مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

01/04/2001

- فشل قمة عمان في حل الخلافات العربية
- عودة التناحر على السلطة في الصومال في ظل تنافس الجيران على النفوذ

- إذعان بلغراد للضغوط الإقليمية بإلقاء القبض على سلوبودان ميلوسوفيتش

- الكوريتان بين الرغبة في التوحد والرفض الأميركي

جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام، نرحب بكم إلى هذا العدد الجديد من الملف الأسبوعي وفيه القمة العربية في عمان قرارات لا تفي بالتوقعات وفشل في حل الخلافات.

الأوضاع في الصومال عودة إلى التناحر في ظل تنافس الجيران على النفوذ.

وسلوبودان ميلوسوفيتش يتحدى السلطة فهل يستطيع الإفلات من يوم الحساب؟

فشل قمة عمان في حل الخلافات العربية

إذن انعقدت القمة العربية الدورية الأولى وصدر البيان الختامي ولم يتحقق من آمال الجماهير العربية شيء يذكر، بل ولم تكد القمة تنتهي حتى وصفها وزير الخارجية العراقي بأنها فاشلة.

ربما يكون في ذلك قدر كبير من الصحة إذا ما قورنت النتائج بمستوى التوقعات، ويمكن القول إن أبرز ما أسفرت عنه قمة عمان هو التأكيد على العجز العربي في معالجة المشاكل التي تجزيء صف العرب وتشتت شملهم، حتى وإن يكن انعقاد القمة بحد ذاته في الموعد الذي تحدد في قمة القاهرة إنجازاً مرموقاً، ولكن هل بين الواقع والتوقع في هذا الإطار بون شاسع؟

مشهد عام للجلسة الختامية للمؤتمر
تقرير/ : هل يجوز توجيه اللوم إلى الشعوب العربية لأنها تتوقع من القادة حل مشاكلها فبناء على ما تحقق في القمم العربية بما فيها قمة عمان تبدو التوقعات الشعبية أكثر بكثير مما تبرره النتائج ولعل أقل ما كان الرأي العام العربي يتوقعه حتى في ظل الظروف الراهنة هو تفعيل موضوع المساعدات المالية للشعب الفلسطيني الذي أكملت انتفاضته شهرها السادس، لكن البيان الختامي الذي توصل إليه الرؤساء والملوك بعد لأي صدر خالياً من التأكيد على مبلغ المليار دولار الذي تعهدت به الدول العربية في قمة القاهرة لدعم الانتفاضة الفلسطينية بل وتحدث بعض القادة عن تحويل الأمر إلى قروض سهلة.

وبالطبع جاء البيان مليئاً بالتعبيرات المعروفة في الخطاب السياسي العربي من شجب وإدانة وتنديد لممارسات إسرائيل ورئيس وزراءها ذي التاريخ الدموي آرئيل شارون.

أما موضوع المقاطعة العربية لإسرائيل فقد وعد القادة بتفعيله وهو ما يستبعده بعض اللاصقين بالشأن العربي، فمصر تربطها معاهدة سلام مع إسرائيل، و فوق هذا تعلم أن الولايات المتحدة تعاقب اقتصادياً كل دولة تقاطع إسرائيل، والدعم الأميركي لمصر يبلغ حوالي 3 مليارات من الدولارات.

والأردن جار إسرائيل وموطن مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين لن يستطيع الدخول في سياسة المقاطعة بسبب علاقاته الإسرائيلية والأميركية، وبسبب اعتقاده أنه رئةٌ يتنفس بها الفلسطينيون في ظل الحصار الإسرائيلي القاسي.

وتنطبق معايير المقاطعة على بقية الدول العربية التي ترتبط بالولايات المتحدة الأميركية بدرجات متفاوتة، فللولايات المتحدة قواعد عسكرية في دولة الخليج، ولا يمكن تصور أن لا تراعي هذه الدول المحاذير الأميركية خاصة وأنها تعتبر الولايات المتحدة ضمانة أمنها الأولى.

وهذا يقود إلى الموضوع الثاني الذي يكاد أن يفجر هذه القمة وهو الحالة العراقية الكويتية، فكما فشل وزراء الخارجية في التوصل إلى صيغة مقبولة لدى بغداد والكويت فشل القادة كذلك في إيجاد مخرج، ومع أن القمة دعت بصورة مبهمة إلى رفع العقوبات الاقتصادية عن العراق، إلا أنها تركت حل هذه القضية الشائكة إلى لجنة برئاسة العاهل الأردني الملك عبد الله.

لاشك في أن القرارات أتت دون توقعات الشعوب العربية عامة والشعب الفلسطيني الذي تسفك دماء أبناءه يومياً بأسلحة الإسرائيليين.

لكن هل في إمكان القادة العرب أن يتخذوا قرارات قابلة للتنفيذ في ظل الأوضاع العربية والدولية الراهنة؟

لعل من أهم المؤشرات على ضعف الموقف العربي إقدام الولايات المتحدة بصلف على الفيتو في مجلس الأمن الدولي لمنع الموافقة على تشكيل قوة دولية من المراقبين لحماية الفلسطينيين من البطش الإسرائيلي.

فسقف الطموحات العربية يبدو محدوداً للغاية عندما يتعلق الأمر بإسرائيل والمصلحة الأميركية.

وكما لو كان هذا غير كافٍ حلَّ العراق في نظر بعض الدول العربية محل إسرائيل أو الصهيونية كمصدر الخطر الذي يهدد أمنها.

وبينما يفتك الرصاص بالفلسطينيين وينهش السرطان أجساد العراقيين تجتمع لجان عربية وتنبثق عنها لجان فرعية وتتوالى مواكب التشييع في فلسطين والعراق.

جميل عازر: فما هي المدلولات التي يمكن استقراؤها في بيان القمة العربية؟ أولاً قد يكون من الإجحاف إتهام القادة العرب بأنهم كانوا قادرين على اتخاذ قرارات استراتيجية لوضع أسس سياسة عربية موحدة إزاء التعامل مع قضايا مصيرية وهموم مشتركة ابتداء من المواجهة وليس السلام مع إسرائيل إلى تداعيات العولمة وحتى التعامل مع الأخطار البيئية.

ويمكننا القول أيضاً إن القادة العرب اجتمعوا وعلى رؤوسهم طيران: النسر الأميركي والصقر الإسرائيلي، فكيف لهم أن يركزوا ولو على معالجة أعراض التفرقة، ناهيك عن اجتثاث جذورها؟

تقرير/: فشلت القمة على الصعيد العراقي الكويتي، مقولة لم يختلف عليها أحد لا داخل أروقة القمة ولا خارجها، لكنها نجحت على الصعيد الفلسطيني إذا أخذنا برأي معظم القادة العرب وفشلت إذا نظرنا إلى الرد أميركياً وإسرائيلياً.

لم تكد القمة تنهي أعمالها حتى انبرت واشنطن لتضع حداً لآمال الفلسطينيين بإرسال قوة حماية دولية، الفيتو الأميركي كان متوقعاً ولكن ليس بهذه السرعة في وقت كان فيه الزعماء العرب مجتمعين في عمان يصيغون بياناً ختامياً يطالب المجتمع الدولي بهذه الحماية.

لكن قمة عمان فضلت تجاهل هذا الفيتو، وأصرت على أن يشمل بيانها الختامي فقرة تدعو إلى مثل هذه الحماية الدولية، الدعوة إلى إجراء أثبت العرب أنهم مجتمعين غير قادرين على إقناع المجتمع الدولي به.

لكن أفضل رد على دعوات التضامن مع الفلسطينيين ودعم صمودهم وكفاحهم جاء من آرئيل شارون نفسه، فقد تحمل رئيس الحكومة الإسرائيلية تبعات عدة هجمات انتحارية أوقعت العديد من الضحايا في صفوف الإسرائيليين، لكنه فضل عدم الرد حتى لا يثير حنق بعض العرب المجتمعين في عمان خاصة أولئك الذين يصنفون في قائمة المعتدلين.

ولكن وبعد ساعات قلائل من انتهاء القمة تفجرت نزعة الإرهاب الشارونية، وعاشت المدن الفلسطينية ليلة إرهاب عسكري قلما شهدت مثيلاً له.

وكان هذا الرد الإسرائيلي بمثابة رسالة موجهة إلى العالم العربي برمته: من حقكم إصدار ما تشاءون من بيانات تنديد واستنكار ومن حقنا استخدام ما يحلو لنا من قنابل ومتفجرات ووابل من الرصاص.

معادلة إذن لم يستطع العرب موازنتها منذ عقود، صحيح أن بعض العرب ما زال ينادي بالعودة إلى خيار الحرب، لكنها تبقى دعوات لا تلقى أي صدى لدى الآخرين.

خيار الحرب العسكرية غير وارد في مواجهة إسرائيل فماذا يبقى إذن؟

يبدو أن بعض العرب بدءوا يعون وجود خيار آخر لم يكن وارداً من قبل، خيار الحرب الاقتصادية، ليس تلك الحرب التي تقتصر على استخدام سلاح المقاطعة الذي أثبت فشله خلال نصف قرن من الزمان، بل سلاح القوة الاقتصادية المتمثلة في تقوية البنية التحتية وتفعيل التجارة العربية البينية من خلال سوق عربية متكاملة تضع جانباً الخلافات السياسية وتعمل على تحييدها.

ولأول مرة يوافق الزعماء العرب على عقد قمة لا تناقش مشاكلهم الخاصة بل تهدف إلى تدعيم مؤسسات بلادهم الاقتصادية من خلال التكامل مع العربي وليس مع الأجنبي، وقد يشكل هذا حلماً في نظر البعض ولكنه يبقى حلماً أسهل على التنفيذ من حلم تحرير فلسطين من النهر إلى البحر.

جميل عازر: وكنت قد تحدثت إلى الدكتور هاني الخصاونة وزير الإعلام الأردني الأسبق وسألته أولاً هل البون الشاسع بين الواقع والتوقع يعني أن المسافة الفاصلة بين الجماهير العربية وقادتها شاسعة أيضاً؟

د. هاني الخصاونة: بالتأكيد.. بالتأكيد المسافة كبيرة جداً طبعاً، بل يعني لماذا البقعة الوحيدة في العالم التي لا تزال شعوبها تنتفع بمظاهرات ضد حكامها سوى منطقتنا، فطبيعي المسافة هي مشكلة المشاكل، الإشكالية الكبرى هي هذه المسافة الشاسعة التي تفصل بين الحكام العرب وبين شعوبهم.

جميل عازر: طب دكتور هاني أين مكامن الضعف في القمم العربية، هل هي مستحكمة، هل هي مستفحلة يصعب أو ربما يستحيل معالجتها أو التعامل معها.

د. هاني الخصاونة: لأ العقد ليست متحكمة، لكنها عقد كبيرة لأن الدول العربية جُزئت خلافاً لإرادتها، وأقامت القوى الأجنبية الكبرى الطامعة في النفط العربي وبالثروات العربية أنظمة حكم، شبكات من أنظمة الحكم وورثتها في علاقات تبعدها عن شعوبها، وتجعلها تعتمد أكثر على هذه القوى الكبرى. هذا التصور..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب هل.. هل تعتقد.. دكتور هاني هل تعتقد أن في مبدأ الإجماع المطبق على اتخاذ القرارات العربية عقبة في طريق الالتزام بهذه القرارات، أم أن عدم الالتزام أصبح جزءاً من الشخصية العربية؟

د. هاني الخصاونة: أخ جميل هو ليست المشكلة في النظام العربي الرسمي كما يحكم ميثاق جامعة الدول العربية وجود عنصر الإجماع في القرارات الكبرى والمصيرية، ولكن إرادة الانفراد ومحاربة فكرة تعزيز الوحدة العربية والتكامل العربي من قبل الدول المهيمنة الكبرى ومعها إسرائيل، ونفاذ هذه القوى إلى بعض أنظمة الحكم العربية -إن لم يكن معظمها- وإفسادها لفكرة التعاون العربي وتطويره، وإدخالها في مشاكل كثيرة يحول.. هو الذي يحول وليست نصوص الإجماع أو نصوص الميثاق، هو الذي يحول دون تطور النظام العربي الرسمي ليقترب من أهداف الشعوب العربية.

جميل عازر: طيب دكتور هاني في رأيك ما هي الأولويات التي ينبغي أن يركز عليها الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية؟

د. هاني الخصاونة: آن.. أولاً أن يطور أو أن يحرص على تعميق النزاهة في جهاز الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بحيث يظل بعيداً عن.. عن أي.. عن أي شبهة.. شبهة انحياز أو شبهة استخفاف في مصالح الأمة، وأن يختار جهازاً من الأكفاء اللامعين وهو يعرفهم من شتى الدول العربية ليكون للأمانة العامة وجهازها الإداري والفني ثقل معنوي واحترام لدى الشعوب العربية.

الأمر الثاني: الأمين العام بحكم سمعته الأستاذ عمرو موسى يستطيع أن يؤدي دوراً كبيراً في تطوير مؤسسات الجامعة العربية وخاصة المجلس الاقتصادي والاجتماعي، تشجيع مجلس الوحدة الاقتصادية، توحيد الشؤون الثقافية بين الدول العربية، تطوير العمل الاجتماعي، تطوير المصطلحات القانونية، الدفع بإنشاء محكمة عدل عربية، تعديل الميثاق لتلافي ما كشفه الزمن من ضرورة تلافيه، وما كشفه الزمن ضرورة إضافته للميثاق، وعلى المستوى السياسي فإن عمرو موسى مؤهل لأن يلعب إلى جوار رئيس القمة الذي هو الملك عبد الله دوراً كبيراً في تصفية ما يسمى بالحالة العراقية الكويتية.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في الملف الأسبوعي وفيه أيضاً، الكوريتان بين الرغبة القومية في التوحد من جديد وموقف أميركي يخشى التقارب بين الشطرين.

[فاصل إعلاني]

عودة التناحر على السلطة في الصومال في ظل تنافس الجيران على النفوذ

جميل عازر: أخطأ من ظن أن الأوضاع في الصومال صارت مرشحة للاستقرار بمجرد تشكيل الحكومة الانتقالية الحالية، فقادة الفصائل المتناحرة الذين شكلوا في أديس أبابا مجلساً ليكون منافساً لحكومة الرئيس عبد القاسم صلاد حسن أبعد ما يكونون عن طبع سيوفهم مناجل ودفن الضغائن التي يضمرها كلٍ للآخر، وما العودة إلى اختطاف رهائن ممن يعملون مع منظمات دولية إلا دليل على أن القرن الإفريقي لا يزال يناطح نفسه، وسيظل كذلك طالما بقي جيران الصومال يسعون لتقسيمها إلى مناطق نفوذ.

قادة فصائل المعارضة في الصومال بينهم حسين عيديد
تقرير/ : تفاقم الخلاف في الصومال بين حكومة الرئيس الذي تم اختياره في مؤتمر عرق العام الماضي عبد القاسم صلاد حسن وما بين الميليشيات الصومالية.

و التعبير عن الخلاف في الصومال عادة ما يكون دموي للغاية، وآليات فض النزاعات متخلفة للغاية، وعلى الرغم من الاعتراف الإقليمي والدولي الذي أسبغه العالم على صلاد حسن فقد رفضت الفصائل الصومالية بشدة الاعتراف بحكومته، وتمكنت هذه الفصائل التي تختلف في انتماءاتها القبلية وولاءاتها الإقليمية من القيام بعدد من الخطوات التي لا يمكن إلا أن تعتبر محاولة لتهميش صلاد حسن وحكومته:

أولاً: شكلت الفصائل مجلس رئاسي بقيادة حسين عيديد أسمته مجلس المصالحة الصومالية يتكون من 5 أعضاء يهدف إلى تجاوز الحكومة الحالية.

ثانياً: أعلن مجلس المصالحة الوطنية إنشاء جهاز تنفيذي لإدارة شؤون الصومال خلال فترة الـ 6 أشهر القادمة.

ثالثاً: تم تعيين 23 عضواً في الجهاز التنفيذي في مقدمتهم يوسف عمر الأزهري سكرتير للشؤون الخارجية وحسن خلاد للداخلية والجنرال محمد موجال للدفاع. ولم يكن إعلان المجلس في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مصادفة أو بدون مدلولات، وكان الرئيس الصومالي في خطابه للقمة العربية قد اتهم إثيوبيا صراحة بالتدخل في شؤون بلاده، وأنها تدعم الميليشيات، وطلب عوناً عربياً عاجلاً لإعادة الأمن والاستقرار إلى بلاده.

فإثيوبيا التي كانت قد شنت حرباً طاحنة على الصومال في أواخر السبعينات استطاعت إثرها احتلال أوجادين، ستظل تحاول الحصول على منفذ عبر الساحل الصومالي، وليس غريباً أن تحاول إريتريا أيضاً إيجاد منطقة نفوذ لها في الصومال عبر دعم الرئيس صلاد حسن، رغم الجفاء الذي يقترب من العداء السافر بين إريتريا وجيبوتي التي رعت انتخاب الرئيس الصومالي الجديد.

وبالطبع في محاولة لتأكيد نفوذها قامت الميليشيات باختطاف 6 موظفين دوليين أميركيين و3 بريطانيين وجزائري وبلجيكي، إلى جانب اثنين من الأسبان وفرنسي يعملون في منظمة أطباء بلا حدود.

مسوغ الاختطاف فكان رفض الميليشيات للتعامل منظمة العون الإنساني مع الرئيس صلاد حسن وإغفالها (..) قادة الفصائل فالحرب الأهلية في الصومال مزقت البلاد إلى أشلاء متناحرة، وقتلت حوالي مليون نسمة، وشردت ملايين الصوماليين في جميع أنحاء العالم من اليمن وحتى أوروبا والولايات المتحدة.

وبفضل موقعها الجغرافي الذي يحتل كل القرن الإفريقي، فإن الصومال يمكن أن تشكل عمقاً استراتيجياً عربياً بالنظر إلى سواحلها الطويلة على المحيط الهندي من خليج عدن وساحل جيبوتي شمالاً إلى حدود كينيا الساحلية جنوباً، ولكن ذلك يتطلب دعماً عربياً في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

إذعان بلغراد للضغوط الإقليمية بإلقاء القبض على سلوبودان ميلوسوفيتش

جميل عازر: أطبق فكا الكماشة أو يكادان على سلوبودان ميلوسوفيتش فيما يعتبر إذعاناً من السلطات في بلجراد للضغوط الأطلسية، وهذا إجراء لابد وأن يكون الرئيس اليوغسلافي السابق قد آخذه في الاعتبار، وربما اتخذ بعض الاحتياطات لتفادي وقوعه في براثن ما يعتبره معظم الصرب مؤامرة دولية للنيل من شخص ظل يمثل حتى وقت قريب تعبيراً عن هويتهم القومية، فرفضه الاستسلام للقوات التي أحاطت بداره لا يمكن أن يكون إلا استناداً إلى إدراكه لوجود دعم له على الصعيدين الشعبي والعسكري.

وبينما قد تبعث محاولة اعتقاله السرور في نفس المطالبين به فإنها تثير مخاوف بل وقلق، مما قد يتطور إليه الوضع في يوغسلافيا ذاتها.

ميلوسوفيتش تحت حماية رجل أمن حيث يمثل أمام محكمة جرائم حرب تابعة للأمم المتحدة في لاهاي
تقرير/: يخطئ من يعتقد أن أحداً في يوغسلافيا يجرؤ على التفكير في تسليم سلوبودان ميلوسوفيتش إلى محكمة الجزاء الدولية في لاهاي، ليس لعدم الاقتناع برواية الغرب والشرق عن مسؤولية الرئيس اليوغسلافي السابق في ارتكاب جرائم حرب في البوسنة وكوسوفو، بل لأن كل صربي يفكر بنفس الطريقة التي فكر بها ميلوسوفيتش الذي يعتبر في نظر معظمهم بطلاً قومياً لا ينشد سوى الحفاظ على أرض الأجداد في صربيا الكبري.

وكثيرون لا يرون في الرئيس الجديد (كوستا نيتشا) سوى ميلوسوفيتش آخر، قومي صربي متعصب ووطني لا يمكن لأحد المزاودة عليه، ولكنه ألبس نفسه حلة الديمقراطية والحداثة والحضارة.

ولا يمكن لكوستا نيتشا الانكفاء على نفسه كما فعل سلفه، فهو بحاجة إلى الغرب الذي شن عليه وعلى بلاده حرب لا هوادة فيها ودمر معظم البنية التحتية للبلاد.

لكن لكل شيء ثمناً، فواشنطن وعدت الرئيس الجديد بدعم مالي وإنما بشرط تسليم ميلوسوفيتش إلى محكمة جرائم الحرب في لاهاي، وهذا ما لا يستطيع عمله وإلا فقد قاعدته الجماهيرية والسياسية، فأخذ يتحدث عن القوانين اليوغسلافية التي تحظر تسليم مواطنيها، وعندما اشتدت الضغوط وبدأت المهلة الممنوحة له من واشنطن بالنفاذ، أمر قواته بمحاولة القبض على ميلوسوفيتش ليس لتسليمه كما يعتقد الغرب، بل لمحاكمته محلياً بتهم شتى، تتراوح بين الفساد السياسي والمالي ومحاولة تزوير الانتخابات، وهي تهم تبقى رمزية، ونوعاً ما مضحكة في ظل النظام السياسي في يوغسلافيا ما بعد تيتو، لكنها تبقى حيلة قد تلاقي النجاح ولو مؤقتاً، وتخفف من الضغوط الدولية.

لكن اتخاذ قرار الاعتقال شيء وتنفيذه شيء آخر، إذ رغم محاولة الشرطة استخدام القوة العسكرية المسلحة لتنفيذ أمر الاعتقال تصدى أعوان ميلوسوفيتش لهم، فالرئيس السابق لا يزال يحظى بشعبية كبيرة في صفوف الملايين من الصرب، ولا أدل على ذلك من تدخل قائد الجيش شخصياً لمنع تنفيذ أمر الاعتقال، مما يشير إلى عدم وجود تنسيق بين مؤسسات الدولة.

ويبدو أن الحملة الوحيدة الذي تبقى هو التوصل إلى حل ودي يقضي بتسليم ميلوسوفيتش نفسه طواعية، وهو أمر من الصعب تصوره، إلا إذا طرأ جديد على القضية.

وعلى الرغم من الوضع الصعب الذي يواجهه فإن ميلوسوفيتش نجح في إرسال رسالة إلى كل أعدائه، فالشعب هو الذي أجبره على التنحي عن السلطة والشعب نفسه هو الذي يشكل اليوم درعاً لحمايته.

أما الجيش مالك مفاتيح السلطة في البلاد فإن كلمته هي القول الفصل في هذا الشأن.

الكوريتان بين الرغبة في التوحد والرفض الأميركي

جميل عازر: منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 45 من القرن الماضي والشأن الكوري مرتبط بالموقف الأميركي في ذلك الجزء من آسيا، فالمفاتحات المباشرة بين كوريا الجنوبية والشمالية لا تجد استحساناً في نظر واشنطن، ورغم التحسن في العلاقات بين سول وبيونج يانج في الآونة الأخيرة، لا يزال الموقف الأميركي من كوريا الشمالية يُلقي بظلاله على التقارب بين الكوريتين خاصة بعد تصريحات الرئيس جورج بوش بأنه لا يزال مرتاباً في نوايا كوريا الشمالية.

ونظراً لوجود 35 ألف عسكري أميركي في كوريا الجنوبية تظل العلاقات بين الشطرين الكوريين مرهونة بحدوث تحسن في العلاقات بين الشماليين والأميركيين.

التقارب بين الكوريتين
تقرير/: لم تخفِ الإدارة الأميركية الجديدة منذ البداية أن التنسيق عن قرب مع كوريا الجنوبية واليابان سيكون المفتاح لترويض كوريا الشمالية، لأن اليابان تقوم عملياً بتمويل وقف برنامج بيونج يانج النووي، لكن الرهان على طوكيو غير مضمون النتائج بسبب الارتباك الأخير الذي شهدته اليابان على المستويين الاقتصادي والسياسي.

أما كوريا الجنوبية فهي على مفترق طرق بين التوحد مع جارتها الشيوعية في الشمال وبين تلبية المطالب الأميركية، وهذه المهمة تعتمد كثيراً على قمة أخرى بين شطري كوريا بعد تلك التي جمعتها منتصف العام الماضي، وكان لها نتائج إيجابية تمثلت في سلسلة من التبادلات الثقافية والاجتماعية الاقتصادية.

لكن المراقبين للشأن الكوري يتوقعون الآن الخوض في مواضيع أكثر أهمية وعلى رأسها المسائل العسكرية الحساسة.

ولكن إذا خلت القمة المرتقبة من تعهد بيونج يانج بتخفيف التوتر العسكري، فإن ذلك سيزيد من نظرة واشنطن لها بأنها لا تتغير وفقاً للمعايير الأميركية.

هذه النظرة تجلت في اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي والزعيم الكوري الجنوبي قبل بضعة أسابيع، فقد أماطت واشنطن اللثام عن موقفها -الذي وصف بالمتشدد- إزاء خطط الشطر الجنوبي للتطبيع مع الشماليين.

وقيل أن الإدارة الأميركية وضعت سول في موقف محرج كان من نتائجه المباشرة التعديل الوزاري الكبير الذي أجراه (داي جونج) على حكومته، وهو ما فسر بأنه انصياع لإرادة أميركية تهدف إلى الانفراد أو المشاركة الفاعلة على الأقل في وضع آلية الوحدة بين الكوريتين.

الشارع الكوري في الشطرين يقول علناً: إن الولايات المتحدة تتدخل في شؤونهم وتشكل حجر عثرة في طريق التوحد بين كافة الكوريين، بل يرى بعضهم أن واشنطن بمطالبها المتشددة تعرض أمن المنطقة للخطر، ويستدل على هذا من الضغوط التي يمارسها الجنوبيون على قيادتهم مطالبينها بالتفاهم مباشرة مع الشمال وباتخاذ خطوات أبعد من مجرد تقديم مساعدات بسيطة أو لمَّ شمل عائلات فرقتها الحرب قبل 50 سنة.

الإدارة الأميركية الجديدة بدأت بخلط أوراق شرقي آسيا، فأوقفت المحادثات المعلقة ببرنامج الصواريخ الكورية الشمالية في خطوة وصفت بأنها واحدة من أخطر الأخطاء الدبلوماسية التي ترتكبها واشنطن في فترة ما بعد الحرب الباردة.

الشطر الشمالي يرى أن في إحياءه لبرنامج التسلح ورقة ضغط على كافة الأطراف، ولو أن من شأن ذلك الإبقاء على فتيل التوتر قائماً في المنطقة.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى نهاية هذه الجولة من (الملف الأسبوعي) ونشير إلى أنه بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصوت والصورة والنص عبر موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت وسنعود في مثل هذا الموعد بعد 7 أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج وهذا جميل عازر يستودعكم الله فإلى اللقاء.