مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

25/05/2002

- جولة بوش في أوروبا ومحاولة توفيق الرؤى الإستراتيجية
- توقيع معاهدة الحد من الأسلحة النووية بين روسيا وأميركا

- الهند وباكستان وتصاعد نذر الحرب

- الخلاف الإيراني الداخلي حول الحوار مع واشنطن

- تداعيات إعلان استقلال تيمور الشرقية

- تدهور العلاقة بين شارون وحزب شاس

جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:

(بوش) يبدأ جولة أوروبية لمحاولة التوفيق بين الرؤى الاستراتيجية الأميركية والأوروبية، فهل سينجح في ذلك؟

و(بوتين) يستضيف بوش للتوقيع على معاهدة حد ترسانتيهما النوويتين، فهل هي أكثر من حبر على ورق؟

والهند وباكستان على شفا حرب رغم محاولات التهدئة، فمن سيمارس ضبط النفس؟

جولة بوش في أوروبا ومحاولة توفيق الرؤى الاستراتيجية

جاء الرئيس الأميركي جورج بوش إلى أوروبا وهو يدرك أن سياسته الخارجية لا ترضي الشارع الأوروبي كله، والذي تنعكس مواقفه على مواقف حكوماته، لأنه هو الذي يأتي بها إلى السلطة، فاستقباله بمظاهرات احتجاجية في برلين لابد أن يكون قد أبلغه رسالة سيأخذ فحواها من دون شك بعين الاعتبار، وإذا كانت أوروبا الغربية تزعم أنها حليف قوي لواشنطن عندما تنطلق صفارات الخطر فإنها لا تستطيع إنكار أن لها مصالح خاصة تحتل في الكثير من الأحيان الأولوية في الاعتبار عند التعامل مع الولايات المتحدة التي يبدو أن إدارتها تريد فرض هيمنتها على المسرح السياسي الدولي رغم ما ينطوي عليه ذلك من ثمن.

محتجون يتظاهرون في برلين احتجاجا على زيارة جورج بوش
تقرير/ سمير خضر: بضعة آلاف من الألمان نزلوا إلى الشوارع في برلين للتظاهر ضد زيارة جورج بوش إلى بلادهم، هذه الأعداد قد لا تثير ظاهرياً اهتمام الكثير من الساسة في أوروبا، لكنها تُعد مؤشراً على مدى الشرخ الحاصل في العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الذين يرفضون مشاعر العداء، لكنهم لا يتوانون عن انتقاد الإدارة الأميركية الحالية وزعيمها الذي بدءوا يرون فيه إنساناً متعجرفاً لا يكترث كثيراً بمن يُفترض أن يكونوا أقرب حلفائه، مظاهر الشرخ في العلاقات الأوروبية الأميركية متعددة، ولها أسباب ودوافع شتى، فأول خلاف نشأ كان يتعلق بالبيئة ورفض بوش المصادقة على بروتوكول (كيوتو)، ثم تلاه ما يمكن تسميته ببوادر الحرب الاقتصادية والتجارية بين القارتين، وخاصةً قرار البيت الأبيض توفير الحماية للزراعة وصناعات الحديد والصلب الأميركية، لكن أكثر ما يثير قلق الأوروبيين هو خشيتهم من رغبة واشنطن توسيع رقعة الحرب على الإرهاب لتشمل دولاً أخرى ليس لها أدنى علاقة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وعلى رأس هذه الدول العراق، فالأوروبيون الذين وقفوا إلى جانب واشنطن في حربها ضد الإرهاب يرفضون أن يتحول هذا التضامن إلى مجرد انصياع أعمى لرغبات بعض الصقور في الإدارة الأميركية والذين بدءوا جهاراً باتهام بعض حلفائهم بالتقاعس عن دعم المجهود الحربي الأميركي، أضف إلى ذلك أن تعبير دول محور الشر الذي استعمله بوش ليشمل إلى جانب العراق كلاً من إيران وكوريا الشمالية أثار حفيظة بعض الدول وخاصةً فرنسا التي اتهمت واشنطن بالسطحية في تعاملها مع القضايا الدولية.

جولة بوش على حلفائه الأوروبيين لم تشكل في كل الأحوال نزهة لزعيم البيت الأبيض، إذ رغم أن ألمانيا قد تكون المحطة الأسهل بغض النظر عن مظاهرات الاحتجاج التي شهدتها برلين فإن الفرنسيين سيستقبلونه كزعيم لما يسمونه الأحادية والإمبريالية الثقافية، وربما لا تكون محطته الإيطالية أفضل من الفرنسية، إذ سيشارك بوش هنا في قمة زعماء الحلف الأطلسي وروسيا التي ستدفعه حتماً إلى الدعوة إلى مزيد من التضامن الأوروبي مع واشنطن مع التلويح بالتفوق العسكري الأميركي الذي شكَّل ولا يزال يشكِّل عقدةً للأوروبيين كافة.

توقيع معاهدة الحد من الأسلحة النووية بين روسيا وأميركا

جميل عازر: التفوق العسكري كان محور العلاقة بين الكتلتين الشرقية والغربية في عهد الحرب الباردة التي جاء الرئيس الأميركي إلى موسكو لدفن تركتها، فتوقيعه والرئيس الروسي (بوتين) على معاهدة لخفض الترسانة النووية لدى بلديهما وُصف بأنه حدث تاريخي، ولكن (فلاديم) يواجه انتقادات داخلية خاصةً بين العسكريين الروس الذين يرون في ذلك مجرد محاولة لإرضاء واشنطن تحقيقاً لأهداف قصيرة المدى، ومع ذلك تظل هناك تساؤلات أخرى حول جدوى تخفيض عدد الرؤوس النووية، بينما لا تزال الرؤوس الحالية لدى الجانبين قادرة على محو البشرية من الوجود.

بوش بجانب بوتين عقب توقيعهما على معاهدة تقضي بخفض الرؤوس النووية
تقرير/ أكرم خزام: ملفات القمة الروسية الأميركية واسعة وشاملة إلى درجة يصعب تصديق أن الرئيسين (بوش) و(بوتين) تمكنا في برهة قليلة من الزمن التوغل في تفاصيلها وبحث أثرها ليس على العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة فحسب وإنما على المجتمع الدولي برمته. من هنا إجماع المراقبين على أن قمة (بوش - بوتين) كانت شكلية، وذلك أنها توصلت إلى التوقيع على معاهدة تقليص القوة الاستراتيجية الهجومية الكامنة حسب الترجمة الروسية، ومعاهدة بين الولايات المتحدة وروسيا حول التقليصات الاستراتيجية الهجومية حسب الترجمة الإنجليزية بيد أن هذا التوقيع لم يسعف البلدين من استمرار الخلاف بينهما بشأن تخزين أو إتلاف الرؤوس النووية من جهة وآلية الرقابة على تقليص هذه الرؤوس إتلافاً أو تخزيناً من جهة ثانية ما دفعهما إلى القول باستمرار المفاوضات مستقبلاً.

التقارب الوحيد بينهما برز فيما يسمى بمحاربة الإرهاب الدولي في أفغانستان والشيشان حسب تعبير الرئيسين، على أن الجديد نتج عن قمة (بوش - بوتين) تمثَّل بالإعلان عن تعاون مرتقب لاستثمار ثروات بحر قزوين أي طي التنافس الأميركي الروسي في هذه المنطقة، قضية الشرق الأوسط لامستها القمة بعموميات عبر التوقيع على إعلان مشترك دون الكشف عن فحوى الإعلان ما يعني استمرار العمل في إطار رباعي لحل الأزمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين من جهة والبدء بالمسارات الأخرى الخاصة بالشرق الأوسط من جهة ثانية. اللافت أنه لم يتم التطرق إلى قضية العراق على الأقل من خلال التصريحات الرسمية أمام أحاديث عن احتمال ليونة في الموقف الروسي حيال ضربة عسكرية أميركية شاملة ضد العراق مستقبلاً.

أوجه العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة قد تتبدل تبعاً للتفسيرات المنتظرة من الجانبين بشأن الملف النووي ولعمق الخلافات فيما يتعلق بالعديد من القضايا الدولية.

أكرم خزام - (الجزيرة) - برنامج (الملف الأسبوعي) - موسكو.

جميل عازر: وما كاد الحبر أن يجف على معاهدة خفض الرؤوس النووية حتى انبرى الرئيس الأميركي ومضيفه الروسي بعد قمتهما في (بطرسبرج) للحديث عن قضايا مازالت تدور حولها خلافات مثل انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية وتعاونها مع إيران في المجال النووي، ولإلقاء نظرة على أهمية المعاهدة وتداعياتها ينضم إلينا من موسكو (ليونيد سيوكانين) الخبير في الشؤون الاستراتيجية، أستاذ (ليونيد) بداية هل من المبالغة أن توصف المعاهدة بأنها حدث تاريخي؟

ليونيد سيوكانين (أستاذ القانون في الأكاديمية الروسية - موسكو): لا أعتقد أن هنالك نوعاً من المبالغة، لاشك إنه هذه الاتفاقية المعقودة بين الدولتين لها أهمية فعلها على المستويين العسكري والسياسي على حد السواء، فالمعروف أنه على المستوى العسكري تقضي هذه الاتفاقية بخفض ترسانتين نوويتين، الأمر الذي طبعاً يهم الدولتين، ويهم العالم بأسره، أما الأهمية السياسية فيكن قبل كل شيء في كونها هذه الاتفاقية رمزاً يحدد دخول علاقات الدولتين مرحلة جديدة تتميز بتجاوز رواسب الحرب الباردة، وفتح الباب أمام إقامة التعاون الوثيق بين الدولتين في شتى المجالات، وعلى هذا الأساس يجب ألا نبالغ أهمية هذه الاتفاقية، ولكن في نفس الوقت لا نهمل أهمية هذه الاتفاقية التي تعتبر خطوة هامة في طريق تجاوز رواسب الحرب الباردة بين البلدين.

جميل عازر: طيب، هناك معارضة بين العسكريين والشيوعيين الروس للمعاهدة، هل تعتقد أن معارضتهم تعود إلى رواسب الحرب الباردة التي أشرت إليها، أم أنها تستند إلى اعتبارات عسكرية أو استراتيجية؟

ليونيد سيوكانين: غالباً، مثل هذا المواقف للمعارضة، وهي معارضة سياسية، وكما تفضلتم المعارضة في الأوساط العسكريين.. القادة العسكريين في روسيا، الأمر يعود إلى رواسب العهد الشيوعي، ولكن يجب ألا نبالغ مدى هذه المعارضة لمقياس على مستوى هذا المعارضة التي كان منذ سنتين أو ثلاث سنوات، والآن ما تلعب المعارضة دوراً هاماً جداً في الحياة السياسية لروسيا، ومثل هذا المعارضة لم تأتي مفاجأة بعد عقد هذا الاتفاقية، وكانت متوقعة ولكنها لا تميز معاملة المجتمع الروسي بشكل عام، هذه الاتفاقية وغيرها من الاتفاقيات المعقودة خلال الزيارة التي لا يزال يقوم بها الرئيس (جورج دبليو بوش) لروسيا.

جميل عازر: طيب، هل تعتقد أستاذ (سيوكانين) أن في إبرام معاهدة خفض عدد الرؤوس النووية هذه بالإضافة إلى إدخال روسيا إلى مجلس مكافحة الإرهاب المشترك مع (الناتو) محاولة لتحجيم روسيا؟

ليونيد سيوكانين: لا أعتقد ذلك، لأنه أنا أقدر كل ما يتعلق بهذه الاتفاقية وكذلك المخططات الخاصة بالتعاون بين روسيا والحلف الأطلسي، أنا.. أنا.. أنا على ضوء التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس (بوتين) أكثر من مرة قائلاً بأنه مثل هذا الاتفاقيات المعقودة مع الولايات المتحدة، أو التي سيتم التوقيع عليها قريباً في بداية الأسبوع القادم.. القادم بين روسيا والحلف الأطلسي، الأمر الذي يعكس المصالح القومية لروسيا، وعلى هذا الأساس أنا ما أعتقد طبعاً الخلافات والتباينات في المواقف لا تزال قائمة مما يتطلب طبعاً المزيد من الجهود والتفاوض.. الاستمرار في التفاوض، ولكن يجب أن لا تخطي مثل هذه الخلافات المرحلة الجديدة والمؤشرات الجديدة التي تدل على دخول التعاون الروسي الأميركي أو الروسي الأطلسي مرحلة جديدة.

جميل عازر: طيب، أستاذ سيوكانين، كيف يمكن أن نقول أن بعد هذه المعاهدة العالم أصبح أكثر أماناً، وأنه سوف يظل هناك عدد من الرؤوس النووية الجاهزة للاستعمال لكي يفني البشرية كُلِّها، أو كُلُّها.

ليونيد سيوكانين: هنالك.. هنالك بعدان اثنان لهذا القضية، البعد الأول يكمن في الاتفاقية نفسها التي تنص على خفض الترسانتين النوويتين، الأمر الذي بذاته يمثل الخطوة نحو الطريق الصحيح والبعد الثاني يكمن في الناحية السياسية لهذا الاتفاقية التي تؤكد المستوى العالي جداً للثقة المتبادلة بين الدولتين، ووجود مثل هذه الثقة بدلاً من العداوة أو المواجهة، الأمر الذي لاشك إنه يؤثر تأثيراً إيجابياً على مجرى تطورات العالمية بصورة عامة.

جميل عازر: أستاذ (ليونيد سيوكانين) في موسكو، شكراً جزيلاً لك، ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه أيضاً:

تيمور الشرقية احتفال رسمي بإعلان الاستقلال بعد مخاض طويل، وقد زاد فقراء العالم دولة أخرى.

[فاصل إعلاني]

الهند وباكستان وتصاعد نذر الحرب

جميل عازر: لم تكن الأوضاع في شبه القارة الهندية بحاجة إلى تجربة صاروخية باكستانية للتذكير بمناخ التوتر الذي يسود منطقة الحدود بين باكستان والهند حتى خارج إقليم كشمير، فتصاعد نبرة الخطاب من (دلهي) والتهديد الهندي بحرب حاسمة، قابلته تصريحات باكستانية بأن إسلام أباد مستعدة للدفاع عن نفسها، وكل ذلك بسبب النزاع على كشمير، وما تعتبره الهند حرباً إرهابية ضدها، ونظراً لما تنطوي عليه حرب بين الجارتين من مضاعفات إقليمية وعالمية تقوم بعض الجهاد بمحاولات لنزع فتيل الأزمة، لأنها تواجه العالم بما سيكون أول صدام مباشر مسلح في تاريخ البشرية بين دولتين نوويتين.

الأزمة الهندية الباكستانية
تقرير/ حسن إبراهيم: لم تكن علاقات الهند وباكستان بحاجة إلى مزيد من التدهور، فبعد الهجوم على معسكر للجيش الهندي جاء اغتيال (عبد الغني لون) زعيم حزب حريات الناشط الكشميري الذي يوصف بالاعتدال ليفجر الأمور بصورة تثير القلق، فبينما يتهم البعض أعضاء حزب حريات المخابرات الهندية بتصفية (لون) تتهم الهند جماعات الأصولية الكشميرية مثل عسكر طيبة وجيش محمد بتصفية الرجل الذي كان يندد بالعنف الذي يمارسه الجانبان، وتدهور علاقة البلدين إلى حد طرد السفير الباكستاني من (دلهي)، ودشن (آتال بيهاري فاشباييه) مرحلة جديدة من التصعيد عندما طالب الحكومة الهندية على الحدود مع باكستان بالاستعداد لحرب حاسمة، باكستان بدورها نفت دعمها للجماعات الكشميرية المتطرفة وبالطبع حشدت جنودها هي الأخرى على خط المواجهة، وأجرت تجربة صاروخية رغم نفيها لعلاقتها بالنزاع الحالي، وهي مواجهة بين بلدين نوويين، لذا بدأت الدبلوماسية خطواتها المحمومة لنزع فتيل الأزمة، وتدرك بريطانيا خطورة الموقف فبادرت إلى السعي إلى تخفيف حدة التوتر.

واشنطن التي تحتاج إلى جبهة باكستانية مستقرة خاصة إبان حربها المستمرة ضد طالبان وتنظيم القاعدة ستخسر كثيراً لو تغاضت عن جو التصعيد الحالي، لكن ورغم كل المنطق الدولي الذي يرفض تقبل مخاطر حرب بين أحدث عضوين في النادي النووي هناك الكثير من العوامل الداخلية في الهند تدفع رئيس وزرائها إلى التشديد، فحزب هندوسي متطرف (بهاراتي جناتا) أتقن العزف على وتر القومية الهندية ويريد الحزب أن تسحق الهند باكستان في معركة نهائية كي تنتقم لمئات السنين من حكم المغول كما يسمون الحقبة الإسلامية في تاريخ الهند، كما أن المواجهات الدامية بين المسلمين والهندوس في ولاية (أوجارات) ليست بعيدة عن التأثير على الخط السياسي لحكومة (فاشباييه)، لذا فإن المعارضة الرئيسية المتمثلة في حزب المؤتمر لن تغامر بالوقوف في وجه المد القومي، وأعلنت (سونيا غاندي) التي أحيت الذكرى الثانية عشرة لاغتيال زوجها (راجيف) أنها تؤيد (فاشبايي) بدون تحفظ، ورغم استهانة جماهير الشعب الباكستاني بالتهديدات الهندية إلا أن لدى الرئيس الباكستاني (برويز مشرف) أكثر من سبب للقلق، فهو ركن أساسي في التحالف الدولي ضد الإرهاب، ولا يستطيع أن يدافع أو يتستر على جماعات أصولية التي تنطلق من داخل الأراضي الباكستانية لمهاجمة أهدافٍ هندية، وهو إن لاحق تلك الجماعات سيثير عليه غضباً جماهيرياً قد يعصف بحكومته، ويظل العالم يحبس أنفاسه.

الخلاف الإيراني الداخلي حول الحوار مع واشنطن

جميل عازر: هب مرشد الجمهورية الإيرانية (آية الله علي خاميني) إلى تقريع المنادين بإجراء حوار مع الولايات المتحدة الأميركية، وإن دل هذا على شيء فإنه برهان إذا لزم برهان على أن المسرح السياسي الإيراني في حالة جذب وشد بين المحافظين والإصلاحيين أو الليبراليين نحو الانفتاح تارة ونحو الانطواء تارة أخرى، ليس فيما يتعلق بالسياسات الداخلية فحسب، بل وفي علاقات إيران الخارجية، ورغم نفي بعض الجهات الرسمية لوجود حوار بين طهران وواشنطن ووصف الداعين إلى مثل هذا الحوار بأنهم طابور خامس فإن هناك من يرون أن إجراء حوار علني ما هو إلا مسألة وقت وتوقيت.

العلاقات الإيرانية الأميركية
تقرير/ سمير خضر: أكثر من عقدين مرا على اندلاع الثورة الإسلامية في إيران بقيادة آية الله روح الله خميني، ثورة أطاحت بحكم الشاه (محمد رضا بهلوي) الموالي لواشنطن وأوصلت إلى سدة الحكم في طهران جناحاً محافظاً بقى يسيطر على مجمل الساحة السياسية الإيرانية حتى مجيء الرئيس محمد خاتمي.

ركز خاتمي على قطاع الشباب الذي لم يعرف الخميني ولا ثورته، الشباب الذي يتطلع إلى التغيير من خلال الإصلاحات وخاصة القضاء على البطالة التي تطال نحو سدس القوى العاملة في إيران، لكن معالجة البطالة تتطلب استثمارات وخاصة الأجنبية منها، وهذه الاستثمارات لا يمكن أن تغزو السوق الإيرانية طالما استمرت الولايات المتحدة في محاولة عزل إيران وتهديدها بين الفينة والأخرى، ولم تكن التهم تنقص واشنطن من رعاية الإرهاب إلى محاولة امتلاك أسلحة دمار شامل مروراً بتعابير رجراجية فضفاضة مثل تعبير محور الشر، ورغم محاولة نظام خاتمي الإصلاحي التقرب من واشنطن والدفاع عن عودة الحوار معها، ورغم وقوف طهران موقفاً إيجابياً تجاه الحرب الأميركية في أفغانستان لم تلق هذه المحاولات سوى صداً جوف في البيت الأبيض، إذ إن موقف الولايات المتحدة العدائي تجاه إيران أضر بكل الداعين إلى الانفتاح، لا بل شكل كارثة للإصلاحيين، الأمر الذي دق ناقوس الخطر في طهران التي شعر التيار الإصلاحي فيها بالخذلان وعزز موقف المحافظين الذين لم يترددوا عن وصف الداعين إلى فتح الحوار مع أميركا بأنهم مجرد طابور خامس. حتى التيار الإصلاحي بزعامة خاتمي بدأ يشعر بوطأة التهديدات الأميركية الأمر الذي دفعه إلى التقارب مع المحافظين، وهناك اليوم شبه إجماع بين الطرفين على وضع حدٍ للحرب الباردة بينهما، طرفا المعادلة الإيرانية أصبحا الآن كلاهما مقتنعين بضرورة بدء حوار ما مع واشنطن وإن كان كلاً منهما يضع شرطاً وأسساً مختلفة تلتقي حول ضرورة تجنيب إيران مخاطر حصار أميركي مادي ومعنوي، والصراع الدائر الآن هو من يبدأ رحلة التقارب هذه الإصلاحيون أم المحافظون؟ إذ لم يعد التساؤل هنا إن كان سيكون هناك حوار ما، بل متى سيبدأ ومن سيقوده.

تداعيات إعلان استقلال تيمور الشرقية

جميل عازر: احتفل التيموريون الشرقيون بإعلان استقلالهم رسمياً في مراسم جرت في عاصمتهم (دلي) وإذ تعتبر مثل هذه المناسبة يوم اعتزاز لأي شعب ناضل من أجل حريته فإن استقلال تيمور الشرقية يعتبر أيضاً قصة نجاح للأمم المتحدة التي أشرفت على الاستفتاء في تقرير المصير عام 99 ومن ثم على إدارة الإقليم وبالتالي إجراء انتخابات ثم تسليم السلطة إلى الرئيس التيموري المنتخب (شنانا جوشماو) وإذ تعتبر الدولة الوليدة من أفقر الدول في العالم فلا عجب أن يقول رئيسها: إن الاستقلال لن يعني شيئاً طالما ظلت تيمور الشرقية تعيش في حالة فقر.

الاحتفال بعيد الاستقلال
تقرير/جيان اليعقوبي: أصبحت تيمور الشرقية أحدث وأفقر دولة آسيوية بعد أن تم إعلان استقلالها وسط احتفالات حضرها ممثلو 92 دولة ورئيس أميركي سابق والأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة الدولة المستعمرة السابقة التي كانت تعتبر تيمور إقليمها السابع والعشرين.

وكان البرتغاليون قد استعمروا الجزيرة في القرن السادس عشر، لكنهم تقاسموا الحكم مع الهولنديين عام 1913، ثم نالت إندونيسيا استقلالها عام 1949 وانسحب الهولنديون وتركوا للدولة الوليدة الجزء الغربي من تيمور، أما البرتغال فقد واصلت استعمارها للنصف الشرقي حتى عام 74 حين تغيرت الأوضاع السياسية في (لشبونة) وسُمح لأول مرة بمباشرة العمل السياسي في تيمور الشرقية، وهكذا نشبت حرب أهلية انتصرت فيها الجبهة الثورية لتحرير تيمور الشرقية وأعلنت قيام جمهورية تيمور الشرقية الديمقراطية، ولأن المد الشيوعي بدأ يطغى ويتقوى في فيتنام تزايدت مخاوف إندونيسيا ومن ورائها واشنطن من احتمال قيام حكومة شيوعية في إحدى جزرها، وهكذا قامت قواتها بغزو تيمور الشرقية واحتلالها ثم ضمتها رسمياً إليها عام 76 ولم تعترف الأمم المتحدة قط بهذا الضم، ولكن ولأن كل شيء في هذا المبنى الأنيق في نيويورك يأتمر بأمر القوى الكبرى فقد تم تجاهل قرار الأمم المتحدة وبقي نائماً في أدراجها حتى انقلب حال الزمان وانتهت الحرب الباردة وأصبحت من الماضي، وصار حتماً أن تُصفى ملفات ذلك الماضي، وهكذا ما أن تغير نظام الحكم في إندونيسيا وذهب الرجل القوي (سوهارتو) في حال سبيله ثم إخراج ملف تيمور وتذكر المجتمع الدولي قرار الأمم المتحدة وجرت الأمور سريعاً ما بين منح سكان يتمور حق تقرير المصير، ثم فترة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة، فاستفتاء واستقلال ناجز تحت رئاسة مناضل قديم هو (شنانا جوسماو) وبالرغم من إشارات المصالحة الصادرة من جانب الرئيس (ميجاواتي) والرئيس (جوسماو) فإن مستقبل العلاقة بين إندونيسيا وجارتها الجديدة مغلف بتوتر يغلب عادة على كل علاقة تقطع بدون أن تكون الرغبة مشتركة بين الطرفين.

تدهور العلاقة بين شارون وحزب شاس

جميل عازر: لعل من أهم تداعيات انتفاضة الأقصى حتى الآن ما آلت إليه علاقة آرييل شارون من قطيعة مع حركة (شاس)، التي تعتبر ثالث أكبر الأحزاب السياسية في الكنيست بعد الليكود والعمل، فاعتراف الحكومة الائتلافية بحاجتها إلى خطة اقتصادية طارئة لتمويل العمليات الحربية ضد المقاومة الفلسطينية اعتراف ضمني بالجرح الدامي والنزيف المستمر الذي ألحقته الانتفاضة بالبدن الإسرائيلي، ذلك بالطبع على الصعيد المادي، أما على المستوى السياسي فما كاد شارون يلعق جراحه المعنوية من تصويت حزبه الليكودي على تأييد موقف منافسه على الزعامة (بنيامين نتنياهو) الرافض لدولة فلسطينية حتى وجه له نواب شاس طعنة لا تقل إيلاماً.

أرييل شارون
تقرير/ حسن إبراهيم: شاس صانع الملوك في السياسة الإسرائيلية، يبدو أن آرييل شارون يريد كسر هذه القاعدة التي أثبتها انسحاب حزب شاس من حكومة سلفه (إيهود باراك)، ويبدو أن طرد شارون لأربعة وزراء من الحركة الدينية كان في ذلك الإطار. شارون استشاط غضباً عندما رفض نواب شاس السبعة عشر في الكنيست التصويت على مشروع قرار تخفيض الميزانية الإسرائيلية بحوالي ثلاثة عشر مليار شيكل، أو ما يعادل مليارين وسبعة أعشار مليار دولار، وكانت النتيجة التصويت سبعة وأربعين صوتاً معارضاً مقابل أربعة وأربعين مؤيداً للمشروع بسبب امتناع نواب شاس عن التصويت، لكن يبدو جلياً أن الباب لم يوصد في وجه رأب ما تصدع بين شارون وشاس، حيث أن الحزب وراعيه الحاخام (عوفاديا يوسف) يقدمون أنفسهم كأنصار الكادحين من الإسرائيليين خاصة لليهود من أصول شرق أوسطية، وأعلن الحزب أنه على أسس مبدئية لن يقبل باستقطاع هذه المبالغ الطائلة من ميزانية إسرائيل للإنفاق على العمليات العسكرية المستمرة، ورغم غضب شارون وقراره الذي وصفه المراقبون بأنه انفعالي، فإنه يعلم أن فقدان تأييد شاس في الكنيست الذي يتكون من مائة وعشرين مقعداً سينخفض أغلبية الائتلاف الحاكم الذي يتزعمه من اثنين وثمانين إلى خمسة وستين، ولو تم كذلك طرد حزب ديني آخر هو حزب (اليهودية التوراتية المتحد)، الذي يتفق مع شاس في كثير من الرؤى السياسية والاجتماعية فإن أغلبية الحكومة ستنخفض إلى مقعد واحد، وهو ما قد يضعف موقف شارون في أي اقتراع لحجب الثقة، أي أن احتمالات سقوط الحكومة وإجراء انتخابات عامة أصبحت مسألة جدية للغاية.

حزب شاس ترك الباب نصف مفتوح، فنوابه اكتفوا بالامتناع عن التصويت ولم يصوتوا ضد مشروع التقشف، وهو ما قد يؤدي إلى صفقة تعيد شاس إلى طاولة شارون مرة أخرى.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى ختام هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، على أننا سنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.