مقدم الحلقة

توفيق طه

تاريخ الحلقة

16/09/2001

- تفجيرات نيويورك وواشنطن وكيف تمكن منفذوها منها
- من المستفيد من الانفجارات في أميركا

- اعتقالات المعارضين السياسيين في سوريا

- تقارب العلاقات بين الصين وروسيا لموازنة سياسة القطب الواحد

- مصرع شاه مسعود وأثر ذلك على موقف المعارضة الأفغانية

توفيق طه
توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة الجديدة في (الملف الأسبوعي) أصحبكم فيها في غياب الزميل جميل عازر.

في هذه الجولة: انفجارات في مركز التجارة العالمي بنيويورك ومبني وزارة الدفاع الأميركية في واشنطن، ومحاولات جاهدة لإنقاذ الضحايا ومعهم هيبة الولايات المتحدة، والأميركيون حكومة وشعباً يتساءلون عن هوية منفذي التفجيرات، وتصميم أميركي على معاقبة الجهة المسؤولة فمن فعلها؟

وفي سوريا تتصاعد حملة الاعتقالات لرموز المعارضة، وتضيق مساحة الحركة المتاحة لحرية التعبير.

مهما كانت آراء البعض أو مواقفهم تجاه الولايات المتحدة وسياستها، فإن ما حدث كان عملاً إجرامياً بكل المقاييس والأعراف. فقتل أبرياء مدنيين داخل أماكن عملهم لا يمكن تبريره بأي منطق، وما يدهش في هذه العملية هو تمكن منفذيها من قيادة الطائرات الضخمة نحو أهداف مركزية، رغم كل الصعوبات اللوجستية والمحاذير الأمنية، فكيف تأتى لهم ذلك؟

تفجيرات نيويورك وواشنطن وكيف تمكن منفذوها منها؟

تدمير برجي المركز التجاري العالمي بنيويورك بفعل طائرتين مختطفتين

تقرير/ سمير خضر: (يوكتبا) أو الجزيرة الخضراء كما كان الهنود الحمر يسمونها تحولت صبيحة الثلاثاء إلى جزيرة حمراء، اشتعلت فيها النيران، وسالت فيها الدماء، وجفت على أرضها أنهار الدموع، لأول وهلة بدا الأمر وكأنه حادث عادي، طائرة مدنية تصطدم بأحد برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك رمز عظمة أميركا الاقتصادية، ولم تمضي ثمانية عشر دقيقة، حتى بدأت الشكوك تساور الجميع حين اصطدمت طائرة أخرى بالبرج الثاني، فعلم الاحتمالات لا يتقبل هذا التصادف، وبعد دقائق جاءت الأنباء بالخبر اليقين، طائرة ثالثة تهوي على مقر وزارة الدفاع البنتاجون في العاصمة واشنطن، عندها تحول الشك إلى يقين فقد كانت أميركا تتعرض إلى هجوم لم تشهده في تاريخها المعاصر، منذ الهجوم الياباني على (بيرل هاربر) في الحرب العالمية الثانية. أنشغل الأميركيون ومعهم العالم أجمع في الحدث نفسه، وفي التكهن بمن يقف وراءه، ماذا؟ ومن؟ ولماذا؟ لكن القليل تحدثوا أو تجرءوا على توجيه السؤال المهم: كيف؟ كيف تمكن المهاجمون من تنفيذ مآربهم على الأرض الأميركية؟ كيف استطاعوا التسلل والنفاذ عبر الشبكة الأمنية؟ وهل كان هناك بالأصل شبكة أمنية أم مجرد وهم عاشته أميركا لعقود طويلة؟ وإذا كان الهجوم على مركز التجارة العالمي يشكل ضربة لمنشأة مدنية، فإن استهداف البنتاجون شكل رسالة جلية واضحة لا يمكن لمن تعلم بادئ القراءة والكتابة إلا أن يعيها، فالضربة هنا استهدفت عظمة أميركا العسكرية، وذراعها وعضلاتها التي ما انفكت واشنطن تلوح بها منذ انهيار الكتلة الشرقية، ونشوء ما سمي بالنظام العالمي الجديد، هذا النظام الذي قضى نحبه يوم الثلاثاء على أيدي منفذي الهجمات.

السؤال إذن: كيف استطاع هؤلاء اختراق أكبر منظومة أمنية عرفتها البشرية منذ ما قبل التاريخ؟ أين كانت أجهزة الأمن والاستخبارات التي طالما تغنت بها أميركا والتي يفترض أن تكون الأفضل في العالم؟ البعض يعتقد أن المهاجمين أو من يقفوا وراءهم استطاعوا تضليل أجهزة الاستخبارات الأميركية، ودفعها إلى الاعتقاد بأن الاعتداء سيحصل خارج الولايات المتحدة، ولهذا شهدنا في الآونة الأخيرة إقفال العديد من البعثات الدبلوماسية الأميركية في الخارج أو تشديد إجراءات الأمن فيها، حتى الإجراءات الأمنية التي اتخذتها القوات الأميركية المرابطة خارج البلاد لم تجدي نفعاً، لا بل إن بعض الأصوات ارتفعت لتشكك بجدوى الانتشار العسكري الأميركي الواسع في الخارج، إذ ماذا ينفع مرابطة قوات برية وجوية في الخليج أو تركيا أو أوروبا أو اليابان في الوقت الذى تتعرض فيه الأراضي الأميركية للهجوم؟ كل هذه تبقي تساؤلات بريئة ومشروعة، قد تجد تبريراً لدى أجهزة الأمن الأميركية، لكن مالا يمكن تبريره هو تعرض البنتاجون للهجوم، الأمر الذى يثير أسئلة محيرة كثيرة وعلى رأسها كيف استطاع المهاجمون اختراق حاجز الأمن الجوي، الذي يفترض أن يحمي مقر قيادة أكبر قوة عسكرية في العالم، وهذا التساؤل لا يحتمل إلا جواباً واحداً، لقد كان المخططون للاعتداء على علم ودراية بنظم الحماية، وربما كانوا في يوم ما جزءاً منها.

توفيق طه: وسائل الإعلام الأميركية تتهم المعارض السعودي الأصل، زعيم تنظيم (القاعدة) أسامة بن لان بتنفيذ الانفجارات، ويبدو أن الإدارة الأميركية تتأهب لقصف أفغانستان التي تؤوي بن لادن لكن البعض يشكك في صدقية هذه الاتهامات، حيث إن التقنية العالية الواجب توافرها في من قام بهذا الهجوم لا تتوفر لجماعة بن لادن أو أية جماعة شرق أوسطية.

من المستفيد من الانفجارات في أميركا

استمرار عمليات الإنقاذ في موقع انهيار برجي مركز التجارة العالمي

تقرير /حسن إبراهيم: لو تجاوزنا منطق من فعلها، فعلينا إذن أن نسأل: من المستفيد؟ وهناك قاعدة في علم النفس الجنائي تقول فتش عن المستفيد من الجريمة تعثر على المجرم، ويبدو أن الولايات المتحدة انساقت وراء منطق الذي يعتبر ما حدث في نيويورك وواشنطن عملاً إرهابياً من صنع أيادي منظمات شرق أوسطية في غالبيتها، وهذا منطق مضلل يبسط الأمور، بل واستحضر من يسمون أنفسهم خبراء الإرهاب متهمهم المفضل زعيم تنظيم القاعدة –أسامة بن لادن- الذي تحول إلى نجم سوداوي في دفاتر الإرهاب الأميركية، لكن قائمة من يكرهون الولايات المتحدة ضخمة للغاية ضخامة الكرة الأرضية من المنظمات الراديكالية في اليابان، وأميركا اللاتينية، وحتى المنظمات الفلسطينية الإسلامية، فعلى من ستطلق الولايات المتحدة صواريخها؟ على أفغانستان التي تعتبر هدفاً رخواً بكل المقاييس، اقتصاد مدمر، وحرب أهلية طاحنة، وفقر مدقع، أي أنه لا يوجد هناك ما تخاف عليه حكومة طالبان، أم على الدول العربية والإسلامية، التي تعتبرها الولايات المتحدة راعية للإرهاب، وهذه تشمل العراق، وسوريا، والسودان، وإيران، ويتردد اسم السودان هذه الأيام لكونها البلد الذي أقام فيه أسامه بن لادن ردحاً من الزمن، ويعتقد بعض المراقبين أن أجنحة في دوائر صنع القرار العليا في الإدارة الأميركية تريد انتهاز الفرصة لضرب بعض البلاد أو جميعها، لتنفيذ أغراض أخرى في السياسة الخارجية، فالاحتواء المزدوج لإيران والعراق لم ينته، رغم الغزل بين الإدارة الأميركية وإيران، إلا أن الجمهورية الإسلامية ترفض الاعتراف بإسرائيل وتدعم (حزب الله) الذي تمكن من طرد إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية، ويبدو أن بعض المتشددين في اليمين الأميركي يريدون توجيه ضربة إلى النظام الإيراني ردعاً له، وتذكيراً باليد الأميركية الطويلة، وما تحركت الولايات المتحدة لمنع بيع روسيا التكنولوجية النووية لإيران إلا جزءاً من هذه السياسة.

أما سوريا فيريد الإسرائيليون من الولايات المتحدة أن تطلق أيديهم في الجولان، وأن يحد الأميركيون من سقف المطالب السورية في أي مفاوضات سلام قادمة، والعراق رغم الحصار المفروض عليه يعتبر من الأهداف المحتملة، ويحاول البعض التحريض على ضرب العراق بسبب عدم إدانة الرئيس صدام حسين لتفجيرات الثلاثاء الماضي، إن كانت كل هذه البلاد أهدافاً محتملة للقصف القادم فمن المستفيد إذن؟! من الملاحظ أن (آرئيل شارون)، ومن وراءه ماكينة الإعلام اليهودية هم المستفيدون الأوائل، فمعنى انشغال الولايات المتحدة بكارثتها هو إطلاق يد إسرائيل في المناطق الفلسطينية، تقتل وتضرب وتدمر ما بدا لها، ونجد المتشددين في أقصى اليمين الأميركي سيضمنون إطلاق أيديهم في توجيه الضربات العسكرية إلى من يشاؤون، ونعود إلى علم النفس الجنائي مرة أخرى، ونتساءل: هل المجرم يا ترى هو المستفيد من الجريمة؟ إلا أنه، وبعد انقشاع الغبار عن المباني المهدمة، لابد وأن تكون هناك وقفة أميركية، فهل ستعود الولايات المتحدة إلى انعزالية ما قبل مبادئ (ولسن) أم ترى ستندفع مرة أخرى في طريق العولمة؟!

توفيق طه: ولتسليط بصيص من الضوء على الاتهامات الأميركية لجهات إسلامية وعربية، بتنفيذ التفجيرات تحدثت هاتفياً إلى الدكتور خالد الحروب (الخبير الاستراتيجي، والباحث في جامعة كيمبريدج البريطانية)، وسألته أولاً: لماذا تقفز الذهنية الغربية فور وقوع أي عمل إرهابي إلى اتهام العرب والمسلمين؟

د. خالد الحروب: طبعاً هذا يعود إلى عدة أسباب أهمها.. أهمها: أننا نحن المتهمون الأول.. المسلمون هم المتهمون الأوائل خاصة والنظر إلى دين المشتبه به يبرز إلا عندما يكون هذا المرتكب.. مرتكب أي جريمة مسلم، المشكلة الثانية أن هناك طبعاً كثير من عمليات الإرهاب قام بها مسلمون في العالم في الآونة الأخيرة فلذلك، هذا يعني سبب موضوعي يزيد من الضغط أو توجيه أصابع الإتهام إلى المسلمين،عندما تحدث مثل هذه الحوادث، السبب الأهم سبب تاريخي –الحقيقة- ويتعلق بـ.. بالذهنية الغربية بشكل عام، حيث.. حيث أن هناك تراكمات تاريخية، ورؤية مسبقة، وسلبية تجاه المسلمين والعرب...

توفيق طه[مقاطعاً]: نعم، يعني.. دكتور.. دكتور، هل تريد أن تقول: إنها مسألة صراع بين حضارتين كما يمكن.. كما تحاول أن تقول وسائل الإعلام الغربية الآن؟

د. خالد الحروب: لا، يجب ألا.. ألا ننجر إلى مثل هذه الطروحات، وإلا.. إذا إنجرينا إلى هذه الطروحات، فنحن إذن نسلم بمقولة (صموئيل هنتنجتون): أن العلاقات بين الحضارات علاقات صدامية وهذا، طبعاً هناك على.. على أطراف كل حضارة مع الأطراف الأخرى للحضارة الثانية، هناك دائماً توترات وهناك دائماً حروب وصراعات وغير ذلك، لكن الجوهر الأساسي لعدد كبير من الحضارات هو ليس جوهر صراعي، وهناك.. والتاريخ يشير إلى أن مقادير التعاون والاندماج، والعلاقات غير الصراعية بين الحضارات هي أكثر بكثير من العلاقات الصراعية...

توفيق طه[مقاطعاً]: دكتور، يعني.. السؤال هنا: ما مدى مسؤوليتنا كعرب وكمسلمين عن هذه الذهنية، هذه الطريقة الغربية في التفكير؟

د. خالد الحروب: يقع علينا مسؤولية كبيرة جداً في الواقع، يعني ومن دون أن ننجر إلى العواطف، وعملية الاصطفاف التقليدي مع وضد وكذا أنا أعتقد علينا نحن المسلمين نحن المسلمين مسؤولية كبيرة، لأن هناك مجموعات إسلامية و عربية كثيرة متطرفة جداً وتنقل صورة في غاية البشاعة ونحن لا نبحث عن صورة جميلة فقط في أذهان الغرب، لكن نحن نبحث عن الصورة الحقيقية التي تمثل العرب المسلمين كما هي الحضارة.. تاريخ الحضارة العربية والإسلامية.

توفيق طه: نعم، دكتور يعني لو انتقلنا إلى الحدث بذاته، يعني من سيرة أسامة بن لادن وجماعته حتى الآن، يعني هل من الواقع أن يكون يمتلك كل هذه القدرة على التخطيط و اختراق الأجهزة الأمنية الأميركية، بحيث ينفذ عملية بهذه الضخامة؟

د. خالد الحروب: يعني الإجابة مُعقدة على.. معقدة على هذا السؤال، لأنه الإجابة السريعة أنه لا، لا يمكن أن يتصور أحد أن أسامة بن لادن،و المجموعات الإسلامية هذه عندما مثل هذا التعقيد، ومثل هذه القدرة الفنية المتقنة جداً، التي يعني أذهلت خبراء الأمن الغربيين، إلى درجة أنه لم يكن في تصورهم على الإطلاق أن يستطيع أحد أن ينفذ مثل هذه العملية، في نفس الوقت بعدة أهداف في غاية الدقة، لكن بعد التأمل بعض الشيء نجد مثلاً أن بسبب جدة العملية، وأنها خارجة عن إطار التوقعات المسبقة للعسكريين والأمنيين و المخططين في مجال الاستخبارات بسبب كونها خارجة عن تصوراتهم، خارجة عن توقعاتهم، يمكن أن يقول المرء نعم لما لا، كان بإمكان مثلاً مجموعة من التابعة لأسامة بن لادن القيام بهذا الأمر، خاصة أن الأسلحة المستخدمة سكاكين هي بسيطة وكذا، وأن التدريب حصل في الولايات المتحدة، وأهم من ذلك كله أن استخدام الطائرات المدنية، للقيام بعمليات من مثل هذا النوع، هو استخدام غير مسبوق على الإطلاق.

توفيق طه: يبقى السؤال دكتور يعني إذا لم يكن أسامة بن لادن، فمن يمكن أن يكون؟

د. خالد الحروب: يعني هناك مجموعة من.. من المحتملين، لكن طبعاً الإعلام الأميركي لم يتطرق إليه على الإطلاق، هناك أولاً عدد هائل من المنظمات والجمعيات المتطرفة الأميركية في داخل الولايات المتحدة نفسها، هناك أيضاً مشتبه فيهم، يُفترض يتم مناقشتهم من أميركا اللاتينية، هناك أيضاً حقد متراكم وتاريخي في أميركا اللاتينية، وهناك جماعات تهدد الولايات المتحدة، وهناك أيضاً من أُلقي القبض عليهم في مرات سابقة، قادمين من تلك المناطق لعمل تفجيرات في أميركا، ومع ذلك لم يتم.. وخاصة مثلاً. تجار المخدرات الذين بينهم وبين واشنطن نوع من الثأر حتى الشخصي.. يعني نوع من الانتقام المتبادل.

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيها أيضاً: ما هو مصير المعارضة الأفغانية بعد أحمد شاه مسعود، وهل سترضى الدول المتاخمة لأفغانستان بحكم طالباني خالص.

اعتقالات المعارضين السياسيين في سوريا

تبددت آمال كثير من المثقفين السوريين، الذين كانوا يتوقعون انفراجاً سياسياً في بلادهم مع تسلم الرئيس بشار الأسد سدة السلطة، فأتت تجربة المنتديات السياسية في منازل النخبة بالون اختبار أطلقته قوى المجتمع المدني لقياس مدى جدية السلطة في الانفتاح، لكن الاعتقالات التي توالت أثبتت لهم أن الحرس القديم ما زال يتمتع بكثير من الصلاحيات.

اعتقال المعارض رياض سيف
تقرير/حسن إبراهيم: حملة اعتقالات مستمرة في سوريا وتضاؤل هامش الحرية الموعود، و انضم مؤخراً إلى قافلة المعتقلين المعارضين، المعارض السوري المعروف

أستاذ الاقتصاد الدكتور عارف دليلة، وقد اعتقلته السلطات السورية بعد حديث أولى به إلى قناة (الجزيرة) الفضائية انتقد فيه ممارسة الطبقة الحاكمة السورية، وأصبحت الأجهزة الأمنية السورية لا تفرق ما بين من يتمتعون بالحصانة البرلمانية أم لا، ويبدو أن رئيس البرلمان السوري المخضرم عبد القادر قدورة على أتم استعداد لسحب الحصانة من النواب المشاكسين، ويعتقد المراقبون أن الحرس القديم الجديد في سوريا يشحذ أسلحته ضد من ينتقضون أداء الحكومة أو انفراد حزب البعث بالسلطة.

وتعيد الاعتقالات هذه إلى أذهان السوريين ممارسات. ربما اعتقدوا أنهم قد ودعوها إلى الأبد، بعد وفاة الرئيس السابق حافظ الأسد، فعلى الرغم من أن النظام السوري تحكمه رسمياً الجبهة الوطنية التقدمية بأحزابها المختلفة، إلا أن مقاليد السلطة يمسك بها حزب البعث العربي الاشتراكي، ولم يكن الرئيس السابق ليسمح بأي نوع من أنواع النقد الذي يتخطى خطوط الحزب الحمراء، أما المعارضة الحقيقية أو المسلحة، فقد سُحقت بشدة، ولعل ما ارتكبته سرايا الدفاع السورية المنحلة في حماه، وغيرها من المدن التي شاركت في الانتفاض على سلطة حزب البعث عام 81 أكبر دليل على القبضة الحديدية التي كانت تحكم سوريا، ورغم أن الرئيس بشار الأسد تسلم سدة السلطة عبر تعديل دستوري خفض السن القانونية لرئيس الجمهورية، ألا أن السوريين استبشروا خيراً لمقدمه، توقعاً منهم بتغيير إيجابي، فهو لم يشارك في اتخاذ القرارات إبان حكم والده بل تولى ملف الفساد قبيل وفاة أبيه، واشتهر عنه رغبته في تحديث الاقتصاد السوري، ودخول عصر المعلومات، وكان الرئيس بشار يدرك ضخامة عدد الخطوط الحمراء إبان حكم والده، وتوقع السوريون انفتاحاً سياسياً وتكنولوجياً واقتصادياً، لكن الرئيس بشار الأسد قال: إنه يؤمن بالانفتاح التدريجي، وقبل السوريون، فهم لم يتوقعوا ديمقراطية غربية، لكنهم حسبوا الأمر محاكاة للتجربة المصرية أيام السادات، أي منابر تتحول إلى أحزاب تكسر حدة هيمنة الحزب الواحد، أصبحت المنتديات المنزلية المنابر السورية، لكن ضاقت السلطات بهذه المنابر التي عبر فيها سوريون من النخبة عن أنفسهم بصراحة استفزت الأجهزة الأمنية، ومع الحملة التي يشنها من الخارج الصحفي نزار نيوف فإن كثيرين يتساءلون عن جدية الحكومة السورية في أمر الانفتاح.

توفيق طه: في ظِل سياسة القطب الأميركي الأوحد تحاول روسيا والصين التوصل إلى معادلة هذا النفوذ بمزيد من التعاون بينهما، وبالإضافة إلى توسع الصين في شراء الطائرات العسكرية الروسية، اشترت الصين طائرات مدنية روسية، رغم تأثر سمعة روسيا في هذا المجال، بسبب سقوط بعض طائراتها المدنية، ومع تزايد الثقة بين البلدين تزداد قوتهما في مقاومة ضغوط العالم الغربي عليهما.

تقارب العلاقات بين الصين وروسيا لموازنة سياسة القطب الواحد

الرئيس الصيني بجانب نظيره الروسي أثناء زيارة الأول موسكو
تقرير/أكرم خزام: الصين التي تعتبر المستورد الأكبر للأسلحة الروسية بين قائمة الدول التي تتعامل مع روسيا في هذا المجال أوفدت رئيس حكومتها إلى العاصمة الروسية بهدف البدء بترجمة معاهدة التعاون الاستراتيجي، الموقعة بين زعيمي الصين وروسيا في يوليو الفائت إلى حيز التنفيذ، وخاصة ما يتعلق بالشق الاقتصادي منها، الصين بحاجة ماسة إلى موارد الطاقة من روسيا، التي تمتلئ أعماق أراضيها بالغاز والنفط، وقد وقع البلدان على اتفاقية تتضمن تنفيذ مشروع مد أنابيب النفط والغاز من سيبريا إلى الصين، وصولاً إلى اليابان و الكوريتين، إضافة إلى تشييد خطوط السكك الحديدية ضمن شبكة تربط روسيا والصين والكوريتين، ولم تقتصر الاتفاقيات عند هذا الحد، بل تعدتها إلى شراء الصين لخمس طائرات روسية حديثة الصنع، الأمر الذي أنقذ سمعة روسيا، بعد تعرض طائراتها المدنية للعديد من الحوادث، سياسياً لم تصل العلاقة بين الصين وروسيا إلى درجة إقامة حلف لمواجهة نهج القطب الواحد، الذي تسير عليه الولايات المتحدة، لكن كافة المؤشرات تدل على سعيهما إلى تحقيق ذلك، ولو أن روسيا -التي تقاوم مشروع الدرع الصاروخي النووي الخاصة بواشنطن- تأمل بعدم تأجيج العلاقة مع الولايات المتحدة، لا بل تدعوها إلى التعاون المشترك في مكافحة ما تطلق عليه الإرهاب الدولي المعشعش في الشيشان وأفغانستان حسب تأكيدات الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين)، مصير العلاقات الروسية الصينية باتجاه المزيد من العمق يتوقف على مستقبل العلاقة بين موسكو وواشنطن، فإذا نجحت العاصمتان في تذليل الخلافات بينهما بشأن الملف النووي، فإن العلاقات بين موسكو وبكين ستبقى ضمن إطارها الحالي، في حين ستتعمق أكثر في حال انقطعت شعرة معاوية بين روسيا والولايات المتحدة، أكرم خزام -(الجزيرة)، برنامج (الملف الأسبوعي) موسكو.

توفيق طه: وأخيراً، مع تأكيد مصادر المعارضة الأفغانية مصرع القائد العسكري الأفغاني المعارض أحمد شاه مسعود، بعد تعرضه لحادث انفجار قنبلة، يبقى مستقبل المعارضة الأفغانية مجهولاً، فلولا قدرات مسعود الميدانية والسياسية، لسيطرت حركة طالبان على ما تبقى من أراضي أفغانستان ومن سوء حظ تحالف قوى الشمال المعارض، أن معظم التحالفات الأساس في فسيفسائها تعتمد على شخصيته الكاريزمية وقدراته التنظيمية.

مصرع شاه مسعود وأثر ذلك على موقف المعارضة الأفغانية

اغتيال أحمد شاه مسعود

تقرير/خالد القضاة: ليس غريباً في بلد كأفغانستان أن يتعرض قائد ميداني لمحاولة اغتيال في أية لحظة، لكن المحاولة التي تعرض لها أحمد شاه مسعود (قائد قوات التحالف الشمالي المناوئ لحركة طالبان) تعني في حال نجاحها أن الأوضاع على الأرض بالتأكيد ستتغير، لأن مسعود على الساحة الأفغانية رقم صعب في معادلة صعبة، فالتحالف الذي يقوده الرجل ظل يعتمد بقوة على قيادته طوال سنوات مواجهة طالبان، ويعتبره البعض أقوى قائد رجال حرب عصابات في أفغانستان، وهذا يتضح من صمود تحالفه أمام طالبان، رغم أن قواته لا تسيطر إلا على نحو 5 % من البلاد، يعزى معظم صمود التحالف الذي يقوده مسعود إلى حنكته العسكرية في بقيادة القوات الموالية لحكومة الرئيس الأفغاني المخلوع برهان الدين رباني الذي أطاح بحكمة، حركة طالبان في عام 96، والأثر الذي كان محتملاً أن يتركه غياب مسعود عن الساحة الأفغانية يتمثل في تمكين حركة طالبان من كسب الجولة الحالية من الصراع المسلح، بسبب ضعف موقفها الناجم عن تنامي التحديات أمامها، وكان من المتوقع أن تشهد الأيام القليلة التي تلت محاولة الاغتيال مزيداً من المعارك الطاحنة بين قوات طالبان وقوات التحالف، لكن الفريقين انشغلا في أمور أكثر جسامة مما بينهما، البعض يؤكد أن صمود التحالف الشمالي أمام قوات طالبان يرد إلى الدعم الذي يلقاه علناً من روسيا، رغم أن مسعود الذي ينتمي عرقياً للطاجيك حظي بلقب أسد بانشير خلال قيادته للمقاومة الأفغانية في وادي بانشير ضد قوات الغزو السوفيتي لأفغانستان في أعوام الثمانينات من القرن الماضي، وقد يؤدي التحالف الذي كان يقوده مسعود دوراً رئيسياً إذا ما ووجهت طالبان بحرب شاملة في البداية أُصيب أحمد شاه مسعود بجروح بالغة في محاولة الاغتيال، لكن قيادة التحالف الشمالي تكتمت على مصيره، ويبدو أنها كانت محاولة لترتيب البيت الداخلي، لكن مصرعه لا شك سيثير تساؤلات حول قدرة خلفائه على استمرارية الرد المسلح على طالبان، خصوصاً مع انعدام البديل القادر على توحيد جميع الفصائل الشمالية في تحالف واحد، هذا بالإضافة إلى القدرات القتالية غير العادية، التي كان يتمتع بها، ولا شك أن مقتله سيمثل ضربة عنيفة لأنصاره على المستوى النفسي، ودفعة كبرى لحركة طالبان، التي ترى فيها العقبة الرئيسية أمام بسط سيادتها على كل أفغانستان، غير أن غياب مسعود من جهة أخرى، قد لا يضع حداً للحرب الأفغانية، ولا للمعاناة التي يعيشها الناس هناك، فكافة الأطراف الخارجية ما زالت على اقتناع بعدم إمكانية حل المشكلة الأفغانية بالأقتتال، وقد يعيق مصرع مسعود التوصل إلى تسوية سلمية دائمة للمشكلة في أفغانستان.

توفيق طه: بهذا نأتي مشاهدينا إلى ختام هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام، لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.