مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

23/02/2002

- خطاب شارون وقلقه من حالة الجبهة الداخلية الإسرائيلية
- تجميد الأمير عبد الله لمبادرته للتطبيع مع إسرائيل

- جولة الرئيس الأميركي في الشرق الآسيوي

- حادثة قطار الصعيد في مصر، ومن المسؤول؟

- محاكمة ميلوشوفيتش ومشكلة الأعراق في البلقان

جميل عازر

جميل عازر: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذه الجولة في الملف الأسبوعي وفيه:
(شارون) يطالب الإسرائيليين بالالتفاف حوله، فهل في ذلك إشارة على قلق من حالة الجبهة الداخلية؟
ولي العهد السعودي يعلن تجميده مبادرة للتطبيع مع إسرائيل بسبب القمع الذي تمارسه ضد الفلسطينيين.
الرئيس (بوش) في الشرق الأسيوي وفتورٌ في التجاوب مع حملته على محور الشر رغم الاتفاق على مكافحة الإرهاب.


خطاب شارون وقلقه من حالة الجبهة الداخلية الإسرائيلية

أرييل شارون

وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي خطاباً إلى الإسرائيليين أعلن فيه اعتزامه عزل المناطق الفلسطينية بالكامل عن المناطق الإسرائيلية، وهذا ليس بجديد من (آرييل شارون) الذي يمارس سياسة فصل عنصري لا تقل تطرفاً عن تلك التي مارسها النظام العنصري البائد في جنوب أفريقيا، ومناشدة (شارون) الجمهور الإسرائيلي للالتفاف حوله وتجديد الثقة فيه إنما تشير إلى أنه قَلِق من علامات نفاد صبر الإسرائيليين إزاء سياسة أوضحت الانتفاضة أنها لن توفر لهم الأمن الذي وعدهم به (شارون).
تقرير/ سمير خضر: لا يزال كثيراً من الإسرائيليين يتساءلون عن مغزى الرسالة التي أراد رئيس وزرائهم إيصالها إليهم وإلى العالم في خطابة قبل أيام، فقد تحدث (شارون) بإسهاب عن ضرورة الوحدة الوطنية والتضامن والحاجة إلى الصمود أمام التحديات التي تواجهها إسرائيل في هذه الظروف التي وصفها بالصعبة، لكنه لم يقل لهم الذي ينوي عمله لإخراجهم من هذا المأزق لأنه ببساطة لا يعرف السبيل إلى ذلك.
خطاب (شارون) كان بالفعل محاولة للهروب إلى الأمام فالوضع في الأراضي الفلسطينية يتطور بشكل لم يحسب له حساب، القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل تلمس اليوم تغيراً في أساليب المواجهة مع الفلسطينيين تغيراً يعيد إليها كوابيس ما عاشته في جنوبي لبنان فقد مضت فترة طويلة لم ينفذ خلالها الفلسطينيون عمليات داخل إسرائيل بل ركزوا هجماتهم على القوات الإسرائيلية والمستوطنين داخل الأراضي المحتلة هجمات لا ينكر إسرائيليُ فعليتها ونتائجها المؤلمة بشرياً ونفسياً وإستراتيجياً فهي تحرم (شارون) من وصف الفلسطينيين بالإرهاب وتقليب الرأي العام العالمي ضدهم لا بل أنها تكسب الفلسطينيين تعاطفاً دولياً، إذ من يستطيعوا عن قناعة وصف عمليات مقاومة ضد الاحتلال بالإرهاب بإستثناء (شارون) بالطبع، ردة فعل (شارون) لم تتغير منذ وصوله إلى الحكم رد فعل عسكري بحت مزيد من الهجمات براً وجواً على المدن الفلسطينية دون أن يكون لهذه الهجمات أي وقع في نفوس الفلسطينيين إذ لم يعد لديهم ما يخسرونه.
الحكومة الإسرائيلية بدأت أيضاً تشعر بفشل سياستها الهادفة إلى عزل الرئيس الفلسطيني في مقره في رام الله إذ ها هو عرفات يمارس نشاطاته اليومية كالمعتاد ويستقبل زواره من الفلسطينيين والعرب والأجانب وبدلاً من إضعافه سهلت سياسة العزل في تعزيز شعبيته في صفوف الفلسطينيين وأثارت حمق العرب والأوروبيين، وكما يقول المثل "انقلب السحر على الساحر" بدأ الخناق يضيق على (شارون) نفسه، فقد دبت الحياة من جديد في معسكر السلام في إسرائيل بعد ظن البعض أنه اندثر إلى غير رجعة وعادت شوارع تل أبيب تشهد مسيرات الرافضين للخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة بل وبدأت تظهر شعارات تنادي بالانسحاب من جانب واحد من الأراضي الفلسطينية ورغم أن هذا المعسكر لا يشكل سوى أقلية في إسرائيل فإن شعاراته تسير مخاوف اليمين المتطرف فهي تكشف عن غياب استراتيجية واضحة في التعامل مع الوضع غير تلك التي تعتمد الدبابة والأباتشي والـ F16 التي أثبتت عدم جدواها في إخضاع الفلسطينيين، وبدلاً من تركيز الضغط على عرفات أصبح (شارون) هو المحاصر، فشعبه يتساءل اليوم طائرات ودبابات وجنود وقصف وحصار وتجويه كل ذلك لم يأتي بنتيجة، فماذا بقى إذن؟


تجميد الأمير عبد الله لمبادرته للتطبيع مع إسرائيل

انتفاضة الأقصى

جميل عازر: بينما تتواصل الانتفاضة وتستمر الجهود لوقف سفك الدماء في إسرائيل والمناطق الفلسطينية، جاء إعلان ولي العهد السعودي الأمير عبد الله عن تجميده مبادرة تدعو إلى تطبيع عربي شامل مع إسرائيل شريطة انسحابها من الأراضي العربية التي احتلتها بالقوة عام 67 رغم أن هذه المبادرة تكرر موقفاً عربياً معلناً منذ تبنت جامعة الدول العربية السلام مع إسرائيل كاستراتيجية فإن توقيت الإعلان عن مبادرة مجمدة يكتسب من الأهمية قدراً ربما يفوق مضمونها كما يثير العديد من التساؤلات.
تقرير/ حسن إبراهيم: ترى هل يعض (شارون) أصابع الندم بسبب تصريح ولي العهد السعودي؟! فالأمير عبد الله قال إن بلاده كانت مستعدة لشروعه في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل لولا الوحشية الإسرائيلية في قمع الانتفاضة الفلسطينية، تصريح من العيار الثقيل لاشك في ذلك ويشكل اعتراف صريحاً من المملكة المحافظة بإسرائيل وكما هو معروف فإن التطبيع مرحلة تأتي بعد الاعتراف وتسوية المشاكل الأساسية، أمَّا مبادرة الأمير عبد الله فتقوم على مبدأين أساسين الاعتراف بإسرائيل وتطبيعُ كامل للعلاقات بينها وبين الدول العربية شريطة انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلت عام 67 بما في ذلك القدس الشرقية وفقاً للقرارات الدولية والبت في أوضاع اللاجئين.
هناك قراءات متعددة لتصريح من هذا النوع تأخذ في الاعتبار محتوى التصريح ثم الأهم من ذلك توقيته، فالتصريح يدل على أن قنوات الاتصال التقليدية بين واشنطن والرياض قد تضمنت بعد إسرائيلياً منذ فترة ليست بقصيرة وأن تطبيع بين السعودية وإسرائيل آتٍ لاشك في ذلك فالعقبات التي تحول دون تطبيع لخصها الأمير عبد الله في كيفية التعامل الإسرائيلي مع الانتفاضة الفلسطينية وليس رفضاً مبدئياً لدولة اليهودية يقوم على أساس ديني كما كان مفهوماً في الماضي.
ومن ناحية أخرى يمكن النظر إلى التصريح على أنه محاولة للضغط على الحكومتين الإسرائيلية والأميركية لتغيير طريقة تعاملهما مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات فالسعودية قبل غيرها تدرك خطراً محاولة فرض قيادة بديلة على الشعب الفلسطيني حتى لو كانت الجهة الضاغطة عربية ومن ناحية أخرى ربما كانت مبادرة الأمير السعودي محاولة لإنهاء الأسطوانة الأميركية الإسرائيلية عن تفويت عرفات الفرصة في مباحثات كامب ديفيد بتصلبه في موضوع القدس، فمهما كان الطرف العربي معتدلاً، ولو على الطراز الأميركي لما أمكنه المساومة في شأن القدس والمسجد الأقصى، لكن هناك قراءة أخرى لتصريح ولي العهد السعودي تتلخص في أن السعودية تريد نفي تهمة التصلب والتطرف عن نفسها في ظل الحملة الأميركية ربما يسمى بالإرهاب، ولكون السعودية بلد الحرمين الشريفين فإن قبولها التعامل مع إسرائيل يعتبر دون شك نقلة نوعية ستجذب انتباه كثيرين في العالمين العربي و الغربي.


جولة الرئيس الأميركي في الشرق الآسيوي

دبليو بوش في بكين

جميل عازر: لم يجد الرئيس الأميركي خلال جولته في الشرق الآسيوي بداً من تخفيف لهجة حديثة عن محور الشر بسبب ما لقيه من فتور في الدول الثلاث التي زارها وقال أنه يفضل تفادي نزاع مسلح مع الثلاثي الشرير رغم إبقاءه على جميع الخيارات مفتوحة في التعامل مع الحرب ضد الإرهاب، فاليابان ووضعها الاقتصادي، وكوريا الجنوبية وعلاقتها مع كوريا الشمالية، والصين وموقفها من تايوان قضايا لا تسمح هذه الدول بدعم غير محدود للرئيس الأميركي.
تقرير/ سمير خضر: نادراً ما يكون لكلمات بسيطة أو تعابير معينة وقعاً دولياً يثير أزماتً أكثر ما يوحد الصفوف وهذا ما اكتشفه الرئيس الأميركي منذ اللحظة الأولى لبدئه كلمة آسيوية حاسمة، إذ رغم كون اليابان الحليفة الاستراتيجية الأكبر لواشنطن منذ أكثر من نصف قرن فإن تعبير محور الشر أثار مخاوف كبيرة في طوكيو من انجرار الولايات المتحدة إلى حرب جديدة فيما يريد (بوش) أن تكون سلسلة من حروب جديدة ضد من يخالفه أو يعارضه، طوكيو تنظر إلى تبعات مثل هذه التصريحات من منظور اقتصادي يتعدى الخلافات السياسية، فاقتصاد البلاد في حالة يُرثى لها ومثل هذا التراجع يؤثر على اقتصاد العالم برمته وخاصة على الاقتصاد الآسيوي، وهذا يؤثر على بدوره على خطط الولايات المتحدة المستقبلية، فكل حرب تشنها واشنطن تتطلب نفقات مباشرة وغير مباشرة، وهذا الثمن لن يتحمله دافع الضرائب الأميركي وإذا كان الاعتبار الاقتصادي هو المهيمن على جولة بوش في اليابان، فإن تعبير محور الشر عاد ليهيمن على محطته الكورية الجنوبية فالرئيس (كيم دي جونج) جاء إلى السلطة ببرنامج انفتاح على الجار الشمالي، برنامج يستند إلى لغة الحوار وليس إلى خطابات نارية وتعبيرات رنانة تثير حفيظة نظام (بيونج يانج) المتشدد، جورج بوش، كان يعني هذه الحقيقة عندما وصل إلى سيول وحاول جهده تجنب تكرار وصف كوريا الشمالية بالشريرة، لكنه فشل في ذلك، وفسًّر مستشاروه هذا الفشل بقلة خبرته في مجال الدبلوماسية الدولية.
وإذا كانت المحطتان اليابانية والكورية تتسمان بنوع من السهولة، فإن المحطة الصينية كانت محفوفة بالمخاطر، فقد كانت ولا تزال كذلك بالنسبة لكل المسؤولين الأميركيين منذ عهد الرئيس (نيكسون) الذي وضع أسس علاقة أميركية-صينية، تستند إلى المصالح المشتركة أكثر مما إلى توافق سياسي أو اقتصادي، صحيح أن العامل الاقتصادي هو المحرك الرئيسي لهذه العلاقة، إذ إن أسواق كلا البلدين تحتاج الآخر، لكن عامل التنافس يدخل أحياناً في صلب هذه العلاقة خاصة عندما يتعلق الأمر بمبيعات السلع الاستراتيجية وعلى رأسها السلاح والتكنولوجيا فواشنطن ترى في مبيعات السلاح لما تسميها بدول محور الشر تشجيعاً لهذه الدول على الاستمرار في سياساتها المتشددة، في حين ترى بكين أن مبيعات السلاح الأميركية لتايوان تشكل هي أيضاً تشجيعاً لهذه الجزيرة على رفض العودة إلى كنف الوطن الأم، كما ترى الصين في تعاظم النفوذ العسكري الأميركي في دول آسيا الوسطى تهديداً لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة، أما محاولات بوش إقحام موضوع الحريات الدينية وحقوق الإنسان في صلب المباحثات فقد باءت بالفشل، فبكين تعتبر الأمر مسألة داخلية بحتة وترفض أن يكتسب بوش أو أي رئيس أميركي صفة المدافع الرئيسي عن حقوق الإنسان في العالم.
جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً: مسافرون في مصر أرادوا الاحتفال بالعيد فماتوا احتراقاً في قطار من الدرجة الثالثة، فمن المسؤول؟


[فاصل إعلاني]

حادثة قطار الصعيد في مصر، ومن المسؤول؟

حادثة حريق قطار في مصر

جميل عازر: أهلاً بكم من جديد. أثارت حادثة احتراق عدد من عربات قطار (العياط) في مصر موجة من السخط، تصادفت مع التردي في حالة الاقتصاد، خاصة بعد تراجع الحركة السياحية، وانبرى الرئيس (حسني مبارك) ليؤكد أن السلطة لن تتهاون في التحقيق لمعرفة أسباب ذلك الحادث الذي أودى بحياة حوالي 400 شخص حرقاً، وما إقالة وزير النقل ومدير هيئة السكك الحديدية وتطمنيات الرئيس المصري للجمهور إلا دليل على مدى القلق الرسمي.
تقرير/ حسن إبراهيم: قطار الدرجة الثالثة وبشر تفحموا في الدقائق التي تلت اندلاع النيران في قطار الصعيد، وما يزيد من الغضب الجماهيري هو تصريح رئيس الوزراء المصري بأن إجراءات الأمان في القطار الدرجة الثالثة لا تختلف عن تلك التي تتوفر في الدرجة الأولى أو الثانية، لكن القطارات التي تنقل الركاب من الدرجة الثالثة لم تُجدد منذ عشرات السنين، وفوق كل هذا يُستبعد وجود رقابة ما على تلك القطارات، نظراً لتكدس الركاب في العربات، وليس مستبعداً أن الركاب أو بائعي الشاي كانوا يستخدمون مواقد الغاز الصغيرة والتي يرجح (رئيس الوزراء المصري) عاطف عبيد تسببها في الكارثة، وهنا لا تقع المسؤولية على الركاب بقدر ما تقع على عاتق السلطات التي لا تستطيع السيطرة على الأمن أو ضمان الأمان داخل القطارات، فُترى من سيتحمل المسؤولية؟ ومن سيعوض مئات بل آلاف الأسر المكلومة على فقدان أقاربها؟ لا أحد، هكذا يعتقد بعض المراقبين، حيث أن المأساة تكمن في تخلخل مفهوم العقد الاجتماعي في مصر ومعظم بلاد العالم العربي حيث ينبغي أن تتحمل الدولة مسؤولياتها أسوة بما يحدث في العالم الغربي، فقد تقرر صرف تعويضات عاجلة لأسر الضحايا والمصابين، وفي ظل الأزمة المالية التي تمر بها مصر لا يتوقع أن يحصل الفقراء البائسون على تعويضات تقيم أودهم، هذا على الرغم من أن السكك الحديدية في مصر تنقل حوالي مليوني راكب يومياً، وهو ما يشكل دخلاً ضخماً كان يجب تخصيص جزء منه في تحسين قطارات الفقراء، ولا يبدو في الأفق أن مأزق الفقر والإقصاء الاقتصادي والسياسي الذي تعاني منه مصر سيُحل قريباً، فالمواطن المصري الذي تحمل في الماضي آلام ما سمى بفترة التحول الاشتراكي عليه الآن تحمل فترة التحول إلى اقتصاد السوق وكانت الأحوال في فترة التحول الاشتراكي في الستينيات أكثر رحمة بالفقراء، حيث كانت الدولة تدعم معظم الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وشهدت حقبة الستينيات تراجعاً حقيقياً في نسب الفقر والأمية مع دعم المواد الأساسية والدواء ومجانية التعليم، لكن مصر ما بعد الانفتاح الذي بدأ في عهد الرئيس الراحل أنور السادات واستمر الانفتاح نهج الاقتصاد المصري في عهد الرئيس مبارك، وعلى الرغم من كثير من الإنجازات على الصعيد الاقتصادي مازال اقتصاد السوق يُسهم في تهميش الكثير من الشرائح المصرية، وبسبب خصخصة الاقتصاد تراجعت نسبة إنفاق الدولة على البنى الأساسية، ولعل الحالة المزرية لقطار الصعيد الذي تحول إلى محرقة جماعية تقف دليلاً على تردي واحدٍ من أهم وسائل المواصلات بين القاهرة والصعيد المصري، وقد تكون مؤشراً لما آلت إليه الخدمات الأساسية في عصر العولمة، ومازال التحقيق جارياً.
جميل عازر: وكنت قد تحدثت إلى صلاح عيسى (الكاتب والمحلل السياسي في القاهرة) وسألته أولاً إن كان يعتقد أن التداعيات السياسية لحادثة القطار قد انتهت باستقالة وزير النقل ورئيس هيئة السكك الحديد، أم أن المسؤولية عما حدث أوسع نطاقاً؟
صلاح عيسى (رئيس تحرير صحيفة "القاهرة"): يعني أنا أعتقد إنه قرار استقالة أو بمعنى أدق إقالة يعني، لأنه في الأغلب الأعم، حسب المعلومات إن همًّ طُلب إليهم الاستقالة، إقالة وزير النقل ومدير.. والمسؤول عن مرفق السكة الحديد.. هو يعني محاولة من الحكومة لإبراز أنها يعني تتحمل جانباً من المسؤولية عما حدث وإشارة إلى أنها ستحاول أنها تتلافى الأخطاء اللي موجودة في مرفق السكة الحديد بحيث تحول.. تحول دون تكرار كارثة بهذا الحجم الكبير يعني، فلا أعتقد إنه الفكرة هي إشارة للرأي العام لتهدئة أولاً غضب الرأي العام، لأنه الرأي العام في الواقع غاضب وساخط جداً على ما جرى، الوقت جه الموضوع جه في توقيت مش ملائم فترة أعياد، ناس مسافرة عشان يعني فراشاً تحتفل بالعيد.
جميل عازر: طب أين تكمُن -في رأيك -نواحي النقص في مصلحة السكك الحديد؟ هل مثلاً في افتقارها إلى خبرة فنية، إلى خبرة إدارية، إلى استثمارات؟
صلاح عيسى: أولاً: لابد نحط في اعتبارنا إن مصر من أقدم الدول في العالم اللي مدت خط سكك الحديد وخطوط السكة الحديد وتكاد تكون.. ربما تكون التانية أو التالتة بعد إنجلترا اللي مدت خطوط السكة الحديد، ولذلك هي عندها خبرة مُختزنة في مسائل طرق السكك الحديد، فلا أظن إن المشكلة مشكلة خبرة فنية، فيه مسؤولين أساسيين، الأول: نقص الاستثمارات المالية التي ينبغي توفيرها لتحديث مرفق السكة الحديد، والثاني هو النقص في الإدارة وإهمال شديد، وفيه عنصر آخر يمكن مش باين في الصورة قوي، اللي هو سوء استخدام المرفق وخاصة في ركاب الدرجة الثالثة، المعلومات المتوفرة الرسمية تتحدث عن إنه مرفق السكة الحديد يحتاج 400.. بيُدعم بـ450 مليون جنيه من الميزانية العامة على الرغم من ارتفاع.. أسعار استخدام المرفق في السنوات الأخيرة إلى حد.. إلى عدة أضعاف، لكن مازال المرفق بيتلقى دعم 450 مليون جنيه من ميزانية الدولة السنوية.
جميل عازر: لابد أن هذه الحادثة زعزعت الثقة في مرفق السكك الحديدية في مصر أكثر من الحوادث السابقة، في اعتقادك كيف يُمكن رد الاعتبار وإعادة الثقة إلى خدمات السكة الحديد؟
هل مثلاً تطمنيات الرئيس للجمهور المصري كافية من أجل ذلك؟
صلاح عيسى: طبعاً هو ظهور الرئيس بنفسه وبشخصه وحرصه على إنه هو يوجه الرسالة صباح يوم العيد للمواطنين بشأن هذا الموضوع كشفت عن إدراك رئاسة الدولة إلى رد الفعل السلبي الواسع المدى اللي حدث نتيجة للكارثة، وكشفت أيضاً عن عدم ثقته بأنه البيانات التي تقدمه.. تقدمها إليه الجهات الإدارية حول أسباب هذا الكوارث معلومات غير دقيقة، وأعتقد في.. في إطار النظام السياسي المصري حين يخرج رئيس الدولة.. ويعد بوعد ما، فمعنى هذا هذه إشارة لأجهزة الدولة أن تتحرك بكل قوة تتلافى الخطأ وأظن إنه سيعقب ذلك البحث عن موارد مالية عاجلة لتدبير إدخال الإصلاحات المطلوبة في مرفق السكة الحديد، هذا ما أهم..
جميل عازر [مقاطعاً]: طيب هل.. هل.. هل.. هل من السهولة بمكان إيجاد الأموال اللازمة للإصلاحات المطلوبة؟
صلاح عيسى: يمكن تغيير الأولويات، لأنه طبعاً إحنا.. مصر دلوقتي الآن في.. يعني عندها إشكالية مشكلة اقتصادية ضمن تداعيات اللي حدثت نتيجة لأحداث 11 سبتمبر، ونقص في موارد السياحة إلى آخره، لكن من الممكن تغيير الأولويات ووضع أولوية أولى لإصلاح المرفق لأسباب تتعلق د.يوسف القرضاوي: ـ.. يعني تراكم الكوارث التي بدأت تحدث في..، وصولها إلى هذه الذروة غير المسبوقة في عدد الضحايا.


محاكمة ميلوشوفيتش ومشكلة الأعراق في البلقان

ميلوسوفيتش

جميل عازر: أعلن الرئيس اليوغسلافي السابق في افتتاح محاكمته أمام المحكمة الدولية لجرائم الحرب أنه المنتصر المعنوي لأن الحقيقة إلى جانبه على حد تعبيره، لم يخرج (سلوبودان ميلوشوفيتش) عن الخط الأحمر الذي انتهجه منذ مثوله أمام المحكمة في لاهاي التي يتهمها بملاحقته لأسباب سياسية، قائلاً إن الغرب هو المسؤول عن تفكك يوغسلافيا السابقة والمجازر التي وقعت خلال النزاعات التي نجمت عن ذلك التفكك.
تقرير/ جيهان اليعقوبي: لم يشهد العالم بعد محكمتي (نورمبرج) برج وطوكيو العسكريتين اللتان قامتا بمهمة ما بعد الحرب العالمية الثانية محاكمة دولية لأشخاص اتُّهموا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ولكن جاء الدور الآن على الرئيس اليوغسلافي (سلوبودان ميلوشوفيتش) ليمثل أمام الذين هزموه على أرض المعركة، فوضعوه في قفص زجاجي ليُحاسب على الجرائم التي يتهمونه بارتكابها أثناء حربي البوسنة وكوسوفو، ويواجه (ميلوشوفيتش) في حال إدانته احتمال الحكم عليه مدى الحياة في محاكمة متوقع لها أن تستمر عامين، ولك هل ستسدل هذه المحاكمة الستار على فصل دامٍ من تاريخ البلقان أم ستكون مجرد هدنة بين حربٍ وأخرى؟
كل المؤشرات تقول أن الكراهية العرقية لا تزال مزدهرة في هذا الجزء من العالم، ولكنها تتستر وراء الصورة الجديدة ليوغسلافيا الحديثة، وتظهر هذه الكراهية يومياً في وسائل الإعلام، فالقائمون عليها مثلهم مثل القائمين على المنابر الفكرية والسياسية مازالوا ينتهجون نفس أساليب (ميلوشوفيتش) قبل أن يأخذ طريقه إلى لاهاي، وكأن سقوط عشرات آلاف من الضحايا خلال السنوات السابقة لم يكف لطي صفحة الأحقاد التاريخية بين الأعراق الثلاثة، وتبدو هذه المحاكمة وكأنها تُوفر مناخاً جديداً لإعادة تسميم الأجواء بعدما كانت اتجهت إلى الهدوء، فمؤيدو (كارلا ديل بونتي) هم البوشناق، أي مسلمي البوسنة والكروات بشكل عام وألبان كوسوفو وأشقاءهم في أنحاء البلقان، ويقف في الطرف الآخر الصرب والمقدينيون وأهل الجبل الأسود، ويعتبرون ما يحدث في لاهاي عدالة انتقائية تتم على حسابهم، ويخشون أن يتم إلصاق كل التجاوزات التي حدث أثناء الحرب بهم وحدهم دون الأعراق الأخرى، فليس العرب وحدهم الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة، فالصرب يعشقونها أيضاً ويجزمون بأن كل ما يجري هو مخطط غربي استعماري لحرمانهم من تشكيل صربيا الكُبرى وتمتعهم بحقوقهم القومية، وبين الحق في تفهُّم مخاوف الصرب ومشروعهم القومي الذي قد لا يختلفون فيه مع بقية شعوب الأرض وبين كيفية صيانة هذه الحقوق وتفهُّم حقوق الأعراق الأخرى التي تعيش بجانبهم خيط رفيع قد لا يفهمه أمثال (ميلوشوفيتش) الذي قامت قواته بذبح الآلاف في (سربرينيتسا) في واحدة من أبشع مذابح أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية وبين التعايش السلمي الذي يكفل حقوق الجميع تحت مظلة القانون، فهل مُقدَّر أن تبقى البلقان مُختبراً سياسياً كبيراً فوق قبرٍ جماعي؟!
جميل عازر: وبهذا نختتم الجولة في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضرات المشاهدين بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.