جميل عازر
جميل عازر:

مشاهدينا الكرام، نرحب بكم إلى هذا العدد الجديد من (الملف الأسبوعي)، وفيه:

-لوكيربي قضية ملابسات، قضاء اسكتلندي في معسكر هولندي، ومتهمان ليبيان لإسقاط طائرة ركاب أميركية.

-العراق وسوريا: اتفاق على سوق مفتوحة، أم اختراق عراقي آخر لكسر طوق العقوبات الدولية؟

-وإذ زلزلت الهند زلزالها، (كوجرات) تئن من كارثة إنسانية ومادية هائلة الأعباء.

انتهت المحاكمة في (كامب زايست) الهولندية، وصدر الحكم في قضية لوكربي ليبدأ فتح الملف من جديد، أو هكذا يبدو للوهلة الأولى بالنظر إلى حيثيات الحكم. فإذا كانت إدانة عبد الباسط المقراحي بالقتل العمد لمائة وتسعة وسبعين راكباً في الطائرة الأميركية التي تفجرت في أجواء لوكربي الاسكتلندية قبل أكثر من اثني عشر عاماً إدانة للجماهير الليبية أو كانت تبرئة الأمين خليفة فحيمة تبرئة لها، فإن في هذا انعكاساً لما يكتنف القضية من ملابسات، ويبدو أن الأدلة والبينات التي استعملها الاتهام لإثبات الجرم تعوم في بحر من الإشكالات الظرفية التي تحتاج إلى إثبات فالقضية لم تنته بعد.

تقرير/ حسن إبراهيم:

القذافي يتحدث للصحفيين في المطار أثناء إستقباله الأمين فحيمة الذي برأته المحكمة في قضية لوكربي
جرت المحاكمة في كامب زايست، وصدر الحكم ومازال السؤال عمن وضع حقيبة المتفجرات على متن طائرة الركاب الأميركية يوم الحادي والعشرين من ديسمبر عام 88 أثناء وقوفها في مطار (لوكا) المالطي بدون جواب. فالحكم بالسجن المؤبد على عبد الباسط المقراحي استند إلى أدلة ظرفية فقط، ومن هناك لعبت إفادة بائعي الملابس المالطيين دوراً في التعرف على المقراحي بأنه الرجل الذي اشترى الملابس التي وجدت في حقيبة المتفجرات، وعندما وجد الادعاء افتقارا‎ً للأدلة الدامغة أسقط –على نحو مفاجئٍ- التهمة الأولى التي كانت موجهة إلى المقراحي وزميله الأمين خليفة فحيمة بالتآمر للقتل الجماعي، وأبقى على تهمتي القتل الجماعي ومخالفة أحكام البند الثاني من المادة الأولى وكذلك المادة الخامسة من قانون سلامة الطيران المدني. وكان لتقارير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية دوره في محاولة الادعاء لتثبيت التهمتين على الليبيين، وإن يكن في تلك التقارير معلومات لا تصمد أمام المقارعات القانونية.

لا أحد يستطيع اتهام الادعاء بالتقصير بالإتيان بأدلة وبينات، فقد عاد بالقضية إلى الأول من يناير عام 85، أي تاريخ تعاقد المخابرات الليبية مع شركة سويسرية لشراء عشرين جهاز توقيت من طراز (MST 13) تستخدم في القنابل الموقوتة، وحتى يوم حادثة تفجير الطائرة فوق لوكربي الاسكتلندية. وبينما يرى كثيرون أن الأدلة غير قابلة للإثبات فقد كان المقراحي –بسبب خليفته الاستخباراتية– الأكثر ارتباطاً في نظر الادعاء، أما بالنسبة للمتهم الليبي الآخر، ويبدو أن ما أقنع القضاة بأن المقراحي متورط في القضية هو أنه كان قد دخل إلى (مالطا) بجواز سفر خاص أصدرته سلطة الجوازات في الجماهيرية بطلب من جهاز المخابرات الليبي باسم مستعار هو أحمد خليفة عبد الصمد، ولم يسافر به في عام 88 إلى مالطا إلا في ليلة 20، و 21 من ديسمبر أي صباح يوم الحادث.

وقد تقلب المقراحي ما بين المناصب في ليبيا من الاستخبارات، وإلى إدارة المشتريات العسكرية، ثم إلى إدارة أمن المطارات، ثم إلى معهد الدراسات الاستراتيجية بطرابلس، وإن كانت هيئة الدفاع قد حاولت التركيز على إثبات أن إيران هي التي أوعزت إلى تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين –القيادة العامة بتنفيذ تفجير لوكربي انتقاماً لطائرتها المدنية التي أسقطها الأميركيون فوق مياه الخليج، فإنها عجزت عن الحصول على وثيقة من سوريا تثبت ذلك الادعاء.

ووسط هذه الملابسات -وفي ظل الغموض الذي لا يزال يكتنف هذه القضية- فإن صدور الحكم بالسجن على المقراحي وبتبرئة فحيمة يثير من التساؤلات الكثير، وإذا كانت لوكربي قد اتخذت بعداً سياسياً ودبلوماسياً الآن بالنسبة للعلاقة بين ليبيا من جهة، والولايات المتحدة وبريطانيا ومجلس الأمن الدولي من جهة أخرى، فإن القضية لم تكد تبدأ.

جميل عازر:

وإذ يقبع المقراحي في السجن، فإن مجرد استئنافه الحكم الصادر عليه سيعيد فتح ملف لوكربي، وللقضية تداعيات وأبعاد، كما أن لها أطرافاً متعددة، فهناك بريطانيا والولايات المتحدة كدوليتين معنيتين مباشرة في القضية، وهناك أهالي الضحايا، وهناك دولتان إلى جانب ليبيا يشتبه في أن لهما ضلعاً في التفجير، إلى جانب تنظيم فلسطيني واحد على الأقل، وهناك الأمم المتحدة والعقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي على ليبيا. فهذه عناصر تكون صورة معقدة قد لا يمكن فك خيوطها المتشابكة إلى بعد وقت طويل.

تقرير/ سمير خضر:

لا يمكن لأي زائر إلى شوارع طرابلس إلا أن يلحظ أن ما يعرف بقضية لوكربي ليست سوى لعبة استعراض عضلات بين ليبيا الدولة والنظام وبين الولايات المتحدة بكل جبروتها، فالعلاقات الليبية –الأميركية وصلت إلى حد الحرب المباشرة عام 86 عندما قصفت الطائرات الأميركية عدة مواقع ليبية وأوقعت أكثر من ثلاثين قتيلاً، وكانت أول حرب تشنها واشنطن على بلد عربي.

في ذلك الوقت أقامت الحكومة الليبية دعوى قضائية ضد تسعة مسؤولين من إدارة الرئيس السابق (رونالد ريغان) ومن بينهم مدير المخابرات (وليم كيسي)، ومستشار الأمن القومي (جون بوندكستر) والعقيد (أوليفر نورث) الذي اشتهر لاحقاً بفضيحة توريد أسلحة لثوار (نيكاراجوا). ولكن أحداً لم يعر هذه المحاكمة أهمية، فمن تكون هذه المحكمة الليبية التي تجرؤ على محاكمة رموز القوة الأميركية العظمى؟!

وعندما برزت قضية لوكربي على الساحة انبرت واشنطن –ومن ورائها لندن- إلى مطالبة طرابلس بتسليم اثنين من مواطنيها مشتبه في تورطهما في تفجير الطائرة الأميركية في سماء اسكتلندا، ولكن الجميع كان يعرف أن المقصود هو النظام الليبي نفسه ورأسه وليس مجرد مواطنين اثنين، لذا رفضت طرابلس هذا الطلب، وكلفتها ذلك نحو ثماني سنوات من الحصار الاقتصادي فرضه مجلس الأمن الذي بات ألعوبة في يد البيت الأبيض!!

ولم يهب أحد في العالم لثني واشنطن ولندن عن موقفهما، حتى الدول العربية التزمت الصمت، فالبعض كان يخشى واشنطن، والبعض الآخر كان شامتاً في نظام لم يكن يرتاح له، لكن بعض الزعماء الأفارقة الذين كانوا يعانون من تبعات النظام العالمي الجديد بدؤوا بخرق الحصار، وعادت طائراتهم في سماء ليبيا رغم القرارات الدولية.

وشعرت واشنطن ولندن بأن الخطر على وشك الانهيار، فسارعتا إلى قبول خطة طرابلس بإجراء المحاكمة في بلد محايد، فتم الاتفاق على شكل ومضمون محكمة كامب زايست، وقدمت الدولتان تعهداتهما إلى الرياض وإلى جنوب إفريقيا، فما أن يصل المشتبه فيهما إلى هولندا حتى تعلق العقوبات، وهذا ما لم يحدث وربما لن يحدث في المستقبل القريب. فواشنطن لا تزال تسعى إلى عزل النظام الليبي، وتدعي أنه لا يزال يرعى الإرهاب، ولكن البعض يرى أن الولايات المتحدة –وخاصة في ظل الإدارة الجمهورية الجديدة- لا تريد التخلص من عدو وهمي يسهم في دفع أجندتها الخاصة.

فلو انتهت قضية لوكيربي ومعها قضية ابن لادن وكوريا الشمالية وكوبا، فكيف سيقنع البيت الأبيض المواطن الأميركي بالاستمرار في سياسة التسلح ودعم موازنة الدفاع؟! ورغم أن الثنائي الأميركي- البريطاني بقي متماسكاً طيلة هذه الفترة فإن المستقبل قد يأتي ببوادر انشقاق في هذا التحالف!!

إذ سارعت لندن –بخلاف واشنطن- إلى تطبيع علاقاتها بالكامل مع طرابلس إثر تسليم المواطنين الليبيين إلى محكمة كامب زايست لا بل نجحت طرابلس في التلويح بعقود مغرية للشركات البريطانية وخاصة في مجال البترول، وربما يكون هذا ما يفسر لينا الموقف البريطاني حالياً بالمقارنة مع الموقف الأميركي المتشدد، كما أن الزعيم الليبي أعلن صراحة أنه سيكشف تفاصيل مثيرة تثبت براءة المقراحي من التهم التي أسندت له، وربما يعود ملف القضية ليفتح من جديد، ولكن في اتجاه آخر، ربما نحو إيران أو سوريا أو إحدى المنظمات الفلسطينية.

جميل عازر:

وإذ تعمل الجماهيرية الليبية على رفع العقوبات عنها بعد انتهاء المحاكمة في كامب زايست، فإن العراق يحقق نتائج ملموسة في سعيه لخرق طوق العقوبات الدولية، ولعل الاتفاق الذي أبرمه نائب الرئيس العراقي في دمشق لإنشاء منطقة للتجارة الحرة بين القطرين يصب في هذا الاتجاه قبل أن يكون خياراً استراتيجياً، ولكن إذا أخذنا الاتفاق المماثل بين بغداد والقاهرة في الآونة الأخيرة يتضح أن البعد الاستراتيجي لهذا التحرك يتجاوز حدود الدول الثلاث إلى نطاق عربي الأبعاد، ويصبح السؤال هل هناك طرف مستفيد أكثر من آخر غير ذي بال إلا عند اعتبار رفع العقوبات عن العراق موضوعاً لا علاقة له بالمشروعين؟

تقرير/ حسن إبراهيم:

خارطة سوريا والعراق
لم تكن المصافحة التي جرت بين الأمير نايف بن العزيز (وزير الداخلية السعودي)، ونظيره العراقي محمد زمام عبد الرازق في اجتماع وزراء الداخلية العرب في تونس عفوية أو محض مصادفة سعيدة، فمسؤولون على هذا المستوى يحسبون كل حركة رغم تصريح الأمير نايف بأنه ليس من الغريب أن يصافح وزيراً عربياً، وليس خافياً على أحد أن هناك تحركاً عربياً للم الشمل، محاولات للتغلب على تداعيات الاجتياح العراقي للكويت قبل حوالي أحد عشر عاماً، وقد فتح العراقيون باب عودتهم من الصف العربي عبر الجبهة المصرية أولاً، وتحولت بغداد فيما بعد إلى دمشق التي أظهرت نفس القدر من الرغبة في تفعيل بعد استراتيجي لها، وهي تواجه أزمة السلام مع إسرائيل.

ورغم ما أثاره التقارب بين العراق وسوريا من استهجان –نظراً للعداوة الشديدة والقطيعة التامة بين جناحي حزب البعث اللذين يحكمان القطرين- فإن التوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة بينهما نتيجة إيجابية تخدم مصلحة الطرفين على المدى القريب والبعيد.

التطبيع بين العراق وسوريا تحقق تدريجياً عبر مراحل استمرت حوالي ثلاثة أعوام، وبدأت العلاقات بزيارة وزير التجارة العراقي محمد مهدي صالح إلى دمشق عام 98، وفتحت على إثر الزيارة الحدود البرية بين البلدين، ثم انطلق قطار الموصل- حلب ليرشح التقارب بين الدولتين، ولكن التحول الحقيقي أتى بعد زيارة محمد سعيد الصحاف إلى دمشق، ولقائه بالمسؤولين السوريين، وقد أسفرت عما يعتبر أخطر اتفاق على العقوبات الدولية المفروضة على العراق، وبالتالي تم الاتفاق على فتح خط الأنابيب الذي يصل مناطق إنتاج النقط العراقي بميناء طرطوس السوري.

وكان للرحلات الجوية بين سوريا والعراق دور في التعجيل بخطى التقارب إلى الحد الذي أصبحت عنده عودة العلاقات الدبلوماسية بين العاصمتين العربيتين مسألة محتمة، وإن تكن ليست بعد على مستوى السفراء، ويبدو أن توقيع طه ياسين رمضان (نائب الرئيس العراقي) في دمشق لاتفاقية التجارة الحرة غرار الاتفاقية مع مصر يصب في إطار العمل العربي المشترك لإنشاء سوق مشتركة في نهاية المطاف، وذلك لمواجهة مد التكتلات الاقتصادية الدولية ومقتضيات العولمة التجارية، والتبادل التجاري بين سوريا والعراق مرشح لتجاوز حاجز المليار دولار في السنة الأولى فقط.

وإذا كان في الاتفاق بين العراق من جهة وسوريا ومصر من جهة أخرى بدايات محور اقتصادي ثلاثي فإن في إعلان الأردن عن أنه سيبدأ بمحادثات مع بغداد لإنشاء منطقة تجارة حرة ما يدل على أن العراق قد قطع شوطاً لا بأس به نحو العودة إلى ممارسة دور رئيسي في الشأن العربي. وهناك عوامل متعددة لعبت دوراً في هذا الاتجاه، وعلى رأسها مطالب الشارع العربي –وحتى الدولي- لرفع العقوبات الدولية عن العراق، ثم التقارب والواضح بين بغداد وطهران، وتبادل الزيارات على مستوى عالٍ بين الجانبين رغم استمرار التمنع الكويتي والسعودية ولو إلى حد أقل.

جميل عازر:

ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه أيضاً:

-الفلبين وإندونيسيا: رئيس أدين بالفساد فأُرغم على التنحي، ورئيس متهم بالفساد ولكنه متشبث بالكرسي.

يبدو أن التورط في فضائح الفساد في جنوب شرقي القارة الأسيوية أصبح كالأوبئة المعدية تنتشر فيروساتها من دولة إلى أخرى، أو كالأزمة الاقتصادية التي اجتاحت دول تلك المنطقة، فما أن تمت إدانة رئيس الفلبين السابق (جوزيف إسترادا) بالارتشاء والفساد حتى ثارت في إندونيسيا اتهامات لرئيسها عبد الرحمن واحد بالتورط في فساد أيضاً، وإذ أرغم الرئيس الأول على الاعتزال وحلت محله نائبته، فإن الرئيس الثاني لا يزال متشبثاً بالكرسي، بينما تنتظر نائبته الإشارة لاعتلاء ذلك الكرسي.

تقرير/ سمير خضر:

فلبينيون يطالبون باستقالة أرويو
قد يرى بعض الزعماء الآسيويين أنه أصبح من الخطورة بمكان.. لا، بل من دلائل الشؤم اختيار امرأة لتكون الشخصية الثانية في الدولة، فالرئيس الفلبيني جوزيف إسترادا كان أول مَنْ دفع مثل هذا الثمن عندما تخلت عنه نائبته التي قادت الحملة الرسمية والشعبية لإقصائه عن الحكم بتهمة الرشوة، وها هي (ميجاواتي سوكارنو بوتري) الإندونيسية تحاول السير على الطريق نفسه، ولكن التشابه في كلتا الحالتين يقف هنا، فإندونيسيا ليست الفليبين، وعبد الرحمن واحد ليس جوزيف إسترادا.

ففي (مانيلا) وجد الرئيس إسترادا نفسه في مواجهة تحالف مخيف جمع بين رئيسين سابقين هما (كوراسون أكيلا) و(فيدل راموس) انضم إليهما لاحقاً أسقف مانيلا ذو الوزن الديني والأخلاقي الهائل في هذا البلد الكاثوليكي، فهؤلاء كانوا يشكلون المعارضة الرسمية للرئيس، لكن انضمام نائبة الرئيس إلى المعارضة -ومن ثم قيادة الجيش تحت ضغط الشارع سرَّع في انهيار مقاومة إسترادا، ودفعه ذلك مكرهاً إلى الاستقالة.

أما في إندونيسيا فالموضوع مختلف تماماً، فالرئيس واحد جاء لينهي حقبة من الديكتاتورية والتردد استمرت أكثر من ثلاثة عقود، وكان اختياره ليخلف (سوهارتو) ومن ثم الرئيس الانتقالي (حبيبي) بمثابة الحل الوسط الذي يرضي كافة الأطراف السياسية، والأهم من ذلك أنه كان يرضي الجيش الذي كان يهيمن على مقاليد السلطة في السابق، كما أن واحد لم يكن رجل سياسة فقط، فهو يرأس جمعية نهضة العلماء والإسلامية، ويحظى بدعم أربعين مليوناً من أعضائها. لكنه يواجه اليوم اتهامات بالفساد من قِبل البرلمان الذي يرغب بعض أعضائه في تصفية حساباتهم مع واحد، ورغم أنه يعتبر أول رئيس منتخب في البلاد منذ الاستقلال، فإنه فشل في إنقاذ البلاد من أزمتها الاقتصادية، كما أنه فشل في وقف نزيف الصراعات العرقية والنزعات الانفصالية لدى بعض الأقاليم، وفشل كذلك في وضع حد لهدر المال العام من قِبل بعض الفئات المنفذة في البلاد.

وربما أعتقد بعض معارضيه أن حركات الاحتجاج الشعبية والتظاهرات اليومية كافية لتكرار سيناريو إسترادا، ولكن، ورغم أن نائبته ميجاواتي لم تطالبه رسمياً بعد بالتنحي عن السلطة فإنها ربما تشعر أن الفرصة قد حانت للحصول على المنصب الذي سلبه إياها العسكر وأنصارهم من حزب (جولكار) حزب سوهارتو، إلا أن المحاذير هنا أكبر بكثير من حالة الفلبين، فالجيش الإندونيسي قد يشتغل فرصة حصول فراغ في السلطة للعودة من جديد إلى واجهة الأحداث، ولا تنقصه الذرائع لذلك، فالفوضى التي تعم البلاد خير معين له على تنفيذ مآربه.

جميل عازر:

وكنت قد تحدثت مع عبد الملك عليون –وهو متخصص في الشؤون الأسيوية في جاكارتا- وسألته أولاً: لماذا لا يستقل الرئيس عبد الرحمن واحد خاصة بعد شجبه في البرلمان الإندونيسي؟

عبد الملك عليون:

يا سيد، إن تورطه خله يشتبه في تورطه نتيجة لهناك فيه شيك بخمسة مليون دولار كان أحد الناس استلموه وهو يعلم، يعني اشتباه في إنه يعلم.. هل يستقيل الرئيس المنتخب دستورياً علشان قضية لا تعد عن.. مليون دولار؟!

جميل عازر:

طيب، هل هناك خلاف حول الموضوع بين الرئيس واحد، ونائبته ميجاواتي سوكارنو بوتري، خاصة وأن نواب حزيها في البرلمان صوتوا مع شجب الرئيس؟!

عبد الملك عليون:

لا يوجد خلاف بين الرئيس (…) وبين ميجاواتي، والجيش برضه.. أعلن الجيش أمس وقائد الجيش أنهم يساندون الرئيس، ونحن الآن نختلف عن ناحية الفلبين، نختلف اختلاف كلي، دي مجرد –على رأي الرئيس- مسرحية ديمقراطية عشان أثبت فيها للشعب إن كل واحد له حرية الكلام، وأنا ليَّ حرية الدفاع.

جميل عازر:

طيب، ما خطر أن يتدخل العسكريون ويعودون إلى السلطة إذا تفاقمت الاحتجاجات المنادية بإسقاط الرئيس واحد؟

عبد الملك عليون:

صرح قائد الجيش الاحتياطي اليوم، وقائد القوات البرية بأن الجيش لا يفكر في أي تدخل، ولا يتدخل في السياسة، ولكن هو مهمته الأساسية هي حماية الرياسة، وحماية الحكومة، وحماية الرئيس..

جميل عازر [مقاطعاً]:

هذا رغم أن.. هذا رغم أن ممثليه في البرلمان صوتوا مع شجب الرئيس!!

عبد الملك عليون:

لو سعادتك تقرأ الجرائد الإندونيسية الرسمية زي (كومباس) موافقة على ما انبثقت منه اللجنة.. قرار لجنة بشرط مع ملاحظات عدم عمل أي إجراءات إلا قانونياً، ده رأي الجيش، وده رأي (…) بتاع ميجاواتي.

جميل عازر:

طيب، هل هناك من جهات معينة يعني تستهدف الرئيس واحد، وتصر على تنحيته عن الرئاسة؟

عبد الملك عليون:

نعم، هناك جهات كثيرة، وليست جهة واحدة اتحدوا في اتجاه واحد.. إلى تنحية الرئيس خوفاً عليهم، ولكن صرح بعض الزعماء الإندونيسيين المخضرمين في السياسة قالوا: ماذا يحدث لو انسحب الرئيس عبد الرحمن واحد؟ ومن الذي يسيطر على الحكومة في الحقيقة؟

جميل عازر:

طيب، هل هناك جبهات خارج إندونيسيا تعمل على الإطاحة بالرئيس واحد؟

عبد الملك عليون:

ما أظن فيه تدخلات في الخارج، لأن الخارج لهم رأسمال، ولهم ما.. يعني.. رأسمال في مشروعات كبيرة في إندونيسيا، هو يهمهم إن الحالة تمشي وتعود كما كانت.

جميل عازر:

ألا تعتقد أن الاحتجاجات والدعوات المنادية بعزل الرئيس واحد ربما لها أساس اقتصادي على أنه لم يتمكن من معالجة الأوضاع الاقتصادية في إندونيسيا لحتى الآن؟

عبد الملك عليون:

العكس بذلك، إحنا نجحنا في التصدير فوق 60 مليون دولار.. مليار دولار سنوياً!! وهذا نجاح باهر لنا في التصدير، بل القوة الرجعية والمختلفين يخافون أن ينجح هو سنة 2400!! ماذا يحدث لو تثبت أحكامه أو قاعدة حكمة قويت؟! ماذا يحدث؟ هناك هو القضاء على الفساد، والتحقيقات وفتح الملفات القديمة، هل.. هل يسكتون على ملفاتهم؟!

جميل عازر:

طيب، إذن ما هي الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها الرئيس واحد من الآن وصاعداً مع الاحتجاجات هذه؟

عبد الملك عليون:

لقد صرح الرئيس عبد الرحمن واحد وقال: أنه تلبية ونزولاً على رغبة الشعب أن سوف يبدأ سوف يبدأ في إنهاء الفساد والتحقيقات وفتح الملفات القديمة، ولن ينظر إلى الحزب، ولن ينظر إلى اتجاه المتهم أو مكانته السابقة، لن ينظر، ولن يتفاوض مع أحد مرة ثانية. هذا صرح.. وكان أمس يعتذر للشعب مش على أخطاؤه، قال: إنني أعتذر للشعب على قضاء مصالحهم، وعلى المظاهرات التي تمت بالديمقراطية فكانت تعطلهم عن قضاء مصالحهم، فأنا أعتذر للشعب على الديمقراطية وتطبيقها، وفهمت بعض الصحافة الأجنبية إنه يعتذر عن أعماله، وإحنا نفينا هذا والجرايد نفت.

جميل عازر:

ومن الزلازل السياسية في.. في جنوب شرقي أسيا إلى زلازل أرضية في شبه القارة الآسيوية، فقد ضرب الهند واحد من أشد الزلازل قوة وعنفاً، فقتل ودمر وناءت تحت وطأته تلك الجمهورية التي تضم قرابة مليار نسمة!! وأمام ظاهرة طبيعية بهذه القوة يتضح ضعف الإنسان رغم عنفوانه في التعامل مع الآخرين ومع البيئة، وما من دولة واحدة تصاب بنكبة إنسانية ومادية على هذا المستوى تستطيع مواجهة المضاعفات وحدها إلا إذا كانت ذات موارد ضخمة، ولديها الاستعداد لمواجهة كوارث من هذا القبيل.

تقرير/ خالد القضاة:

جانب من الدمار الذي خلفه زلزال الهند
خمس وأربعون ثانية والأرض ترتجف تحت ولاية جوجرات في زلزال هو الأقوى الذي يضرب الهند من منذ خمسين سنة، ويمكن للناظر من الجو إلى ضواحي (بهوج) في شمال الولاية أن يرى مدى الدمار الذي لحق بها، وقد أصبحت أنقاضاً على أنقاض. حجم الكارثة كان أكبر من الإمكانات المتوفرة لدى الحكومة المركزية في (دلهي) وعلى الرغم من أن السلطات أعلنت حالة الطوارئ وجمعت ما استطاعت من طاقات وجهود ومواد الإسعاف والإنقاذ الضرورية فإنها تبدو محتاجة إلى العون كيفما أتى.

الخوف الآن هو مما سيترتب على هذه النكبة التي تحولت إلى مأساة إنسانية من أخطار صحية نتيجة تدهور الأحوال البيئية وسط تعالي أصوات المنظمات الدولية من احتمال تفشي الأوبئة والأمراض، وما يترتب على ذلك من مضاعفات. وفي مثل هذه الظروف لابد من البحث عن السبل التي كان يمكن أن تخفف من حجم الخسائر البشرية والمادية، وتثار أسئلةً عن مدى مراعاة تخطيط المدن وتصاميم البناء لمتطلبات الصمود أمام الزلازل، فقد تبين أن جميع المباني المنهارة مكونة من طبقات عدة، وأن بناءها تم خلال السنوات الخمس الماضية فقط، وليس لأي منها أساسات متينة، إضافة إلى أن المواد المستخدمة فيها سيئة النوعية.

قائمة الخسائر في مدينة (أحمد آباد) –العاصمة الاقتصادية لكوجرات- لم تتوقف عند ضحايا الزلزال وآثاره الاقتصادية البالغة، بل شملت أيضاً بنايات أثرية لمساجد ومعابد يعود بناء بعضها إلى القرن الخامس عشر، وبفعل هذا الزلزال –الذي يعتبر من أقوى الهزات- تحولت أنحاء من المدينة إلى أطلال.

وقد شهد القرن الماضي خمسة وعشرين زلزالاً سقط في كل منها عشرة آلاف شخص على الأقل، وكان بينها أربعة تعتبر الأعنف من حيث عدد القتلى. ففي عام 920 سقط في زلزال (غاترو) في (الصين) مائة ألف قتيل، وبعدها بثلاث سنوات تعرضت (يوكوهاما) اليابانية لزلزال راح ضحيته مائة وأربعون ألفاً، وفي العقد نفسه أتى زلزال على إقليم (نانشانغ) في الصين قتل فيه مائتا ألف شخص، أما أعنف زلازل القرن فكان في عام 76، وفي الصين أيضاً حيث أودي بحياة مائتين وأربعين ألفا حسب الإحصاءات الرسمية.

حال ضحايا الزلزال الأحياء خارج الأنقاض وداخلها يغني عن السؤال، فبعض الذين تم إنقاذهم من تحت الأنقاض يموتون خارجها بسبب عدم توافر الرعاية الصحية الأساسية، لكن المؤلم في زلزال الهند يظل العمل الإنساني، وهو أن تسمح أصوات الضحايا الأحياء تحت الأنقاض تئن حتى تصمت دون أن يتمكن الإنسان من إنقاذ أخيه الإنسان.

جميل عازر:

وبهذا نأتي إلى نهاية هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) سنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.