ما يقلق الجانبين هو تصاعد التململ الشعبي في الأردن ضد مسلسل القتل الإسرائيلي للفلسطينيين والمستمر منذ بداية انتفاضة الأقصى، وحادث إطلاق النار على دورية إسرائيلية من داخل الأراضي الأردنية يثير دهشة في عمان وتل أبيب، لكن اللبس الذي أوقع كثيرين في تفاصيل الحادث لا يمكن تفسيره إلا بمعرفة جغرافية البلدين التي حددتها اتفاقية السلام.

سمير خضر: لم يمض عام واحد على اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين حتى كان الأردن يعلن بدوره انتهاء حالة العداء بينه وبين جاره العبري، وبعد أشهر قليلة تم التوقيع على معاهدة وادي عربة، ولأول مرة في تاريخه أصبح الأردن دولة ذات حدود معترف بها دولياً فقد حال النزاع العربي الإسرائيلي دون تثبيت هذه الحدود في جانبها الغربي، أكثر من نصف سكان المملكة الأردنية من أصول فلسطينية، ومعظمهم انغمس في هويته الأردنية خاصة الأجيال الجديدة التي ولدت وترعرعت على أرضه ولا تعرف وطناً سواه، لكن شعورهم تجاه أرض الأجداد لم يتغير، ولا يزال حُلم العودة يراود كثيرين منهم حتى وإن كان حلماً رمزياً لا يتجاوز فكرة الاعتراف بمبدأ حق العودة، ورغم الشخصية الكاريزمية التي كان يتمتع بها الملك الراحل حسين لم تخطي معاهدة السلام مع إسرائيل بقبول واسع في صفوف الأردنيين رغم أنها أصبحت أمراً واقعاً، وساهم تفاقم الوضع الاقتصادي في تحويل مركز الاهتمام من السياسة إلى الاقتصاد والحياة اليومية، وبقيت الحدود الأردنية الإسرائيلية هادئة تماماً إذا لا أحد كان يود رؤيتها وقد تحولت إلى بؤرة صراع لا قبل للأردن به رغم بعض الحوادث الهامشية مثل حادث الباقورة في شمال الأردن عام 96 عندما أطلق الجندي الأردني أحمد الدقامسة النار على مجموعة من الفتيات الإسرائيليات فأردى سبعن منهن قتلى، ولكن يبدو أن هذا الهدوء الذي يميز خط الحدود الطويل قد يتحول أحياناً إلى جبهة حرب، فقد قام متسللون بإطلاق النار على دورية إسرائيلية فأصابوا عدد من الجنود بين قتيل وجريح، وعلى الفور قامت القوات الإسرائيلية بعملية تمشيط في المنطقة بحثاً عنهم، وساهمت المروحيات الإسرائيلية في قصف الأحراش التي يُعتقد أنهم مختبؤون فيها، وشاهد الجميع هذا القصف الذي استهدف مناطق خلف سور من الأسلاك الشائكة، وترددت أنباء عن اجتياز القوات الإسرائيلية للحدود بين البلدين مما يعتبر سابقة في تاريخ العلاقات الأردنية الإسرائيلية التي لم تشهد مثل هذا التطور منذ عام 68 إبان معركة الكرامة، ورغم إصرار بعض الطرفين على عدم حدوث مثل هذا الاختراق أصرت بعض الجهات على حدوثه، فقد التبس عليها خط الحدود بين البلدين الذي يمر وفقاً لاتفاقية وادي عربة في منتصف نهر الأردن، أما السياج الذي كانت تعبره القوات الإسرائيلية فهو ليس سوى سياج أمني يبعد مئات الأمتار عن خط الحدود الدولي، التوتر الذي يسود الأراضي الفلسطينية منذ أكثر من عام ساهم في إلقاء ظلاله على العلاقات الأردنية الإسرائيلية التي لم تعد مميزة بالشكل الذي كانت عليه في عهد الحسين ورابين، ولا يبدو أن حكومة اليمن الشارونية مستعدة لا اليوم ولا غداً للقبول بدور أردني في التقريب بينها وبين الفلسطينيين كما كان عليه الحال في السابق.

توفيق طه: ولشرح أبعاد العلاقات الأردنية الإسرائيلية تحدثت هاتفياً إلى شلوموغانور (المراسل الدبلوماسي للتليفزيون الإسرائيلي) وسألته أولاً عما إذا كانت العملية الفدائية الأخيرة في غور الأردن وقعت داخل الأراضي الأردنية أم داخل الأراضي الإسرائيلية؟

شلوموغانور: بالتأكيد العملية وقعت داخل الأراضي الإسرائيلية على الضفة الغربية من نهر الأردن، علينا أن نحدد أن الحدود بين إسرائيل والأردن هي تمر في وسط نهر الأردن والاشتباك وقع على الضفة الغربية من نهر الأردن، أي داخل الأراضي الإسرائيلية.

توفيق طه: لكن الجميع شاهد عمليات التمشيط خلف شريط من الأسلاك الشائكة، يعني هذه الأحراش، يعني هل أوضحت لنا جغرافية المنطقة قليلاً، ما علاقة هذا الشريط بالحدود؟

شلوموغانور: على بعد من منتصف نهر الأردن هناك طبعاً حواجز وعوائق إسرائيلية أمنية وطبعاً لمن يبدو له أن عملية التمشيط تمت عبر الحدود فهذا غير مضبوط، لأنه كما ذكرت هناك الشريط الحدودي الرسمي والدولي والمعترف به بين إسرائيل والأردن يمر في منتصف نهر الأردن، وبما أن الاشتباك وقع على اليابسة أي في الجهة الإسرائيلية من الحدود الإسرائيلية الأردنية.

توفيق طه: نعم، لكن يعني لماذا هذا التكتم من جانب إسرائيل على.. على تفاصيل الحادث، تفاصيل الكيفية التي حدث بها الاشتباك؟

شلوموغانور: المضبوط هو أنه تتم التحقيقات لا تزال جارية سواءً في الجانب الإسرائيلي وفي الجانب الأردني ولم تتوصل بعد التحقيقات إلى نتيجة واضحة بالنسبة لتفاصيل عملية التسلل وهوية المتسللين وكيف تم وصولهم إلى هذه المنطقة.

توفيق طه: نعم، لكن هل اتضح حتى الآن الدور الذي لعبه الأردن في... في يعني تطويق هذا الحادث بالنسبة للتنسيق الأمني مع إسرائيل؟

شلوموغانور: التنسيق هو أمر بديهي في العلاقات بين إسرائيل وبين الأردن منذ معاهدة السلام، فهناك مصلحة مشتركة إسرائيلية أردنية للحفاظ على الهدوء والأمن وسلامة المواطنين عبر الحدود المشتركة، فهناك معاهدة سلام إسرائيلية أردنية معروفة، وطبعاً أحد الأسس لهذه المعاهدة هي إقامة علاقات حُسن جوار وضمان سلامة الحدود، ليس لإسرائيل وليس للأردن، بل سلامة المواطنين وسلامة الحدود على طرفي الحدود.

توفيق طه: نعم، في حال تكرار مثل هذه الحوادث يعني، كيف يمكن أن يكون تأثيرها على المدى البعيد على العلاقات الأردنية الإسرائيلية في ظل معاهدة السلام بين الجانبين.

شلوموغانور: علينا أن نذكر أن الحدود الأردنية الإسرائيلية هي أكبر حدود لإسرائيل مع دولة عربية ومما يميزها هو حالة الهدوء من منطلق الحرص المتبادل على الحفاظ على علاقات السلام، ولكن إذا ممكن أن نقول: أن آخر حادثة وقعت هي كانت في قبل ثلاثة أشهر وهناك طبعاً محاولات من قبل أطراف معادية سواءً لإسرائيل أو للأردن بالتسلل أو محاولة زعزعة العلاقات الإسرائيلية الأردنية، ولكن هذه العلاقات... الطرفين بصورة مشتركة هو الحفاظ على هذه العلاقات رغم المحاولات لهذه الأطراف لعرقلة العلاقات بين البلدين.

توفيق طه: نعم، شلومو يعني... يعني هناك البعض حتى في إسرائيل يعني يقول: إنه لولا أحداث الانتفاضة في فلسطين، لولا الأزمة المستعصية بين الفلسطينيين والإسرائيليين لما وقع مثل هذا الحادث أيضاً، يعني إذا أضفنا إلى ذلك ما يشكله هذا من ضغط على الداخل في الأردن، يعني ألا يُفترض أن يقوي هذا من دور الأردن يعني كوسيط بين إسرائيل والفلسطينيين؟

شلوموغانور: ما هو القصد من هذا السؤال؟ هل على إسرائيل أن تسلم وتعطي للأردن.

توفيق طه: لا، يعني الملاحظ… الملاحظ أن دور الأردن في منذ مجيء شارون إلى الحكم في إسرائيل دوره كوسيط بين الفلسطينيين وإسرائيل، يعني لم يعد ملحوظاً أبداً، يعني على عكس ما كان يحدث قبل ذلك في ظل حكومة نتنياهو أو ظل حكومة بيريز، يعني ألا ترى أن هذا يتناقض مع واقع الحال، واقع العلاقة، ضرورة استقرار العلاقة بين الأردن وإسرائيل؟

شلوموغانور: لا لا اعتقد ذلك، لأن العلاقات بين إسرائيل وبين الأردن في ظل حكومة شارون لا تختلف عن السياسة الإسرائيلية التقليدية تجاه الأردن خلال الحكومات السابقة، لأنه إسرائيل ترى بالأردن دولة صديقة وتقع على حدود،وهناك معاهدة سلام بين البلدين، المعاهدة واضحة تشمل جميع المجالات وهي غير قابلة للتغيير في ظل تغيير الحكومة الإسرائيلية.

توفيق طه: ونواصل معكم هذه الجولة في(الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً:

هل هي المأساة الأفريقية تتكرر؟ تركيبة عرقية معقدة وإرث استعماري غاشم ودماء ما زالت تسيل بغزارة.

[فاصل إعلاني]

توتر العلاقات بين الهند وباكستان

باكستاني يودع أخته المتجهة إلى الهند
توفيق طه: يبدو أن الهند تريد استغلال الحرب الأميركية ضد الإرهاب لتصفية جيوب المقاومة الكشميرية، فالتصعيد العسكري ما بين الهند وباكستان كاد أن يتفجر حرباً شاملة لولاً أن هناك الكثير من الاعتبارات، أولها أن العلاقات الباكستانية الصينية تشكل دائماً رادعاً للهند التي تذكر هزيمتها الساحقة على يد الصين عام 62من القرن المنصرم، أما الثاني والأهم فهو أن الولايات المتحدة تحتاج إلى حليفتها باكستان لاستكمال حملتها ضد أفغانستان، وأي حرب قد تؤذي آلاف الجنود الأميركيين الذين ينتشرون في القواعد العسكرية الباكستانية.

حسن إبراهيم: تقلق طبول الحرب التي تقرعها الهند وباكستان دول المنطقة ولأسباب متعددة، فكلا البلدين من أعضاء النادي النووي وكلاهما يتمسك بكشمير المتنازع عليها، بل وتريد الهند من باكستان سحق الجماعات الكشميرية المسلحة ولم تكفها الإجراءات التي اتخذتها باكستان ضد المتشددين الكشميريين واعتبرتها ذراً للرماد في العيون، تعتبر الهند كشمير جزءاً لا يتجزأ من ترابها، وتريد باكستان استغلال أغلبية الأقاليم المسلمة لتضمه إلى أراضيها، وعلى الرغم من أن المزاج العام في أوساط مسلمي كشمير يمثل نحو الاستقلال عن البلدين إلا أن السنين التي أعقبت طرد الاتحاد السوفيتي من أفغانستان شهدت نمواً مضطراً للجماعات الكشميرية الدينية التي ترتبط بأحزاب باكستانية وأفغانية متشددة، وتتهم الهند باكستان بدعمها، ودخل البلدان حربين بسبب كشمير مباشرة وثالثة بسبب مشكلة باكستان الشرقية أو بنجلادش، الهند تحس بإهانة بالغة منذ الهجوم الدموي على برلمانها، وتستغل فرصة الحرب الأميركية على ما تسمية بالإرهاب لكي تصفي حسابات قديمة للأبد منها موضوع الخلاف حول كشمير، أما باكستان فرغم تحالفها مع الولايات المتحدة فإنها تعلم أن الولايات المتحدة لن تدخل حرباً مع الهند من أجلها، فالهند ثاني أكبر دول العالم من حيث عدد السكان، وأصبحت من الدول ذات الباع الطويل في علم المعلومات وفي اجتذاب الاستثمارات الأجنبية، ولعلاقات الهند المعقدة مع إسرائيل من جهة وروسيا من جهة أخرى أصبحت الولايات المتحدة ذات مصلحة مباشرة في تجنب استفزاز الهند، لكل هذه الأسباب اتجه الرئيس الباكستاني برويز مشرف إلى الصين أملاً في إحداث قدر من التوازن في معادلة شبه القارة الهندية، فالصين تعتبر أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، وانضمت حديثاً إلى منظمة التجارة العالمية باقتصادها الذي يبشر بأن يصبح واحداً من أضخم الاقتصاديات العالمية وأكثرها فاعلية، من ناحية أخرى فالصين عضو قديم في النادي النووي ولها خصومة تاريخية مع الهند في موضوع الهيمنة على جبال الهيملايا وموضوع التبت، فتاريخياً كان هناك محور هندي روسي ضد محور باكستاني صيني، وكانت تلك أيام الحرب الباردة، ولم تكن الأمور بالتعقيد الحالي، ورغم أن الولايات المتحدة وبسبب تحالفها الحالي مع باكستان قد تضغط على الهند لتخفيف حدة التوتر إلا أن الأعصاب المشددة في البلدين يمكن أن تفجر الوضع في أي لحظة رغم أن الصين تحاول تجنب دخول حرب مع الجارة اللدود الهند فمن يخرج مشرف من مأزقه؟

توفيق طه: يبدو أن نبرة التحدي التي غلبت على أول خطاب لرئيس الجمهورية الأرجنتيني الجديد (أدلفو رود ريجز) ستجلب كثيراً من المتاعب لبلاده، فرفضه دفع ديون بلاده الضخمة سيربك المؤسسات المالية الدولية، وقد يفاقم من حدة الأزمة الاقتصادية في الأرجنتين ويؤدي بالتالي إلى مزيد من الغضب الجماهيري إلا أن توجيه الأموال التي كانت تنفق على سداد ديون إلى الاقتصاد الوطني قد ينعش فرص العمل والاستثمار الداخليين في بلد كثير الموارد طالما أشقاه الفساد وسوء الإدارة.

جيان اليعقوبي: الأحداث الدمية التي شهدتها الأرجنتين خلال الأيام الماضية تعود لتذكرنا مرة أخرى بنفس السيناريو الذي تكرر في دول أفريقية وأسيوية، ومرشحة له في المستقبل القريب دول أخرى من أميركا اللاتينية، فثورة الجياع في بيونس أيرس تدفع المراقبين لطرح نفس الأسئلة القديمة من جديد:

ما هي حقيقة الإصلاحات التي يتغنى بها الحكام ثم تنتهي عادة بفشل ذريع يترجم بمظاهرات صاخبة وسقوط ضحايا بشرية يدفعون من دمائهم ثمن سياسة ترفع الإصلاح شعاراً ولا ترى منها الشعوب إلا الخذلان والخيبة؟ تُرى ما الذي حدث في هذه البلاد الغنية ودفعها إلى أن تتساوى مع دول غارقة في الفوضى الاقتصادية والسياسية مع أن الأرجنتين كانت القوة الاقتصادية الثانية في نصف الكرة الغربي بعد الولايات المتحدة؟ ربما تكون الإجابة كلاسيكية مثل كل مرة، فساد الإدارة الذي يدفعها إلى الاستدانة وبعدها التستر أمام الشعب بصندوق النقد الدولي الذي تحول في العقود الأخيرة إلى مجتبي يتستر وراؤه الحكام الفاسدون، ولا تقدر الأرجنتين على إلقاء اللوم على الإمبريالية الأميركية أو صندوق النقد الدولي هذه المرة ، فجذور مشاكلها الاقتصادية تعود إلى فشل الحكومات المتعاقبة في الحد من عجز مستمر في الميزانية وإلى عقود من الفساد وسوء الإدارة المالية، بدأت جذور المشكلة في عهد الرئيس (كارلوس مُنعم) الذي طالت اتهامات الفساد أقرب المقربين إليه، وبدأ عمليات الاقتراض التي تمت بدون حساب، وصدَّق على قرار ربط البيزو الأرجنتيني بالدولار، وبدأت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ إلى أن انتهى الأمر بثورة في شوارع العاصمة الأرجنتينية، وعلى الرغم من أن الرؤية لم تتضح بعد حول المستقبل في الأرجنتين فإن ما حدث هناك يثير من جديد نفس التساؤلات حول نموذج اقتصاد السوق الذي لا يراعي الظروف الداخلية لكل دولة وقيام الحكام بإصلاح بيتهم من الداخل قبل كيل الاتهامات لصندوق النقد الدولي وواشنطن، فالمتظاهرون الأرجنتينيون لم يشتكوا إلا من تدهور أوضاعهم المعيشية، فهم لا يطالبون لا بانتخابات نزيهة ولا بالديمقراطية، فهذه كلها تحققت منذ عام 1983، ولكن ليس بالديمقراطية وحدها تحيا الشعوب، ففرض سياسة تقشف صارمة على الفقراء وذوي الدخل المحدود وإطلاق العنان لكبار موظفي الدولة وحاشية من الإثراء بطرق غير مشروعة هو الذي يؤدي إلى الثورة التي تهدد هذه المرة هذه القارة الغنية بثرواتها والفقيرة بنزاهة حكامها.

دور قبائل التوتسي والهوتو في مجازر رواندا وبوروندي

إحدى مجازر الحرب بين الهوتو والتوتسي
توفيق طه: كان تفضيل أقلية التوتسي على بقية قوميات رواندا وبوروندي من أسوأ ممارسات الاستعمار البلجيكي، فالمذابح التي ارتكبها الهوتو ضد التوتسي والتوتسي ضد الهوتو على مدي السنين تثير الاشمئزاز، ولا يمكن إلقاء تبعات الجريمة بالكامل على عاتق الاستعمار، فسكان البلدين يتحملون جزءاً كبيراً من المسؤولية، وقد فشلت الحكومات المتتالية في البلدين في إنشاء مؤسسات قادرة على بسط العدالة في البلدين الجارين، وأكثر من هذا فقد تورط البلدان في حرب ضد الكنغو مازال أوارها مستعرة، أما الخاسر الأكبر فهو إنسان أفريقيا الذي تتوالى عليه النكبات في ظل لامبالاة دولية.

سمير خضر: المذبحة التي تغاضى عنها التاريخ، هكذا يصف المحللون الأحداث التي شاهد عام 94 في روندا وبوروندي وسمع العالم لأول مرة باسم قبيلتي الهوتو والتوتسي وإن بقى الاسمان يثيران تساؤلات أكثر مما يحتملان إجابات، الهوتو والتوتسي ليس سوى نموذج لما خلفه الاستعمار من فوضى وانقسام وتنحار بين شعوب القارة الأفريقية فقد زرع الاستعمار في نفوس التوتسي مفهوم التميز عن غيرهم، وسلمهم مقاليد الحكم في بلدان أسسها على الورق دون أي اعتبار للقوميات والاثنيات أخذاً بمبدأ فرق تسد، ووصلت الأزمة بين القبيلتين إلى حد ارتكاب المذابح والمجازر بحق النساء والأطفال، فقد شهدت روندا عام 94 مذبحة راح ضحيتها أكثر من نصف مليون مدني وإن كان البعض.. وإن كان البعض يقدر عددهم بالمليون وذلك في أعقاب اغتيال رئيسي روندا وبوروندي في حادث طائرة مدبَّر، وأشارت أصابع الاتهام في حينها إلى الدور المريب الذي لعبته قوات أجنبية فرنسية وبلجيكية في هذه الاضطرابات، ولم تسلم الأمم المتحدة وأمينها العام من هذه الاتهامات، لا، بل إن كوفي عنان الذي كان في ذلك الوقت مساعداً للأمين العام اعترافه بتقصيره شخصياً وتقصير المنظمة الدولية في دق ناقوس الخطر الذي كان يقترب من المنطقة، مذابح عام 94 أدت إلى عودة سيطرة أقلية التوتسي على مقاليد الحكم في روندا وبروندي، وبسبب عقلية التميز التي زرعها الاستعمار الأوربي فيهم شاركت قوات من هاتين الدولتين في الحرب الأهلية التي عصفت بالكنغو الديمقراطية والتي أدت إلى سقوط نظام (ميبوتو سيسو سبيكو) واستيلاء (لورن ديزير كابيلا) على السلطة في كنشاسا، كما أن روندا لا تزال أحد المشتبه فيهم الرئيسين في حادث اغتيال كابيلا بعد أن انقلبت عليه، أرث المجازر المتبادلة بين التوتسي والهوتو لا يزال حياً في البلدين، فالقوات الحكومية التي يسيطر عليها التوتسي لا تزال تشن حرباً على المتمردين بقيادة الهوتو في البلدين، ولا تفرق هذه الحرب بين مدني وعسكري، ووصل الأمر إلى حد وضع عشرات الآلاف من الهوتو في معسكرات اعتقال جماعية تضم في غالبيتها النساء والأطفال، قلب القارة الأفريقية لا يزال ينزف، ولا يبدو أن أحداً في العالم يعتقد أن الأمر يستحق بذل جهد ولو بسيط لاحتواء الأزمة، فالضحايا ليسوا سوى مجموعة من الأفارقة وهم ليسوا من البيض الذين يستحقون أن يشن العالم المتحضر حرباً على الإرهاب من أجلهم.

توفيق طه: بهذا نأتي مشاهدينا الكرام إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضرتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود إن شاء الله في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.