مقدم الحلقة

توفيق طه

تاريخ الحلقة

10/11/2001

- تداعيات سقوط مدينة مزار الشريف.
- الحملة الأميركية بين التكلفة الباهظة والخسائر البشرية المتصاعدة.
- غموض موقف الرئيس الأميركي تجاه الدولة الفلسطينية.
- قطار العولمة وهيمنة الشمال على الجنوب.

توفيق طه
توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، ومعنا هذا الأسبوع سقوط مدينة مزار الشريف بعد قصف أمريكي مكثف، وأنباء غير مؤكدة عن مصرع عدد كبير من قوات طالبان.

وتكلفة الحرب الأمريكية على أفغانستان تتجاوز حاجز المليار دولار بعد دخولها الشهر الثاني، وتوقعات بارتفاع التكلفة مع استمرار العمليات.
وبعد لقاء بوش وبلير غموض في موقف الرئيس الأميركي تجاه الدولة الفلسطينية.
وجولة لياسر عرفات في دول الاتحاد الأوروبي بعد رفض الرئيس الأمريكي مقابلته في نيويورك.

تداعيات سقوط مدينة مزار الشريف

يثير سقوط مدينة مزار الشريف في أيدي التحالف الشمالي تساؤلات كثير، فسقوط المدينة يعني فتح صلة مباشرة ما بين مواقع المعارضة الأفغانية وأزبكستان، وهو ما يثير قلق باكستان التي تريد ترتيب البيت الأفغاني قبل أن تقبل بهزيمة كاملة لطالبان، الولايات المتحدة بدورها تخشى أن يتحول الضغط الباكستاني إلى صداع حقيقي لها، خاصة لو تصاعد رفض شعب باكستان للحرب ضد أفغانستان، وقد يتحول مركز الثقل للوجود الأمريكي إلى طشقند بدلاً من إسلام أباد.

النيران تشتعل إثر القصف الأميركي على العاصمة الأفغانية كابل
تقرير/ حسن إبراهيم: يبدو أن القصف الأمريكي بعد دخوله الشهر الثاني قد أدى إلى سقوط مدينة مزار الشريف أهم منافذ طالبان على شمالي أفغانستان، وعلى الرغم من المدينة حصينة والدفاع عنها سهل نسبياً إلا أنه يبدو أن الحصار الذي ضربته قوات التحالف الشمالي وكثافة القصف الأمريكي قد أدياً إلى هذا الاختراق المهم للتحالف الشمالي، ويعتقد بعض المراقبين أن الولايات المتحدة ستبذل جهودا استثنائية في كبح جماح الزعيم الأوزبكي عبد الرشيد رستم، والذي يحقد على البشتون منذ استيلاء طالبان الدامي على معقله مزار الشريف منذ عام 97 ، ومن الواضح أن السلاح الذي وفرته القوات الأمريكية للتحالف كان قادراً على توفير النصر في معركة مزار شريف، ويبدو كذلك أن كثافة الإمدادات التي توفرت للتحالف جعلت له الغلبة، لكن هناك مشاكل أساسية يعاني منها التحالف، تجعل من قواته ضعيفة رغم انتصارها الأخير، وهناك تحليلان لتضعضع التحالف الشمالي.

الأول: يعتقد أن التحالف بتركيبته المتنافرة من أوزبك وطاجيبك وبعض فصائل البشتون غير قادر على القتال كجيش متجانس منظَّم، وسيظل في حاجة لقوات أمريكية تقاتل معه، خاصة بعد اغتيال القائد الأسطوري احمد شاه مسعود.

الثاني: هو أن الولايات المتحدة لا تريد اغضاب باكستان الذي ترفض أي اجتياح لكامل مواقع طالبان إلا بعد الاتفاق على بديل مناسب لجميع الأطراف، وتخشى باكستان من أن يؤدي سقوط مدينة مزار الشريف إلى حمام دم يجعل الاتفاق على حكومة ما بعد طالبان ضرباً من المستحيل.

إذاً فلو قبلنا التحليل الثاني فإن إقصاء قوات الطالبان عن مدينة مزار الشريف قد يكون خطوة في طريق الاستيلاء على العاصمة كابول، وربما يمهَّد الطريق أمام احتلال كامل لأفغانستان، سقوط مزار الشريف يفتح الطريق ما بين أوزبكستان وأفغانستان ويسهل للغاية إيصال الإمدادات للتحالف الشمالي، ومن يدري فقد يغري القوات الأمريكية بوجود أكبر حجماً في أفغانستان.

الحملة الأميركية بين التكلفة الباهظة والخسائر البشرية المتصاعدة

توفيق طه: رغم الإصرار الأمريكي على خوض هذه الحرب إلى النهاية فإن تكاليف الحملة أمر يجب أن يوضع في عين الاعتبار، ويصبح مثيراً للسخرية أن تفوق قيمة الصواريخ والقنابل التي ألقيت على أرض أفغانستان القيمة الإجمالية للمنشآت على الأراضي الأفغانية، وفي ظل الخسائر البشرية المتصاعدة، فإن الأمر برمته يحتاج إلى وقفة شجاعة من قبل الولايات المتحدة.

مقاتلات أميركية طراز إف أي 18 سي هورنت على متن الحاملة ثيودور روزفلت المرابطة في بحر العرب ضمن الحملة العسكرية الأميركية على أفغانستان
تقرير/ خالد القضاة: قد يكون من المبكر الحصول على رقم دقيق لتكلفة الحملة العسكرية على أفغانستان، لأن الحملة مازالت في بدايتها كما تقر واشنطن من جهة ولأن الأهداف المعلنة لها لم يتحقق منها شيء ملموس حتى الآن، لكن الشهر الأول الذي انقضى على القصف يُشير إلى أن تكلفته بلغت نحو مليار دولار، ويشمل ذلك النفقات الخاصة بالطلعات الجوية وانتشار القوات البرية والبحرية والتعبئة العسكرية بشكل عام، وهذا الرقم يُستدل عليه اعتماداً على نفقات حربين سابقتين خاضتهما واشنطن على نفس الشاكلة تقريباً، حيث تشابهت المراحل في الحروب الثلاثة بأن بدأت جميعها بقصف جوي أنهك الخصم وقضى بشكل شبه تام بنيته التحتية، ففي حرب كوسوفو على وجه التحديد كانت التكلفة التي تحملتها الولايات المتحدة ثلاثة مليارات دولار، حيث نفذت قواتها ثمانية آلاف وخمسمائة طلعة جوية، وحيث أن الشهر الأول من القصف على أفغانستان شمل حوالي 2000 طلعة جوية من قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، فإن التكلفة الفعلية لعمليات القصف تقارب تسعمائة مليون دولار، وبشكل أدق فإن الخزينة الأمريكية كانت تتحمل نحو مليون وربع المليون دولار في كل ساعة طوال الشهر الأول من القصف، ويُضاف إلى تكلفة الطلعات الجوية، حوالي 90 مليون دولار هي ثمن صواريخ كروز أطلقتها البحرية الأمريكية على الأراضي الأفغانية، مع أن هذا النوع من الصواريخ يعتبر رخيص الثمن بالمقاييس العسكرية، ويبقى من التكلفة 25 مليون دولار أنفقت على انتشار قوات أمريكية في أوزبكستان، وهذا الرقم يتم الحصول عليه استناداً إلى الميزانية التي تخصص لانتشار قوات حفظ السلام في الظروف العادية.

من المعروف أن وزارة الدفاع الأمريكي لم تفصح عن كثير من التفصيلات حول هذه الحملة بعكس ما فعلت في الحروب السابقة، ولم يتضح شيء عن التكلفة الفعلية لعملية الحرية الدائمة كما أطلقت عليه الولايات المتحدة، إلا أن الكونجرس خصص 40 مليار دولار لما وصف بحالة الطوارئ التي تلت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر الماضي، يجري إنفاق ثلاثة عشر ملياراً منها على وزارة الدفاع، الواضح أن الولايات المتحدة لا تكترس حالياً بأي تكلفة عسكرية مهما بلغت فالتحدي في نظرها هو الانتقام لما أصابها، وفي المقابل نجد أن كل الأهداف المادية التي قصفت في أفغانستان قد لا تتعدى قيمتها عشرات الملايين من الدولارات، لكن النتائج على المستوى إنساني أبداً لا تقدر بثمن.

غموض موقف الرئيس الأميركي تجاه الدولة الفلسطينية

توفيق طه: أصيب كثيرون بخيبة الأمل عندما تراجع الرئيس الأمريكي عن وعده بتأييد قيام دولة فلسطينية، ويبدو أن لوبي الصهيوني في الولايات المتحدة مارس ضغوطاً هائلة لتغير موقف الرئيس الأمريكي، فبوش يعلم أن فُرص إعادة انتخابه تعتمد على الدعم اليهودي، وأن ثمن تحييد إسرائيل بصورة تُرضي حلفاء الولايات المتحدة من العرب قد يكون أغلى مما يستطيع الرئيس الأمريكي دفعه.

دبابة إسرائيلية تقصف مدينة عرابة الفلسطينية بالضفة الغربية أثناء عملية التوغل فيها
تقرير/ سمير خضر: لا يبدو أن المشهد الفلسطيني سيتغير كثيراً في القريب العاجل رغم كل ما يقُال أو يُشاع عن محاولات لإعادة عملية السلام إلى مسارها خدمة للتحالف الذي تترأسه الولايات المتحدة في حربها ضد أفغانستان طالبان، فالحكومة الإسرائيلية اليمينية بزعامة (أرئيل شارون) لا تزال تضرب بعرض الحائط بكل النداءات والوساطات الداعية إلى تهدئة الوضع، ولماذا يهدئ شارون الوضع ليدخل في مفاوضات مع السلطة الفلسطينية!! فهذا آخر ما يبحث عنه شارون لأنه يعني ببساطة انهيار ائتلافه الحاكم الهش، فلماذا إذن تتسابق الوفود الأوروبية في محاولاتها إصلاح ذات البين كما يُقال؟

أغلب الظن أن هذه المحاولات لا تستهدف سوى الإبقاء على شعرة معاوية قائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومثل ما تضغط جهات عديدة على الرئيس الفلسطيني فإن ياسر عرفات يحاول أيضاً الضغط، ولكن من منظور مختلف تماماً، فعرفات حاول خلال جولة أوروبية إقناع محاوريه الأوروبيين بتأييد إعلان دولة فلسطينية مستقلة وبالضغط على إسرائيل لسحب قواتها التي تحتل عدداً من المدن الفلسطينية التي تخضع السلطة الوطنية الفلسطينية، وسواء كانت هذه اللقاءات في مدريد أو بروكسل فقد لقي الطلب الفلسطيني تعاطفاً كبيراً حتى من قبل (شمعون بيرز) وزير الخارجية الإسرائيلي، لكن أوروبا لا تمتلك مفاتيح الحل في الشرق الأوسط، فهذه المفاتيح بيدي واشنطن التي سبق وأن أعلن رئيسها أن بلاده كانت على الدوام تؤيد إعلان دولة فلسطينية مستقلة، لكن الأمر اعتراه الغموض مجدداً حينما أعلن بوش خلاله استقباله رئيس الحكومة البريطاني أن حل مشكلة الشرق الأوسط غير مرتبط بالعمليات الجارية ضد أفغانستان، والواقع أن الموقف الأمريكي لم يكن بهذا الغموض الذي فسره البعض، فـ (توني بلير) أنهى جولة شرق أوسطية كرس معظمها لمحاولة طمأنة العالم العربي بأن الحملة ضد أفغانستان ليست موجه ضد العرب أو المسلمين، وبأن واشنطن ومعها لندن ستعملان جنباً إلى جنب لإيجاد صيغة توافقية بين الفلسطينيين والإسرائيليين تسمح بعودة مسيرة السلام، لكن ما لم يقله بلير لبوش أثناء لقائهما هو أن الوضع على الأرض يختلف كثيراً عن الأمنيات التي عبر عنها، فقوات الاحتلال الإسرائيلي لم تعد تأبه بأحد، وهي تضرب بعرض الحائط كل الدعوات لتخفيف الحصار والانسحاب من أراضي السلطة الفلسطينية.

أما سياسة الاغتيالات فهي ماضية في طريقها الأمر الذي يؤدي حتماً إلى ردة فعل فلسطينية عنيفة تستمر معها دوامة العنف الذي يبحث عنه شارون بكل طاقته كضمانة لاستمراره في الحكم.

[فاصل إعلاني]

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في الملف الأسبوعي وفيه أيضاً: مَنْ يوقف قطار العولمة؟ وهل تتحقق العدالة التي يصبو إليها الناشطون الأمميون؟

قطار العولمة وهيمنة الشمال على الجنوب

أصبحت العولمة شعار المرحلة عند كثيرين، وتحولت إلى سيف مسلط عل رقاب دول العالم الثالث الفقيرة التي تُدعى تهذيباً بالنامية، لكن مقولات العولمة الأساس تحتاج إلى أكثر من مراجعة، فالفوارق الضخمة في كمية الإنتاج والتقدم التقني بين شقي العالم تجعل التجارة الحرة (تضارباً) من الخيال؟ فكيف نطالب الدول النامية بالتوقف عن دعم سلعها المحلية ولو بعد خمس عشرة سنة؟وكيف تتقدم الدول النامية مع وجود سيف الديون الضخمة مسلطاً على رقابها؟ أسئلة تعني الإجابة عنها تغييراً شاملاً للعلاقات الاقتصادية والسياسية في العالم.

شرطيان يعتقلان إحدى السيدات أثناء تظاهرة ضد العولمة أمام السفارة الإيطالية بلندن (أرشيف)
تقرير/ سمير خضر: منذ فجر التاريخ لم تكن العزلة من بين طموحات الإنسان، بل كان التواصل مع الآخرين هو الأساس في تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان، تعامل بالحسنى من خلال التبادل التجاري، أو على العكس من خلال الحروب والغزوات، وفي كافة الأحوال سعى الإنسان إلى توسيع رقعة نفوذه من أجل تلبية احتياجاته وتأمين مصالحه أينما وحيثما كان ذلك ممكناً، وبهذا يكون مفهوم العولمة بشكله السطحي البسيط قديماً قدم التاريخ، ورغم ذلك لا تزال الفجوة واسعة بين الأمم والشعوب حول تعريف العولمة وماهيتها، لكن العديد من رجال الاقتصاد اليوم يرون فيها ظاهرة حديثة من حيث أنها تعني زيادة وتيرة التفاعل بين المجتمعات إلى درجة إنها بدأت تصب في خانة التكامل، ولكن أي تكامل؟ وهل يمكن الحديث عن تكامل بين اقتصاد ضخم مثل الاقتصاد الأمريكي أو الياباني واقتصاد ناشئ مثل الاقتصاد الصومالي أو السنغالي؟ ثم ما نوع التبادلات التي يركز عليها مثل هذا التفاعل؟

فلو كانت تبادلات اقتصادية تجارية بحتة فإن الأمر سيكون بسيطاً للغاية، فالدول النامية دول الجنوب كانت ولازالت بحاجة إلى منتوجات دول الشمال الغنية، ولا يوجد ما يبشر بقرب انتهاء هذه الحالة من عدم التوازن، لكن الأمور تبدأ بأخذ منحنى خطير حين نرى ما الذي تعنيه دول الشمال، عندما تتحدث عن العولمة بمجملها، فهي تُدخل ضمن هذا المفهوم كل ما يتعلق بالمعرفة والعلم والتكنولوجيا والبيئة والاتصال والثقافة، وهذا يعني أن دول الجنوب يجب أيضاً أن تخضع لهذه الاعتبارات حتى وإن كانت تشكل تهديداً لهويتها الثقافية والحضارية.

فأدوات العلم والتكنولوجيا والثقافة باتت اليوم في أيدي الشمال الذي يحرص عليها حرصه على نفسه، ورغم أن تكنولوجيا مثل الإنترنت أصبحت اليوم تقريباً في متناول شعوب الأرض كلها فإن ذلك لا يعني أنها أصبحت أداه في يد الجنوب كما هو الحال في الشمال، إذ يكفي أن نلقي نظرة على مضمون صفحات الإنترنت لنعرف أن هذا المحتوى في مجمله من إنتاج الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وغيرها من الدول المتقدمة، وإذا نظرنا إلى وسائل المواصلات التي تشكل أحد عوامل الربط الرئيسية في القرية العالمية، سنجد أنها محتكرة بالكامل من قبل الدول الصناعية المتقدمة، وإذا تمعنا في مضمون وسائل الاتصال الجماهيري، سنرى أنها لا تعنى في غالبها سوى برفاه الشمال وتقدمه ولهذه الأسباب يجمع الشمال والجنوب على أمر واحد هو أن العولمة مفهوم رأسمالي بحت ينبع من انتصار هذا المبدأ وهذا الفكر في حربه الطويلة ضد المعسكر الاشتراكي الذي انهار منذ عقد من الزمان تاركاً وراءه الساحة خالية لغريمه المنتصر، أما الحديث عن العولمة ستساهم في إعادة توزيع الثروة والقضاء على الفقر والجهل والمرض، فإن المليار شخص الذين يعيشون اليوم في حالة من الفقر المدقع لأكبر دليل على أن الفكرة الطيبة قد لا تؤدي بالضرورة إلى نتيجة طيبة.

توفيق طه: على الرغم من أن دول الشمال تمارس ضغوطاً هائلة على دول الجنوب كي تغير من سياستها الاقتصادية وتحاول فرض مفهومها الخاص بالعولمة، إلا أن هناك جماعات ضغط غريبة، نشأت من رحم النظام الرأسمالي ترفض جانبه الاستغلالي بكل قوة، وهي تعتبر الفقر العدو الأول للإنسانية وأنه لا يمكن فصل قضايا البيئة عن الفقر وغياب الديمقراطية.

تقرير/ حسن إبراهيم: لعل الفترة الاستعمارية كانت الوحيدة التي كان الاقتصاد فيها مدولاً بصورة حقيقية، فحفنة من الدول الأوروبية كانت تستعمل معظم أرجاء العالم الذي نعرفه وبالتالي كان من السهل على هذا الدول اقتسام الكعكة العالمية فيما بينها بدون التفات إلى مطالب شعوب الدول المستعمرة ورغم أن فترة الاستقلال التي تلت الحرب العالمية الثانية لم تشهد نهضة عالم ثالثية إلا في بعض الأمثلة القليلة إلا أن فكرة الدولة المستقلة بمعناها الحديث أفرزت استحقاقات للشعوب يجب استيفاؤها، من سوء حظ بلاد الجنوب أن الحقبة الاستعمارية خلفت أنظمة حكم عشائرية المحتوى ولو لُبّست أقنعة عقائدية شتى، ومن هنا كانت المقاومة لهيمنة دول الشمال على الاقتصاد العالمي واهية للغاية أو غير منظمة، يأتي في هذا السياق محاولات حكيم أفريقيا الراحل (جولياس نايريري) ومجموعة الـ 77 ومنظومة عدم الانحياز، وقبلها بالطبع أتت الحقبة السوفيتية التي أسهمت في إبطاء سير هيمنة العالم الغربي الرأسمالي على التجارة العالمية.

لكن ومع انهيار المنظومة الاشتراكية وتضعضع الكائنات الأخرى بدت الساحة خالية من المناوئين لكن كانت هناك حركة تتنامي من داخل العالم الرأسمالي نفسه، بدأت كحركات نشطة في مجال البيئة مثل (الخضر) و(الأرض أولاً) و(نادي السييرا)، وغيرها كثير من المنظمات التي كانت في البداية تركز جهودها على مناهضة التلوث البيئي، لكن تطور فكرها ليشمل مفاهيم أخرى، ربما لم تكن تخطر على بال من أنسأوا تلك المنظمات، من المشاهد العالقة بذاكرة البشرية مشهد المراكب الخضر وهي تحيط بمنصة التنقيب عن النفط أو وهي تحاول إيقاف التجارب النووية الفرنسية في دول المحيط الهادئ، وأدركت المنظمات المناوئة للتلوث أنه لو إن العالم الغربي مسؤولاً عن أكثر من نصف نسبة التلوث العالمي، فإن لدول العالم الثالث دورها في هذا التلوث، لكن التلوث الذي تسببه دول الجنوب ناجم عن الفقر وغياب البدائل المنجية اقتصادياً، أدركت هذه المنظمات وإن أتى الإدراك متأخراً بعض الشيء، إن مشكلة الديون التي تكبل اقتصاديات العالم الثالث تحرمها من التنمية، وأن العولمة بقيودها الصارمة على حرية الدول في إدارة اقتصادياتها بما يتناسب مع أوضاعها المحلية أنها مفهوم لابد من تقويمه أو محاربته فالعولمة في مرحلتها النهائية المزمع وصولها تمنع دول العالم الثالث من فرض جمارك على السلع المستوردة من الدول الأخرى وإن كانت هذه السلع ستكتسح أسواقها، وتؤدي إلى كساد المنتجات المحلية، كل ذلك تحت حجة حرية التجارة، وبالطبع تطورت أساليب هذه المنظمات المناهضة للعولمة لتصبح أكثر عنفواناً في مواجهة رموز الرأسمالية، وبدخول بعض الجماعات التفكيكية الفوضوية التي تجد رواجاً كبيراً في أوساط الناشطين الغربيين وخاصة من الطلاب أصبحت المواجهات أكثر حدة و...، كما حدث في سياتل ومونتريال ثم مظاهرات جنوة التي أفضت إلى مقتل أحد المتظاهرين، ويبدو أن المحاذير السياسية في أتوقراطيات دول الجنوب هي التي تؤدي إلى الغياب شبه التام لحركات مناهضة العولمة هناك.

توفيق طه: وأخيراً لمحاولة توصيف العولمة وسبل مناهضتها تحدثت إلي واحدة من رائدات هذا المجال في العالم الثالث الباحثة الدكتورة خديجة صفوت في جامعة (أكسفورد) وسألتها أولاً عما إذا كان منطق التجارة يكفي وحدة ليشكل لحمة بين الشعوب؟

د. خديجة صفوت (كاتبة وباحثة – جامعة أكسفورد): أولاً أنا عايزة أعرف التجارة دى –لو سمحت لي في نص دقيقة- إنه التجارة الحرة دى هي كانت محور صعود المجتمعات الغنية الغربية من الأوروبية حتى الولايات المتحدة منذ الاكتشافات الجغرافية الكبري، يعني أساس الاستعمار هو التجارة والتبادل ويسمي حراً تزلفاً يعني أو تدلفاً، مافيش تجارة حرة، الحرية هي للأقوياء، ولذلك التلاحم ممكن يكون بدرجات المقياس المدرج بين الدول الغنية، بدليل إنه حتى الدول الغنية ما فيه بينالها التلاحم الكامل الذي يدعي بمثال فرنسا والولايات المتحدة في.. حول الجات فيما يخص بالأجزاء الثقافية والأفلام إلى آخره القصة المعروفة، هذه..

توفيق طه [مقاطعاً]: نعم، يعني تريدين أن تقولي دكتورة أن.. يعني منطق التجارة الحرة كان ذريعة لمجرد ممارسة الاستعمار بطريقة أخرى.

د. خديجة صفوت: منذ الاكتشافات فإن الجغرافية الكبري، لو تتذكر إنه ما يسمى بالاكتشافات -اللي هي بين قوسين- بدأت بقراصنة ما يسمون بالـ.. شركات الهند الغربية البريطانية والهولندية، وبعضها رفعت الأعلام وهكذا، ولو تتذكر (آدم سميث) وهو سيد يعني زعيم والمفكر الأول لمسألة التجارة دي قال: إن ثروات الأمم.. "إن قوة الأمم تقاس بثرواتها من المعادن النفيسة".

توفيق طه: نعم، يعني في ظل ما يدعى إليه اليوم من عولمة، في رأيك إلى أي مدى يمكن أن تصمد الثقافات أو يصمد التمايز الثقافي بين الشعوب والأمم في وجه هذه العولمة؟

د. خديجة صفوت: ثقافياً أن أعتقد فيه حتة مهمة جداً، ينبغي التنبه عليها، إنه التنويعة الجديدة من الرأسمالية، أن أسميها الرأسمالية ما بعد الصناعية، اللي هي تتمأسس على بيع الماء كسلعة.. 300 المال يعني كسلعة، وأيضاً الصناعات التحويلية يعني السلع لا تنتج كوحدة واحدة يعني مجزأة في أماكن متفرقة، هذه الثقافة متمأسسة على تنويع رأس المال الأميركي، عنده خصوصية ثقافية معينة تاريخية، ولذلك عندما ما يفرض أسلوبه في تنظيم الإنتاج والحكومة –بين شرطين يعني- لما يفرض هذا النوع من التنويعة الثقافية المعينة اللي هي اقتصادية أيضاً، ينكر على بقية الثقافات خصوصيتها زي ما أنت تلاحظ بما فيها حتى الدول الصناعية الكبيرة، برضو في درجات المقياس المدرج، وأنا أعتقد إنه بإمعان النظر –بدون حتى بحث- لما تنظر للمجتمعات العربية والأفريقية تجد إنه حصل تضعضع شديد للثقافات حتى ولو بالهجرات العنيفة وراء العمل ولو بالمجاعات والحروب، سيبك من التجارة يعني.. يعني.. الثقافة.

توفيق طه: دكتورة مادام.. مادام جئت على ذكر الدول العربية والدول الأفريقية نرى أن المنظمة.. منظمة التجارة العالمية وضعت لها هدفاً هو 15 سنة لكي تطور الدول الفقيرة أو الدول النامية نفسها وتصبح مؤهلة لدخول المنظمة هل ترين هذه المهلة منطقية؟

د. خديجة صفوت: أنا أفتكر هي مصادرة على مطلوب ما يدعى، يعني أولاً 15 سنة مستحيل فيها بالشرطيات الموجودة دي ما أنت عندك شروط معينة لازم تنضبط فيها، 15 سنة دي غير كافية أنا أقول لك إحصاء بسيط جداً جداً حتى تلحق المجتمعات المفقرة أو النامية.. ما تسمى نامية بالمجتمعات الغنية ولو حتى نسبياً بتقدير سنة 1982م تحتاج الدول المفقرة إلى 497 عام علشان تلحق بالدول الغنية على أن تقف الدول الغنية في مكانها محلك سر، يعني هذا..

توفيق طه: لكن إذا..

د. خديجة صفوت: هذا الكلام.. هذا الكلام أحبولة جديدة، إحنا.. فخاخ بنقع فيها أنا أعتقد.

توفيق طه: عفواً، الدول الغنية التي تدعو إلى العولمة تقول إن.. يعني الاقتصاد الحر وحرية التجارة ستؤدي حتماً إلى حرية سياسية في الدول التي يعني لم تتمتع بعد بهذه الحرية، هل فعلاً في رأيك حرية التجارة واقتصاد السوق ستؤدي إلى ديمقراطية وحرية سياسية؟

د. خديجة صفوت: أنا ما بأشوف إن الديمقراطية هي ديمقراطية سياسية، الديمقراطية الاقتصادية هي الأساس الذي ينبني عليه التعدد.. تنبني عليه التعددية الحزبية وكل المقولات اللي بتيجي من الغرب بلا انتقائيات، بدون يعني حرية اقتصادية، بدون يعني ديمقراطية اقتصادية، لا يصاب الناس فقط بعدم المبالاة، لا وقت لديهم حتى يفكروا في أن ينظموا أنفسهم، هذا فيما كانت العمليات السابقة قد أودت بتنظيمات الناس المهنية، زي ما أنت عارف والمطلبية حتى في الدول الغنية، فكيف يتأتي إنه الناس تتطور؟ حتى تصبح على قدر من.. حتى الطاقة أو الجهد الذي يمكن بذله في غياب طلب الرزق.

توفيق طه: بهذا نأتي مشاهدينا الكرام إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع الجزيرة نت، في الشبكة المعلوماتية الإنترنت.

وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.