مقدم الحلقة جميل عازر
تاريخ الحلقة 06/05/2001



جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذا العدد الجديد من (الملف الأسبوعي) وفيه: أوروبا تنفتح على كوريا الشمالية، ولكن هل ذلك في إطار الهيمنة الأميركية أم في إطار كسر ذلك الطوق، الدرع الصاروخي المضاد للصواريخ، وهل سيحمي الولايات المتحدة أكثر من معاهدة الحد من تلك الصواريخ، والأول من آيار عيد لتكريم العمَّال، أم مناسبة للاحتجاج على عولمة الاقتصاد.

كانت زيارة وفد من الاتحاد الأوروبي إلى كوريا الشمالية بمثابة تحول مهم في إطار التعامل مع نظام حُكم يعتبر في نظر الأوروبيين ناهيك عن الأميركيين والكوريين الجنوبيين واليابان نظاماً غريب الأطوار، ومن الجائز التساؤل حول الهدف الحقيقي للزيارة، فهل هي محاولة أوروبية لكسر الطوق الذي تفرضه واشنطن على التعامل مع (بيونج ينج) أم لكسر الجمود الذي يكتنف الحوار بين نظام (كيم جونج إل) الولايات المتحدة الأميركية؟ أما إن كان الأوروبيون يأملون في إقناع كوريا الشمالية بالتخلي عن برامجها التسلحية فإن تصريحات الرئيس الكوري الشمالي عن أن بلاده ستواصل بيع الصواريخ والتكنولوجيا الصاروخية كانت أوضح ردٍ على المحاولة الأوروبية.

تقرير/ خالد القضاة: تنبع أهمية زيارة وفد الترويكا الأوروبية إلى كوريا الشمالية من كونها الأولى من نوعها، ويمكن اعتبارها منعطفاً تاريخياً في السياسة الخارجية الأوروبية، فرئيس الوفد يُعتبر أول رئيس للاتحاد الأوروبي، وأول رئيس حكومة أوروبي يقوم بزيارة إلى كوريا الشمالية منذ منتصف القرن الماضي، ولكن لابد وأن يكون العنصر الأهم من ذلك في نظر الكوريين الشماليين أن دول الاتحاد هي أهم مصدر للمساعدات الغذائية والإنسانية التي تحصل عليها بيونج ينج، أما بالنسبة للأوروبيين فإنهم يهتمون في دراسة السوق الكورية الشمالية وانفتاحها أمام الاستثمار.

الزيارة في الأصل جاءت وفقاً لقرار اتخذه قادة الاتحاد الأوروبي قبل شهرين، حيث اتفقت دول الاتحاد باستثناء فرنسا على إقامة علاقات دبلوماسية مع كوريا الشمالية، وربما تتوافر عناصر متعددة في الوقت الراهن لكن تفلح الزيارة في تحقيق نتائج طيبة، فرئيس الوفد هو رئيس الوزراء السويدي، والسويد واحدة من الدول الغربية القليلة التي احتفظت بعلاقات دبلوماسية مع كوريا الشمالية، كما أن حيادية السويد تؤهلها للعب دور في التقارب الكوري الكوري خصوصاً في ضوء الرغبة المعلنة من قيادتي الشطرين الكوريين في إحراز تقدم نحو تحقيق السلام بينهما، لا يمكن اعتبار الدور الأوروبي حتى اللحظة بديلاً للدور الأميركي، لكن هذه الزيارة على هذا المستوى يجوز وصفها مزاحمة للدور الأميركي في شبه الجزيرة الكورية، فالاتحاد الأوروبي في نظر الكوريين الشماليين على الأقل مؤهل من الناحية السياسية أكثر من واشنطن للقيام بدور يساعد في الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي لمساندة مسيرة التقارب الذي حدث بين الكوريتين منذ منتصف العام الماضي، وقد يكتسب الدور الأوروبي أهمية إضافية في ظل الموقف المتشدد الذي تتخذه الإدارة الأميركية من كوريا الشمالية منذ وصول الجمهوريين إلى البيت الأبيض وتصريحات الرئيس بوش في هذا الشأن.

مباحثات الطرفين لم تستغرق إلا بضع ساعات، وبالتالي فإنها قد لا تحقق تقدماً ملموساً في المسائل الحساسة كمنع الانتشار النووي وبرنامج الصواريخ طويلة المدى الكوري الشمالي، وحقوق الإنسان، ومع ذلك فإنها قد تكون في الاتجاه الصحيح لبناء شيء من الثقة بين الجانبين، ولكن يتحتم على كوريا الشمالية -رغم ذلك- أن توازن بين مدى تطلعها إلى المعونات الخارجية التي اعتادت عليها في السنوات الأخيرة، وبين الانفتاح الحقيقي في علاقاتها الدبلوماسية مع الخارج.

جميل عازر: وكوريا الشمالية هي إحدى تلك الدول التي تتخذ واشنطن منها ذريعة للتسلح بنظام مضاد للصواريخ البالستية ضاربة معاهدة الحد من تلك الصواريخ بعُرض الحائط، فتلك المعاهدة التي وقعها في السادس من آيار/ مايو عام 72 في موسكو كل من الزعيم السوفيتي ليونيد برجنيف، والرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وفَّرت ذلك القدر من الحماية التي يسعى إليها الرئيس الأميركي الآن، أما وقد قرر جورج بوش أن ينشر نظامه الصاروخي الجديد، فإن للاعتبارات الإستراتيجية وراء ذلك القرار مبررات اقتصادية داخلية رغم التداعيات الخارجية.

قاعدة صواريخ اميركية مضادة للصواريخ
تقرير/ سمير خضر: الرعب القادم من الشرق سواء كان شرقاً أوسط أو شرقاً أقصى لا يهم، لكن الإدارة الأميركية تُعطي الانطباع بأن أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم باتت مهددة بالزوال من قبل دول يمكنها بالكاد أن تطعم أبناءها، وسواء كانت هذه الدولة تسمى إيران أو العراق، أو ليبيا، أو كوريا الشمالية، فإن جورج بوش الابن ابتكر مصطلحاً جديداً كما فعل جورج بوش الأب، فالأب كان بالأمس يتحدث عن نظام دولي جديد، والابن يتحدث اليوم عن خطر ما يسميها بالدول المارقة.. المارقة في نظر واشنطن بالطبع، وها هو الرئيس الأميركي يعلن تبنيه نظام الدرع الصاروخي الذي سيشكل كما يأمل الدرع الواقي ضد هجمات صاروخية من قبل كوريا الشمالية، أو العراق، أو إيران، ولِمَ لا السودان أيضاً.

ولكن لدى سيد البيت الأبيض رؤية مختلفة للأمور، ففي الوقت الذي بدأ فيه الاقتصاد الأميركي بالانكماش، وعاد شبح البطالة يخيم على البلاد اختار بوش الأسلوب الوحيد الذي اعتاد المعسكر الجمهوري تطبيقه ضخ مليارات الدولارات من أموال الخزينة في مشاريع عسكرية تعمل على تشغيل الأيدي العاملة الأميركية وتنشيط السوق الداخلية، تماماً كما حدث إبان عهد الرئيس السابق رونالد ريجان، الأوروبيون من جهتهم سيضطرون على مضض إلى مجاراة بوش باسم التضامن الغربي، وهذا يعني مساهمتهم المادية والتقنية في المشروع، فتنخفض عندها التكلفة على دافع الضرائب الأميركي، والروس سيحاولون اللحاق بالركب مهما كانت التضحيات المادية المطلوبة، وإلا فإن ترسانتهم النووية لن يعود لها أهمية، والنتيجة ستكون مزيداً من تردي الأوضاع الاقتصادية هناك، واعتماداً متزايداً على المساعدات الأميركية، والصينيون الذين يطمحون إلى لعب دور أكبر على الساحة الدولية، لن يتركوا الولايات المتحدة تستفرد بالعالم، و قد بدأت بكين تعي عملياً مدى هشاشة علاقاتها بالقطب الأوحد.

نظام الدرع الصاروخي الذي يتخيله بوش لن يختلف كثيراً عن مشروع حرب النجوم الذي كان ريجان يحلم به، لكنه أكثر تواضعاً وأكثر واقعية، أي قابلاً للتنفيذ، أما ما يشاع عن أن المشروع الجديد يعني موت معاهدة ABM بين روسيا وأميركا التي تحضر الصواريخ المضادة للصواريخ فإن المقولة تبقى حُجَّة من لا حُجَّة له، فالصواريخ الروسية لم تعد بقادرة على ضرب الولايات المتحدة في العمق بسبب قدمها وسوء صيانتها وغياب الإرادة السياسية .

جميل عازر: وقد تحدثت عبر الهاتف إلى الدكتور خالد الحروب من جامعة كمبردج البريطانية، وسألته أولاً عما إن كانت المقتضيات الأمنية الأميركية تبرر مثل هذه المجازفة؟!

د. خالد الحروب: هي طبعاً هذا هناك وجهتي نظر، وجهة النظر الأولى تقول: نعم هناك ما يبرر هذه المجازفة بسبب انتشار الصواريخ البالستية ووقوعها في أيدي دول تسميها واشنطن دول مارقة، وأنه قد تنطلق باتجاه الولايات المتحدة صواريخ تؤثر، تضرب المدن الأميركية، لكن من وجهة نظري المتواضعة هذا يعني مُبالغ فيه جداً، خاصة وأن مفهوم الردع الذي قامت عليه الحرب الباردة مازال قائماً حتى الآن، اختلف المردوع، اختلفت الدول التي يتوجه نحوها الردع هذا من الاتحاد السوفيتي إلى الدول التي تُسمَّى مارقة، فالولايات المتحدة هي التي تضرب بالصواريخ، ضربت العراق وليبيا والسودان، وضربت أيضاً مواقع مدنيَّة في يوغسلافيا السابقة، فأميركا هي التي تهدد الآخرين بالصواريخ، وليست مهددة هي بالصواريخ.

جميل عازر: طيب هل بالنسبة للحماية، هل هذا المشروع مشروع الدرع الواقي -سمَّيه ما تشاء- يمكن أن يوفر ذلك القدر من الحماية للأميركيين بوجه خاص، ولحلفائهم بوجه عام كما وفَّرته مثلاً معاهدة الحد من الصواريخ البالستية؟

د. خالد الحروب: طبعاً حتى هذا.. هذه الحماية المفترضة مرسوم عليها علامة استفهام كبيرة، لأنه من ناحية فنية وتقنية أجريت عدد من التجارب لاختبار هذا النظام قبل تطبيقه، وأغلب هذه التجارب فشلت، وعلينا أن نتذكر أيضاً أن هذا النظام موجَّه إلى.. إلى الصواريخ المبعثرة، صواريخ قليلة العدد قد تصل إلى الأراضي الأميركية، وأنه لا يستطيع أن يصد هجوم بصواريخ وافرة، بعدد وافر من الصواريخ، هذه العلامة الاستفهام الآن يتم تجاوزها ويقول: أنه سوف يتطور هذا النظام ويصل إلى درجة من الحماية المطلقة، بحيث لا يمكن أن ينفذ أي صاروخ موجه إلى الأراضي الأميركية ويصل إلى تلك الأراضي، الآن إذا..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب على.. على الصعيد السياسي، ألا يبدو لك أن الإدارة الأميركية وكأنها تبحث عن عدو جديد بعد غياب الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة؟!

د. خالد الحروب: طبعاً أنا أتفق معك بالتأكيد، الآن هذا النظام يعني أثار غضب الصين بشكل غير مسبوق، وعلينا الآن أن.. أن نتوقع- كما كتبت في مكان آخر- أن نتوقع حرب باردة جديدة الآن بين الولايات المتحدة والصين تحديداً، الصين لا يمكن أن.. أن تبلع مثل هذا الاحتلال المخيف في التوازن الاستراتيجي، أن السماء الأميركية والأرض الأميركية تكون محمية بدرع واقي من الصواريخ، بينما السماء والأراضي الصينية مكشوفة لأي صاروخ أميركي، هذا في.. في الاستراتيجية الدولية أمر لا يمكن أن تسكت عنه أي دولة كُبرى، كذلك علينا أن نتذكر أن موسكو نفسها الآن نقاش عميق وغضب مدفون حول ماذا يمكن الرد الروسي على مثل، على مثل هذا النظام؟

جميل عازر: دكتور خالد، دكتور خالد، بما أن الولايات المتحدة تشير إلى الدول المارقة كسبب لتخوفها على أمنها من استعمال صواريخ بالستية وأسلحة يعني أسلحة دمار شامل ضد أهداف أميركية، بما أن مثل هذه الدول موجودة في منطقة الشرق الأوسط، إيران، العراق، إضافة إلى كوريا الشمالية مثلاً وجود السودان أيضاً، ليبيا متهمة برعاية الإرهاب كغيرها من الدول سابقة الذكر، ما الذي تتوقعه من تداعيات لمثل هذا المشروع على منطقة الشرق الأوسط بالذات؟

د. خالد الحروب: هذا سؤال في غاية الأهمية، البُعد الشرق أوسطي في هذا المشروع بُعد مُغفل ومسكوت عنه في الإعلام، حتى في الإعلام العربي مع الأسف، علينا أن ننتبه أولاً أن هناك دولتان، أو ثلاث دول، العراق وإيران وليبيا هي تقع في المنطقة العربية والمنطقة الشرق أوسطية، فلذلك إذن جزء كبير من المشروع موجَّه، موجه ويقصد بعين الاعتبار الشرق الأوسط، الآن نفس هذه الدول تقع في قلب الخطر التهديدي بالنسبة للاستراتيجية الإسرائيلية.

على ذلك هناك التقاء الآن وتطابق بين الاستراتيجية الإسرائيلية والاستراتيجية الأميركية في توقع مصادر التهديد نحو الأراضي نفسها، يعني لم يسبق أبداً في تاريخ السياسة في القرن العشرين أن نظرت الولايات المتحدة إلى أي دولة في منطقة الشرق الأوسط على أنها تهدد.. تمثل تهديداً للأراضي الأميركية، نفس هذه الدول تهدد الأراضي (الإسرائيلية)، الآن هذا الالتقاء في المصالح الاستراتيجية، في النظرة الاستراتيجية قد.. سوف يعمِّق طبعاً التعاون المشترك، وقد يقود هذا في مرحلة قريبة وربما قريبة جداً إلى تفريع ما، ما طرح في العام الفائت من معاهدة تحالف دفاعي بين إسرائيل والولايات المتحدة، وهذا خطر كبير ومرحلة يعني غير مسبوقة.

جميل عازر: ومن قناة الجزيرة في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً: الانتفاضة الفلسطينية في المنظور الإسرائيلي، ودبلوماسية بيريز في مناورات إقناعية للدفاع عن سياسة شارون، كان اليوم الأول من آيار كل عام موعداً بارزاً في إطار أجندة العلاقات بين الكتلتين الاشتراكية والرأسمالية فقد كان مناسبة للتعبير عن تحدي الأنظمة البروليتارية بزعامة الاتحاد السوفيتي السابق للنظام الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة، أما وقد باد الاتحاد السوفيتي، فقد انصبَّ التركيز في عيد العمال الآن على نظام العولمة احتجاجاً على وليس احتفالاً بما يمثله من هيمنة الرأسمالية واقتصاد السوق على المسرح العالمي، ولكن هل للاحتجاجات ما يبررها في عالم يشهد ثورة في الاتصالات والتبادل التجاري على مستوى وبشكل لم يشهد البشر له مثيل؟

تقرير/ حسن إبراهيم: الجديد فى مظاهرات الأول من مايو أو عيد العمال، أن الجماهير الغاضبة التي زحفت زرافات ووحداناً على مراكز المال في عواصم دول الشمال الرأسمالية، تبعتها جماهير أخرى في دول الجنوب، ولكن الكل يهتفون ضد العولمة الاقتصادية بمعاييرها التي تعُتبر منحازة ضد الدول الفقيرة وهي في أسفل الدركات، بينما تتربع دول الشمال التي تشكل عدديتها أقل من عشر سكان العالم على القمة، توزع فتات الكعكة العالمية.

والمحتجون في الغرب في وعيهم الجديد يعتقدون أنه لو كانت هناك عولمة حقيقية لارتبط إذن مصير الجائع المحتضر في أنجولا على سبيل المثال بمصير رجل الأعمال في قلب لندن أو نيويورك، ويرون أن الدولة الغنية تمارس دور المرابي الذي لن يكتفي برطله من اللحم، بل يريد فوقه طاعة عمياء وتغييباً كاملاً لإرادة إنسان الدول النامية، فماذا يرفضون إذن؟! إنهم يرفضون العولمة التي تقنن سيطرة الشركات متعددة الجنسيات على وسائل الإنتاج والإعلام والثقافة، وبالتالي القرار السياسي.
فالعولمة تفرز سلوكاً يميز عصر الرأسمالية الحديثة، وهو سلوك احتكاري يدفع بشركات الأدوية العملاقة إلى رفض السماح للدول النامية في أفريقيا وأسيا وأميركا اللاتينية بإنتاج أدوية رخيصة التكلفة لمكافحة أمراض مدمرة مثل الإيدز، ويبرر لرئيس الولايات المتحدة الأميركية الدولة التي تعتبر أكبر مصدر للتلوث البيئي في العالم أن يقول إن انبعاث ثاني أكسيد الكربون من مصانع بلاده وعوادم سياراتها لا يؤثر على البيئة أو الانحباس الحراري، ويرفض التصديق على معاهدة (كيوتو) للبيئة، إنه السلوك الذي يقبل بأن يكون كل فرد في إفريقيا مديناً بـ100 ألف دولار للدول الغربية المانحة منذ ولادته.

والاحتفال بعيد العمال كمناسبة عالمية اتخذ منحى جديداً منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 90، كما أنه لم يعد المناسبة التي تُقام للتذكير بالعداء السياسي بين الكتلتين الشرقية والغربية، فشتان ما بين العروض العسكرية من قبيل ما كان يقُام في الميدان الأحمر مروراً بضريح اليمين في قلب موسكو، وتلك التي تقام الآن هناك رغم التململ الروسي، ومحاولات استرداد الأمجاد المفقودة، فالرأسمالية في ثوبها الجديد وبكل ارتباطها الإلكتروني من بورصة نيويورك وحتى بورصة هونج كونج تنطوي على كثير من الهشاشة في إطارها العولمي –إن صح التعبير- بسبب تغليب عنصر الربحية على كرامة الإنسان، فالمؤسسات الدولية يمكن أن تصر على أن تدفع دولة فقيرة من إفريقيا الفائدة على ديونها إلى مالا نهاية، حتى تظل مؤهلة للاقتراض وليس للإعفاء.

جميل عازر: لا يوجد شك في العلاقة الوثيقة بين سياسة حكومة شارون في التعامل مع الانتفاضة من جهة والمبدأ الاستراتيجي الذي يسير عليه الجنرال السابق المعروف ببطشه وكراهيته للعرب عامة وللفلسطينيين بوجه خاص، وشارون يبلغ ياسر ومنظمة التحرير الفلسطينية من بعده رسالة مفادها أنه يعتزم حل القضية الفلسطينية بممارسة أسلوب معالجة الضد بالضد، فهدم منازل المواطنين وبناء مساكن للمستوطنين تعبير حرفي عن وجود إسرائيل أولاً وأخيراً، ومن هنا جاءت محاولات وزير الخارجية الإسرائيلي لتبرير هذه السياسة بدبلوماسية المناورة التي أتقنها الإسرائيليون، ولكن هل يمكن التوفيق بين ما يلتهم الأرض وبين ما يحاولون الدفاع عن الحياض؟!

تقرير/ سمير خضر: ربما كانت قوة إسرائيل الدبلوماسية تفوق بكثيرٍ قوتها العسكرية التي طالما تغنت بها ولوحت بها ذات اليمين وذات اليسار، إذا يكفي أن نتفحص قدرة دبلوماسيتها على تسويق سياساتها وراؤها للأمور والأوضاع لنعي التقصير العربي الواضح في هذا المجال، شمعون بيريز قادة حملة دعائية إعلانية من الطراز الأول، فنجح في زرع البلبلة وسوء الفهم بين عدة أطراف عربية وغير عربية، ففي مصر أقنع الرئيس مبارك أن إسرائيل توصلت إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع الفلسطينيين، لتكتشف القاهرة أن الأمر لا يتعدى مناورة إسرائيلية، وفي عمان حاول بيريز إقناع العاهل الأردني بضرورة تعديل المبادرة المصرية الأردنية المشتركة وإلا، ففهم الأردن أن إسرائيل ليست مستعدة بعد للحديث عن السلام لكن القدرة على تحريف الحقائق وصلت أوجها في واشنطن، حيث عاد بيريز من جديد للحديث عن شروط عودة المفاوضات وفقاً لرؤية شارون، أي وقف إطلاق النار أولاً، وغاب عن الجميع أسلوب بيريز في تصوير الوضع، أي وقف لإطلاق النار؟! وهل هناك جيشان يتحاربان ليستخدم هذا التعبير؟!

تقرير لجنة ميتشل
وزير الخارجية الأميركي اكتفى بترديد صدى تصريحات بيريز، واضعاً اللوم على الفلسطينيين في كل شيء، ومردداً مقولة زعيم البيت الأبيض، بأن واشنطن لن تتدخل في المفاوضات بين الطرفين، ولم يكن ذلك بكاف على الدبلوماسية الإسرائيلية التي يبدو أنها نجحت حيث فشل الطرف الفلسطيني في إقناع لجنة (ميتشل) للتحقيق بأسباب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، إذ أشار التقرير الأولي إلى عدم مسؤولية شارون دون الإشارة إلى سبب آخر مقنع، وبدد التقرير كذلك آمال الفلسطينيين في الحصول على حماية دولية، فالتحقيق أثبت وفقاً لمعدي التقرير بأن الرصاص الإسرائيلي الذي أوقع 400 ضحية بينهم نساء وأطفال وشيوخ لا يشكل خطراً وتهديداً يستوجب الحماية.
ميزان الدبلوماسية والنفوذ الدولي لم يكن في يوم ما في صالح الفلسطينيين، بل قدرتهم على الصمود على أرضهم ومناكفة المحتل، تلك المناكفة التي تعتمد على الحجارة وأحياناً بعض الطلقات هنا وهناك وعدة قذائف هاون قلما توقع خسائر تُذكر، ولكنها وإن لم تثر الرعب وتحدُث الدمار المطلوب فإنها تشكل ضغطاً طويل الأمد لا تستطيع إسرائيل تحمله لا اقتصادياً ولا اجتماعياً ولا سياسياً.

جميل عازر: لعله من نافلة القول: أن العنف الذي تشهده الجزائر يكاد يشارف على شفا حرب أهلية إذا أخذنا المواجهات بين المتظاهرين وقوات الجيش في منطقة القبائل مؤشراً على ما قد تؤول إليه الأمور هناك، فرغم النوايا الحسنة وراء محاولة تشكيل لجنة تحقيق في مقتل عشرات من المتظاهرين المسالمين برصاص الجيش، لا يمكن لحالة انعدام الثقة بين السلطة ممثلة بالرئيس بوتفليقة وبين المعارضة الأمازيغية تحديداً، إلا إذا استطاعت اللجنة أن تعمل في جو مطلق الحرية للتوصل عن معرفة المسؤولين عما كانت مذبحة دون شك، ويبدو أن تحقيق ذلك قد يتطلب دوراً من طرف خارجي مؤهل لكشف الحقائق في هذه القضية، وربما غيرها من قضايا المسرح السياسي المعقد في الجزائر.

تقرير/ حسن إبراهيم: هل كان يطلق الرصاص على مظاهرات البربر في (تيزي أوزو) مقصوداً لوعد ما تبقى من مشروع الوئام المدني الذي كان فاتحة عهد بوتفليقة؟! ومن حقاً قتل المغني الأمازيغي (معطوب وناس) العام الماضي؟ البربر يتحولون إلى حجر جديد في لعبة الشطرنج الجزائرية واستخدام الرصاص بدلاً من الغاز المسيل للدموع في قمع مظاهراتهم يهدد بأن تصل الأمور إلى مرحلة اللاعودة، فقوات الأمن قتلت ما بين 40 متظاهراً حسب الرواية الرسمية، وأكثر من 80 كما كتبت الصحف الجزائرية.

لقد غضب كثيرون بسبب خطاب الرئيس بوتفليقة الذي دعا إلى تشكيل لجنة تحقيق وطنية، فهل يمكن لأي لجنة أن توجه الاتهام إلى الجيش مثلاً رغم أن هناك من يرون احتمالاً لوجود أصابع أجنبية تحرك الأحداث، يتردد في أوساط الجزائر بين في الداخل والخارج روايات عن تردي العلاقات بين الرئيس بوتفليقة والجيش، وجنرالات الجيش الأقوياء، وبعضهم يقيمون في باريس يعتقدون أن الرئيس بوتفليقة تجاوز ما يعتبرونها خطوطاً حمراء في تعامله مع الإسلاميين، وفي انتقاداته للجيش، وفي سماحه للصحافة الجزائرية المكتوبة بأن تنشر ما تشاء، وما يدعو للريبة أيضاً انسحاب زعيم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (سعيد سعدي) من الائتلاف الحكومي وهو الذي ينظر إليه البعض على أنه من صنائع الجيش وأحد أبرز الاستئصاليين.

أعمال عنف في الجزائر
الزعيم الأمازيغي (حسين آية أحمد) أحد آخر الكبار من القيادة التاريخية للثورة الجزائرية، الذين مازالوا على قيد الحياة يطالب بتدوير الأزمة الجزائرية، وهو ما يحكم به كثيرون من الجزائريين ولو على مضض لمقتضيات يفرضها واقع القتل المستمر بالخناجر والفؤوس والرصاص داخل منازلهم وعلى بعد خطوات من ثكنات الجيش ومراكز الدرك، أزمة الأمازيغية في الجزائر أو المغرب العربي قديمة قدم الاستعمار الفرنسي هناك، وبينما يطالب بربر الجزائر بتدريس الأمازيغية في المدارس كمادة إجبارية أسوة باللغة العربية يجوز التساؤل هنا: ولكن أي أمازيغية؟! فبربر (تيزي أوزو) يتحدثون بلغة القبائليين التي تختلف من أمازيغية الشاويين، والطوارق بربر يتحدثون أمازيغية مختلفة.

غير أن التطورات الأخيرة والتصاعد، بل والتصعيد في الوضع يطرق سؤالاً حول الموقف الحقيقي للرئيس بوتفليقة من كل هذا، فالرجل فاز بالرئاسة بعد انتخابات انسحب منها جميع المرشحين الآخرين، فاعتبره الجنرالات رجلهم حتى فاجأهم بطريقة تعامله مع الأزمات الداخلية التي اعتبروها أسلوباً ليبرالياً، كما اشتبهوا في دوره وراء تساؤل الصحافة عن حقيقة دور الجيش في الأحداث، الجزائر إذن في مفترق طرق، فإما أن يستخدم الغطاء الدولي بحكمة لكشف المتورطين الحقيقيين، وإما أن يكون مقدمة لمرحلة جديدة من انفلات أمني شامل.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونشير إلى أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصوت والصورة والنص عبر موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.