مقدم الحلقة: توفيق طه
ضيوف الحلقة:
تاريخ الحلقة: 05/01/2002




- شارون وتحدي الانتفاضة والفلسطينيين
- سقوط طالبان والتحديات التي تواجه الحكومة الانتقالية
- أزمة الانتخابات في زامبيا
- اليورو ومشكلة الوحدة الاقتصادية والسياسية في أوروبا
- قوانين مكافحة الإرهاب وانهيار قيم الديمقراطية الغربية

توفيق طه
توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، ومعنا هذا الأسبوع: إنهاء الانتفاضة مطلب إسرائيل أميركي، ووصول (زيني) إلى الأراضي المحتلة لم يفلح في إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، بينما لا يزال عرفات محاصراً في رام الله.

سقوط حركة طالبان كحركة حاكمة وكمشروع اجتماعي، وتحديات كبيرة أمام الحكومة الانتقالية الأفغانية بقيادة حامد كرزاي.

وبعد أن رفض الشعب ترشيح (فريدريك تشيلوبا) مرة ثالثة، رئيس جديد في زامبيا باقتصادها الضعيف وشعبها الذي يتوق إلى التخلص من الفساد.

شارون وتحدي الانتفاضة والفلسطينيين

شارون (يسار) يصافح زيني في القدس
أطل عام جديد ومازالت إسرائيل تسفك الدم الفلسطيني ويطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بهدوء تام لمدة أسبوع، بينما الجيش الإسرائيلي يمارس الاغتيال والاقتحام والترويع، ويرفض (شارون) الاعتراف بالجهود الهائلة التي تبذلها السلطة الوطنية الفلسطينية لحمل التنظيمات الفلسطينية الرافضة للسلام مع إسرائيل على التوقف عن عملياتها الاستشهادية، وها هو الجنرال (أنتوني زيني) يطلق التصريحات المتفائلة، لكن الواقع ينذر بانفجار محتمل، فقد أعلنت إسرائيل عن ضبطها سفينة محملة بالأسلحة في عرض البحر الأحمر قالت إنها مسجلة باسم السلطة الفلسطينية، وإن مصدر الأسلحة هو إيران، لكن إيران والسلطة الوطنية نفتا علاقتهما بالسفينة، واتهم الفلسطينيون إسرائيل بمحاولة اختلاق أزمة لنسف مهمة زيني.

تقرير/ سمير خضر: رغم كونه واحداً من أشهر ضباط الجيش الإسرائيلي فإنه لم ينجح في ميدان السياسة، العام الأول من الألفية الثالثة شهد نهاية (إيهود باراك) السياسة، نهاية كتبت فصولها عدة أشهر من انتفاضة فلسطينية رفعت شعار: "نهاية الاحتلال أو الموت"، ولكن من كان البديل؟ هذا البديل كان رجل يعرفه الفلسطينيون حق المعرفة، فقد واجهوه مراراً وتكراراً على أرض المعركة، لكن (أرئيل شارون) لم تبدله الأيام، ولم تتغير عقليته ومبادئه سواء كان بالزي العسكري أو المدني، ففي فبراير/ رشباط سحق (شارون) باراك في المعركة الانتخابية، وأصبح مسؤولاً أمام الشعب الإسرائيلي في مواجهة الانتفاضة، مسؤولاً عن تنفيذ وعوده الانتخابية بوضع حد للعنف بكل الوسائل.

وعلى الفور أعلن أن حكومته لن تدخل في مفاوضات جديدة مع الفلسطينيين تحت تهديد العنف، وبالفعل نجح شارون بسرعة في وضع حد للانتفاضة ليس بإخمادها بل بتحويلها إلى حرب حقيقية، ففي مواجهة دبابات وطائرات الاحتلال استبدل الفلسطينيون سلاحهم الذي كان الحجارة بالبندقية والهاون والعبوات المتفجرة، وبدأ مسلسل جديد من العمليات والعمليات المضادة من الاغتيالات والاغتيالات المضادة، وفي كل مرة كانت المدافع الإسرائيلية تقصف المدن الفلسطينية كانت المستوطنات اليهودية هدفاً لقذائف الهاون الفلسطينية ، ونجح شارون أيضاً حيث فشل من قبل العديد من القيادات الفلسطينية، فقد توحدت فصائل المقاومة في جبهة واحدة لم يعد فيها فرق بين عضو في فتح، أو الجبهة الشعبية، أو حماس، أو الجهاد الإسلامي. وبدلاً من أن يحل شارون معضلة تواجه إسرائيل ساهم في تفاقمها، إذ ما العمل مع شعب يشعر بالظلم والإحباط، ولم يعد أمامه ما يخسره؟ حتى تقرير (ميتشل) الذي وزع مسؤولية العنف بشكل متساوٍ بين الطرفين لم يجد طريقه إلى التنفيذ، واستمر الوضع كذلك حتى الحادي عشر من سبتمبر، فقد حاول شارون استغلال الفرصة إلى أبعد ما يمكن من خلال ربط حربه ضد الفلسطينيين بحرب الولايات المتحدة ضد الإرهاب، لكن واشنطن لم تقتنع تماماً بهذا الربط، غير أنها أعطته الضوء الأخضر لشن حرب جديدة ضد السلطة الفلسطينية ورموزها، لابد أن الإدارة الأميركية مارست ضغوطاً لم يسبق لها مثيل على السلطة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات من أجل شن حملة اعتقالات غير مسبوقة ضد رموز الحركات الإسلامية من أمثال حماس والجهاد الإسلامي، وهنا أيضاً فشل مخطط شارون، فقد كان يأمل باندلاع حرب فلسطينية فلسطينية تنهي وإلى الأبد ما يعرف باتفاقات أوسلو، وكاد الأمر أن يصل إلى هذه الدرجة لولا أن تداركت الفصائل الفلسطينية نفسها ونجحت في تفادي هذا الخطر.

بداية عام 2002م لا تبدو بأنها تختلف كثيراً عن العام المنصرم، فالمواجهة مرشحة للاستمرار لسبب بسيط جداً وهو أن شيئاً لم يتغير على الأرض، ولن يتغير طالما استمر شارون في انتهاج لعبة القبضة الحديدية بديلاً للعبة التفاوض.

سقوط طالبان والتحديات التي تواجه الحكومة الانتقالية

جندي يقتاد سجينا من طالبان في كابل
توفيق طه: شهد العام المنصرم سقوط حكم طالبان لا كحركة سياسية حاكمة فقط بل كمشروع تغيير اجتماعي، فتشرد حركة طالبان نفَّر منها الشعب الأفغاني الذي تسابق إلى ممارسة معظم ما كانت طالبان تمنعه وتعاقب عليه، فالرجال حلقوا اللحى، والنساء عدن إلى العمل، وعادت الموسيقى والصور إلى المشهد الأفغاني، لكن طالبان نجحت إبَّان حكمها في إحلال الأمن في المناطق التي كانت تحت سيطرتها وهو ما يفتقدها الأفغانيون الآن مع الحكومة التي صعدت إلى السلطة على خلفية أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

تقرير/ حسن إبراهيم: اتجهت أنظار العالم الغربي إلى طالبان بشكل جدي بعد تحطيمها للتماثيل البوذية في منطقة باميان أواسط عام 2001م، حينذاك انطلقت حملات عالمية لتثني طالبان عن قرارها، لكن الحركة أصرت على موقفها رغم مناشدة بعض علماء المسلمين، واستنكرت بعض الأصوات الخافتة هبة المجتمع الدولي لإنقاذ التماثيل، بينما كان أطفال الأفغان يموتون جوعاً في معسكرات اللاجئين بسبب البرد والمرض وكانت الولايات المتحدة قد قصفت أفغانستان عام 98 بعد تفجير سفارتيها في نيروبي ودار السلام، واتهم أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة –الذي كانت تؤويه الحركة- بتنفيذ التفجيرات، ورفض زعيم الحركة الملا محمد عمر كل محاولات الترغيب أو الترهيب لتسليمه.

وكانت المعارضة الأفغانية المسلحة يومها متشرذمة تسيطر على أقل من 6% من الأراضي الأفغانية، وكان القتال يدور سجالاً بين الفريقين رغم الدعم الإيراني للمعارضة، ثم سوغت أحداث الحادي عشر من سبتمبر للولايات المتحدة إعلان الحرب على ما تسميه بـ"الإرهاب"، وتجسد الإرهاب في المنظور الأميركي في أفغانستان حيث حركة طالبان وحيث تنظيم القاعدة وزعيمه السعودي الأصل أسامة بن لادن.

وأدت هزيمة حركة طالبان إلى تفرق مقاتليها وأنصارهم من أعضاء تنظيم القاعدة ومعظمهم من العرب، وارتكبت قوات التحالف الشمالي المجازر بحق الأفغان العرب خاصة في قلعة (جانجى) قرب مزار الشريف. ثم أثمرت محادثات بون بين الفصائل الأفغانية والتي جرت تحت إشراف الأمم المتحدة وبضغط أميركي هائل، حكومة أفغانية بقيادة حامد كرزاي الذي ينتمي إلى قومية البشتون، لكن معظم المناصب الاستراتيجية كانت من نصيب الطاجيك من أتباع القائد العسكرى الراحل أحمد شاه مسعود، الذي اغتاله عربيان قبيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

المحير في المشهد الأفغاني هو الكيفية التي سقطت فيها حركة طالبان كمشروع تغيير اجتماعي، قد تسابق الأفغان على صالونات الحلاقة لتخلص من اللحي التي فرضتها عليها طالبان، وارتفع صوت الموسيقى يصدح من المحلات والمنازل بعد أن كان الاستماع إلى الموسيقى جريمة يعاقب عليها القانون في أفغانستان، وأعيد فتح التليفزيون محطة الإذاعة، وخرجت نساء الأفغان إلى الشوارع بدون خوف من شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورغم سقوط طالبان إلا أن كثير من الأفغان يفتقدون حالة الأمن الذي كان مستتباً أيام حكمهم،فقد عادت العصابات المسلحة تحكم الشوارع الأفغانية، ولم يتم اتفاق بعد على صلاحيات القوات الدولية التي تقاطرت كتائبها على كابول، وهو أمر يستفز الأفغاني الذي يرفض الوجود الأجنبي بشراسة.

طالبان في ذمة التاريخ، وحتى لو شنت فلول قواتها حرب عصابات طويلة الأمد، فهي تنتمي الآن إلى تراث أفغانستان السياسي المضطرب، ولا يبدو أن الأفغان سيقبلون بحركة مشابهة في المستقبل القريب على الأقل.

أزمة الانتخابات في زامبيا

رئيس زامبيا فريدرك تشيلوبا (يمين) يتسلم اتفاقيات إنهاء الحرب في الكونغو
توفيق طه: في القارة القيادة السوداء يستمر موكب الألم، فبعد أن كاد الشعب أن بقطف ثمار صناديق الاقتراع بانتخابات مرشح المعارضة (أنديلسون مازوكا) أصرت حكومة الرئيس المزمن (فريدريك تشيلوبا) على انتخاب (ليفي موانا واسا) مرشح الحزب الحاكم، وكالعادة في مآسي انتخابات العالم الثالث تبادل الطرفان الاتهامات بالتزوير وممارسة الضغوط على الناخبين، وكالعادة أيضاً فإن الخاسر الأول هو المواطن الزامبي الذي يتخطفه الجوع والإيدز والبطالة.

تقرير/جيان اليعقوبي: بهذه الكلمات أنهى الرئيس الزامبي الجديد مظاهرات الاحتجاج، وتم انتخاب(ليفي موانا واسا) كثالث رئيس لزامبيا منذ استقلالها عام 1964، أحداث زامبيا تكاد تكون مثالاً كلاسيكياً لما يحدث في عشرات الدول التي مازالت تراوح في تصنيفها ضمن العالم الثالث، فقد حكمها (كليف كاوندا) لما يقرب من ثلاثة عقود باعتباره زعيماً تاريخياً لا يمكن أن يحيا الشعب بدونه، ولكن الشعب الزامبي اندفع عام تسعين في مظاهرات صاخبة تطالب بالخبز وبالديمقراطية معاً، مما أجبر (كاوندا) على التنحي وإفساح المجال لأول انتخابات تعددية في تاريخ هذا البلد، وفاز في انتخابات 91 (فريدريك شيلوبا) الذي علقت عليه الجماهير أمالها في الإصلاح الاقتصادي والسياسي باعتباره زعيماً لأكبر نقابات العمال، والذي خاض الانتخابات تحت شعار: "حان وقت التغيير"، فما أهله ليفوز فوزاً كاسحاً على الرئيس (كاوندا)، دشن (تشليوبا) النقابي عهده ببيع كل ما يمكن بيعه من مؤسسات القطاع العام بما في ذلك أكبر شركات تعدين النحاس، وهكذا ذهبت وعوده الانتخابية أدراج الرياح عندما جلست على كرسي الحكم، استطاب تشيلوبا الجلوس إلى الحد الذي جعله يفوز بولاية ثانية عام 96 في انتخابات وصفها المراقبون وقتها بأنها غير نزيهة وشابتها خروق عديدة.

وفي عام 2001م أراد تشيلوبا تغيير الدستور ليضمن لنفسه ولاية ثالثة، ولكن الشعب كان له بالمرصاد هذه المرة، وهكذا تم تفويت الفرصة عليه، وتم انتخاب (مونا واسا) المحامي البارز وأحد مؤسسي الحزب الحاكم باعتباره البديل الوحيد بعد أن طرد تشيلوبا معظم قيادي الحزب لتأمين عدم معارضتهم لإعادة انتخابه لولاية ثالثة.

دشن (مونا واسا) عهده بالوعود نفسها التي يتم ترديدها منذ ما يقرب من نصف قرن، أي: محاربة الفقر وإقرار العدالة زائداً عليها هذه المرة محاربة الإيدز الذي يعتبر كارثة قومية في هذا البلد حيث يوجد واحد من كل خمسة زامبيين مصاب بالإيدز أو حاملاً لفيروسه القاتل، فهل سيكون الرئيس الجديد منقذاً لزامبيا أم مثل غيره من الرؤساء الذين يريدون ملء جيوبهم بأسرع وقت ممكن قبل أن تطيح بهم مظاهرات الجياع.

توفيق طه: وما زلنا نتابع معكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها أيضاً بعد الفاصل: هل انهارت القيم الغربية التي تقوم على الرحابة والتعايش مع الآخر؟ قوانين مكافحة الإرهاب توحي بذلك.

[فاصل إعلاني]

اليورو ومشكلة الوحدة الاقتصادية والسياسية في أوروبا

رئيس البنك المركزي الأوروبي ويم دويزنبيرغ يعرض أوراق لعملة اليورو
توفيق طه: أهلاً بكم من جديد، دخلت أوروبا العام الجديد بحلة جديدة اسمها اليورو هذه العملة التي حلت محله اثنتي عشر عملة وطنية في واحد من أكبر الأسواق في العالم، وقد يرى البعض أن البدء في تداول اليورو ليس سوى إجراء اقتصادي يرمز إلى وحدة اقتصادات أوروبا، لكن الواقع يختلف عن ذلك بكثير، إذ أن عملة أي بلد تشكل أحد رموز السيادة الوطنية والهواية الثقافية والحضارية لذلك البلد، وبذلك يكون التخلي عن هذا الرمز تضحية كبيرة من أجل هدف أكبر وأسمى.

تقرير/ سمير خضر: قصة اليورو أو الأورو -كما يسميه البعض- هي قصة أوروبا الجديدة أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، فمنذ إنشاء ما كان يعرف بالسوق الأوروبية المشتركة جرت محاولات عديدة لتنظيم سوق العملات الأوروبي، بعضها باء بالفشل الذريع والبعض الأخر تجاوزته الأحداث والتطورات، خلافات عديدة دبت بين القادة الأوروبيين حول مستقبل وحداتهم، هل تكون مجرد وحدة اقتصادية تتمتع بسوق موحدة مشتركة كما كانت تريد بريطانيا، أم نتعداها لتسير على خطى وحدة سياسية تلغي مقاومات دولهم القومية وهو الرأي الذي كانت تنادي به ألمانيا ودول (البيني لوكس) وإلى درجة أقل فرنسا؟ واستمر الجدل قائماً حتى مطلع التسعينات مع توقيع معاهدة " مايسترتش" التي أرست دعائم ما يعرف بالاتحاد الأوروبي وتم تبني فكرة العملة الموحدة، هذه الفكرة لم تكن سوى حركة الثقافية من (جاك ديلور) رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك، فقد أراد لفكرة العملة الموحدة أن تكون الرابط السياسي بين دول الاتحاد بدل من أن تبقى مجرد إجراء اقتصادي بحت، وكانت الفكرة جذابة للجميع، لكنها لقيت ولا تزال مقاومة كبيرة، إذ إن إلغاء أي دولة لعملتها يعني تخليها عن جزء من مظاهر السيادة الوطنية علاوة على ذلك، فإن بعض العملات الأوروبية كان يرتبط بمفاهيم ثقافية وتاريخية وحضارية.

الاحتفالات التي عمت الدول التي تبنت اليورو مع مطلع العام الجديد كانت مدعاة لتسائل حول أسباب البهجة التي انتشرت، ولكلٍ وجهة نظره في الموضوع، فرجال السياسة فسروا الأمر على أنه استفتاء جماهيري يثبت رغبة شعوب أوروبا في الوحدة السياسية، والاقتصاديون رأوا فيه الدليل على أن العملة الموحدة ستساهم في مزيد من الرخاء في مجتمعات هي بالأصل مجتمعات رفاه، أما علماء الاجتماع والتاريخ وحتى الفلاسفة فقد وجدوا وافي اليورو المبرر الذي يقلب كافة المفاهيم التي عرفها الإنسان من قبل، إذ إن الترحيب الذي لقيه اليورو وعدم الأسف على العملات الوطنية لا يمكن إلا أن يشكل طفرة ثقافية وثورة على مبادئ الوطنية والقومية التي أدمت القارة الأوروبية قروناً عديدة.

إنها صفحة جديدة تطويها دول الاتحاد الأوروبي ولكن على خجل، فالنجاح لا يمكن أن يكتمل بدون بريطانيا التي اختارت أن تبقى ولو مؤقتاً خارج منطقة اليورو، وربما كان للبريطانيين أسبابهم في ذلك، أسباب بالطبع سياسية واقتصادية وثقافية، ولكن ربما كان السبب الاقتصادي هو الذي يدفع بلندن إلى التردد في تبني العملة الجديدة، خاصة وأن معظم اقتصادات أوروبا تترنح حالياً تحت وطأة الأزمة الاقتصادية وتبعات هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة، في حين أن بريطانيا لا تزال تعيش نشوة اقتصادية قلما عرفتها في تاريخها الحديث.

توفيق طه: ولشرح موقف لندن التي تقف خارج منظومة اليورو حتى الآن تحدثت إلى ليزلي ماكلوكلين المحاضر بجامعة (إبكستر)، وسألته أولاً عن أسباب تردد و(توني بلير) في طرح موضوع اليورو في استفتاء عام.

ليزلي ماكلوكلين (محاضر في جامعة إبكستر- لندن): من الناحية الرسمية يعني حسب يعني موقف الحكومة المعلن هناك خمس معايير اقتصادية يجب أن تتوفر وقبل اتخاذ القرار بإجراء الاستفتاء، يعني عملية معقدة قليلاً، لكن هذا هو الموقف الرسمي للحكومة البريطانية، وهذا هو الذي يفسر تردد (توني بلير) في طرح الموضوع.

هذه العوامل عوامل اقتصادية دقيقة جداً، وملخص الموضوع إنه الحكومة البريطانية يجب أن تكون راضية عن الوضع الاقتصادي العام بالنسبة لإمكانية التعامل ما بين السوق البريطانية والاتحاد.. الأوضاع السوقية في الاتحاد الأوروبي بالنسبة للسياسة الضريبية، السياسة المالية، السياسة الاقتصادية بشكل عام.

توفيق طه: نعم، يعني هناك من يقول إن من الأسباب الاقتصادية أيضاً ثبات الاقتصاد البريطاني في حين الاقتصاد الأوروبي عموماً يعاني من الركود، هل.. هل هذا يشكل سبباً وسبباً كافياً؟

ليزلي ماخلوكلين: بالنسبة للوضع في أوروبا لا يخفى على أحد إنه هناك نوع من الركود في ألمانيا مثلاً، لكن الوضع في فرنسا أحسن بكثير بسبب قرار اتخذته فرنسا بالنسبة لتحديد سعر العملة الفرنسية قبل ثلاث سنوات، ومثل هذه الأمور يعني تحديد سعر العملة تؤثر كثيراً على الازدهار في.. في الاقتصاد فبالنسبة للوضع في بريطانيا أيضاً لا يخفى على أحد إنه الوضع الاقتصادي أفضل عندنا في الوقت الحاضر، لكن الوضع قد يتغير يعني تدريجياً، ففي الوقت الحاضر لا حاجة.. لا.. لا يوجد أي نوع من الضغط على الحكومة لاتخاذ قرار يعني عاجل.

توفيق طه: نعم، لكن لو قلنا اجتماعياً وثقافياً ما الذي يعنيه بالنسبة للبريطانيين التمسك بالجنيه، وما الذي يعنيه بالتالي التخلي عنه لصالح اليورو؟

ليزلي ماكلوكلين:كما تعلمون البريطانيون يفتخرون يعني بوضعهم يعني كجزيرة، ويفتخرون بالاستقلال في اتخاذ القرار، وهذا كان واضح يعني طول تاريخ بريطانيا، هناك نوع من المعارضة الغريزية للتخلي عن الجنيه الإسترليني بسبب هذا الافتخار في تاريخ بريطانيا، ولكن بنتوقع يعني كل المراقبين يتوقعون إنه المعارضة الغريزية ستنخفض مع تعرف الشعب يعني الجمهور البريطاني على الوضع الجديد في أوروبا، مثلاً في السياحة كما تعلمون البريطانيون يزورون أوروبا وخصوصاً فرنسا وأسبانيا كثيراً، يتوقعون 40 مليون زيارة سياحية من بريطانيا لأوروبا في السنة القادمة، وهذا سيزيد شعبية اليورو حسب رأي أغلب المراقبين بسبب سهولة التعامل مع العملة.

توفيق طه: نعم، في رأيك يعني هل سيكون دخول بريطانيا في اليورو مؤشراً على بدء الخطوات الحقيقية، أو هو الخطوة الحقيقية نحو الوحدة السياسية في أوروبا؟

ليزني ماكلوكلين: هذا بيت القصيد، يعني هناك نقاش حاد في الوقت الحاضر في بريطانيا حول هذا الموضوع بالذات، فحكومة.. أو حزب المحافظين يرفض رفضاً قاطعاً فقرة الوحدة السياسية، ولكن الحكومة العمالية يعني حكومة توني بلير تصر على أن المسألة اقتصادية وليست يعني مسألة سياسية ولكن النقاش صار أكثر حدة في الفترة الأخيرة بسبب تصريح من أحد الموظفين الكبار بأن القرار هو قرار سياسي وليس قرار اقتصادي، فالنقاش حامي وحاد في الوقت الحاضر.

قوانين مكافحة الإرهاب وانهيار قيم الديمقراطية الغربية

لا اتفاق حول الإرهاب
توفيق طه: في صفحتنا الأخيرة وفي العالم الغربي أيضاً تزايدت حدة الإجراءات المقيدة للحريات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن الإجراءات الأميركية تميزت بتطرفها وتخشى كثير من مؤسسات المجتمع المدني في الولايات المتحدة من أن تصبح الإجراءات الاستثنائية جزءاً من الثقافة الغربية.

تقرير/ حسن إبراهيم: بينما يتهم كثيرون في العالم الثالث المنظومة الغربية بالانكفاء على الذات والعنصرية تجاه العرب والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر نجد الدول الغربية تبرر إجراءاتها الجديدة بأن دفاع مشروع عن النفس، وأن التقاليد الديمقراطية الغربية والقوانين الليبرالية قد تصبح عديمة الفائدة عندما يزدحم المجتمع بالمهاجرين الذين لم يندمجوا في المجتمعات الأوروبية، ورغم محاولات المسؤولين الغربيين نفي أن الإجراءات الجديدة تستهدف العرب المسلمين إلا أن معظم المعتقلين ومعظم المعتقلين ومعظم المبعدين ومعظم المستهدفين هم من العرب والمسلمين، وقد يدافع البعض عن هذه الإجراءات رغم عنصريتها بأن صدمة الحادي عشر من سبتمبر كانت كبيرة للغاية ولأن المتهمين الأساسيين في القضية هم من العرب والمسلمين فليس من الغريب أن يتوجس الكثيرون في الغرب خيفة من تكرار ما حدث.

وأسهمت بعض المشاهد في تثبيت صورة العربي المسلم الإرهابي الذي يسعى إلى الانتقام من الغربي، مثال ذلك حينما أقسم أسامة بن لادن بالله أن الولايات المتحدة وحلفائها لن ينعموا بالأمن بينما يقتل وذبح المسلمون والعرب على حد قوله، أو حينما توعد الناطق الرسمي باسم القاعدة سليمان أبو غيث الرعايا الغربيين بعاصفة الطائرات وما زاد من تخوف الساسة الغربيين أن تلك التهديدات صدرت متزامنة مع الضربة الأميركية لأفغانستان في السابع من أكتوبر تشرين الأول.

من سوء حظ المهاجرين العرب والمسلمين أن الأحداث الأخيرة أتت إبان موجة مراجعة عامة في العالم الغربي للسياسات المتعلقة بالمهاجرين خاصة من دول العالمين العربي والإسلامي، فبلاد مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ضاقت بملايين المهجرين الذين لم يندمجوا في المجتمعات الأوروبية وكونوا كنتونات منفصلة، ولعل أحداث (أولدم) التي هزت بريطانيا العام المنصرم دليل على عمق الهوة بين المهاجرين وأهل البلاد الأصليين.

الديمقراطية الأوروبية قد تكون استجابت بصورة فيها كثير من ضبط النفس، إلا أن القيادة السياسية للولايات المتحدة أطلقت العنان لنفسها فحولت نظامها القضائي إلى نظام شبه عسكري يحاكم فيه المتهمون بأدلة سرية، بل وفي بعض الأحيان بتهم سرية، ومنحت الشرطة حق الاعتقال التحفظي لمدد غير محددة، وكذلك حق طرد المهاجرين من البلاد بدون إبداء أسباب، بل وفي غضون أسبوع من الاعتقال، وزاد الرئيس الأميركي الطين بلة عندما أمر بإنشاء محاكم عسكرية يمكنها إصدار الأحكام حتى بالإعدام على المتهمين في محاكمات لا استئناف فيها!!

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة مازالت تترمح في هول ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر إلا أنها وتطبيقها هذه الإجراءات أضحت تشابه كثيراً ديكتاتوريات العالم الثالث، بل وكما في كثير من أنحاء العالم الثالث أصبح الحديث عن حقوق المتهمين ضرباً من انعدام الوطنية وتعطيلاً للمصلحة العامة.

توفيق طه: بهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) نذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت وألقاكم في الأسبوع المقبل، فحتى ذلك الحين تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.