مقدم الحلقة : - جميل عازر

تاريخ الحلقة: 02/06/2001




- ميلوسوفيتش في قبضة القضاء الدولي

- بشار الأسد بين الانفتاح والحرس القديم

- تقرير لجنة ميتشل بين أميركا وشارون

- كوفي عنان ودورة ثانية في أمانة الأمم المتحدة

- الشيشان ورفض الانصهار في الاتحاد الروسي

جميل عازر: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذا العدد الجديد من (الملف الأسبوعي) وفيه:

(ميلوسوفيتش) رمز اشتراكي يقع في قبضة القضاء الدولي، فهل تصبح البلقان أكثر هدوءاً؟

بشار الأسد في فرنسا بحث عن تفهم أوروبي بين محاولات الانفتاح وممانعة الحرس السوري القديم.

وعنان في الأمم المتحدة أداء جيد يعطيه شهادة حسن سلوك ودورة ثانية في الأمانة العامة للمنظمة الدولية.

ميلوسوفيتش في قبضة القضاء الدولي

سلوبودان ميلوسوفيتش
يمثل أمام محكمة جرائم الحرب
ربما لم يكن (سلوبودان ميلوسوفيتش) مدركاً للمزاج الأوروبي والأميركي وأهداف الجانبين الاستراتيجية في منطقة البلقان بوجه عام عندما انبرى يتحدى إرادة الناتو في كوسوفو، أما وقد انقلب ظهر المجن للرئيس اليوغسلافي السابق وتخلى عنه الجمهور الذين يهتف ويصفق له قبل مجرد شهور معدودة فإنه أصبح الآن تحت رحمة المحكمة الدولية لجرائم الحرب التي تشكلت أصلاً وبوجه خاص للنظر في تلك الجرائم التي ارتكبت في يوغسلافيا السابقة، وما من شك في أن ميلوسوفيتش لعب دوراً في كل التطورات التي شهدتها يوغسلافيا السابقة وما بقي منها.

تقرير/ سمير خضر: وأخيراً وقع سلوبودان في يد ما يسميها الغرب بالعدالة، عدالة المنتصر بالطبع التي تسلط سيفها على المهزوم، كان من الطبيعي أن يبيع الصرب رئيسهم السابق من أجل المال كثيراً كان أم قليلاً، فهم يريدون لنفسهم مكاناً في هذا الغرب الذي وضع شروطه لقبولهم، تسليم ميلوسوفيتش ليجعلوا منه نموذجاً لمصير من يتجرأ على معارضتهم، لكن هذا لا يعني أن ميلوسوفيتش بريء براءة الذئب من دم يوسف، فقد سالت في عهده الدماء في كافة أرجاء يوغسلافيا السابقة، دماء حث عليها بخطابه القومي العنصري ابتداءً من البوسنة عام 92 وحتى كوسوفو عام 98 مروراً بكرواتيا.

وحتى ما يحدث اليوم في مقدونيا وإن كان على أسس مختلفة تماماً يضرب جذوره في سياسة ميلوسوفيتش في البلقان، رجل الصرب سيمثل إذن أمام محكمة جرائم الحرب في (لاهاي) وحده وكأنه المسؤول عن مجازر البوسنة وكرواتيا وكوسوفو وليس العقيدة الصربية برمتها، لكن محكمة لاهاي لا تستطيع محاكمة أمة بكاملها وإنما رموزاً معينة، ولهذا يشدد الغرب من حصاره ليوغسلافيا ويلوح لها بالمساعدات ليحثها على تسليم من يمكن تسليمه، فوصول ميلوسوفيتش إلى لاهاي ليس نهاية المطاف، إذ يمكن أن يتبعه رئيس جمهورية صربيا (ميلان ميلتنوفيتش) الذي يفكر في تسليم نفسه طواعية والشهادة ضد رئيسه ورفيق دربه السابق ليحصل على عطف المحكمة، وهناك القادة السياسيون والعسكريون الذين نفذوا أوامر ميلوسوفيتش وزادوا عليها أحياناً، وهناك جزارا البوسنة (رادوفان كاراديتش) و (رادكوم لاديتش) اللذان ينتظران دفع فاتورة مآسي البوسنة.

تسليم ميلوسوفيتش إلى محكمة لاهاي سيكون له بالتأكيد تأثير كبير على الساحتين الدولية والداخلية، فالعالم أصبح اليوم على يقين من أن إرادة المجتمع الدولي ومعاييره ستنفذ مهما طال الزمن والرسالة هنا واضحة لكل أباطرة العالم الثالث الذين أصبحوا يخشون ملاقاة نفس المصير وإن كان معظمهم قد تعلم الدرس جيداً منذ عقد من الزمان لا تخالف سادة العالم ويمكنك أن تفعل ما تشاء.

أما الساحة الداخلية اليوغسلافية فإنها ستعاني كثيراً، فتسليم ميلوسوفيتش يكسر قاعدة التضامن الصربي ويخلق أجواءً من التوتر الشعبي الذي سيؤدي في يوم ما إلى مواجهة بين أطراف اللعبة اليوغسلافية الذين بدؤوا بتراشق الاتهامات، مما يعني أن حالة عدم الاستقرار ستعزز في هذا البلد الأمر الذي سيفتح الباب على مصراعيه لكل الاحتمالات بما فيها احتمال تدخل الجيش لحسم الوضع لصالحه بالطبع، فما حدث أصبح من الماضي ولا يمكن ليوغسلافيا أن تستمر في تسليم أبنائها إلى هيئة دولية، فالأيدي الملطخة بالدماء كثيرة، لكنها ليست أكثر من الأيادي التي تطالب بتسليم مجرمي حروب البلقان.

بشار الأسد بين الانفتاح والحرس القديم

جميل عازر: لم يكن ما لقيه الرئيس السوري بشار الأسد من استقبالٍ صاخب نظمه اليهود الفرنسيون شعاراً لزيارته إلى فرنسا، فاختيار الأسد لفرنسا كأول دولة أوروبية يزورها زيارة رسمية منذ توليه رئاسة الجمهورية يعتبر قراءة ناجحة للموقف الأوروبي حيث قد يكون الفرنسيون الأكثر تفهماً للمواقف السورية في قضايا متنوعة، ولكن هذا التفهم لا يعني تلاقي الآراء أو تطابقها فمن العلاقة بين سوريا ولبنان وعملية السلام في الشرق الأوسط، وحتى المسألة العراقية إن صح التعبير هناك موقف فرنسي محدد، وقد اغتنم بشار الأسد هذه الزيارة كمناسبة للتدليل من خلالها على أن هناك اتجاهاً نحو انفتاح داخلي على الأقل.

الأسد وشيراك
تقرير/حسن إبراهيم: يتندر بعض المراقبين أن المستفيد الأول من زيارة الرئيس بشار الأسد إلى فرنسا هو المعارض السوري (نزار نيوف)، فقد أعلن الرئيس وهو في باريس أن لنيوف مطلق الحرية في مغادرة سوريا لعلاجه -إن شاء ذلك- لكن الضغوط التي مورست على الرئيس السوري الشاب لم تكن سهلة فهناك أكثر من جماعة من مصلحتها الاحتجاج على زيارة بشار الأسد إلى باريس، جماعة الضغط اليهودية أثبتت قدرتها على تحريك معظم ألوان الطيف الفرنسية من اليمين واليسار حتى تلك المتعاطفة مع الحق العربي ودللوا بمقتطفات من خطابات الأسد على معاداته للسامية كما يسمون أي هجوم على إسرائيل، وهناك اللوبي اللبناني العالي الصوت في فرنسا، وقد تظاهرت جموع اللبنانيين خاصة من مؤيدي العماد ميشيل عون مطالبة بانسحاب سوري يوازي الانسحاب الإسرائيلي غير مكتفين بإعادة انتشار القوات السورية مؤخراً في لبنان، وهناك جماعات المعارضة السورية التي تشتكي إلى العالم بأجمعه الضغوط التي يمارسها نظام الحكم ضدها، ورغم وفاة الرئيس حافظ الأسد لا يزال الحرس القديم يحكم سوريا، وقد وئدت تجربة المنتديات الحرة في مهدها بعد ما رأى الحرس القديم أنها أصبحت تتجاوز ما يعتبرونها خطوطاً حمراء، وفرضت السلطات على من يقيمون المنتديات الحصول على إذن لذلك.

والتفاؤل الذي عم القطاع الخاص السوري فور تسلم الرئيس الأسد سدة السلطة سرعان ما تبدد رغم أن الحكومة بصدد تحرير الاقتصاد أملاً في تفعيله وتحديثه، وما من شك في أن الجهات المحتكرة لقطاعات كبيرة من الاقتصاد تحاول عرقلة تلك الجهود وبذلك تثير تذمراً في أوساط رجال الأعمال، ولكن ما الذي أتى ببشار الأسد إلى قصر الإليزيه؟ لبنان أولاً، ثم عملية السلام ثانياً، ثم العراق ثالثاً، كما يعتقد المراقبون، ففرنسا لا تفهم سوريا كما تفهمها روسيا على سبيل المثال أو حتى الولايات المتحدة الأميركية، بينما الوشائج متينة للغاية بين فرنسا ولبنان، ويريد الأسد أن تتبنى فرنسا موقفاً متفهماً للمصالح السورية في لبنان.

أما بالنسبة للعملية السلمية فتشعر الأوساط العربية بقلق مما يبدو تحولاً في الموقف الفرنسي تجاه إسرائيل، حيث بدأت تميل إلى الموقف الإسرائيلي، أو تمارس على الأقل ضغوطاً في هذا الاتجاه على صعيد أوروبي، وربما وجد الرئيس السوري في زيارته مناسبة أيضاً لشرح مصلحة سوريا في تحسين علاقاتها مع العراق، ففرنسا بوصفها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي لها موقف يختلف نوعاً ما عن موقفي الولايات المتحدة وبريطانيا بشأن العقوبات المفروضة على العراق، ومهما كانت الضغوط الفرنسية على بشار الأسد بشأن التعجيل في الإصلاحات الاقتصادية والسياسية وتحسين حقوق الإنسان في سوريا فإن الضغوط التي يواجهها الرئيس الأسد داخلياً أكبر بكثير.

تقرير لجنة ميتشل بين أميركا وشاورن

جميل عازر: توجه (أرييل شارون) رئيس وزراء إسرائيل إلى واشنطن مسلحاً بإدعاء ضبط النفس إزاء الانتفاضة الفلسطينية فقد حقق من وراء هذا الادعاء مكسباً دعائياً لأنه أظهر شاورن في صورة تختلف عن حقيقة هذا الجنرال السابق، ولكن شارون وجد في واشنطن أجندة ورؤية للوضع تختلفان عن أجندته وتصوراته بشأن خطة (تنت) وكذلك توصيات لجنة (ميتشل)، فطالما بقى استمرار الاستيطان ركيزة من ركائز سياسة شارون، وطالما قبل الأميركيون بتوصيات ميتشل بما فيها تجميد الاستيطان فلا محالة من وجود خلاف بين تل أبيب وواشنطن.

تقرير لجنة ميتشل

تقرير/ سمير خضر: لم يخطئ من فسر لقاء بوش وشارون الثاني في البيت الأبيض بأنه نهاية شهر العسل بين الرجلين، فالمواقف كانت متباينة والتصريحات العلنية تنم عن عدم اتفاق على ماهية الهدوء المطلوب قبل الانتقال إلى الشق السياسي من تقرير ميتشل، وعبثاً حاول شارون تسويق نظرته الخاصة للقيادة الفلسطينية والحصول على الضوء الأخضر من واشنطن لسحقها عسكرياً، لكن واشنطن رفضت ذلك، ربما لعدم وجود بديل يتحلى بالمصداقية، وأضطر شارون للعودة إلى إسرائيل واستقبال وزير الخارجية الأميركي الذي يبدو أنه مكلف بمهمة هو ليس مقتنعاً بها أصلاً، فما الذي حققه (كولن باول) في زيارته هذه، صحيح أنه قلص ما يسمى بفترة الهدوء من عشرة إلى سبعة أيام وصحيح أنه حصل على موافقة الطرفين على جدول زمني لتنفيذ الشق السياسي من تقرير ميتشل.

ولكن السؤال الذي بقي بدون إجابة هو: مَنْ يقرر متى تبدأ فترة الهدوء؟ وما نوع الهدوء الذي يتحدث عنه الطرفان؟ كولن باول كان واضحاً وجلياً، أرييل شارون هو الوحيد المخول بتحديد ذلك، فماذا يعني ذلك؟ أولاً أن شارون يستطيع اعتبار أي شيء، أي شيء تقريباً على أنه خرق لفترة الهدوء الأمر الذي يمكنه من إعادة العد من جديد متى شاء، وربما رأى البعض أن واشنطن تضع بذلك كامل ثقتها في رئيس الحكومة الإسرائيلية وفي قدرته على تقييم الأمور، لكن باول ألمح أيضاً إلى أن شارون سيتحمل أيضاً مسؤولية كبيرة مما يعني أن بإمكان واشنطن وحسب ما ستؤول إليه الأمور تحميل شارون المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع في المنطقة.

الفلسطينيون والإسرائيليون متفقون اليوم على الاستمرار في وقف إطلاق النار المعلن رغم أن كلا الطرفين يعترفان بأنه غير موجود على أرض الواقع بسبب سياسات وتصرفات الطرف الآخر، فواقع الحال يقول أن الحصار الإسرائيلي للمدن الفلسطينية لا يزال على حاله، واعتداءات المستوطنين وتحرشاتهم في تصاعد مستمر، وتدمير المنازل الفلسطينية أصبح أمراً اعتادت عليه قوات الاحتلال، وفي مقابل ذلك لا يزال الفلسطينيون غير آبهين بوقف إطلاق النار الذي أعلنته قياداتهم وهم يعتبرون استهداف المستوطنين بالرصاص أو بقذائف الهاون جزءاً من مقاومة الاحتلال التي شرعتها القوانين الدولية.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً:

الشيشان جمهورية ترفض الانصهار في الاتحاد الروسي ومقاتلون يكثفون الهجمات.

كوفي عنان ودورة ثانية في أمانة الأمم المتحدة

كانت اتفاق مجلس الأمن الدولي على إعادة تكليف كوفي عنان بولاية ثانية في الأمانة العامة للأمم المتحدة بمثابة شهادة امتياز لأدائه في الولاية الأولى، فالمنظمة الدولية ترتبط في صورتها وهيبتها بشخصية الرجل الذي يحتل القمة في إدارة شؤونها وربما ينطبق هذا على عنان، الرجل الغاني المولد أكثر ممن سبقوه في المنصب، ورغم الإصلاحات الإدارية والمالية التي تمكن من تحقيقها فإن الأمم المتحدة تواجه من التحديات المعاصرة ما يتطلب أدواراً تتسم بجرأة أكثر وتخرج عن نطاق الأدوار التقليدية.


كوفي عنان

تقرير/ خالد القضاة: عندما أدى عنان اليمين الدستورية قبل 5 سنوات أميناً عاماً للأمم المتحدة كان يُنظر إلى المنظمة الدولية على أنها ظلت الهدف الذي أُنشأت لأجله وأنها منظمة غير فاعلة وتثقل كاهلها البيروقراطية، وجاءت مصادقة الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن إقراراً بأن عنان أنجز شيئاً للمنظمة الدولية ولو على المستوى الدبلوماسي، كان من المقرر نظرياً أن يكون منصب الأمين العام للأمم المتحدة هذه المرة لآسيا، لكن الإعلان عن إعادة ترشيح عنان أبعد المنافسين عن الساحة، وبهذا التجديد تكون أفريقيا قد سبقت القارات الأخرى بأن تبوأت المنصب 15 سنة من خلال الأمين العام السابق بطرس غالي الذي تولى المنصب خمس سنوات، ومن خلال عنان الذي يُعتبر الأمين العام السابع للمنظمة منذ تأسيسها عام 45، كوفي عنان مواطن أفريقي من غانا متزوج من سويدية وحاصل على درجة الماجستير في الإدارة من الولايات المتحدة، ويبلغ من العمر 63 عاماً قضى نصفها تقريباً في خدمة الأمم المتحدة، فقبل أن يكون أميناً عاماً لها كان مسؤولاً عن عمليات حفظ السلام التابعة للمنظمة.

يمكن تلخيص دور الأمم المتحدة سياسياً في فترة عنان الأولى بأربع محطات، الأولى تخص الصحراء الغربية وهي التي حظي فيها باستقبالات حارة، وهذه القضية تلعب فيها الأمم المتحدة دوراً كبيراً ومباشراً قد يسفر عن حل يتضمن بعض التنازلات من طرفي النزاع، والمحطة الثانية فشلت فيها الأمم المتحدة تماماً وهي المسألة العراقية، فقد كان من شأن الاختلاف مع بغداد حول وجود مفتشي الأسلحة الدوليين أن تعرض العراق لقصف عنيف، وأن تم الإبقاء على برنامج العقوبات المفروض عليه منذ حوالي 11 سنة، وهناك الساحة اليوغسلافية التي وقفت فيها الأمم المتحدة موقف المتفرج، فقد كان القصف الأطلسي أقوى من أن تتجرأ المنظمة الدولية على قول كلمة، ثم هناك عملية السلام في الشرق الأوسط والتي يكاد دور الأمم المتحدة فيها لا يتخطى مباركة القرارات التي تتخذها أطراف النزاع بإشراف أو إملاء أميركي، ويوصف دور المنظمة الدولية في هذا الملف بأنه عاجز تماماً حتى عن تنفيذ قرارات اتخذها مجلس الأمن.

من المعتاد أن يتم انتخاب الأمين العام للأمم المتحدة كل خمس سنوات، وأن يتم ذلك في نهاية السنة الأخيرة من ولايته، لكن التجديد لعنان قد يحدث باكراً هذه المرة بسبب خلو الساحة من منافسين، وهذا إقرار أيضاً بأن الرجل أنجز شيئاً في ظروف صعبة حتى لو قيل بأن معظم إنجازات فترته الأولى كانت له على المستوى الشخصي.

جميل عازر: وكنت قد تحدثت عبر الهاتف مع أحمد حمروش (المحلل السياسي وعضو مجلس قيادة الثورة الـ 23 من يوليو سابقاً) وسألته أولاً: ما الذي يبرر ثقة الأمم المتحدة في كوفي عنان؟
أحمد حمروش: الذي يبرره أساساً ثقة الولايات المتحدة بأنها هي المسيطرة فعلاً وعملياً على الأمم المتحدة، لأنه بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي أصبحت الولايات المتحدة هي الدولة صاحبة النفوذ، وهذا يدعو إلى ضرورة مراجعة ميثاق الأمم المتحدة حتى تتناسب مع النظام العالمي الجديد.

جميل عازر: كيف -في اعتقادك- تبدو الأمم المتحدة الآن من منظور عالم ثالثي؟

أحمد حمروش: الأمم المتحدة الآن من منظور عالم ثالثي تبدو كأنها في خدمة الولايات المتحدة وأهدافها، لم تعد هناك أمم متحدة نستطيع أن نلجأ إليها وتتخذ قرار، ويُلاحظ أن حق النقض أو الفيتو لم يستخدم في الأمم المتحدة من فترة طويلة، لأنه حتى الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن أصبحت تعمل ألف حساب قبل استخدام حق النقض من الولايات المتحدة ومن خشية إغضابها، فالأمم المتحدة الآن محتاجة فعلاً، يمكن إحنا في مرحلة انتقالية لكن النظام العالمي الجديد محتاج لميثاق جديد للأمم المتحدة تدخل به دول جديدة لمجلس الأمن ويبقى لها صلاحيات أكثر، ما تبقاش الهيمنة لدولة واحدة وهكذا.

جميل عازر: طيب عنان قال: إنه قام بإصلاحات أو بتغييرات كاسحة خلال ولايته الأولى ربما على الصعيد الإداري، وكذلك على الصعيد المالي بالنسبة للأمم المتحدة، في اعتقادك ما هي أهم التحديات التي ينبغي أن.. أن تواجهها الأمم المتحدة خلال فترة أمانته أو ولايته التالية؟

أحمد حمروش: هو صحيح فعلاً أن عنان استطاع أن يُصلح بعض الشؤون المالية في الأمم المتحدة لأنه ابن الأمم المتحدة، موظف فيها، أنا في تصوري إن التحدي الأكبر أمام عنان الآن هو أن يواصل مسيرته في الإصلاح الإداري والمالي، ده نمرة 1.

نمرة 2: أن يحاول أن يجعل معاناة شعوب العالم الثالث هي النقطة الأولى في جدول اهتماماته.

نمرة 3: أن يحاول وقف الحروب الأهلية المنتشرة.

نمرة 4: ألا يجعل الأمم المتحدة تتخذ قراراً ضد دولة معينة برفض فرض الحصار عليها دون أن يكون ذلك محل اقتناع وتأييد الدول الدائمة في عضوية مجلس الأمن، فهو ده التحدي الأكبر النهاردة أمام عنان إنه يعمل على.. يوظف الأمم المتحدة في خدمة قضية السلام بعدالة وفي خدمة شعوب العالم الثالث بعدالة اجتماعية، وأخيراً أن يجعل من منظمة الأمم المتحدة منبراً يحمل ثقة الناس والحكومات.
جميل عازر: طيب بالنسبة للعالم الثالث أين تكمن الأولويات في مواقفهم من الأمم المتحدة في اعتقادك؟
أحمد حمروش: في اعتقادي أن بالنسبة للعالم الثالث هو طبعاً كله النهاردة مش متشابك لأن فيه بعض دول كانت في العالم التالت من سنوات النهاردة انطلقت اقتصادياً، وفيه دول مازالت تعيش تحت خط الفقر، ولذلك أنا بأشوف إن وقف الحروب هو الأساس لوقف النزيف الذي يستنزف مالية وجهود الشعوب، ده نمرة واحد.

نمرة 2: محاربة الإيدز التي أصبحت المشكلة الرئيسية في أفريقيا الآن، وهي تنتشر بشكل كبير جداً وأعتقد إن عنان مهتم أيضاً بهذه القضية.

نمرة 3: بالنسبة لشعوب العالم الثالث إلى جانب المساواة والشعور بالعدالة في التعامل معاه، يعني مش الولايات المتحدة تحدد قائمة دول إرهابية، ودول تحاصر و.. يعني مفيش منطق أو مفيش.. مفيش، يعني وزن بميزان واحد ولا كيل بمكيال واحد.

الشيشان ورفض الانصهار في الاتحاد الروسي

جميل عازر: لم يكن أحد يعتقد أن الوضع في الشيشان قد استقر بالشكل الذي تريده روسيا، ورغم أن عمليات المقاتلين الشيشانيين لم تتوقف بشكل أو آخر فإن عودتهم للعمل عبر منطقة الحدود بين الشيشان وجورجيا تثير القلق في موسكو، كما تثير عدداً من التساؤلات حول السياسة الروسية إزاء هذه الجمهورية، وكذلك حول مصادر الدعم الذي يحصل عليه المقاتلون، فالشيشان لروسيا مؤرق لو أُفلت زمامه لأصبح نموذجاً تحتذيه قوميات أخرى في الاتحاد الروسي.


أزمة الشيشان

تقرير/ حسن إبراهيم: رغم الدمار شبه الكامل، ورغم تشريد معظم السكان، ورغم المعاناة يبدو الشعب الشيشاني مصراً على مقاومة الوجود الروسي، ولو نحينا جانباً الفرحة الروسية بمقتل المقاتل (آربي براييف) فقد أثبت المقاتلون الشيشان أنهم قادرون على الثبات والمقاومة، الشيشان وروسيا تدفعان فاتورة تاريخ دموي بدأت بتهجير (جوزيف ستالين) الجماعي لسكان القوقاز، فقد كان يريد تحويلها إلى منطقة روسية خالصة، ولكن ما أن مات ستالين حتى أخذ الشيشانيون والأنجوش والداغستانيون والأبخاز وغيرهم من قوميات القوقاز المختلفة في استيطان بلادهم مرة أخرى، ولكن بعد أن تغيرت الديموغرافية بسبب الوجود الروسي الكبير ينزع العديد من جمهوريات الاتحاد الروسي التي كانت في كنف الاتحاد السوفيتي السابق إلى الانفصال، ربما باستثناء روسيا البيضاء ورئيسها (لوكا شنكو)، لكن الشيشان بعاصمتها (جروزني) وقيادتها التي يهيمن عليها التوجه الإسلامي أعلنت الانفصال فعلاً وهو ما هدد النظام الروسي الجديد وقائده فجرب أول رئيس له وهو (بوريس يلتسين) حملة عام 95 كان مصيرها الفشل رغم أنها دمرت جروزني والبنية التحتية في الشيشان، ثم جرب (يلتسين) حملته الثانية على الشيشان عام 99 وفشلت في إخضاع الشيشانيين رغم تدمير العاصمة تماماً وارتكاب القوات الروسية انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وقيامها بتعذيب من تشتبه في تعاونهم مع المقاتلين الاستقلاليين الإسلاميين.

وما لم تحسب القيادة الروسية حسابه هو ظهور المقاتل العربي الأصل (خطاب) رفيق (شامل باسييف) في المقعد بعد إصابته، وكان هناك عامل آخر من خارج الشيشان، جورجيا، كانت آخر مكان تتصور القيادة الروسية أن يجد المقاتلون الشيشانيون فيه الملجأ والسلاح، لكن حياد القيادة الروسية تجاه تمرد إسلامي أبخازيا أغضب القيادة الجورجية وجعلها تغض الطرف عن عمليات تهريب السلاح التي تنشط في الحدود ما بين جورجيا والشيشان، ويبدو أن حكومة الرئيس (فلاديمير بوتين) ترفض قبول أن الشيشانيين يستحقون مفاوضات سلمية، فقد قال في أحدث تصريحاته: "إن المقابلة الوحيدة التي يمكن أن تتم بين الرئيس الشيشاني السابق أصلان مسخادوف ومسؤول روسي ستكون مع المدعي العام الروسي، وما زال القادة العسكريون الروس يغنون (الشوفينينة) الروسية تجاه الشيشانيين ويعتبرونهم مجموعة من قُطاع الطرق واللصوص والمتخلفين، ونسى بوتين وجيشه أن تغذية هذه النزعة العنصرية تشكل عقبة أمام حوار موضوعي بين روسيا والانفصاليين الإسلاميين الذين تتعامل معهم موسكو كمجموعة من اللصوص والإرهابيين، وباتت عمليات القتل المتبادلة روتينية طائرات روسية تقصف أهداف تقول إنها لمقاتلين شيشان بينما تُنصب الكمائن الشيشانية للجنود الروس، وفي مثل هذه الظروف يتحمل الفرد العادي امرأة أو طفلاً أو عجوزاً في الشيشان القدر الأكبر من المعاناة، فبين إنجوشيا وجورجيا وداغستان توزعت مخيماتهم حيث ينتظرون الفرج يوماً ما.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونشير إلى أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصوت والصورة والنص عبر موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت.

وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر. فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.