مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

21/01/2001

- بدء مساعي العراق للعودة إلى الصف العربي
- المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية تضع مستقبل باراك في قبضة عرفات

- دلالات اتفاق باريس وموسكو على إنتاج أسلحة تقليدية

- دلالات اغتيال رئيس الكونغو الديمقراطية لوران كابيلا

- حصاد 8 سنوات من حكم كلينتون

جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام، نرحب بكم إلى هذا العدد الجديد من (الملف الأسبوعي) وفيه: العراق عشرة أعوام بعد أم المعارك عاصفة الصحراء، ونجاح في البدء بالعودة إلى الصف العربي.

المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية تضع مستقبل باراك السياسي في قبضة عرفات.

ومصرع رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، نسأل هل كان (كابيلا) ثورياً، أم انتهازياً وصل إلى السلطة واستبد بها؟

بدء مساعي العراق للعودة إلى الصف العربي

استعاد العراق ذكرى مرور عشرة أعوام على نشوب ما تسمى حرب الخليج بنبرة تنم عن تحدٍ لتلك الدول التي مازالت تفرض عليه عقوبات، أو تنادي باستمرار فرض العقوبات، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا والكويت والسعودية.

ربما يكون لتلك النبرة التي تستشف من خطاب الرئيس صدام حسين وتصريحات ابنه عدي بوجوب اعتبار الكويت جزءاً من خارطة العراق، وتصريحات نائب رئيس الوزراء طارق عزيز، وسفر نائب الرئيس العراقي جواً إلى القاهرة.

ما يبررها، وإن يكن في الموقف العراقي شيء من المكابرة، ولكن نجاح القيادة العراقية في إحراز مكاسب دبلوماسية ولو محدودة على الصعيدين العربي والدولي لابد ويعتبر بمثابة رد الكيد إلى نحر الأميركيين بوجه خاص

تقرير/ : لم تكن زيارة نائب الرئيس العراقي إلى القاهرة ذات طابع رسمي لمجرد التوقيع على اتفاق أو اثنين، فتوقيت زيارته ينطوي على أكثر من دلالة، فقد تزامنت مع الذكرى العاشرة لبدء العمليات العسكرية في حرب الخليج الثانية، وكذلك مع زيارة جاسم الخرافي (رئيس البرلمان الكويتي) للقاهرة، وكان من اللافت للنظر تصريح الخرافي الذي لم يعبر عن امتعاض بلاده من الزيارة، بل قال: إن علاقات بلاده بمصر لن تتأثر، فهل في هذا رسالة إلى القيادة العراقية؟

قد تكمن الإجابة على هذا التساؤل في حجم الاتفاق بين العراق ومصر، والذي بموجبه ستلغي الجمارك على السلع بين البلدين، مما سيحولهما إلى سوق واحدة، وهو ما لم يحدث بين أي قطرين عربيين، ويتوقع له أن يرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى ملياري دولار في عام 2002، واتفاق بهذا الحجم لن يكون اقتصادياً فقط، بل هو رسالة سياسية من القيادة المصرية ليس للقيادة العراقية، بل إلى دول تعتبر العراق مصدر تهديد لها، ومفادها أن مصر ستكون قادرة للتأثير على بغداد.

ورغم لهجة الخطاب العراقي المتشدد إزاء الكويت متمثلة في مطالبة عدي صدام حسين بضم الكويت إلى خارطة العراق، واستبعاد طارق عزيز( نائب رئيس الوزراء العراقي) حدوث مرونة في هذا الخطاب إزاء السعودية أيضاً فإن اعتبار القيادة في بغداد طلب عدي شأناً شخصياً قدي يعكس توجهات القيادة في بغداد أكثر من الكلمات النارية، والتي اعتاد المسؤولون في بغداد على إطلاقها في ذكرى الحرب، أو في المناسبات الوطنية المهمة.

وكانت العلاقات المصرية العراقية قد شهدت تحسناً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، وبدا ذلك واضحاً عندما أعيدت العلاقات الدبلوماسية بينهما في نوفمبر /تشرين الثاني من العام الماضي بعد انقطاع دام عشر سنوات، وكان الرئيس العراقي صدام حسين في خطاب عيد الجيش قد امتدح مصر في رفع المعاناة عن الشعب العراقي، سواء على المستوى الشعبي أو الحكومي، حيث سهلت سفر الوفود الشعبية التي ضمت شخصيات رسمية رغم الحصار لإظهار تعاطف الشعب المصري كغيره من الشعوب العربية مع العراق.

كما شهدت جبهة العلاقات بين بغداد ودمشق تحسناً مرموقاً بادر العراقيون به في إطار بحثهم عن طرق كسر الحصار، وقد تجاوزت هذه الاتصالات مرحلة تبادل الرحلات الجوية الرمزية، إلى إعادة تصدير النفط العراقي عبر خط الأنابيب، إلى ميناء بنياس على البحر الأبيض دون خضوع هذا النفط للمراقبة الدولية، وإذ يواجه القطران مشكلة التحكم التركي بمياه دجلة والفرات، فإن العلاقة بينهما مرشحة لمزيد من التنسيق السياسي.

وكل هذه التطورات لابد وتسجل نجاحاً للقيادة العراقية في حملتها لكسر طوق الحصار، فمهما بلغ التنديد الدولي بما قام به العراق عام 90، فإن نظرات الأطفال العراقيين التي تشع بالبراءة وبمضاعفات اليورانيوم المنضب كانت أقوى سلاح في تلك الحملة.

المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية تضع مستقبل باراك في قبضة عرفات

جميل عازر: يستمر مسلسل المحادثات، أو إن شئت المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين كعادته دون تغيير شيء منذ نشوب الانتفاضة.. انتفاضة الأقصى فالاحتجاجات الفلسطينية متواصلة، والاغتيالات الانتقائية مستمرة، والحكومة الإسرائيلية تحاول ما في وسعها لانقاذ مستقبل رئيسها (إيهود باراك).

ورغم التعثر الظاهري في سبيل الوصول إلى اتفاق جاء اقتراح الرئيس الفلسطيني لإجراء محادثات مكثفة في طابا، ليضع النقاط على الحروف، بالنسبة لأهمية الجانب الفلسطيني في معركة باراك الانتخابية، ولعل في هذا مراهنة ربما تكون محسوبة العواقب والأبعاد لديه ولدى ياسر عرفات، وقد تنطوي على دفع أحدهما أو كليهما ثمناً باهظاً.

إيهود باراك وعرفات
تقرير/ : منذ انطلاق عملية السلام في مدريد أولاً، وفي أوسلو من بعدها كان الشعور السائد عند الفلسطينين هو أن الجانب الإسرائيلي هو الذي يملي عليهم أجندة التفاوض، ومواعيدها، وسبل تطبيقها وفقاً لمصلحته الخاصة، وطالما اشتكى الفلسطينيون من هذا الوضع حتى سنحت لهم الفرصة لمحاولة قلب المعادلة، فكيف؟

رغم كل ما قيل وكتب عن التنازلات الفلسطينية لإسرائيل، فإن حقيقة الأمر أن أياً من الثوابت التي بنيت عليها القضية الفلسطينية قبل نصف قرن لم يتغير على الأقل حتى الآن، وربما لهذا السبب تحملت القيادة الفلسطينية اللوم مراراً من بعض العرب الذين اتهموها بالتفريط، ومن إسرائيل وواشنطن اللتين اتهمتاها بعدم المرونة إزاء ما أرادت واشنطن تسويقه على أنه تنازل غير مسبوق من إسرائيل خلال قمة كامب ديفيد في الصيف الماضي.

لكن حدثين هامين ساهما في تغيير الصورة، أولهما: استقالة إيهود باراك من منصبه ودعوته إلى انتخابات جديدة لهذا المنصب يأمل بالطبع أن يكون هو الرابح فيها.

وثانيهما: اقتراب رحيل إدارة (كلينتون) من البيت الأبيض، ووصول إدارة جمهورية جديدة لم يعرف عنها التحيز الأعمى لإسرائيل، هنا وجدت القيادة الفلسطينية ما كانت تبحث عنه، باراك يحاول إنقاذ نفسه من خلال اتفاق.. أي اتفاق معها بدعمٍ من كلينتون، ولمس الفلسطينيون نوعاً من الاستجداء الإسرائيلي الأميركي المشترك.

لكن مقترحات التسوية الأميركية لم تكن على مستوى الطموح، وبدلاً من أن يرفض الفلسطينيون قرروا المناورة من خلال أخذ زمام المبادرة، فأقترح عرفات على (شلومو بن عامي) البدء بمفاوضات وصفها بالماراثونية في طابا، حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية، لكن الإسرائيليين أخذوا يتساءلون لماذا؟ ما الهدف؟ وهل 10 أيام ستوصلهم إلى الاتفاق الذي ينقذ باراك؟

باراك يرى في العرض الفلسطيني تكتيكاً جديداً قد يساعده في الوصول إلى مبتغاه، لكنه قد يرتد عليه، فشارون وأنصاره لا يزالون في طليعة استفتاءات الرأي، والشارع العربي في إسرائيل لا يزال حانقاً على باراك، واليسار التقليدي في إسرائيل فقد الثقة في رجل قدَّم نفسه كصانع للسلام، لكنه لم يصنع حتى الآن سوى الحرب والدمار، فرئيس الحكومة المستقيل لم يعد أمامه خيار ربما للمرة الأولى، وقد تكون الأخيرة في حياته السياسية.

دلالات اتفاق باريس وموسكو على إنتاج أسلحة تقليدية

جميل عازر: كانت ذوبعة اليورانيوم المنضب التي تجتاح الدوائر السياسية الأوروبية المفصل الذي ارتكزت عليه زيارة وزير الدفاع الفرنسي (آلن ريشار) إلى موسكو، ورغم الإعلان عن اتفاق على إجراء دراسات مشتركة للتحقق من تأثير استعمال الذخيرة المزودة باليورانيوم المنضَّب على صحة الإنسان الذي يتعرض لها بشكل أو آخر، فإن في الإعلان الآخر عن اتفاق بين الروس والفرنسيين على تطوير وإنتاج وتسويق أسلحة تقليدية تطوراً مفاجئاً، ولكن عند التعمق في بحث موقف باريس من عدة قضايا عالمية، ومن هيمنة واشنطن على الشأن الدولي والأوروبي بوجه خاص فلابد من استنتاج أن لمثل هذه الاتفاقات بين روسيا وفرنسا أكثر من مدلول.

آلان ريشار
تقرير/ : وصل وزير الدفاع الفرنسي إلى موسكو وفي جعبته أهداف محددة، أهمها أفاق تطوير التعاون العسكري والتقني بين البلدين، وتطور العلاقات بين روسيا وحلف الأطلسي في المرحلة الراهنة، وقد ركز الجانبان على قضايا التعاون الثنائي في مجال حظر نشر الأسلحة النووية، خصوصاً مع وجود مخاوف من أن تلجأ واشنطن إلى بناء ترسانة نووية خاصة بها، ثم تنسحب من معاهدة نزع التسلح الذي وقعها الرئيس الأميركي الراحل (ريتشارد نكسون) مع الاتحاد السوفيتي السابق عام 72 أثناء زيارة إلى موسكو.

التعاون في مجال التحقيق الجاري الآن حول الآثار الصحية للذخيرة المزوَّدة باليورانيوم المنضَّب، والتي استعملت في البلقان كان من أهم ما اتفق عليه الجانبان، رغم أن الوزير الفرنسي نفى وجود علاقة بين استخدام ذلك النوع من الذخيرة وحالات السرطان التي ظهرت على بعض الجنود الفرنسيين الذين عملوا في المنطقة.

العلاقات بين موسكو وباريس شهدت فتوراً في نهاية التسعينات، بسبب الحملة الروسية في الشيشان، ومشاركة القوات الفرنسية في حملة الأطلسي على يوغسلافيا، لكن الدفء الحقيقي للعلاقات بين العاصمتين بدأ عندما قام الرئيس الروسي بزيارة إلى فرنسا قبل ثلاثة أشهر.

وتلتقي موسكو وباريس في أكثر من مجال على الساحة الدولية، فهما تتلاقيان في الموقف إزاء العقوبات الدولية المفروضة على العراق، سواءٌ لمصالح ذاتية سياسية وتجارية، أو لاعتبارات إنسانية، كما أن لهما الرؤية نفسها نحو الأمن في أوروبا، وإنشاء نظامٍ دفاعي شامل تقترحه موسكو، وتحاول إقناع الأوربيين بالمشاركة فيه، ويلتقي البلدان في هذا الشأن بسبب ميول كلٍ منهما نحو إيجاد عالم متعدد الأقطاب بديلاً للهيمنة الحالية التي تتمتع بها الولايات المتحدة دون غيرها.

روسيا حققت مكسباً جديداً في العلاقات الخارجية خلال السنوات الأخيرة، فبعد أن رأت واشنطن تصول وتجول بمفردها أطلقت دعوة إلى الصين لتشكيل تحالف استراتيجي يقف في وجه المد الأميركي، ثم بعد ذلك حاولت مع الهند إعداد وصفة لمحورٍ ثلاثي جديد يربط موسكو وبكين ودلهي، وها هي اليوم تحقق مكسباً آخر بإرساء علاقاتٍ جيدة وموقف موحد مع فرنسا.

أما فرنسا فإنها تجد في روسيا شريكاً حقيقياً يدعمها في وجه الرؤية الأميركية للعالم والعولمة، وكل هذا يتضح من التحركات الفرنسية التي تخص منطقة الشرق الأوسط، وهي منطقة لا ترتاح واشنطن لرؤية أي طرف يخترقها حتى لو كان من حلفائها.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً: كلينتون يغادر البيت الأبيض بسجل حافل بفضائح جنسية، وإنجازات سياسية واقتصادية، وزوجةٍ عضو في مجلس الشيوخ.

[فاصل إعلاني]

دلالات اغتيال رئيس الكونغو الديمقراطية لوران كابيلا

جميل عازر: إذا كان مصرع رئيسٍ على يدي من يأتمنهم لحمايته من الاغتيال دليلاً على مدى شعبية ذلك الرئيس، فإن رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية (لوران كابيلا) لم يكن يتمتع بأي شعبية، فهذا الرجل الذي بدأ حياته السياسية شيوعياً ماركسياً إبان دراسته الجامعية في فرنسا، وانضم إلى قائد التحرر الكونغولي من الاستعمار البلجيكي (باتريس لومومبا) الذي أدى مقتله عام 61 إلى فرار كابيلا إلى دولٍ مجاورة قد بدأ هناك بتنظيم مقاومة لنظام (موبوتو سيسي سيكو) الذي أطاح بلومومبا، وبقي خارج الكونغو يتاجر ببيع الذهب، إلى أن سنحت للوران كابيلا الفرصة، فانتهزها وأطاح بموبوتو عام 97، ليس ثأراً لرفيقه، بل سعياً منه للوصول إلى الحكم.

جوزيف كابيلا يقف أمام صورة والده الراحل أثناء مراسيم تنصيبه
تقرير/ : كتب الثوري الدولي (إرناثوشي جيفارا) في مذكراته التي رأت النور عام 96 على لوران كابيلا: "لا شك أن كابيلا سيصبح رئيس جمهورية إفريقية في المستقبل، فهو يحب الرفاهية، ويجيد الاختفاء في الأوقات الحرجة"، وقد كتب جيفارا هذه الأسطر في حالة غضب عندما ذهب إلى أدغال الكونغو عام 63، وكان على اتفاق مع كابيلا بأن يلتقيا في تلك الأدغال، لكن كابيلا كان ينتقل ما بين باريس والقاهرة، وعاد بعد أن غادر جيفارا الكونغو بعد انتظارٍ دام ستة أشهر.

كان (لوران ديزاييه كابيلا) رفيق لومومبا بطل النضال الإفريقي ضد الاستعمار الأوروبي، إلا أن موبوتو سيسي سيكو انقلب على لومومبا واعتقله، وعذَّبه ثم أعدمه في سبتمبر من عام 61، واستمر كابيلا يقاتل نظام موبوتو منذ ذلك الحين، وحتى اعتلائه سدة السلطة عام 97، وشاءت الأقدار أن تقع كل هذه الأحداث الدامية في منطقة البحيرات، أغنى مناطق إفريقيا بالماس واليورانيوم، وهي منبع النيل الأبيض والعديد من الأنهار الأخرى، إنها قلب القارة السوداء، وهمزة الوصل بين شماليها وجنوبيها، وتشهد المنطقة صراعاً دامياً بين نفوذ الفرانكو بلجيكي والمحاولات الأميركية للاستحواذ على تلك المنطقة.

وكان يوري مسادني (رئيس أوغندا) حليف كابيلا لحظة توليه السلطة، ويعتبر البعض مسادني رأس حربة النفوذ الأميركي، وما أن مر وقت قصير حتى انقلب على كابيلا، وأخذ يدعم تمرد (توتس لبانيا مولانجي)، وتسانده في ذلك رواندا وبروندي اللتان تحكمها الأقلية التوتسية أيضاً، ومسادني نفسه ينتمي إلى أصول توتسية، وبسبب دعمه العسكري للبانيا مولانجي تمكنوا من احتلال ثلثي أراضي جمهورية الكونغو الديمقراطية، وكادوا يطيحون بكابيلا في أغسطس (آب عام 98) لكن قوات من ناميبيا وأنجولا وزيمبابوي وقفت معه ضد المتمردين على حكومته.

وقد فشلت كل الجهود في إيقاف نزيف الدم، ورفض الطرفان نشر قوات من الأمم المتحدة، خوف أن تنحاز إلى أي منهما، وانهارت اتفاقية السلام التي وقعت في لوساكا في أغسطس من عام 99 بعد أن خرق الطرفان وقف إطلاق النار، ولا يزال الكونغو رغم ثرائه فقيراً، وقد فشلت حكومة كابيلا في توحيد البلاد أو تخفيف وطأة الفقر، ولا أحد يعلم ما الذي أدى بقائد الحرس الشخصي إلى إطلاق النار على كابيلا، فهؤلاء هم نفس الرجال الذين قاتلوا تحت إمرته منذ كان في الأدغال، ويعتقد بعض المراقبين أن الأمر انقلاب داخلي قامت به النخبة المقربة من كابيلا، بل وذهب المتمردون إلى اتهام ابنه (جوزيف) بتدبير الانقلاب، و(جوزيف كابيلا) يحكم كنشاسا الآن، أما إن كان سيستطيع منع البلاد من الغوص في حالة فوضى كاملة خاصة بعد دخول حركة التمرد في تحالف جبهاوي فإن أحداً لا يستطيع التكهن بذلك الآن.

جميل عازر: وكنت قد تحدثت عبر الهاتف إلى رضوان موسى (المستشار السابق لرئيس جمهورية الكونغو برازافيل) وسألته أولاً عن تقويمه لشخصية لوران كابيلا.

رضوان موسى: لقد عرفت شخصيا الرئيس كابيلا، وأعتقد أن الرئيس كابيلا هو شخصية قاسية، وأيضاً متغطرس، ولا يعرف المبادئ ولا العقائد أبداً، بالرغم من أنه عرف عنه أنه يميل إلى التراتوسكية.. التروتوسكية في بداية حياته، ويحكم عمله السياسي دائماً الفعل ورد الفعل، وهو أيضاً سريع الثأر، وقد يعرف الفكاهة إلى حد ما، وأتكلم أنا هنا كطبيب أيضاً نفساني يعني.

جميل عازر: دكتور رضوان، ما حجم خسارة كابيلا على المسرح السياسي، وخاصة في وسط إفريقيا؟

رضوان موسى: لا شك أنه يتحلى في زعامة، وهذه الزعامة قد كسبت يعني له الكثير من الأصدقاء يعني في البداية، ولا شك أنه سيترك يعني فراغاً كبيراً يعني في الأرض وفي أيضاً قلوب الناس الذين أحبوه.

جميل عازر: إذن ما الذي يمكن أن نتوقعه من تداعيات على العلاقات بين الكونغو الديمقراطية ودول الجوار بوجه خاص تلك التي لها علاقة ولها ضلع فيما تشهده الكونغو الديمقراطية من اضطرابات؟

رضوان موسى: الوضع في الكونغو الآن هو سيبقى ما عليه. لقد ورث ابنه أصدقاء والده وأعدائه، وكل هذه القوى يجب أن يعاد الحوار معها، وأن يصلوا إلى حلٍ سلمي، لا أقول يكافأون على موقفهم منه، ولكن هناك أمور يجب حلها، وقد تنكر إليها السيد كابيلا.

جميل عازر: طيب هل تعتقدون أن الكونغو الديمقراطية مرشحة لمزيد من الاضطرابات، ربما للتجزئة من قبل جوارها؟

رضوان موسى: هذا كلام صحيح تماماً. الكونغو الديمقراطية لم تشهد إلا استقرار بسيط، يمكن من الـ97 إلى بداية الـ98، فهي في حالة توتر، وفي حالة اضطرابات، وفي حالة نزاع مسلح، وأعمال حربية من الجهات الأربعة، فلهذا فهي مرشحة أيضاً إلى تجرئة، وقد تكون أيضاً إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى حرب أهلية بعيدة.

جميل عازر: طيب دكتور رضوان، في هذه الحالة من تتوقع من الأطراف أن يكون اللاعب الرئيسي في شؤون الكونغو الديمقراطية إلى أن تتضح اتجاهات القيادة الجديدة، أو القيادة التي ربما ستخلفها، وذلك من الأطراف الخارج.. الخارجية غير الإفريقية، ومن الدول الإفريقية في ذاتها؟

رضوان موسى: اللاعب.. اللاعب الأساسي أو اللاعبان الأساسيان في.. في القضية الكونغونية هو الرئيس (روبرت موجابي) وهو أيضاً (يوري موسافيني) ورواندا، فهذه الدول هي الأساس في أن تُزيد دائرة الحرب وتوسيعها أو تقليصها عبر حوار مع الطرف الآخر اللي هو رواندا، وناميبيا، وأنجولا، وأيضاً الكونغو برازا فيل، أما الدول الأخرى إذا يعني أحببت أوروبا، إن أوروبا تراقب بحذر ما يجري، وأعتقد أن أوروبا تريد أن ترى الكونغو يعني في سلام، لأنه هذا مما يؤمِّن مصالحها الكثيرة والكبيرة في تلك المناطق، وأيضاً الولايات المتحدة لا أعتقد أنها يعني يسعدها أن ترى الكونغو في وضعٍ مضطرب قد يزيد من دوائر الحرب حول جيرانها.

حصاد 8 سنوات من حكم كلينتون

جميل عازر: ربما لم يعتلِ سدة البيت الأبيض في واشنطن رئيس أثار ويثير من الاندهاش والتعجب أكثر مما ينسب إلى (بيل كلينتون) فقد تمكن خلال السنوات الثماني التي قضَّاها رئيساً للولايات المتحدة أن يبقى تحت الشبهات وهدفاً للشائعات، وتحت طائلة القانون، والإدانة بالحنث باليمين، ومن تحقيق بعض الإنجازات السياسية والاقتصادية المهمة، كل ذلك في آن واحد، وإذ لا يزال كلينتون في مطلع الخمسينات من عمره، ومن المبكر أن يحكم عليه التاريخ، فهل سيخلد إلى الراحة ليكون مواطناً أميركياً عادياً كما قال في خطاب وداعه للناخب الأميركي الذي انتخبه للرئاسة مرتين، ومنحه الصفح مرة على الأقل؟

بيل كلينتون
تقرير/ : العشرون من يناير/ كانون الثاني قبل ثماني سنوات بدأ الأميركيون يتعرفون على الرجل الذي انتخبوه قبل نحو شهرين من ذلك التاريخ رئيساً لهم، وربما أيضاً للعالم الجديد.

(وليم جيفرسون كلينتون) الذي عرفه العالم باسم (بيل كلينتون) أدى في ذلك اليوم قسم المحافظة على دستور الولايات المتحدة، وعلى القيام بواجبه كما تنص عليه الشرائع والقوانين الأميركية، ولكن هل كان كلينتون مقتنعاً بأقواله تلك، أم أن الأمر لم يكن بالنسبة له سوى مجرد كلمات جوفاء؟

ثماني سنوات قضاها كلينتون في البيت الأبيض، كانت بالنسبة للكثيرين بمثابة مسلسل تليفزيوني كان هو مؤلفه ومخرجه وبطله، مسلسل بدأ حتى قبل انتخابه عندما ظهرت إشاعات تتحدث عن مغامراته العاطفية، لكن كلينتون استطاع إنقاذ نفسه ليس بإعجوبة، بل ببساطة شديدة أثارت انتباه المراقبين، بسبب قدرته وبراعته في التعامل مع وسائل الإعلام، وفي التحدث إلى الجماهير.

وهنا برزت نقطة حاسمة في تحليل الشخصية المزدوجة لهذا الرئيس، إذ إن ثماني سنوات من الحكم لم تثبت قدرة هذا الرجل على قيادة الرأي العام، لا داخل ولا خارج الولايات المتحدة، فشهرة كلينتون نبعت من قدرته الفائقة على تطويع شخصيته وسياساته وفقاً لتوجهات الرأي العام، فانصاع له قلباً وقالباً، حتى أنه كان يستطلع رغبات الجمهور في المكان الذي يقضي فيه إجازته السنوية، هذا الأسلوب أكسبه شعبية هائلة في صفوف الأميركيين الذين بدأوا يشعرون أن حاكم البيت الأبيض أصبح قريباً منهم، لكن هذا القرب والتقرب ساهم أيضاً في إضفاء نوع من الابتذال على منصب الرئاسة، ولم تكن أحداث مسلسل (باولا جونس) و(مونيكا لوينسكي) سوى فصول من بين أخرى جذبت انتباه الرأي العام داخلياً وخارجياً، وكان لسان حال الجميع يقول: ترى كيف سينقذ كلينتون نفسه من هذا المستنقع؟ وحتى عندما صوَّت الكونجرس لتوجيه الاتهام له أثار الرئيس الأميركي إعجاب خصومه باعترافه بالخطأ وطلب الصفح، لكنه لم يتنازل أبداً عن مقعد الرئاسة، كما كان أعداؤه يريدون.

وتميزت سنوات حكمه أيضاً برخاءٍ اقتصادي لم تشهده الولايات المتحدة منذ نصف قرن، ورغم أن كلينتون لم يكن يوماً ذلك العبقري الاقتصادي فإنه استطاع أن ينسب هذا الرخاء لنفسه، وليس لحاكم البنك المركزي (آلان جريسبان).

أما على الصعيد الدولي فقد اقترن اسم كلينتون بالعديد من المواقف والأحداث، وعلى رأسها عملية السلام في الشرق الأوسط، فقد كان أول رئيس أميركي يستقبل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وأمام عينيه وفي ضيافته صافح عرفات عدوه اللدود (إسحق رابين)، وفي عهده أيضاً وافق الكاثوليك والبروتستانت في أيرلندا الشمالية على وضع حدٍ لقرون من الاقتتال والصراع الدموي، وهو أيضاً أول رئيس أميركي تطأ قدماه أرض فيتنام منذ ربع قرن. ويغادر إذن كلينتون كرسي الرئاسة، فهل يعني ذلك أنه لم يعد سوى مواطنٍ أميركي عادي؟ هذا ما يعتقده الجميع، وهذا ما يقوله هو، ولكن على غير اقتناع كعادته دائماً.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى نهاية هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، على أننا سنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر.

فتحية لكم من فريق البرنامج، هذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.