مقدم الحلقة

توفيق طه

ضيف الحلقة

عبد الباري السوداني - صحفي جزائري

تاريخ الحلقة

24/11/2001

- الجزائر بين كارثة الفيضانات والأزمة السياسية
- خطاب وزير الخارجية الأميركي وتصوره لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي
- التنافر بين الفصائل الأفغانية والمخاوف من مذابح في قندز
- روسيا بين الندية للغرب والتعامل معه
- الأزمة السودانية ومحاولة التوصل إلى حل

توفيق طه
توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، ومعنا هذا الأسبوع: فيضانات الجزائر كارثة إنسانية تجل عن الوصف وأزمة سياسية تكاد تعصف بما تبقى من وسائل الاستقرار في كبرى بلاد المغرب العربي.

وزير الخارجية الأميركي يلقي خطاباً يطرح تصوراً أميركياً جديداً لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني فيه اعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة.

وتنافر الفصائل الأفغانية يهدد استمرارية حالة الفوضى في أفغانستان المنكوبة، وتخوف دولي من مذابح في قندز المحاصرة.

الجزائر بين كارثة الفيضانات والأزمة السياسية

جانب من فيضانات الجزائر
عندما تتضافر عوامل الطبيعة مع الإهمال البشري فإن المسؤولية الحقيقية تقع على عاتق الإنسان، وما حدث في الجزائر من فيضانات مدمرة أدت إلى وفاة ما يفوق الألف نسمة وتشريد عشرات آلاف الجزائريين، كان من الممكن التقليل من آثاره لو أن الأجهزة الحكومية كانت تعمل بصورة فعالة، ولا يمكن فصل الكارثة الحالية عن جرح الجزائر النازف منذ ما يفوق عقداً من الزمن، فغياب مؤسسات المجتمع المدني وهيمنة الهاجس الأمني على عقلية صناع القرار حولا الجزائر إلى بلد طاردٍ بكل المقاييس، على الرغم من الإمكانات الضخمة التي يمتلكها.

تقرير/ خالد القضاة: الأمطار والعواصف المأساوية والسيول العارمة الذي اجتاحت الجزائر خلَّفت أكثر من ألف قتيل، وخسائر مادية بلغت قيمتها أكثر من ثلاثمائة مليون دولار، وقد قضى ضحايا الكارثة تحت أنقاض منازلهم التي انهارت فوق رؤوسهم أو في حوادث سيارات ضمرت بمن فيها في ركام الأوحال والحفر.

صب الجزائريون جم غضبهم على الحكومة وحملوها المسؤولية عن عدم تحذيرهم قبل وقوع الكارثة، وعن التسيَّب الذي بدا واضحاً في انسداد وغياب الصيانة اللازمة لقنوات التصريف، وعلى الرغم من أن الفيضانات المدمرة أتت بعد فترة جفاف دام ثلاثة أعوام فإن الجزائريين رفضوا تبرير المسؤولين في ظل إمكانيات التنبؤ الحديثة، وما زاد من فداحة المصاب هو السرقات الواسعة لمواد الإغاثة التي اتهمت الحكومة أفراداً من الشعب وبعض العسكريين بالقيام بها، ولا شك في أن المعاناة الناجمة عن هذه الكارثة تضاف إلى سجل المآسي التي يعاني منها الجزائريون منذ ما يزيد عن عقدٍ من الزمن، مذابح وأعمال عنف أودت بحياة مائة ألف جزائري في السنوات العشر الأخيرة، وتزيد المعاناة مع تفشي البطالة في مجتمع 75% من سكانه تحت سن الخامسة والعشرين أما المؤسسة العسكرية فمازال ينظر إليها على أنها العقبة الكبرى في وجه الإصلاح السياسي، فالجنرالات يحكمون مباشرة أو من وراء ستار منذ وفاة الرئيس الأسبق هواري بومدين، وكما يتهم المتطرفون الإسلاميون يتهم كذلك العسكر ومن يرتبطون بهم بتأجيج نيران العنف الذي يمزق الجزائر منذ عام 92.

طرح الرئيس بوتفليقة قانون الوئام المدني لاستيعاب الجماعات الإسلامية ووقف دورة العنف، لكن المشروع كان متعثراً منذ البداية، وكان بوتفليقة واضحاً وجريئاً في تشخيصه لحالة بلاده، فقد وصفها بأنها الدولة المريضة المعتلة في إدارتها وممارسات المحاباة والمحسوبية، والتعسف وفي النفوذ والسلطة، ومريضة بالامتيازات التي لا رقيب عليها ولا حسيب.

يقول كثيرون: إن المأساة الجزائرية تعزى في المقام الأول إلى تردي الأداء الحكومي رغم كل محاولات الإصلاح التي لم تثمر حتى اليوم بسبب ما يقال عن الفساد المستشري في دوائر السلطة العليا مدنية وعسكرية، وتفشي البيروقراطية وعدم مشاركة المعارضة في صناعة القرار رغم مساحة التعبير الواسعة المتاحة أمامها.

توفيق طه: وللتعليق على المأساة الجزائرية تحدثت عبر الهاتف إلى الصحفي الجزائري عبد الباري السوداني، وسألته أولاً: عن مدى مسؤولية السلطة الجزائرية عن تفاقم حجم الكارثة؟

عبد الباري سوداني: دون شك أن ما تعرضت له الجزائر العاصمة وسائر مدن الساحل الغربي للجزائر يعتبر كارثة بكل المقاييس، خاصة بالنظر إلى العدد الكبير والهائل من الضحايا في الأرواح وكذلك في.. في.. في الممتلكات، ولكن أنا.. هذا لا.. لا يمكن أن يعفي الحكومة الحالية من مسؤوليتها إلا أن ما أجمع عنه جُلُّ المراقبين هو أن ما وقع كان حصيلة فشل في مستويات كثيرة وعلى أصعدة متعاقبة، فالأحياء وبخاصة في الجزائر العاصمة وهي باب الواد الذي تعرض للعدد الكبير من الضحايا أو الذي كان نصيبه الأكبر في هذا العدد الكبير من الضحايا أقول: باب الواد هو من الأحياء الشعبية البسيطة في العاصمة، وبالتالي.. وعرف أيضاً وضعاً أمنياً.. خاصاً، وبالتالي فإن الحكومات المتعاقبة كان همها الهم الأمني قبل كل الهموم الأخرى، والمواطن الجزائري الذي يعاني من شظف العيش، سواء في السكن أو في العمل فالأعداد الكبيرة التي سرحت من العمال، وأزمة السكن الحادة التي تضرب الجزائر العاصمة جعلت السكان يسكنون في أي منطقة، ويبحثون عن أي سقف سواء كان من حديد أو من قصدير أو أي سقف، المهم أن يأوى إليه في الليل، هذا الأمر جعل السكان يتعرضون لهذا السيل الكبير من المياه الذي فاجأهم في لحظة ما من الوقت، وبالتالي..

توفيق طه: نعم، بغض النظر عفواً، بغض النظر عن موضوع.. يعني.. انشغال السلطة في الموضوع الأمني وإهمالها لصيانة المجاري أو الأحياء هذه الأحياء الفقيرة المكتظة، يعني كيف كان الهاجس الأمني بحد ذاته يعني –سبباً في زيادة عدد ضحاياه؟ هناك من يقول: إنه.. إنه يعني كان هناك سد لبعض المجاري.

عبد الباري السوداني: صحيح، هناك سد لبعض الأنفاق الكبيرة التي كانت تجري المياه من أعالي العاصمة إلى البحر، هذه المجاري الكبيرة هي عبارة عن أنفاق كان.. أو يقولون بأن المسلحين كانوا يستعملونها في الهروب وفي الفرار من أعالي العاصمة إلى أسفلها أو من أسفلها إلى أعلاها، لكن بشكل عام أعتقد أن المسؤولية مشتركة بين المجالس المحلية وبين الحكومة المركزية، فالمجالس المحلية منذ العشر سنوات الماضية كانت عبرة عن مجالس لسد الفراغ، أي أن بعد إلغاء الانتخابات الملاك عام 1991 المجالس عرفت نوع من الشغور، هذا الشغور أدى بالحكومة إلى أن.. أن تنصَّب أناس اعتبروا مندوبين للحكم المحلي كان همهم فقط إملاء الكراسي ومحاولة الثراء على حساب المشاكل الحقيقية للمواطنين، ثم إن.

توفيق طه [مقاطعاً]: لكن.. لكن الحكومة.. يعني الحكومة التي جاء بها الرئيس بوتفليقة كانت يعني ترفع شعار الوفاق.. المدني والاجتماعي، يعني ألم يكن هذا يتطلب إصلاحات على جميع المستويات؟

عبد الباري سوداني: صحيح أن الحكومة الجالية والشعارات التي تحملها وتخدم برنامج إصلاح، لكن هذا البرنامج لكي ينزل إلى الواقع وينزل.. ويصل حتى مجاري المياه وحتى الأنفاق، أعتقد أنه يحتاج إلى كثير من الوقت، لكن الحكومة الحالية ما.. ما أخذ عنها هو سرعة.. أو بطؤها في معالجة.. الكارثة، ذلك لأنها لم تقدر الكارثة حق قدرها وتأخذ المواطنين المتضررين بالشكل الكافي، فالإسعافات لم تصل إلا بعد.. بعد مرور وقت طويل، وكذلك المعونات لم تصل إلى.. إلى الذين يستحقونها بالفعل وأخذت الأمور مجرى بطيء شيئاً ما مما أدى نوعاً ما إلى زيادة التذمر وخاصة عند أهالي المفقودين.

توفيق طه: نعم، الآن وقد وقعت الكارثة وحصل ما حصل يعني ما الذي يجري من أجل تلافي تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل؟

الباري سوداني: هو دون شك أن الكوارث لا تتكرر بشكل سريع، فالكارثة تأتي وتترك وتخلف وراءها ضحايا كثير، ولا أعتقد أن.. أن مثل هذا سيحدث مرة أخرى، خاصة وأن هذه الأنفاق قد فتحت، وأن هناك إسكان لكثير من المتضررين وإعادة النظر في التخطيط العمراني لبعض الأحياء خاصة.. خاصة التي تشهد اضطراب كبير ومحاولة أيضاً منع البناء الفوضوي الذي.. الذي يأوي الكثير من السكان يصل عدد.. عددهم في 7 إلى 8 أفراد في الحجرة الواحدة، محاولة أيضاً خلق نظام جديد في.. في المدن والأحياء الكثيرة، انطلاق مشروع سكني كبير بدأته الحكومة منذ حوالي شهرين لمحاولة توفير السكن للكثير من المتضررين.

توفيق طه: نعم، لكن يعني باختصار لو سمحت يعني هل.. هل.. يعني هل يخطط لمحاسبة أي من المسؤولين حول ما جرى؟

عبد الباري سوداني: لا أعتقد أن ثمة.. أن مثل هذا النوع من.. من المعاقبة، أعتقد أن لا يمكن أيضاً انتظارها، ذلك لأن ما عرفته الجزائر أخطر بكثير من ذلك، ولكن مع الأسف لم نصل بعد إلى مستوى هذا التقييم لهذه الحوادث.

خطاب وزير الخارجية الأميركي وتصوره لحل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي

كولن باول
توفيق طه: حرك الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأميركي يوم الاثنين الماضي مياه عملية السلام الراكدة في الشرق الأوسط، فهو تأكيد على الموقف الأميركي الجديد الداعم لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة بجوار إسرائيل، ورغم اعتبار البعض في الشرق الأوسط خطاب (باول) من قبيل ضرورات الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على ما تسميه الإرهاب إلا أن الخطاب يوحي بأن الإدارة الأميركية بدأت تدرك ما تخسره مصالحها بسبب ازدواجية معاييرها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، وينتظر الفلسطينيون جهداً أميركياً للبدء في لملمة أشلاء عملية السلام التي مزقها العنف الإسرائيلي منذ ما قبل مجيء شارون إلى السلطة.

تقرير/ سمير خضر: جنرال حقيقي يخوض هذه المرة غمار مستنقع الشرق الأوسط، (أنتونىِ زيني) خبير الحرب في فيتنام والخليج وغيرها من بقاع الأرض، لكن حربه الجديدة تختلف كلياً عن سواها، جنرال المارينز المتقاعد يتحلى بميزتين، الأولى: معرفته الجيدة بشؤون المنطقة، فقد ترأس القيادة المركزية الأميركية لسنوات وكان بذلك حامي المصالح الأميركية في الشرق الأوسط والخليج، والثانية: علاقته الشخصية الوطيدة بالرئيس (جورج بوش).

دخول الجنرال زيني على خط العلاقة الإسرائيلية الفلسطينية يبشر أيضاً بانتهاء دور المؤسسة الأمنية الأميركية الـ C.I.A في هذا الصراع، كما يشير أيضاً بتنامي نفوذ وزارة الخارجية الأميركية على حساب مراكز القوى الأخرى في الولايات المتحدة مثل مجلس الأمن القومي والكونجرس، وهذا بحد ذاته يُعتبر نصراً كبيراً لجنرال آخر، (كولن باول) الذي يبدو أنه استطاع فرض هيبته على مؤسسة صنع القرار في واشنطن، وما الخطاب الذي ألقاه في ولاية كنتاكي إلا دليلاً على ذلك، فكولن باول حدد في خطابه رؤية بلاده لمستقبل العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية رؤية تختلف جذرياً عما اعتاد عليه المجتمع السياسي الأميركي، صحيح أنه ركز بشكل كبير على مسؤوليات القيادة الفلسطينية فيما يتعلق بتخفيف حدة العنف في الأراضي الفلسطينية ودعاها إلى مزيد من الجهد في مقاومة وملاحقة واعتقال من سماهم بالمجموعات الإرهابية، لكنه في الوقت نفسه تفوه بعبارات أقضت مضاجع اللوبي الصهيوني في واشنطن ضرورة زوال الاحتلال، ووقف الاستيطان، والتفاوض حول القدس، وحل مشكلة اللاجئين، هذا ناهيك عن تكراره لتصور واشنطن شكل الحل النهائي المتمثل في دولة فلسطينية مستقلة جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل، لم يُشكَّل خطاب باول ولا بأحسن الأحوال خطة أميركية محددة لحل النزاع، بل مجرد أفكار، وهذا بحد ذاته دفع بالطرفين إلى الإعلان عن تأييدهما لما ورد فيه، فالفلسطينيون رأوا فيه تأكيداً على مطالبهم ولبنة جديدة على طريق تفكيك الاحتلال وإنشاء دولتهم المستقلة، وإن كان الخطاب يضع القيادة الفلسطينية في موقف حرج من حيث أنه يطالبها بشن حملة اعتقالات في صفوف نشطاء الانتفاضة، الأمر الذي رفضته هذه القيادة مراراً، والإسرائيليون أعربوا أيضاً عن ترحيبهم بالرؤية الأميركية لأنها لا تتضمن أي وسيلة ضغط عليهم، بل على العكس فهي تنص على أن الخطوة الأولى يجب أن تأتي من الفلسطينيين من خلال وقف الانتفاضة واعتقال كل من يجاهر بعدائه لإسرائيل، ولهذا يلتزم (أرئيل شارون) باستراتيجيته الثابتة اللعب على الوقت، وها هو اليوم إذن ينتظر وصول الجنرال زيني ليرى ما الذي في جعبته، وكيف سيستطيع إقناع الفلسطينيين بوقف الانتفاضة، ومهما كانت نتيجة التحرك الأميركي الجديد فإن جورج بوش سيكون بذلك قد رد على منتقديه في العالم العربي الذين حاولوا ولا يزالون إقناع واشنطن بأن أفضل حل لمشكلة الإرهاب التي باتت تؤرق العالم هي التوصل إلى حل نهائي للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وحتى لو فشلت جهود الزيني فإن يإمكان بوش أن يقول لهم: لقد حاولنا.

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً: (دان غاروت) يتلمس خطاه في دهاليز المشهد السوداني والحل يبدو بعيد المنال.

التنافر بين الفصائل الأفغانية والمخاوف من مذابح في قندز

أفغانيان ينقلان إحدى الفتيات عقب إصابتها أثناء الاشتباكات بين قوات حركة طالبان وقوات تحالف الشمال في قندز
بينما يستمر التفاوض حول مصير المقاتلين الأجانب الذين تطوعوا للقتال إلى جانب قوات حركة طالبان التي تحاصرها قوات التحالف الشمالي في قندز يبقى التحالف الشمالي مرشحاً لانفجار من الداخل، فالفصائل والعرقيات المتنافرة التي تشكل التحالف، والتي حملتها قنابل الطائرات الأميركية إلى قلب كابل ومزار شريف لا يجمعها سوى كراهية حركة طالبان، ولم يبدي وزير الدفاع الأميركي معارضته لمنطق المجازر عندما صرح بأنه يحبذ عدم أخذ أسرى، وهو ما قد يعني مذبحة لآلاف المتطوعين الأجانب، ويبدو أن منطق المنتصر في هذه الحالة قد يتفوق على منطق حقوق الإنسان والشرائع الدولية المتعارف عليها.

تقرير/ حسن إبراهيم: التحالف الشمالي الأفغاني الذي أصبح القوة التي يشار إليها بالبنان على أنها التي أنهت حكم طالبان واقتحمت مزار شريف الحصينة ودخلت كابول ليست إلا مزيجاً متنافراً من المنظمات القبلية والإسلامية وارتباطاتها معقدة بقدر تعقيد المشهد الأفغاني.

ولو سمينا الأشياء بأسمائها، فإن الذي اقتحم مزار شريف كان القائد الأوزبكي عبد الرشيد دستم الذي أراد الثأر من طالبان بسبب ما اقترفوه في حقه عام 96، لكن دستم نفسه ليس من القادة أصحاب الشعبية، لا داخل التحالف الشمالي ولا في خارجه، فصيته ارتبط منذ أيام الوجود السوفيتي والحكومات الشيوعية المتتالية، ارتبط بالتدبدب والوحشية، لكنه رقم صعب لا يمكن لأي قوة في التحالف الشمالي تجاهله، أما الطاجيك في التحالف فهم منقسمون ما بين الولاء للرئيس المخلوع برهان الدين رباني الذي يأتي من رحم الحركات الإسلامية ومؤسسة الأزهر، وما بين أولئك الذين تتلمذوا وترعوا في مدرسة أسد بانجشير الراحل أحمد شاه مسعود الذي اغتيل قبيل أحداث الحادي عشر من أيلول. الرئيس رباني نفسه يعتبر من أبرز علماء الدين السنة في أفغانستان حتى أن كثير من قادة طالبان تتلمذوا على يديه بما فيهم الملا عمر، وهو يثير أكثر من علامة استفهام، فهو لا شك مرتبط بإيران التي فتحت أبوابها له، وهو كذلك مطالب بالتعامل مع الولايات المتحدة التي لا تعتقد أنه بديل مقبول لطالبان، بل إن استحقاقات المرحلة فرضت عليه التعامل مع (فلاديمير بوتين) رئيس روسيا، عدوته الأزلية.

في المناطق البشتونية مثل جلال آباد نجد فصائل قبلية بشتونية تولت السلطة بدلاً من طالبان بدون إراقة دماء، وهي فضائل لها تمددات باكستانية يمكن أن تقلب كثيراً من المعادلات الأفغانية رأساً على عقب، ثم تأتي المأساة في قندوز المحاصرة، التي يرفض التحالف الشمالي مد يد العفو أو الممر الآمن إلى المتطوعين العرب والشيشان والباكستانيين الذين يقال إنهم محاصرون داخل المدينة، وإذا أضفت إلى المقاتلين ثلاثين ألفاً من المدنيين يمكنك تصور مدى المأساة التي تحدثت الآن في تلك المدينة المنكوبة.

روسيا بين الندية للغرب والتعامل معه

مجلس الدوما الروسي
توفيق طه: روسيا لن تتسول عضوية حلف شمال الأطلسي، هذه هي الرسالة التي نقلتها روسيا بكل قوة إلى الرئيس بوش، وكذلك إلى سكرتير عام الحلف (جورج روبرتسون)، فروسيا تحس بأنها خُدعت بعد أن قدمت تنازلات كبيرة أملاً في أن تتوقف الولايات المتحدة عن المضي قدماً في تجارب الدرع المضاد للصواريخ، فقد أغلقت روسيا أهم قاعدتي تجسس لها في فيتنام وكوبا ولم يتنازل الرئيس الأميركي قيد أنملة عن موقف بلاده المعلن، ويبدو أن روسيا تحس بضيق شديد من الوجود الأميركي على بوابتها الأسيوية واقترابها بالتالي من بحر قزوين ونفطه وموقعه الاسترتيجي، لكن الولايات المتحدة تركت الباب مفتوحاً أمام روسيا، لتقديم مزيد من التنازلات في مقابل الحصول على الدعم المالي الغربي.

تقرير/ أكرم خزام: زيارة روبرتسون السكرتير العام لحلف الناتو إلى موسكو بهدف تطبيع العلاقة مع روسيا ومنحها صوتاً ريادياً بدلاً من الصوت الاستشاري سابقاً.

زيارة روبرتسون أتت مناسبة للزيارة الروسية للرد بشكل غير مباشر على نتائج القمة الروسية- الأميركية، التي عقدت مؤخراً في الولايات المتحدة.

روسيا قالت على لسان رئيسها إنها لا تنوي الوقوف في طابور بانتصار قبولها عضواً في الناتو وإنها تملك قدرات عسكرية اقتصادية وعلمية تؤهلها لضمان أمنها واستقلاليتها وحماية حدودها.

معروف أن واشنطن الصوت الكاسح في الحلف أبلغت موسكو أثناء القمة عزمها على الانسحاب من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ وتشييد درعها النووي الخاص بها، الأمر الذي دفع بوتين للإصرار والتمسك بالمعاهدة المذكورة ناهيك عن مطالبته بالتوقيع على اتفاقية خاصة بتخفيض الأسلحة الهجومية النووية مع واشنطن، التي تقدمت بهذا العرض مع أن الجانبين لم يتوصلا إلى أي اتفاق في شأن الملف النووي الذي سيعتبر الأساس في خلافات روسيا والولايات المتحدة ما نتج عن القمة تمثل بوعود أميركية بمنح روسيا صفة الدولة التي تسير على نهج اقتصاد سوق وضمها إلى منظمة التجارة العالمية دون مفاوضات وتسريع رفع القيود المفروضة على صادراتها، على أن هذه الوعود تبخرت في الحال عبر ضغط واشنطن على الأوبك بهدف تخفيض أسعار النفط، الأمر الذي سيرهق الميزانية العامة للدولة الروسية ويدفعها إلى طلب القروض مجدداً من صندوق النقد الدولي التابع بشكل أو بآخر لأوامر الولايات المتحدة، وفي ظل هذه الأوضاع يحتدم الصراع في روسيا بين تيار يدعو إلى طمس الخلافات مع الغرب وواشنطن واللحاق بما يسميه هذا التيار الحضارة الغربية، والمضي حتى النهاية بالقضاء على الإرهاب الدولي وبين تيار يحذر من ألاعيب السياسة الأميركية الرامية إلى توريط روسيا في حرب مع العالم الإسلامي والعربي ويدعو إلى الاستفادة من القدرات الكبيرة المتوفرة في روسيا سعياً إلى استعادة هيبة الدولة الكبرى لمواجهة القطب الأحادي الجانب في تقرير شؤون العالم المتبع من قبل الولايات المتحدة.

وبين هذين التيارين يجد بوتين نفسه محكوماً بمواقف المؤسستين العسكرية والأمنية الداعية إلى التعامل مع واشنطن والغرب من منطق الند للند، ومضطراً في الوقت نفسه للتأكيد على التعامل مع الغرب حتى النهاية في مكافحة ما يسمى بالإرهاب الدولي.

أكرم خزام- (الجزيرة)- برنامج (الملف الأسبوعي)- موسكو.

الأزمة السودانية ومحاولة التحول إلى حل

حشد من أنصار حزب المؤتمر الوطني الشعبي السوداني المعارض

توفيق طه: أخيراً أرسل الرئيس الأميركي مبعوثاً خاصاً إلى الخرطوم لمحاولة الإلمام ببعض جوانب الأزمة السودانية، لكن أشد عمقاً من مجرد حرب أهلية، رغم كل ملابستها المؤلمة، السودان مستودع ثروات قل نظيره في أفريقيا، بل والعالم وهو بوتقة كان من المفترض أن تنصهر فيها إثنيات السودانيين وأديانهم وكريم معتقداتهم، إلا أن لعبة كراسي السلطة طغت على اهتمام جميع ألوان الطيف السياسي وبالتالي أهمل أمر بناء الدولة والتخطيط لمستقبل أفضل.

تقرير/ حسن إبراهيم: التجربة السودانية جديرة بالدراسة ففي بلد شاسع الأطراف غني بالثروات الطبيعية وبتعداد سكان يتجاوز الثلاثين مليوناً نسمة لا يوجد مبرر منطقي بالشقاء الذي يمزق الشعب السوداني، أزمة السودان عميقة للغاية، أتى استقلاله في الفاتح من يناير عام 56 والحرب الأهلية السودانية كان قد مضى عليها اثنا عشر يوماً وكانت الأمنيات أن يتمكن الساسة بحنكتهم تجاوز المجزرة التي ارتكبها متمردو حركة الأنانيا في الموظفين الشماليين في مدينة توريتا الجنوبية، لكنهم انغمسوا في لعبة الكراسي، ولم يمضي عام على الحرب حتى كانت مجالس الخرطوم تتهامس عن سياسة الأراضي المحروقة، وربما لا تتوافر صور عن تلك الجولة من الحرب الأهلية التي دامت ما بين التاسع عشر من ديسمبر عام 56 وحتى عام 72، لكنها لا تختلف كثيراً عن صور الجولة الثانية من الحرب الأهلية، التي بدأت في مايو/ أيار من عام 83 ولم تخمد نيرانها حتى اليوم.

الفرق الوحيد هو أن الحكومة السودانية الحالية أضفت على هذه الحرب طابعاً دينياً، ثم أتى النفط ليضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد السوداني وصعَّد الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة الدكتور (جون جارانج مابيور) من عملياته أملاً في إخافة الشركات النفطية التي استثمرت مليارات الدولارات في قطاع النفط السوداني، وبينما انقسمت الطبقة السياسية الحاكمة في السودان ما بين حكومة يهيمن عليها الإسلاميون والتحالف أحزاب تقليدية وحديثة داخل التجمع الوطني الديمقراطي.

المصافحة الشهيرة بين (جون جارانج) و (مادلين أولبرايت) وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، لم تنته مدلولاتها بانتهاء عهد (كلينتون)، بل استمرت أجندة اليمين الأميركي متقدة عبر إثارة مواضيع تمس أوتاراً حساسة في الوجدان الغربي مثل قضية الرق التي تاجرت بها الحركة الشعبية لتحرير السودان بصورة ذكية للغاية، ولهذا ولكل التعقيدات لن يفلح مبعوث الرئيس الأميركي (دان غاروت) في إصلاح ذات البين دون فتح ملفات تأبى الخرطوم وواشنطن إلا أن تبقى مغلقة، فالتحقيق في قضية الرق قد يدين السودان أكثر مما يدين الحكومة الأميركية وفتح ملف مصنع الشفاء قد يحرج الحكومة الأميركية في وقت تريد فيه محاربة ما تسميه بالإرهاب، يجري كل هذا بينما تزداد معاناة السودانيين تفاقماً.

توفيق طه: بهذا نأتي مشاهدينا الكرام إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.