مقدم الحلقة

جميل عازر

تاريخ الحلقة

17/06/2001

- جولة بوش الأوروبية بين الآمال الأميركية والمخاوف الأوروبية
- تينيت ووقف إطلاق النار بين نجاح محدد أم عودة إلى لغة السلام؟
- ثورة الأمازيغ وإلى أين وصل مشروع الوئام الوطني في الجزائر؟
- الزعيم الليبي ومشاريعه الوحدوية بين الأماني والواقع
- هل عادت ظاهرة رق الأطفال في بنين؟

جميل عازر

جميل عازر: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذا العدد الجديد من (الملف الأسبوعي) وفيه:

الرئيس الأميركي في أوروبا بين الانفراد بالقرار وقلق حلفائه، فهل يجتاز الامتحان؟

جورج تنت ووقف إطلاق النار بين الفلسطينيين والإسرائيليين نجاح محدود أم عودة إلى لغة السلام.

والجزائر في غليان احتجاجات وتخريب فمن يجني ثمار الاضطرابات؟

يبدو أن الرئيس الأميركي جورج بوش لا يزال يتلمس طريقه، بل ويتثقف في دهاليز السياسة الخارجية، فقد اتسمت جولته الأوروبية بمحاولة رأب الصدوع التي تسبب فيها من خلال الانفراد بقرارات كان حلفاؤه يتوقعون منه أن يشاورهم قبل اتخاذها، فالإصرار على الدرع الصاروخي الأميركي والتنصل من بروتوكول "كيوتو" الخاص بالبيئة كانا كافيين لتنبيه الأوربيين إن لم نقل إثارة هواجس لديهم ولدى غيرهم إلى أن واشنطن لديها أجندتها الأميركية.

جولة بوش الأوروبية بين آمال أميركا ومخاوف أوروبا

بوش وبوتين
تقرير/حسن إبراهيم: بإلقائه عرض الحائط باتفاقية الحد من الصواريخ البالستية يدخل الرئيس بوش في واحدة من أخطر المغامرات السياسية في التاريخ الأميركي المعاصر، صرح بوش بأن تلك المعاهدة التي حمت العالم من التصعيد النووي منذ عام 71 قد أصبحت من مخلفات الماضي، وقال: إنها تحرم العالم المتقدم من استشراف آفاق المستقبل، والمستقبل كما يراه بوش مخيف للغاية، فهو يريد بناء درع صاروخي يحمي الولايات المتحدة وبلاد حلف شمالي الأطلسي من هجمات نووية تشنها دول معادية صغيرة، ورغم الاخفاقات الكثيرة التي شابت التجارب الأولية على هذا الدرع الصاروخي إلا أن الرئيس الأميركي يريد بناءه مهما كلف ذلك، والتكلفة ليست مالية فقط، فالولايات المتحدة تغامر بإحداث انشقاق في الحلف الأطلسي لأن معظم الدول الأوروبية ترفض هذا الدرع، فهم يعلمون أن معاهدة الحد من الصواريخ البالستية خففت كثيراً من حدة التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي الذي واجهته روسيا حالياً، ويعلمون أيضاً أن الرئيس فلاديمر بوتين سيحاول مجاراة الولايات المتحدة في كل ما تفعله لمنع تفوق أميركي في إمكانية الردع النووي، فروسيا تعلم الحقيقة المرعبة ألا وهي أن هناك 2500 صاروخ نووي أميركي موجهة ضد الأراضي الروسية، وهناك حوالي 2300 صاروخ نووي روسي موجهة ضد الأراضي الأميركية، ودرع الصواريخ الأميركي لو تم بناؤه بنجاح سيحد من قدرة روسيا على توجيه ضربة دفاعية إلى الولايات المتحدة وهم بالتالي سيبدؤون في بناء درع مماثل مهما كلفهم ذلك، وأوروبا تعلم جيداً على مدى تاريخها ما يعنيه وجود إمبراطورية روسية جائعة وما يزيد الطين بلة بالنسبة للعلاقات الأوروبية الأميركية معارضة الرئيس بوش لإنشاء قوة تدخل سريع أوروبية قوامها 100 ألف جندي، فالولايات المتحدة تخشى من أن تتطور هذه القوى إلى كيان قوي قد تحس أوروبا معه بعدم جدوى حلف شمالي الأطلسي.

ولم تجدي كل المحاولات الأوروبية لتهدئة روع الرئيس الأميركي، ويبدو أن خلفيته المحافظة وشك اليمين الأميركي الذي ينتمي إليه في أوروبا يحملان بوش على رفض هذه القوة جملة وتفصيلاً، وأجندة اليمين التي يحملها بوش هي التي جعلته يبدأ جولته من أسبانيا بحكومتها اليمينية والتي تعتبر أقرب الحكومات إلى نهج الإدارة الأميركية الجديدة، لكن حتى (خوزيه ماريا اثنار) رئيس الوزراء الأسباني لن يستطع تأييد بوش في كل ما ذهب إليه، والدوائر الأوروبية على متختلف الأصعدة عاتبة على بوش لرفضه بروتوكول "كيوتو" رغم أن الولايات المتحدة هي أكثر بلاد العالم إفرازاً لغاز ثاني أكسيد الكربون، بل وغضب بوش لأن بروتوكول كيوتو يستبقي الصين التي تحتل المرتبة الثانية في إفراز ثاني أكسيد الكربون من حيث الكم، أما بالنسبة لعدد سكانها فتصبح أقل بلاد العالم إفرازاً لهذا الغاز، لكن بوش ليس أول رئيس أميركي تدفعه الأيدولوجيا إلى سياسات قد تتعارض مع المصلحة الأميركية والدولية على المدى الطويل.

جميل عازر: وكنت قد تحدثت عبر الهاتف إلى فيصل الجلول، المحلل السياسي والصحفي العربي المقيم في باريس، وسألته أولاً: أين تكمن أهمية جولة بوش الأوروبية؟

فيصل جلول: في النقطة الأولى المهمة في هذه الجولة هي أن بوش وقادة الدولة الأوروبية استطاعوا أن يتعارفوا على بعضهم البعض عن كثب لأن الرئيس الأميركي جديد ومنتخب وهناك مخاوف أوروبية من النزعة الانعزالية التي يمثلها بنظر الأوروبيين.

جميل عازر: طيب ما الذي.. ما الذي كان يقلق الرئيس الأميركي في علاقات واشنطن في الوقت الراهن مع الأوروبيين؟

فيصل جلول: هناك عدة مسائل كانت تقلق جورج بوش، من ضمنها مسألة النزعة الأوروبية خصوصاً لدى فرنسا بتشكيل قوى دفاعية أوروبية شبه مستقلة عن حلف الأطلسي، المسألة الثانية تتصل بالدرع الصاروخي، فرنسا وعدد من الدول الأوروبية لا سيما الدول التي تحكمها الاشتراكيات الديمقراطية لا ترغب في تعديل، وفي التخلي عن اتفاقية العام 1972 لأنها تعتبر أن هذه الاتفاقية شكلت نوعاً من الاستقرار خلال عقود ثلاثة أو أكثر ماضية، وهذا النوع من الاستقرار والتوازن العالمي تعتبر الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا أنه مفيد للسلام العالمي وأنه يحول دون نشوء نوع جديد من سباق التسلح.

المسألة الثالثة التي كان يخشى منها بوش ومازال يخشى منها هو: إصرار الأوروبيين على معاهدة كيوتو حول الاحتباس الحراري، لأنه يعرف أن التزام أميركا بهذه المعاهدة من شأنه أن يحرر الهند والصين من أية التزامات في هذا المجال، علماً بأن أميركا تعتبر الصين المنتج الثاني المضر للبيئة في العالم وفي هذا المجال بالذات، وهي معفية من.. من أية التزامات في هذا المجال، فيما يعتقد الأوروبيون أن أميركا هي المسؤولة عن.. عن هذا.. هذا الضرر للبيئة ومسؤولة بنسبة كبيرة.

جميل عازر: وهل.. هل الجانب الأوروبي يبادله نواحي القلق هذه؟

فيصل الجلول: بالنسبة للصين فرنسا تعتقد بأن على الصين أن تلعب دور أن.. أن تلتزم بهذا الاتفاق العالمي وتعتبر أن على الهند أيضا أن تلتزم بالاتفاق العالمي، لكن لا يمكن تحقيق ذلك بدون أن تلتزم أميركا أولاً.

جميل عازر: هل تعتقد أن هناك بعداً عقائديا إن صح التعبير بين إدارة بوش وبين عدد من الدول الأوروبية التي تحكمها حكومات تنتمي إلى المعسكر اليساري، أو إلى المعسكر الاشتراكي؟

فيصل الجلول: والله أنا أعتقد بأنه هناك تباين بالفعل بين الاشتراكيات الديمقراطية في معظم أوروبا لأنه إذا استثنيا إيطاليا وأسبانيا نلاحظ بأنه معظم أوروبا محكومة باشتراكيات ديمقراطية، وكانت هذه الاشتراكيات الديمقراطية قادرة على الاتفاق أكثر مع كلينتون مما هي الحال اليوم مع بوش ومع المحافظين الأميركيين الجدد.

تينيت ووقف إطلاق النار نجاح محدود أم عودة إلى لغة السلام؟

جورج تينت
جميل عازر: لم تكن مهمة جورج تنت –رئيس جهاز الاستخبارات المركزية الأميركية- سهلة بأي معيار، فلدي الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي مواقف متعارضة، بل ومتصادمة يصعب التقريب بينها في ظل الانتفاضة والعنف الإسرائيلي، أما وقد تمكن تنت –بدعم أوروبي- من دفع الجانبين إلى الموافقة على اقتراحاته الأمنية فإنها لا يمكن في أي حال أن تكون هدفاً بحد ذاته لأنه لا تشكل حلاً أو حتى جزءاً من حل، بل تتطلب خطوات سياسية لضمان العودة إلى المفاوضات تنفيذاً لتوصيات لجنة "ميتشل" وربما المبادرة المصرية الأردنية لما تمثله من وجود عربي في البحث عن مخرج.

تقرير/سمير خضر: وأخيراً نجح تنت في قرض خطته على الطرفين، خطة أمنية لا علاقة لها بأي مضمون سياسي، الأمر الذي يمكن كل طرف من وضع تفسيره الخاص لها وتبريره الخاص عند انهيارها، لكن أجمل ما في خطة تنت هو أنها تثبت عدم قدرة أي طرف على قول: لا لواشنطن فإذا قالت واشنطن: أوقفوا العنف فإن الإسرائيليين والفلسطينيين سيقولون: نعم الآن، وسينحي كل طرف لاحقاً باللائمة على الآخر في فشل الخطة، فالقيادة الفلسطينية لم تحصل حتى الآن على أي إنجاز تقدمه لشعبها بعد شهور طويلة من الحصار والقصف والتجويع وسقوط مئات من القتلى والجرحى، ولا يبدو أن أفكار مدير المخابرات الأميركية كانت مقنعة بما فيه الكفاية، أما بالنسبة للقيادة الإسرائيلية الحالية فإن استمرار الوضع على ما هو عليه هو السبيل الوحيد لاستمرار الائتلاف الحاكم بزعامة شارون، فالجميع راضٍ، اليمين المتطرف المتعطش للدم الفلسطيني والذي يرى في الانتفاضة فرصة لتجويد عملية سلمية لا يؤمن بها، واليسار المتآلف معه والذي يريد الانتقام من الفلسطينيين الذين أدت انتفاضتهم إلى هزيمتهم الانتخابية.

ويبدو الوضع اليوم في الأراضي الفلسطينية وكأنه عاد إلى نوع من الهدوء، لكن كلا الطرفين يعرف تماماً أنه هدوء مخادع، إذ إن كل منهما ينتظر من الآخر مبادرة أو مبادرات شبه مستحيلة، فالفلسطينيون ينتظرون وقفاً للاستيطان وانسحاباً للقوات الإسرائيلية وتفكيكاً للحواجز العسكرية وإنهاءً للحصار، وقد أعلن شارون صراحة أن ذلك لن يتم الآن، فهو يطالب أولاً باعتقال عشرات من القيادات الوطنية والإسلامية الفلسطينية وبوقف كامل للانتفاضة، ليس الهجمات المسلحة فقط، بل حتى رشق الحجارة، وهو يحمل الرئيس عرفات شخصياً هذه المسؤولية دون أن يحمل هو نفسه مسؤولية هجمات المستوطنين اليهود على القرى الفلسطينية.

انتهت مهمة تنت وعاد إلى بلاده تاركاً وراءه المبعوث الأميركي (وليم بيريز) يحاول إضفاء بعد سياسي على الاتفاق الأمني في محاولة لتجنب انهياره أو على الأقل تأخير انهياره، وواضح أن الطرفين وافقا على مضض على المقترحات الأميركية لأن صراعهما كان مهدداً بالانتشار والتفشي في المنطقة كلها، وهذا ما لا يمكن لواشنطن تقبله، ولا أدل على ذلك من استمرار التوتر على الجبهة الشمالية حيث لا يزال حزب الله يعتبر نفسه في حالة حرب مع إسرائيل مع ما يترتب على ذلك من تصعيد سياسي وعسكري بين إسرائيل وسوريا، وربما كان الإعلان عن إعادة انتشار القوات السورية في لبنان جزءاً من خطة تسحب بموجبها دمشق ورقة استراتيجية هامة من بين يدي شارون وحكومته التي لم تخفي يوماً استعدادها لفتح جبهة جديدة للتخفيف من ضغط الجبهة الفلسطينية.

جميل عازر: ومن قناة "الجزيرة" في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في الملف الأسبوعي وفيه أيضاً.

ثورة الأمازيغ وإلى أين وصل مشروع الوئام الوطني في الجزائر؟

تظاهرات الأمازيغ في الجزائر
من تيزي يوزو إلى اسكدا والديرة وبجايه وخنشلا، ثم الجزائر العاصمة اضطرابات واحتجاجات تحكي مأساة الجزائر، بل تجسدها، وبيدو أن الأمازيغ قد أصبحوا جزءًا من الصراع الفعلي الذي كان قائماً ولا يزال بين السلطة والجماعات الإسلامية مسلحة كانت أم غير مسلحة، وفي ظل الأوضاع الراهنة يسهل أن تتحول الاحتجاجات إلى مواجهات وأن يفلت زمام السيطرة على الأمور ليصبح من السهل لأي سبب أن يثير اضطرابات، وهذا ما يقع فعلاً في الجزائر حيث أصبح مشروع الوئام الوطني في خبر كان.

تقرير/ خالد القضاة: شوارع العاصمة الجزائرية تؤكد أن الوئام الوطني مازال مطلباً عسيراً، فمشهد قوات الشرطة التي تواجه المتظاهرين أصبح مألوفاً في الجزائر العاصمة طوال الأسابيع الماضية وبذلك يكون الصراع مع منطقة القبائل قد انتقل إلى مركز السلطة على أساس أنه سيكون هاك أكثر تأثيراً، ورغم أن مطالب بربر منطقة القبائل بدأت أول شأنها ثقافية خالصة تتصل بكفالة الحقوق الثقافية واللغوية فإن هذه القضية سرعان ما التحمت بقضايا أخرى أهمها نسبة البطالة العالية في البلاد إجمالاً، إضافة إلى ما يقال عن الفساد المستشري في دوائر السلطة العليا مدنية وعسكرية سعى الرئيس بوتفليقة في وقت سابق إلى تهدئة الأوضاع بتشكيل لجنة خاصة لتقصي ملابسات الأحداث ودعى للتشاور بين جميع أبناء الجزائر للوصول إلى حلول شافية، لكن اللجنة التي أشارت إلى أن المسؤولية تقع على عاتق محافظ تيزي يوزو وعلى الشرطة بسبب استخدام الذخيرة الحية والإفراط في مواجهة المتظاهرين زادت من أعباء الرئيس بوتفليقة الذي مازال يحاول جاهداً بعد عامين له في السلطة تحقيق مشروعه للوئام المدني، غير أن الظروف لا تخدم طموحاته، بل يمكن القول: إن المشهد الجزائري يبدو أكثر تعقيداً مما كان عليه عند بدء المشروع.

بعض المراقبين يرون أن هذا التصعيد النوعي في الأحداث سببه تهميش المعارضة في صناعة القرار، لكن الأسئلة المطروحة في هذا الشأن تتعلق بالتوقيت الذي اختاره أمازيع منطقة القبائل لهياجانهم، ثم بالجهات التي تقف وراء هذه الأحداث، أهي خارجية لدعم القبائل، أم داخلية لهز سلطة بوتفليقة؟ من الصعب الجزم بحقيقة وجود جهة خارجية أو نفي ذلك، ولكن داخلياً ألقت بعض الأطراف بأوراقها في اللعبة فانسحب من الائتلاف الحكومي وزيرا التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ولأنه الحزب الأمازيغي الوحيد المشارك في الإئتلاف فقد نجح في استثمار الشارع في منطقة القبائل خاصة بعد انسحابه من الحكومة.

كان المأمول أن يسير بوتفليقة بالجزائر تدريجياً نحو حكم مدني خالص بعد أربعة عقود من هيمنة الجيش على القرار السياسي ويقال إن الهدف من طرح قانون الوئام المدني كان استيعاب الجماعات الإسلامية ووقف دورة العنف التي أودت بحياة أكثر من 100 ألف قتيل في نحو 10 سنوات، لكن هذا المشروع كان متعثراً منذ البداية وتعرض للاغتيال بعض الرموز المعتدلين في المعارضة السياسية ورفضت الجماعة الإسلامية المسلحة تسليم سلاحها على غرار ما فعل الجيش الإسلامي للإنقاذ، وتضاعفت خلال العام الماضي العمليات المسلحة في ضواحي الجزائر العاصمة وفي الريف وكذلك الغرب الجزائري وهو ما اعتبر نكسة أخرى لمشروع الوئام المدني.

الزعيم الليبي ومشاريعه الوحدوية بين الأماني والواقع

جميل عازر: ليس غريباً أن يبادر الزعيم الليبي معمر القذافي لطرح مشاريع وحدوية عربية، فهو مخضرم في هذا المجال، ولكن كل تجاربه أو محاولاته على الصعيد العربي باءت بالفشل، وهذا ليس انتقاصاً من مثابرة القذافي في هذا الشأن، ومن هنا جاءت دعوته في قمة عمان إلى اجتماع عدد من الوزراء العرب والأمين العام لجامعة الدول العربية معه في طرابلس لبحث استراتيجية للعمل العربي المشترك، فدراسة أسباب الفشل الوحدوي والتعثر في السياسات العربية إزاء إسرائيل وكذلك الولايات المتحدة قد تخرج العقيد القذافي من دائرة الإحباط والفشل.

الزعيم الليبي معمر القذافي
تقرير/ حسن إبراهيم: وحدوي مزمن.. ربما، لكن العالم ومنذ الفاتح من سبتمبر من عام 69 يستمع للعقيد معمر القذافي ذاهلاً بعض الأحيان من جسارة الأفكار والتصريحات التي يدلي بها العقيد في خطاباته النارية، مثله الأعلى هو الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وشعاره وبرنامجه الذي ردده لفترة طويلة من تاريخه كان الوحدة العربية الشاملة، لكن العقيد صدام بصد العرب لمحاولاته الوحدوية فجميع محاولات شابتها العجلة وعدم دراسة الظروف الموضوعية التي يمكن أن تقارب بين بلدين.

بدأ القذافي رحلته الوحدوية بمحاولة إعادة إحياء الجمهورية العربية المتحدة بوحدة بين مصر والسودان وليبيا وانهارت هذه المحاولة في حياة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ثم حاول القذافي إقامة وحدة بين مصر وليبيا وسوريا لم تنجح لخلاف القذافي المبكر مع القيادة السورية ولرفض السادات التعجيل في فتح الحدود المصرية الليبية، حاول القذافي إقامة اتحاد المغرب العربي مع تونس والمغرب والجزائر متناسياً الفوارق الفكرية والمصالح المتضاربة لتلك الدول فقام الاتحاد لكنه كان معطلاً منذ بدايته، وتدهورت علاقات القذافي بكثير من الأنظمة العربية، بل ووصلت إلى درجة الحرب كما حدث بينه وبين مصر عام 77 وبسبب عدائه للرئيس السوداني السابق جعفر النميري فتح القذافي معسكرات تدريب للمعارضة السودانية كي تحارب الحكومة، أما علاقاته بالدول الخليجية فحدث ولا حرج.

ثم أتت حادثة لوكيربي والعقوبات التي فرضت على ليبيا ما أغضب القذافي وخلف مرارة في نفسه هو ما اعتبره تقاعساً من الدول العربية عن نصرة بلاده في محنتها ورفض الجامعة العربية تحدي العقوبات رغم أنها كانت أقل شدة من تلك التي فرضت على العراق واقتصرت على منع الطيران وتجريم بيع الأسلحة للجماهيرية، اتجه القذافي إلى أفريقيا عرفاناً بجميل رؤسائها الذين خرقوا حظر الطيران وزاروا الجماهيرية بطائراتهم وأخذت فكرة الوحدة الإفريقية تختمر في ذهن القعيد القذافي حتى تبلورت في إنشاء منظمة الاتحاد الإفريقي التي ستخلف منظمة الوحدة الإفريقية والتي تهدف إلى إنشاء دولة إفريقية عظمى، لكن ما أذهل العرب هو ما صرح به العقيد القذافي إبان القمة العربية الأخيرة في عمان حين انقلب 180 درجة على مواقفه السابقة الرافضة لإسرائيل، وقال: إنه لا يمانع أن يعترف بها العرب إن توفرت ثلاثة شروط:

عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى الأرضي المحتلة.

ونزع أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية.

وتسوية موضوع القدس تسوية نهائية.

وقال إنه حينها لا يمانع في دخول إسرائيل جامعة الدول العربية، وتقدم القذافي باقتراحات أخرى بقيت سرية إلا أن كثيراً من مراقبي الشأن الليبي قالوا إنها أي الاقتراحات تتعلق بتصور العقيد لحل الصراع العربي الإسرائيلي، ما يخشاه المراقبون هو أن يكون مصير هذه الاقتراحات مماثلاً لمصير مشروع الوحدة العربية الشاملة الذي طالما أرَّق القذافي.

هل عادت ظاهرة رق الأطفال في بنين؟!

جميل عازر: توجهت الأنظار قبل أيام إلى جمهورية "بنين" في غربي أفريقيا عندما انفضح أمر حمولة السفينة "اترينو" فقد كانت تقوم بعملية تهريب أطفال لاستخدامهم في أشغال تعتبر شاقة في دول إفريقية مجاورة، واستغلال الأطفال في الزراعة والصناعة كما في الحروب مسألة تؤرق المنظمات الدولية والإنسانية، أما ويجري التحقيق الآن في قضية السفينة السيئة الصيت فالمؤمل أن تكون تلك الحادثة بداية جهد عالمي وإقليمي لمكافحة ظاهرة تهريب الأطفال، فكل المجتمعات مطالبة بحماية أجيال المستقبل.

السفينة إيتيرينو التي يقوم أصحابها بتهريب الأطفال بها من بنين

تقرير/ عياش دراجي: يعرف ميناء "كوتونو" منذ خمس سنوات حركة نشطة في تهريب الأطفال فضلاً عن تهريب السلع نحو بقي دول غرب أفريقيا، وقد عرفت بنين في المدة الأخيرة فضيحة السفينة "اتيرنو" التي غادرت ميناء "كوتونو" وعادت إليه بعض رفض الجابون والكاميرون استقبالها، عادت وعلى متنها ثلاثة وأربعون طفلاً بينما قيل إن عددهم كان أكبر من ذلك عند إقلاعها، وكالعادة يتم وضع ضحايا التهريب في عهدة المنظمات الإنسانية، فقد أحيل بعض ضحايا السفينة إلى مركز الواحة التابع لمنظمة أرض البشر حيث يجتمع بعض العائدين إلى بلادهم بعد اكتمال فترة استغلالهم، أو بعد اعتراضهم من قبل الشرطة كما هو حال الطفل أيرك الذي كان يطمح في الوصول إلى "ابيدجان" في السنغال، لكن الشرطة الجابونية اعترضته وسلمته إلى شرطة بنين وسيبقى في رعاية المنظمات الإنسانية مع أمثاله حتى تتم إعادتهم جميعاً إلى عائلاتهم أو ادماجهم في عائلات تحتضنهم.

بول ياز يغوبيه (مسؤول مركز الواحة): من نسميهم وسطاء يذهبون عادة إلى القرى فيغرون الناس بالمال ويقولون للعائلات سلموا لنا طفلكم ليذهب معنا إلى الجابون أو إلى الكاميرون ليكون له من المال الكثير ويعود غنياً.

عياش دراجي: بعض ضحايا السفينة ينتمون إلى منطقة "صافي" شمال غربي "كوتونو" التي تتعرض طفولتها لنزيف مستمر حيث يتخلى الكثيرون عن أولادهم إلى أجل غير مسمى مقابل بعض الدولارات، علماً بأن الأطفال ضحايا التهريب تتراوح أعمارهم عادة بين أربع سنوات وخمس عشرة سنة، وأخف ما يقومون به هو العمل في حقول القطن والكاكاو داخل بنين، أو في بقية الدول المجاورة ولا يبدو أن الحكومة ستجد بديلاً للأطفال في الوقت القريب خاصة وأن سكان المنطقة يطالبونها بدعم أطفالهم وإدماجهم في قطاع التعليم، المصادر الأمنية في كوتونو تقول إنها اعترضت خلال الخمس سنوات الأخيرة ما لا يقل عن ثلاثة آلاف طفل، وأن رجال الأمن يقظون في حراسة الحدود البرية والبحرية خاصة. بعد فضيحة السفينة اتيرنو التي لا تزال التحقيقات بشأنها جارية.

كلير آيمونا (وزيرة الرعاية الاجتماعية): إن أول الوسائل لمكافحة التهريب هي إشعار العائلات بالمسؤولية، فما دامت الأسرة لا تعترف لابنها أو لابنتها بحق العيش في وسط عائلي فإن الأمر يكون صعباً.

عياش دراجي: وفي حين تتكثف الجهود الدولية والمحلية في بنين لحماية الأطفال تبقى هذه البراعم الأفريقية تتعرض باستمرار إلى الاستغلال على غرار الاستغلال الذي تتعرض له خيرات قارتها.

ميناء كوتونو شهد منذ عدة سنوات عمليات متكررة لتهريب الأطفال في ظل عجز الدولة وطغيان المشاكل الاجتماعية ومنذ أزمة اتيرنوا تكثف الحكومة من جهودها بالتعاون مع المنظمات الإنسانية لتطويق الأزمة وتفكيك شبكات المهربين.

عياش دراجي (الجزيرة) للملف الأسبوعي كوتونو – بنين.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونشير إلى أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصوت والصورة والنص عبر موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت.

وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة الجزيرة في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.