مقدم الحلقة: جميل عازر
تاريخ الحلقة: 14/09/2002

-العراق وتفادي الضربة العسكرية في ظل التكتيك الأميركي الجديد
-التحديات الداخلية التي يواجهها الرئيس الفلسطيني

-تداعيات أحداث سبتمبر على الساحة الأميركية والدولية

-أزمة الحرب ضد الإرهاب بين روسيا وجورجيا

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه:

الرئيس الأميركي، تكتيك جديد في التعامل مع الملف العراقي، ولكن هل يمكن للعراق أن يفي بالشروط لتفادي ضربة عسكرية؟

المجلس التشريعي الفلسطيني واستقالة مجلس الوزراء بداية التحدي لياسر عرفات فما هي الرسالة؟

والحادي عشر من سبتمبر كابوس أذهل العالم، ولكن ما هي المتغيرات على الساحتين الأميركية والعالمية؟

العراق وتفادي الضربة العسكرية في ظل التكتيك الأميركي الجديد

الرئيس الأميركي جورج بوش

كان خطاب الرئيس الأميركي في بداية الدورة العادية الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة خطوة بارعة منه لمواجهة موجة الاعتراضات العالمية المتزايدة على موقفه المهدِّد بضربة عسكرية للعراق، ربما يكون البعض قد وجد بارقة أمل في تحميل (بوش) الأمم المتحدة المسؤولية عن أي فشل في تلبية الشروط التي وضعها لتفادي إجراء عسكري ضد العراق، وواقع الحال هو أنه لم يحدث تغيير في الأهداف الأميركية بعد ذلك الخطاب وما احتواه من شروط وتلميحات إلى بناء حكومة عراقية جديدة، حتى ولو امتثلت بغداد لكل شرط، والحقيقة أن الرئيس الأميركي حتى مع إقدامه على التصرف عبر مجلس الأمن الدولي قد وجه إنذاراً نهائياً للأمم المتحدة والعراق في آن واحد.

تقرير/ حسن إبراهيم: ضربة أميركية للعراق هذا ما يتوقعه بل ويتخوف منه كثيرون في العالم العربي وخارجه، فوسائل الإعلام مليئة بتقارير عن الترسانة الأميركية الهائلة التي يجري حشدها، كما تعج بأقوال المحللين والسياسيين عن مبررات الضربة وتنبؤاتهم عن تداعياتها، وحتى بعد خطاب الرئيس بوش أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة والذي طالب فيه باستصدار قرار يتضمن مواعيد نهائية لم تتغير التوقعات، والسبب واضح إذا نظرنا إلى المطالب الخمسة التي حددها الرئيس الأميركي للرئيس العراقي صدام حسين، وهي:

-شطب برامج أسلحته البيولوجية والكيماوية والنووية والتخلص مما هو موجود لديه منها.

-ووقف دعمه للإرهاب .

- والتوقف عن اضطهاد العراقيين، والإفراج والكشف عن مصير المفقودين غير العراقيين منذ حرب الخليج.

-وإنهاء كل المحاولات للتحايل على العقوبات الاقتصادية الدولية.

وعند التأمل في هذه الشروط ومواقف العراق المعلنة يسهل فهم ما قاله طارق عزيز (نائب رئيس الوزراء العراقي) بعد وصفه الخطاب بأنه أكاذيب وافتراءات، إن عودة مفتشي الأسلحة الدوليين لن تؤدي إلى تفادي ضربة عسكرية أميركية، وقد يكون هذا استنتاجاً في محله، ومع كل ذلك فقد أثار مضمون خطاب الرئيس الأميركي ردود فعل تعبر عن تنفس الصعداء، لأنها رأت في تحويل السياسة الأميركية إزاء العراق إلى مسار يمر عبر مجلس الأمن الدولي بارقة أمل لتفادي الحل بقوة السلاح، فسارع الرئيس المصري إلى حث الرئيس العراقي على انتهاز الفرصة لتفادي مضاعفات كارثية، بينما قال وزير خارجيته أحمد ماهر: " إن مصر ستجد صعوبة في عدم تأييد ضربة للعراق إذا جاءت بموافقة الأمم المتحدة"، وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى: "إن من الممكن للعرب أن يتعاملوا مع الموقف الأميركي من خلال ما ورد في خطاب الرئيس بوش"، يمكن القول والحالة هذه إن المعارضة الدولية لضربة عسكرية من دون تفويض واضح بذلك من الأمم المتحدة دفعت الرئيس بوش إلى تغيير تكتيكي وليس استراتيجياً في تعامله مع الملف العراقي، فقد وضع الكرة الآن في ملعب المجتمع الدولي وحمَّله المسؤولية عن أي فشل في تلبية تلك المطالب مع إبقائه على الخيار العسكري قائماً، وإذا نظرنا إلى الاستعدادات لتنفيذ هذا الخيار بما في ذلك نقل أسلحة وقيادات إلى دول مجاورة للعراق أو قريبة منه يتضح أن الوضع لم يتغير كثيراً عما كان عليه قبل خطاب الرئيس بوش، والمخاوف من مضاعفة العمل العسكري والإطاحة بنظام الحكم في بغداد تظل هاجساً له ما يبرره، لأن الأميركيين سيظلون قادرين على إيجاد الذريعة حتى وإن امتثل الرئيس العراقي لكل المطالب التي اشترطها جورج بوش.

التحديات الداخلية التي يواجهها الرئيس الفلسطيني

جميل عازر: وسنعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى في وقت لاحق من هذا البرنامج.

كانت الاستقالة الجماعية التي تقدم بها أعضاء حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية دليلاً ملموساً على الهوة في الثقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فالمجلس التشريعي لم يعد بمثابة ختم للسلطة يدمغ ما تفرض دون تساؤلات، وهذا نمط جديد في التعامل مع الرئيس الفلسطيني الذي صار يواجه تحدياًَ من نوع ما غير معهود له يتحتم عليه وليس رغبة منه في أن يأخذه على محمل الجد، وأن يتصرف على أساسه، أما وقد وصف أحد النواب الفلسطينيين هذا التطور بأنه بداية حقبة جديدة لاحترام الشفافية والمساءلة والفصل بين السلطات، فهل سيظل ياسر عرفات جزءاً من هذا الجديد أم أن في التطورات رسالة بدأ يتفهمها؟

ياسر عرفات

تقرير/سمير خضر-قراءة/الزبير نابل: قد يستغرب البعض موقف أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني فهذا المجلس يتألف في غالبيته من أعضاء محسوبين على تيار فتح الذي يتزعمه ياسر عرفات، ومع ذلك تجرأ المجلس على أن يقول (لا) للحكومة الجديدة التي شكلها الرئيس الفلسطيني وقد رأى البعض في هذا الرفض تجسيداً للاستياء الشعبي العام من أداء السلطة الفلسطينية التي لم تعد قادرة على تحمل مسؤولياتها إزاء استمرار تدهور الأوضاع في المناطق الفلسطينية التي عادت إسرائيل إلى احتلالها منذ ستة أشهر، فواجب أي حكومة في العالم هو حماية مواطنيها قبل التفكير في توفير الطعام والشراب والملبس والمأوى، والواضح أن السلطة الفلسطينية لم تعد تستطيع حماية الفلسطينيين من دبابات شارون، أضف إلى ذلك أن التشكيلة الجديدة للحكومة المستقيلة لم تكن جديدة في نظر الكثيرين الذين رأوا فيها استمراراً للنهج السابق المتهم بالفساد والمحسوبية، لكن رأياً آخر بدا يتشكل رأي يرى في الاستقالة الجماعية لأعضاء الحكومة نوعاً من التحدي للسلطة الشرعية التاريخية لحركة فتح وزعيمها، ورغم أن التحدي يعتبر حتى الآن غير مباشر من ناحية أنه لا يستهدف شخص عرفات فإنه يعكس مع ذلك بذور انتفاضة داخلية مصغرة، والواقع أن كثيرين بدؤوا يشككون في قدرة الرئيس الفلسطيني على السيطرة على الجيل الجديد من قياديي وكوادر حركة فتح، فالواضح أنه لا يسيطر على كتائب شهداء الأقصى التي وُلِدَت من رحم فتح، وواضح أن عملية استبدال جبريل الرجوب على رأس جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية تركت أثارها على تماسك الحركة داخلياً، أما الحصار الذي يعيشه عرفات في مقره في رام الله، فقد قطع عليه خطوط الاتصال مع الواقع الفلسطيني، ونجح في عزله ولو جزئياً عن قاعدته الفتحاوية العريضة، عرفات يواجه اليوم اليوم تحدياً قد يكون أخطر بكثير من دبابات شارون وجحافله العسكرية، وإذا كان التحدي خارجياً، فإن عرفات سيستمد منه قوة وصلابة وينعكس ذلك على شعبيته، أما إذا بدأ الخطر يلوح من الداخل، فإن ذلك لن يشكل بالتأكيد إلا نذير شؤم للقيادة الفلسطينية برمتها.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل هذه الجولة وإياكم في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً بعد فاصل:

(بوتين) يعلن حربه على الإرهاب في (جورجيا) فما هي فرص نجاحه؟ بينما يتحداه (شيفرنادزه)؟

[فاصل إعلاني]

جميل عازر: ونعود إلى الملف العراقي، وينضم إلينا من لندن وفيق السامرائي (رئيس المخابرات العسكرية العراقية السابق)، سيد وفيق، بدايةً من وجهة نظر المعارضة ما هي أبرز النقاط التي وردت في خطاب الرئيس الأميركي إلى الأمم المتحدة؟

وفيق السامرائي (الرئيس السابق للمخابرات العراقية): الرئيس الأميركي سطَّر الكثير من النقاط، واسترجع وتذكر كثير من المسائل تمتد إلى أكثر من 24 عاماً، فربط الموضوع بحرب إيران واستخدام الأسلحة الكيماوية وغيرها من هذه الأشياء، لكن الشيء الواضح بأنه كان يؤكد بصورة أساسية على أسلحة الدمار الشامل، وإزالة أسلحة الدمار الشامل، وكان فحوى الحديث وفحوى الخطاب بمجمله العام يصب في مصبٍ واحد هو هدف تغيير النظام في العراق.

جميل عازر: طيب هل تعتقد..

وفيق السامرائي: إذاً هذا هو.. هذه هي غايته.

جميل عازر: هل تعتقد أن الوضع أو الموقف الأميركي قد تغير بعدما سمعنا ما جاء في الخطاب؟

وفيق السامرائي: أعتقد يشكل مرحلة متقدمة لما سبق الخطاب، في السابق كانوا يتحدثون عن أنهم سيفاتحوا الأمم المتحدة، سيتحدثون مع دول العالم، الآن تجاوزوا هذه المرحلة ودخلوا إلى الأمم المتحدة، وتكلم بطريقة شبه قانونية معهم، وهاهم – أي الولايات المتحدة – على مقربة جداً من استصدار قرار مجلس الأمن يدعو العراق لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، قرارات مجلس الأمن وإعادة المفتشين، فإذاً الكرة الآن خرجت تقريباًَ من الملعب الأميركي إلى الملعب الأممي، ومنها ستنتقل إلى بغداد، فهذا يتوقف على ما ستقوله بغداد، إذا قالت نعم، ووافقت على عودة المفتشين، فسوف.. سوف تبقى الكرة سابحة في الفضاء إلى مرحلة معينة، لكنها في النتيجة لا بد من الحرب، ولا بد أن تقع الحرب.

جميل عازر: طيب، رغم أنك من جناح المعارضة سيد وفيق، يعني هل وجدت خطاب الرئيس الأميركي بما جاء فيه من اتهامات للعراق بأنه لا يزال يعمل على تطوير أسلحة دمار شامل، هل وجدته مقنعاً؟

وفيق السامرائي: يعني بصرف النظر عما قاله الرئيس بوش، وبصرف النظر عما تقوله بغداد، وبصرف النظر عن رأي الآخرين، بالطبع أن الكثير من .. لأ، أنا كمعارض عراقي، ولي رغبة ومصلحة في تغيير النظام في العراق، ولكن هذا لا يدفعني أن أقول بأن كل ما قاله الرئيس الأميركي بوش كان صحيحاً أو كان منطقياً أو كان ملحاً بالنسبة لنا ومتطابقاً مع مصالحنا، ولكن التوجه العام هذا هو على.. على الحكومة العراقية على النظام في بغداد أن تفهم الصورة تماماً، أن تفهم الموقف تماماً، وتتصرف بطريقة عقلانية تحافظ على البلد وتحافظ على مستقبل العراق، هذا هو المنطق الذي نبحث عنه، لو كنت أنا مستشاراً في بغداد، ولو سمعوني الآن وأنا أتكلم، فإن ليس من الحكمة أن ترفض بغداد بالمرة، إذا كانت بغداد تقول.. ويقول السيد طارق عزيز بأن عودة المفتشين سوف فقط تؤدي إلى تأجيل الهجوم، طيب، فليؤجل الهجوم عسى أن تأتي الأيام بما هو جديد، لماذا تقبلون الضربة؟ هل تبيتون شيئاً آخر؟ وما هو هذا الشيء؟ لماذا تعرضون أمن البلاد والأمة والمنطقة إلى الخطر؟

جميل عازر: طيب، في تقديرك عندما تأخذ الموقف الأميركي الآن والموقف العراقي الذي يبدو أنه متمسك بـ.. يعني بنقاط محددة، وربما يكون معهم حق في مثل هذه النقاط، ما هو نوع السيناريو الذي تتوقعه الآن؟

وفيق السامرائي: الأمم المتحدة ستصدر قرار، سيصدر مجلس الأمن قراراً بأقرب فرصة، وتكون هنالك فترة إنذار ربما تكون أربعة أسابيع، إذا رفضت بغداد ذلك، والرفض متوقع، ولا أقول حتمي، فسوف يباشر بتنفيذ العمليات العسكرية، العمليات العسكرية ستبدأ أولاً بضربات جوية جارفة على قائمة طويلة وعريضة من الأهداف المختلفة، تبدأ من القصور (الجوية) وتنتهي بالطاقة والنفط والكهرباء والنفط، وكل الاتصالات، وكثير من البترول وكثير من الأهداف العسكرية والاقتصادية المختلفة، ثم يقوموا على ما أرى ووفقاً لتحليلي الشخصي بصولة جوية في منطقة غرب الفرات لاحتلال مطارات غرب الفرات ولمنع الصواريخ العراقية من توجيه ضربة إلى إسرائيل، أي كلما وصلت القوات الأميركية إلى منطقة قريبة من بغداد كلما أصبحت إسرائيل خارج مدى الصواريخ العراقية، فعندئذٍ تؤمن أميركا حماية قوية لإسرائيل.

المرحلة الثانية وربما ترادفها أو تأتي بعدها، -سيقومون وأقول حسب تقديري الشخصي وفقاً لبعض المعلومات- بصولة جوية لاحتلال منطقة البصرة وعزل الموصل، بعد ذلك تبدأ المعركة الكبرى حول بغداد، في المرحلة.. المرحلة الأولى على الصفحة الأولى من معركة بعداد سيتم تطويق مدينة بغداد، ثم مهاجمتها بالتأكيد ستكون هي معركة في بغداد تختلف إلى حد كبير عن معركة البصرة والموصل وغرب الفرات، لكن في النتيجة القوات العراقية ليست مؤهلة في المرحلة الحالية للتصدي للقوات الأميركية وإفشالها، ويعود السبب الأساسي في ذلك لتدهور الروح المعنوية، لا أقول إن القوات العراقية معنوياتها ضعيفة، ولكن المعركة تبدو خاسرة منذ البداية، هذه هي سيناريوهات الحرب.

جميل عازر: طيب، في الوضع الراهن ويعني بعد خطاب الرئيس الأميركي، هل تغير موقف المعارضة العراقية أو هل تغير دورها المتوقع أو المرسوم لها؟

وفيق السامرائي: المعارضة العراقية –يا أستاذ جميل- لا نستطيع أن نعطيها فكرة شمولية، مختلفة في أهدافها، كثير منها مختلفة في أهدافها وتوجهاتها، نشاهد بعض فصائل المعارضة تريد أن تبدأ الخرب اليوم، وأن تأخذ أكثر.. تشمل أكثر ما يمكن من الأهداف، أعتقد أن هؤلاء مفلسون، ولكونهم مفلسين فلا مجال لهم للوصول إلى الحكم إلا من خلال تدمير الجيش العراقي وتدمير مؤسسات العراق، وحدوث فوضى كبيرة وفراغ كبير كي يصلوا بهذه الطريقة غير الشرعية إلى الحكم.

هناك معارضة أخرى، المعارضة الأخرى تقول: "إذا أردتم أن تضربوا ولديكم مشكلة، فلتكن مشكلتكم مع الرئيس صدام حسين، استهدفوه مباشرة، لديكم 7 أقمار صناعية الآن، وسائل استطلاع إليكتروني، لديكم كثير من الجواسيس، لديكم كثير من الأموال، وجهوا كل مصادركم للحصول على المعلومات عن حركته وتحركات الرئيس، وبعد ذلك نفذوا ما تريدون وانتقلوا إلى مرحلة متقدمة، وليس أن تضربوا كل الأهداف.

هنالك معارضة أخرى لا، لا توافق على هذا ولا على ذاك، أنا شخصياً أعتقد بأن العملية الاستخبارية الخاطفة هي أفضل الخيارات، لأنها تحفظ العراق وتجنب المنطقة الدمار وتغير النظام، وتنجلي الغمة بشكل تدريجي.

تداعيات أحداث سبتمبر على الساحة الأميركية والدولية

جميل عازر: سيد وفيق السامرائي في لندن، شكراً جزيلاً لك.

منذ أعلن الرئيس الأميركي أن الولايات المتحدة في حالة حرب.. حرب جديدة.. حرب جديدة على الإرهاب بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، لم يعد الأميركيون يشعرون بذلك النمط الرتيب الآمن في حياتهم اليومية، فالحرب المعلنة كان لها ثمن داخلي على الصعيدين المادي والمعنوي، وكان لها أيضاً ثمن خارجي انعكس على علاقة أميركا مع الدول الأخرى، فالكابوس الذي لم يفق الأميركيون بعد منه حتى بعد مرور عام جعلهم ينظرون إلى العالم نظرة مختلفة.

تقرير/حسن إبراهيم: أيقظت ضربات الحادي عشر من سبتمبر مشاعر غضب وانتقام في الوجدان الجمعي الأميركي لم تنفجر بهذا الشكل منذ الضربة اليابانية لـ (بيرل هاربور) في السابع من تشرين الثاني عام 41، والحدث كان جللاً لا شك في ذلك، فأن توجه جماعة ضربة إرهابية إلى العمق الأميركي وبهذا الحجم أمر لم يكن في أسوأ كوابيس الاستخبارات الأميركية، وأسوأ ما توقعته الأجهزة الأمنية الأميركية هو محاولة على غرار ما حدث في برجي مركز التجارة العالمي عام 93، ويومها لم يسقط الكثير من الضحايا، الأسلوب كان قديماً لم يستخدم منذ كان الطيارون الكاميكاز اليابانيون يرتطمون بالسفن الأميركية بطائراتهم محدثين دماراً ضخماً.

لكن ما لم يتوقعه الأميركيون هو أن تختطف طائرات مدنية ويتم استخدامها قذائف ضد المباني الذي تمثل سطوة الاقتصاد الأميركي وهيبة المؤسسة العسكرية الأميركية.

واستيقظ المواطن الأميركي الذي كان لا يعرف الكثير عن العالم الخارجي على حقيقة مرة، العالم الثالث لا يحب الولايات المتحدة، ولا يحب أحادية الهيمنة الأميركية، ولا الهوة الاقتصادية والتكنولوجية الضخمة التي تفصل ما بين العالم الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة وبقية دول العالم، وخاصة العالم العربي الإسلامي الذي يرى ما يحدث في إسرائيل والانحياز الأميركي السافر لإسرائيل، لكن هل في غمرة الغضب وانهيار البرجين وتدمير ركن من البنتاجون والطائرات المخطوفة وأجهزة الإعلام التي تبث صور الضحايا وأسرهم التقارير عن الإرهاب الإسلامي والشرق الأوسطي، هل يمكن أن يتوقف المواطن الأميركي العادي أو النخبوي ليتساءل عن مسوغات الإرهاب؟

كانت ردة الفعل الشعبية غضباً ضد كل من يشتبه وما يحسبه المواطن الأميركي شخصاً مسلماً، أو عربياً، فقتل سيخ وهندوس ومسيحيون عرب على أنهم من الإرهابيين المسلمين، ذلك على الرغم من محاولات الإدارة الأميركية الفصل بين المتطرفين الإسلاميين والدين الإسلامي، بل وزار الرئيس بوش المركز الإسلامي في واشنطن للتأكيد على أن الدين الإسلامي ليس ديناً إرهابياً.

وأخذ الرئيس الأميركي عن استخدامه كلمة Crosade)) التي من بين معانيها أنها حملة صليبية لوصف حربه ضد الإرهاب، فقال المسؤولون الأميركيون أن الرئيس بوش قصد معنى الحملة العسكرية وليس المحتوى الديني التاريخي للحروب الصليبية التي شنتها أوروبا للاستيلاء على الأماكن المقدسة في فلسطين.

الولايات المتحدة التي يحكمها لوبي أقصى اليمين الصناعي النفطي في الحزب الجمهوري استغلت الأحداث لفرض رؤية هذا اليمين للعالم خارجها، فاختفى من الخطاب السياسي الأميركي الحض على احترام حقوق الإنسان وعلى الديمقراطية، وسيطر أسلوب الحسم العسكري ومنطق "من ليس معنا فهو عدونا".

ولو استثنينا نظرية المؤامرة فإن الظروف الموضوعية تنبؤنا بأن اليمين الصناعي النفطي الموالية لإسرائيل هو المستفيد الأكبر من جو الريبة والشك الذي تنظر به الولايات المتحدة حتى إلى بعض من حلفائها الأوروبيين، وفي الوجدان الشعبي الأميركي أن أي تساهل مع ما يعتبرونه إرهاباً هو مشاركة فيه ولو كان على حساب المعايير الديمقراطية التي كانت تميز العالم الغربي عن باقي دول العالم، وحتى تندمل جراح الحادي عشر من سبتمبر سيظل اليمين الحاكم يستغل الغضبة الأميركية لتحقيق مآربه في عالم يراه مليئاً بالأعداء.

جميل عازر: ويبدو أن الأعداء لا الأصدقاء أصبحوا يتكاثرون مع اتساع قوائم المدرجين على قائمة الإرهابيين أو المؤيدين للإرهاب من تنظيمات ومؤسسات ودول وحتى أفراد، وإذا كانت نظرة الأميركيين وطريقة تعاملهم مع بقية العالم قد تغيرت منذ الحادي عشر من سبتمبر الماضي فإن هذا ينطبق أيضاً على نظرة العالم إلى الأميركيين، فالحماسة الأميركية في الحرب على الإرهاب جعلت الولايات المتحدة تبدو دولة تريد فرض هيمنتها على الحلفاء والأعداء معاً، والإرهاب أو مكافحته لم يعودا شأناً أميركياً رغم الاختلاف على تعريفه مفهوماً وواقعاً، ومن هنا تكمن في هذا التصادم بذور علاقة جديدة يبدو فيها العالم منقسماً بين معسكرين أميركي وغير أميركي.

تقرير/سمير خضر-قراءة/خالد المحمود: حالما يذكر اسم أميركا يتراءى في مخيلة الكثيرين صورة العظمة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والعسكرية، صورة الحرية بكل أشكالها، وصورة العنف والجريمة، ولطالما كانت أميركا بلاد الأحلام لكل من فكر بهجر الفقر والبطالة والجهل والبطش السياسي، لكن بلاد الأحلام هذه كانت تشكل بنظر الكثيرين رمزاً للقهر والجبروت، وعدم فهم الآخرين عن قصد أو دون قصد، ومنذ انهيار المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي بدأت الولايات المتحدة تحتكر القرار الدولي، محاولة فرض نفسها كقوة وحيدة في عالم جديد تريد تشكيله على هواها، وربما بدا ذلك جلياً في حرب الخليج التي كانت أول مسرح قتال عالمي بعد تداعي المنظومة السوفييتية، وأضحى المنطق الأميركي منذ بداية التسعينات منطق إملاء وقوة، ولم يمر ذلك دون احتكاك هنا وهناك مع دول أخرى وشعوب أخرى ترفض منطق القوة والهيمنة.

وشيئاً فشيئاً تحولت بلاد الأحلام هذه إلى كابوس مزعج للعديد من الشعوب، خاصة تلك التي تعاني من الجوع والفقر والحرمان، ففي حين لا يجد المواطن في بنجلاديش أو الصومال أو موزمبيق ما يسد رمقه، يعيش الأميركي في بحبوحة اقتصادية ومالية كبيرة بفضل استغلال الشركات الكبرى للموارد الطبيعية في الدول الفقيرة، وتسخيرها لصالح الاقتصاد الأميركي.

في الوقت نفسه تغدق الولايات المتحدة عطاياها على إسرائيل بصورة تثير غضب كثيرين في العالم الغربي، فإسرائيل بفضل الدعم الأميركي والاستثمارات الأميركية، وسياسة الباب المفتوح على مصراعيه في تبادل المعلومات والتكنولوجيا أضحت من بلدان العالم الأول، وبالطبع لا تطلب الولايات المتحدة من الدولة العبرية نفس الالتزامات بحقوق الإنسان والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تطلبها من دولة مثل العراق، ولو كانت الولايات المتحدة تريد خوض حرب ضد العراق، بل وتغيير نظامه السياسي بالقوة في مفارقة واضحة لكل مبادئ القانون الدولي التي كانت تبشر به على مر السنين، فإن ذلك لا يفلح إلا في زيادة غضب الدول العالم ثالثية التي ترى نفسها بلا حول ولا قوة في مواجهة الآلة العسكرية الأميركية.

يقول علماء السياسة خاصة الذين يدرسون ظاهرة الإرهاب إن استهداف الدول الغنية من جانب الفقراء المهمشين إنما هو وسيلتهم الوحيدة لمواجهة تلك الدول.

رد الفقراء المهمشين كان عنيفاً على ما يعتبرونه الهيمنة الأميركية على مقدراتهم وحرياتهم، وربما لهذا كان استهداف برجي مركز التجارة العالمية والبنتاجون، رد الولايات المتحدة على هجمات الحادي عشر من سبتمبر ربما زاد الطين بلة، فقد كان المزيد من العنف، وهو ما قد يقوده إلى المزيد من العنف المضاد.

أزمة الحرب ضد الإرهاب بين روسيا وجورجيا

فلاديمير بوتين بجانب رئيس جورجيا إدوارد شيفرنادزه في العاصمة موسكو

جميل عازر: والحرب على الإرهاب أصبحت شعاراً تبناه الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) وهو يهدد جورجيا بعمل عسكري إذا لم تبادر إلى منع المقاتلين الشيشان من استعمال أراضيها لشن هجمات على القوات الروسية المرابطة في جمهورية الشيشان، ولكن موقف جورجيا التي استنجدت بالأميركيين لمواجهة هذا الضغط الروسي يبين بوضوح أن الهدف الروسي ليس المقاتلين الشيشان فحسب، بل والوجود العسكري الأميركي في جورجيا، وربما يكون هذا العامل هو المؤرق الاستراتيجي الأكبر الذي يقلق موسكو.

تقرير/أكرم خزام (موفد الجزيرة إلى جورجيا): الرد الجورجي على إنذار بوتين بإمكانية قصف مواقع من وصفهم بالإرهابيين الشيشان والأجانب في وادي (بنكيسي) التابع حدودياً لجورجيا جاء متوافقاً مع إمكانيات هذا البلد العسكرية والسياسية، إذ ركز على عبارة تسرع بوتين وضرورة معالجة الأزمة الناشبة بين جورجيا وروسيا عبر القنوات الدبلوماسية، وليس عبر التهديد العسكري، هذا هو المعلن من رد فعل السلطات الجورجية، أما الباطن وحسب متتبعين للشأن الجورجي فتمثل بطلب (إدوارد شيفرنادزه) من الأميركيين الضغط على الروس دبلوماسياً وإعلامياً مع عدم استبعاد إمكانية طلب قوات دولية أو أميركية لحماية جورجيا من عدوان روسي محتمل، والمقابل سيتمثل بدعم جورجي لوجيستي وسياسي مطلق للأميركيين في حملتهم المرتقبة ضد العراق، وتسهيل تام لمخططاتهم فيما يتعلق باستثمار ونقل ثروات بحر قزوين.

تركيز الروس على ضرورة تصفية مواقع من أسموهم بالإرهابيين في وادي بنكيسي في هذا الوقت بالذات رسالة موجهة إلى الأميركيين لكشف أنهم يكيلون بمكيالين في حربهم ضد الإرهاب التي اقتصرت على أفغانستان، وانتقلت بمقاييس أخرى إلى العراق.

الروس بدءوا بالإدراك أيضاً أن تواجد القوات الأميركية في جورجيا لا يهدف إلى تدريب القوات الجورجية فحسب، وإنما للاقتراب أكثر فأكثر من خاصرة الجسد الروسي، وهذا ما سيؤثر أمنياً واستراتيجياً على روسيا.

واضح أن روسيا وبعد الشجب الأميركي للإنذار الروسي ضد جورجيا لن تحصل على تفويض من مجلس الأمن الدولي بالقيام بعملية عسكرية ضد وادي بنكيسي في جورجيا، ولذا قد تترك لنفسها الحق بتنفيذ هذه العملية في حال تجاهلت واشنطن مجلس الأمن، وأقدمت على ضرب العراق، وواضح أيضاً أن تزايد خسائر القوات الروسية في الشيشان دفع ببوتين لتصعيد لهجته ضد جورجيا التي لا تساعد حسب رأيه في تصفية من يصفهم بالإرهابيين في وادي بنكيسي بغية تهدئة الرأي العام في روسيا الذي بدأ يطالب بإنهاء الحرب والبدء بتسوية سياسية مع الشيشانيين المتمردين على عصا الكرملين.

جورجيا الواقعة بين مطرقة التهديدات الروسية بقصف جزء من أراضيها، وبين سندان تساهلها مع الأميركيين تبدو مضطربة وقلقة خاصة إذا ما ترجم الروس أقوالهم إلى أفعال مما سيفجر الأوضاع بينها وبين أبخاذيا المدعومة من الروس، ناهيك عن إمكانية زعزعة نظام إدوارد شيفرنادزه بالكامل.

أكرم خزام- (الجزيرة)- برنامج (الملف الأسبوعي)- تبليسي، جورجيا.

جميل عازر: وبهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الإنترنت، تحية لكم، وإلى اللقاء.