مقدم الحلقة:

توفيق طه

تاريخ الحلقة:

29/04/2001

- هل يغير شارون تكتيكه العسكري ويدخل اللعبة السياسية؟
- لماذا تتوتر مصر بسبب قرار أميركا سحب جنودها من سيناء؟

- قطار العولمة، وهل يمكن للمتظاهرين في كيبك التصدي له؟

- هل ينجح رئيس الوزراء الياباني الجديد كويزومي في رئاسة حكومته الجديدة؟

- هل يفي برويز مشرف بوعوده الوردية للباكستانيين؟

توفيق طه
توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذا العدد الجديد من (الملف الأسبوعي) في هذا العدد:

بعد فشل الخيار العسكري في إخضاع الفلسطينيين، شارون يغير تكتيكه ويقرر دخول اللعبة السياسية.

وتوتر في مصر بسبب قرار الولايات المتحدة سحب جنودها العاملين في القوات متعددة الجنسيات.

وقمة (كيبك) تثير عدداً من القضايا الاقتصادية والكثير من الاحتجاجات على تيار العولمة.

هل يغير شارون تكتيكه العسكري ويدخل اللعبة السياسية؟

يبدو أن (أرئيل شارون) أدرك أنه لن يخيف الفلسطينيين، وأن القذائف والقنابل الحارقة الإسرائيلية وهدم المنازل والتجويع والاغتيالات لم تؤد إلا إلى زيادة الغضب، وبالتالي إلى زيادة التحدي وقد وضح هدف الانتفاضة أخيراً: التحرير ورفع الاحتلال مهما كان الثمن، ويبدو أنه أحياناً يضطر حتى أرئيل شارون إلى الاستماع إلى دوي الحقيقة، وأنه لوهلة استمع وأدرك أن التفاوض هو الحل الوحيد المتاح أمام حكومته، وأن المبادرة المصرية الأردنية قد تكون القشة التي تنقذ حكومته من سقوط مروع بعد أن فشلت في تحقيق الأمن للمواطن الإسرائيلي الذي أوصلها إلى دفة السلطة.

أرييل شارون
تقرير/ سمير خضر: تظاهرات ومصادمات يومية، تحدي واضح وصارخ للآلة العسكرية، وللعقيدة اليمينية المتطرفة، رفض كامل للاحتلال وإصرار على الاستمرار في المقاومة مهما كانت النتائج أو العواقب أو التضحيات، هذا هو الوضع الذي وجده شارون على الأرض لدى تسلمه السلطة، وأقسم حينها أن يضع حداً لذلك باللجوء إلى اللغة الوحيدة التي يفهمها والمنطق الوحيد الذي يقره.. القوة العسكرية سياسة الحديد والنار والقتل والتدمير، سياسة رفض كل المبادرات من أينما جاءت، سياسة هدفها المعلن هو الحصول على استسلام فلسطيني كامل وخضوع غير مشروط للإملاءات الإسرائيلية.

وشعر شارون لوهلة أن أحداً في العالم لن يجرؤ على تحديه، وكان ذلك هو الذي أوقعه في أول خطأ تكتيكي احتلال جزء من قطاع غزة واضطراره إلى الانسحاب بسرعة أذهلت حتى مواطنيه تحت وطأة الغضب العربي والاستياء الأوروبي والانتقاد الأميركي، ولكن لكل خطأ ثمن ينبغي دفعه، وهذا الثمن بالنسبة لشارون كان مراجعته لموقفه مما يسمى بالمبادرة الأردنية المصرية المشتركة لحل الأزمة الراهنة، فقد كانت إسرائيل ترفض هذه المبادرة لأسباب عدة، على رأسها أنها تدعو إلى عودة المفاوضات فوراً، في حين يضع شارون شرط توقف الانتفاضة قبل البدء بالعملية السياسية.

هذا علاوة عن جملة من الأمور مثل: تجميد الاستيطان وإنهاء الحصار العسكري والاقتصادي للأراضي الفلسطينية، شارون قرر إرسال وزير خارجيته بيريز إلى كل من عمان والقاهرة لمناقشة بنود المبادرة الأردنية المصرية صحيح أن إسرائيل لم تقل أنها وافقت عليها، وبأنها تريد إدخال تعديلات طفيفة عليها، لكن الحقيقة هو أن شارون بدأ يعي محدودية الخيار العسكري الذي لا يحظى برضا بعض القوى السياسية في إسرائيل، وربما تطور الأمر لتصبح هذه المعارضة سيفاً مسلطاً على رقبة حكومته وقدرتها على الاستمرار.

لذا فإن كثيرين يعتبرون هذا التطور تكتيكاً جديداً يعطي شارون مساحة أكبر للمناورة في حلبة سياسية يسيطر عليها الجانب الفلسطيني، ولا أدل على ذلك من إعلان الفلسطينيين بأنهم لن يقبلوا بأي تعديل على المبادرة الأردنية المصرية، وبأن على الإسرائيليين قبولها كما هي أو رفضها، وهذا الموقف بحد ذاته يعتبر تكتيكاً سياسياً محسوباً من قبل الجانب الفلسطيني الذي لديه أيضاً محدداته واعتباراته الداخلية وخاصة فيما يتعلق بما يسمى بالمعارضة الإسلامية التي ترفض كل أشكال الحوار مع إسرائيل.

الأزمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين أصبحت اليوم على مفترق طرق، فالوضع الراهن أصبح غير مقبول لدى القوى الكبرى إقليمية كانت أو دولية، ودوامة المواجهات حتى وإن كانت تخدم أهداف الطرفين يجب أن تفضي إلى شيء واحد: عودة العملية السلمية.

لماذا تتوتر مصر بسبب قرار أميركا سحب جنودها من سيناء؟

توفيق طه: أثار قرار الولايات المتحدة الأميركية سحب قواتها العاملة في سيناء ردود فعل متضاربة في كواليس السياسة المصرية، فهناك من يخشى أن يسبب انسحاب هذه القوات فراغاً في سيناء تضطر معه مصر إلى قبول وجود إسرائيلي فيها، إلا أن هناك من يرفضه، أي الانسحاب خوفاً من أن تقرأ إسرائيل في هذا نقمة أميركية على مصر، وبالتالي قد تعتبره نوعاً من الضوء الأخضر لها كي تهاجم مصر، أما ردود الفعل المصرية فقد أثارت غضب بعض الخليجيين الذين طالما تعرضوا لانتقادات لاذعة بسبب الوجود الأميركي الكثيف في الخليج.

تقرير/ حسن إبراهيم: رفع قرار الحكومة الأميركية سحب قواتها العاملة في سيناء من حدة التوتر في صفوف الطبقة السياسية المصرية، حتى أن بعض أعضاء البرلمان المصري أخذوا يطالبون حكومتهم بالضغط في سبيل الإبقاء على هذه القوات، وتعمل القوات الأميركية ضمن قوات المراقبة المتعددة الجنسيات التي تراقب التزام مصر وإسرائيل باتفاقية السلام الموقعة عام 79، والتي أنهت ثلاثة عقود من الحرب بين البلدين، وإيقاظ الجراح التاريخية ليس الهدف بقدر ما هو محاولة لفهم تشبث الطبقة السياسية الحاكمة في مصر ببقاء قوات أميركية، وكانت حجة المطالبين أن سحبهم قد يؤدي إلى تزايد الاضطراب ما بين مصر وإسرائيل خاصة في ظروف الانتفاضة الفلسطينية وتصاعد نبرات التهديد في الأوساط السياسية الإسرائيلية، وهذا يثير تساؤلات خطيرة عن الأمن القومي المصري، أو بالأحرى عن العقيدة القتالية للجيش المصري ومن يوجهونه من صانعي القرار.

فمصر تتلقى دعماً أميركياً يقارب الثلاثة مليارات دولار سنوياً من الولايات المتحدة منذ عام 79، وتورد بعض المصادر العسكرية الغربية بأن مصر أنفقت ما يقارب السبعين مليار دولار على تحديث الجيش المصري منذ عام 79، وكانت معظم ديون مصر العسكرية قد ألغيت عام 91 بعد نهاية حرب الخليج، فهل حقاً يخشى صناع القرار المصريون اجتياحاً إسرائيلياً، أم أن الاحتجاجات رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن الحكومة المصرية مازالت تؤمن بأن 99% من أوراق الحل في يد الحكومة الأميركية كما قال الرئيس الراحل أنور السادات ورغم البرنامج النووي الإسرائيلي إلا أن هناك توازناً من نوع ما في الأسلحة التقليدية بين مصر إسرائيل، وإذا أضفت العمق السكاني لمصر وضخامة أراضيها بالنسبة لإسرائيل فإن الكفة تميل إلى مصلحة مصر.

وبالمقابل فإن كثيراً من العرب يلومون دول الخليج العربية على الاستعانة بقوات أميركية لحماية أمنها، فمنطقة الخليج الزاخرة بثراوتها النفطية ووجود العراق وإيران فيها بتنافسهما التقليدي واستهدافهما لبعض الدول الخليجية في الماضي تعتبر جبهة ساخنة بالنسبة إلى سيناء الهادئة.

ودول الخليج على ثرواتها وإنفاقها الضخم على التسلح أضعف من مصر كثير، وبينما يمكن للجيش المصري في أغلبية الأحوال أن يمتص هجوماً إسرائيلياً، بل وأن يصده ويشن هجوماً مضاداً، فإن جيوش هذه الدول الخليجية لا تستطيع -حسبما يقول الخبراء- أن تصد هجوماً عراقياً أو إيرانياً محدوداً، بل تقوم عقيدتها القتالية على إيقاف تقدم القوات المعادية حتى تصل النجدة من الخارج، وذلك في أفضل الأحوال.

وفي عام 90 اجتاح الجيش العراقي الكويت في غضون ساعتين، ومنذ ذلك الحين وبلاد الخليج تؤمن بأنه لا جدوى كبيرة فيما يسمى بالأمن القومي للعالم العربي، بل أعطت جامعة الدولة العربية بقيادة مصر الغطاء الشرعي للاستعانة بالولايات المتحدة الأميركية وما تبع ذلك من تحالف دولي لإخراج الجيش العراقي من الكويت، ولعل الأزمة الأخيرة في مصر تظهر أن نظرة العرب إلى الولايات المتحدة لا تختلف كثيراً بين الكيانات الصغيرة أو الكبيرة.

توفيق طه: وللتعليق على الوجود الأميركي في سيناء ومتطلبات الأمن القومي المصري تحدثت عبر الهاتف إلى الدكتور وحيد عبد المجيد -الخبير بمركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام- وسألته أولاً عن أسباب توتر بعض السياسيين المصريين بسبب احتمال سحب القوات الأميركية من القوات متعددة الجنسيات في سيناء؟

د. وحيد عبد المجيد: لأ.. هو حتى الآن لا يمكن القول إن هناك توتر، لكن على الأقل على المستوى الرسمي، يعني المستوى الرسمي يتم التعامل مع هذا الموضوع بهدوء، لكن على مستوى الساحة السياسية عادة في مصر يعني كثير من الأمور تؤخذ بحساسية يعني، وأحياناً تبقى فيها مبالغات، وقد تكون فيها مهاترات، في كثير من الأحيان بدون فهم يعني لحقيقة الموقف، لأن الموضوع في اعتقادي الشخصي أبسط مما يثار حوله يعني.

وليست هذه أول مرة يعني تفكر فيها الولايات المتحدة في خفض قواتها في المشاركة في القوات متعددة الجنسيات في سيناء، وفي كل مرة كان يعني مرتين على الأقل أثير هذا الموضوع من قبل و.. ومن خلال الاتصالات كان بيتم إرجاء سحب هذه القوات أو خفضها، لكن في اعتقادي إنه حتى لو تم خفضها مثلاً حتى إلى النصف أو إلى الربع لن تكون هناك مشكلة كبيرة في هذا يعني، هو الذي نتخوف منه وأتخوف منه شخصياً هو إنه أن يكون هذا مقدمة لإلغاء القوات متعددة الجنسيات كلها، يعني إن ..... إنما خفض القوات الأميركية فيها، مع استمرار هذه القوات، أعتقد إنه لا يسبب مشكلة، الأساس هو أن تكون هناك قوة متعددة الجنسية.

توفيق طه: نعم، لكن ما هو وجه الخطر في.. في عدم وجود قوات متعددة الجنسيات في سيناء؟

د. وحيد عبد المجيد: المشكلة في.. في هذه الحالة تتعلق بالبديل ما هو البديل؟ لابد أن يكون هناك ترتيب أمني كما تعلم إنه على الحدود المصرية الإسرائيلية بعد الانسحاب الإسرائيلي من سيناء كان لابد من إيجاد ترتيبات أمنية، وكان صيغة القوات متعددة الجنسية هذه هي الصيغة الأفضل، لأنه البديل عنها هو ترتيبات ثنائية مصرية إسرائيلية، هي ترتيبات أمنية مصرية إسرائيلية على النسق المعمول به مثلاً بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، في هذه الحالة طبعاً مصر ترفض هذا يعني سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، لأنه سيتضمن بشكل أو بآخر وجود إسرائيلي على أرض مصرية ولو حتى في صورة تسيير دوريات مشتركة، فهذا مرفوض تماماً ولم.. ولم تقبله مصر يعني.

توفيق طه [مقاطعاً]: لكن يعني المفروض يا دكتور أن هناك اتفاق سلام، معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل وأن سيناء عادت إلى مصر، يعني هنا السؤال: هل عادت سيناء فعلاً إلى السيادة المصرية الكاملة أم لم تعد؟

د. وحيد عبد المجيد: لأ طبعاً، سيناء عادت إلى السيادة المصرية الكاملة، لكن في.. في كثير من.. من الأحيان يعني على الحدود بين الدول اللي بينها نزاعات تاريخية بيقتضي الأمر وجود ترتيبات أمنية بسبب أو عدم وجود ثقة متبادلة، ونحن لا نستطيع أن نثق في إسرائيل، والإسرائيليين أيضاً لن يثقوا في.. في مصر، فالمطلب الترتيبات الأمنية ليس مطلب مصري فقط، إنما إسرائيل أيضاً تريد ترتيبات أمنية على الحدود، على..

توفيق طه: نعم يعني، وماذا الخطر في وجد ترتيب أمني؟ قلت أنهم يخشون أن يكون هناك وجود إسرائيلي على أرض مصرية، لماذا لا يكون هناك في المقابل وجود مصري على أرض إسرائيلية على الجانب الآخر من الحدود في إطار ترتيبات أمنية.

د. وحيد عبد المجيد: نعم هو أي ترتيب.. أي ترتيب أمني بيشمل تسيير دوريات مشتركة على جانبي الحدود، فده سيكون في داخل مصر وداخل.. وهو على.. يعني على.. في.. في المنطقة المصرية على الحدود، وفي المنطقة الإسرائيلية أيضاً، لكن هذا أيضاً نحن نرفض أي.. أي ترتيب أمني بهذا الشكل، نرفض حتى لو بـ.. رغم إنه سيتم بالتبادل، لكن هذا أيضاً نحن لا نقبله، يعني لا نقبل أي وجود إسرائيلي على أرض مصر.

توفيق طه: نعم، هنا.. هنا دكتور يعني يثور التساؤل عن مغزى التمسك بوجود قوات أميركية في.. في سيناء، بينما يلام الخليجيون يعني لتمسكهم بوجود قوات أميركية في الخليج من أجل الحفاظ على أمنهم.

د. وحيد عبد المجيد: أنا أعتقد إنه أولاً فيه اختلاف بين الحالتين طبعاً اختلاف كبير، لكن يعني القوات.. القوات الأميركية اللي موجودة في دول الخليج موجودة في ظل وضع متوتر جداً وفي قلق حقيقي بالنسبة لبعض دول الخليج على الأقل، سواء من العراق أو من إيران، يعني ففيه اختلال شديد في ميزان القوى، وفيه مخاوف حقيقية، وفيه حالة يعني لم ينساها أحد بعد، دولة بكاملها تم غزوها واجتياحها بالكامل يعني، الوضع على الحدود المصرية الإسرائيلية مختلف، يعني فيه صراع تاريخي، فيه احتياج إلى ترتيب أمني من.. بين الطرفين.

أنا هنا أعتقد وقلت في البداية إنه.. إنه ليس بالضرورة أن يكون هذا الوجود أميركيا، يعني هو القوات الأميركية المشاركة في القوات متعددة الجنسيات أقل من النصف، يعني فيه حوالي 860 جندي أميركي من.. من مجموع القوة حوالي 1900، يعني من.. من النص، يعني حوالي 40% تقريباً من حجم القوات، وفيه قوات من تسع دول أخرى.

توفيق طه: ومن قناة الجزيرة في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً:

باكستان تتساءل عن الوعود الوردية التي أطلقها الجنرال (مشرف) عشية تسلمه السلطة.

قطار العولمة، وهل يمكن للمتظاهرين في كيبك التصدي له؟

قطار العولمة الكاسح يهدد بأن يعصف بما في طريقه من عقبات بحيث لا يمكن للمتظاهرين في كيبك أو غيرها منع تقدمه، ويبدو أن ما يزيد من غضب الجماهير أن الإدارة الأميركية الجديدة تبدي استخفافاً بكل ما له علاقة بالبيئة، وإذا ما تحولت دول أميركا إلى منطقة تجارة حرة فإن الكثيرين سيتضررون، فالتجارة الحرة تؤدي إلى مزيد من الثراء للدول الغنية بينما ستسحق عجلات القطار الدول الفقيرة، وبالطبع لا تنسى دول المؤتمر الدعوة إلى مزيد من الديمقراطية والانفتاح خاصة في الدول الأكثر فقراً.

تظاهرات ضد العولمة
تقرير/ سمير خضر: أصبح من المألوف الآن رؤية الآلاف منهم يتظاهرون بعنف حيثما التئم شمل دول تبحث فيما يسمى بالعولمة، معظمهم إن لم يكن كلهم مواطنون في دول متقدمة مزدهرة اقتصادياً ويتمتعون بمناخ ديمقراطي حر، ولكن عندما يبدأ الحديث عن تعميم هذه الفوائد على الغير يبدؤون بالصراخ والاحتجاج، فعلى ماذا يحتجون؟ مناهضو العولمة يدعون أن العالم يسير في اتجاه خطر للغاية يلغي كل المزايا التي حصلوا عليها خلال العقود الأخيرة، وهم ينظرون إلى أي اتفاق دولي بهذا الشأن على أنه محاولة من قبل الشركات الكبرى والمتعددة الجنسية للسيطرة على مقدرات العالم الاقتصادية وتحويل الشعوب إلى آلات للإنتاج، كما يدَّعون بأن مفهوم العولمة يحمل في طياته أكثر من مجرد اعتبارات اقتصادية وإنتاجية، بل أيضاً ثقافية وفكرية تهدد خصوصيات الشعوب المختلفة وتلغي مفهوم التنوع الثقافي والحضاري، وقد يكون هذا صحيحاً إلى حد ما، ولكن ما تسمى بالأغلبية الصامتة، تلك التي لا تزال تنتظر منذ قرون نصبيها من التقدم والرقي والرخاء لا توافقهم الرأي، بل إنها تعتبر العولمة منة من السماء تسمح بتعميم الفوائد على الجميع، وعلى رأسها التبعات السياسية وما يصاحبها من تقبل أكبر لمبدأ الديمقراطية وحرية الفكر.

وبين هذا الرأي وذاك اجتمع في مدينة كيبك -الكندية- زعماء ثلاثة وثلاثين دولة من القارتين الأميركيتين اجتماع يمكن مقارنته بما تم في روما قبل أكثر من أربعين عاماً، عندما قررت 6 دول أوروبية إنشاء ما يسمى بالسوق الأوروبية المشتركة، هذا الموضوع كان الهدف الرئيسي في قمة كيبك إنشاء سوق أميركية مشتركة أكبر بكثير من السوق الأوروبية، لكن المشكلة هنا تكمن في تباين التنوع في الأميركيتين، إذ إن الفروقات التي كانت بين دول مثل إيطاليا وفرنسا وألمانيا ليست بهذه الحدة، في حين أنها هائلة بين دول مثل الولايات المتحدة وكندا ودول أخرى مثل كوستاريكا وبوليفيا وجواتيمالا، فهل من الممكن أن تتشارك مثلاً بوليفيا والولايات المتحدة في منطقة تجارة حرة واحدة؟

مناهضو العولمة لديهم جواب واضح وفوري، بالطبع لا، لأن النتيجة لن تكون إلا في صالح الطرف الأقوى الذي سيعمل على فرض إملاءاته على الطرف الأضعف، أما أنصار العولمة فأن تبريرهم مختلف تماماً، إذ إن التقارب مع القوى سيمكنهم من اجتثاث جذور التخلف السياسي والاجتماعي والاقتصادي حتى وإن كان الثمن إخضاع قيمهم الثقافية والفكرية والحضارية للقوي، فلكل شيء ثمن، كفة الميزان تميل اليوم في غير صالح مناهضي العولمة، فالشعوب الفقيرة والمغلوبة على أمرها سئمت هذه الوضع، ويبدو أن كثيراً منها -إن لم تكن كلها- مستعدة لدفع الثمن المطلوب منها للخروج من دوامة العبثية التي تعيشها.

هل ينجح رئيس الوزراء الياباني الجديد كويزومي في رئاسة حكومته الجديدة؟

توفيق طه: أتى انتخاب (جوني شيرو كوئيزومي) ليحدث هزة كبيرة في صفوف الحزب الديمقراطي اللبيرالي، وهو الحزب الذي أمسك بمقاليد الحكم منذ هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، ولـ(كوئيزومي) شخصية تتنافى مع ما ألفه اليابانيون في رؤساء وزرائهم، فهو منفتح، لا يخفي أنه يرغب في تغيير الهرم السياسي الياباني بأجمعه، وعلى الرغم من أن بعض اليابانيين قد يرفضون أسلوبه، إلا أنهم متعطشون لنفض التخبط الذي ميز سياسات الحكومة اليابانية منذ مطلع الثمانينيات.

جونيشيرو كويزومي
تقرير/ خالد القضاة: جاء فوز كوئيزومي بزعامة الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم بأغلبية ساحقة دليلاً قاطعاً على أن اليابان تطمح في التغيير ومنعطفاً واضحاً في عقلية الناخب الياباني، وما كان رئيس الحكومة الجديدة ليدحر خصوماً عتاة لولا مفاهيم التغيير التي رافقت حملته في انتخابات حزبه، يعرف (كوئيزومي) بأنه إصلاحي يحارب المعتقدات والسياسات التقليدية، وفوزه يعتبر ثورة على التيار المحافظ داخل الحزب الذي تأسس عام 55 وحكم البلاد طوال فترة ما بعد الحرب باستثناء فترة قصيرة جداً في منتصف التسعينات.

وربما جاءت ثورة الإصلاحيين بسبب ما ترسخ في عقول اليابانيين من أن هذا الحزب أصبح ملطخاً بالفساد، وبأنه يغلب مصالحة الخاصة، وأن التكتلات هي التي تهمين عليه، وقد يرى البعض أن فوز الإصلاحيين بالناصب الثلاثة العليا في الحزب سيعيد إليه بعض التوازن بعد أن سئموا تسع حكومات تقليدية توالت على البلاد في السنوات العشر الأخيرة معظمها أفل نجمة بفضائح أو تخبط سياسي.

قد لا يؤخذ على كوئيزومي سوى أنه قليل الخبرة في الدبلوماسية الخارجية، وربما لهذا السبب أختار لوزارة الخارجية امرأة تعتبر من بين السياسيين الأكثر شعبية في اليابان وهي (ماكيكو تاناكا) التي تولى والدها تطبيع العلاقات مع الصين في السبعينات، وبذلك تكون تاناكا أول امرأة تتولى حقيبة الخارجية اليابانية. المفاجأة الأخرى في حكومة كوئيزومي كانت باختياره (ماسيجورو شيو كاوا) وزيراً للمالية، فالرجل في التاسعة والسبعين من العمر، ورغم أنه كان وزيراً للنقل والتعليم في وقت سابق، فإنه غير معروف لدى الدوائر المالية، وقد أثار تعينه شكوكاً بأن كوئيزومي واجه صعوب في ملء شواغر حكومته.

تشكيلة الحكومة اليابانية الجديدة تدل على أن كوئيزومي وفا بوعده بأنه سيتحرر من التقليد الذي ساد لفترات طويلة في توزيع المناصب على أساس قوة الأجنحة الحزبية. السياسة والاقتصاد في اليابان توأمان لا ينفصلان، وقد يكون السبب المباشرة لوصول كوئيزومي إلى هذا المنصب هو عجز سلفه (يوشيرو موري) عن انتشال اقتصاد البلاد المتعثر، حيث أخفقت حكومته في مواجهة تحديات منها ارتفاع حجم الديون، وانخفاض نسبة النمو، واستشراء الرشوة والفساد في صفوف عدد من أعضائها المتنفذين.

ولا شك في أن المهمة الأولى أمام الحكومة الجديدة هي بعث النشاط في الاقتصاد الياباني، ومحاولة تخليصه من أزمته الحالية بعد نحو عقد كامل من التأرجح والتقلب، أما الرهان الشخصي لكوئيزومي فيتركز في الحفاظ على شعبيته وشعبية حزبه خلال الأشهر الثلاثة المقبلة التي تفصله عن انتخابات مجلس الشيوخ، وعندئذ يمكن الحكم على مدى صموده في الساحة السياسية اليابانية.

هل يفي برويز مشرف بوعوده الوردية للباكستانيين؟

توفيق طه: وأخيراً ننتهي بباكستان التي يحاول مواطنوها الانعتاق من ربقة الحكم العسكري الجاثم على صدورهم منذ انقلاب الجنرال برويز مشرف عام 99، وكان الجنرال قد وعد لدى استيلائه على السلطة بأن يصلح حال باكستان التي ازادت عنفاً وفساداً في عهده، وكان شرطه أن يعلق الممارسة الديمقراطية حتى يتمكن من إنجاز مهمته بلا مضايقة من المعارضة، وعجز برويز عن الإنجاز، وأخذ الباكستانيون يبحثون عن تراثهم الديمقراطي، وهذا آخر ما يمكن أن يتحمله حاكم عسكري.

برويز مشرف
تقرير/ حسن إبراهيم: كعادة الانقلابيين في العالم الثالث تبدو الوعود وردية أثناء قراءة البيان رقم واحد، هذا ما وعد به الجنرال برويز مشرف عندما امتطى الدبابة إلى سدة الحكم، وباكستان التي استقلت عام 47 لم تذق طعم الاستقرار طويلاً ما عدا في فترات متباعدة، وتعاني باكستان من الفساد، بل حسب تقارير المنظمات الدولية فإنها تعتبر من أكثر بلاد العالم الثالث من حيث الفساد المالي، وبالطبع تطالعنا الأنباء بصورة مستمرة عن صدامات السنة والشيعة في (كراتشي) وأزمة كشمير بين باكستان والهند، وقضايا أخرى متشابكة.

وعد الجنرال الطموح بأن يحل هذه المشاكل في غضون ثلاثة أعوام فقط يتنحى بعدها عن السلطة، ويقود عساكره إلى ثكناتهم، لكنه اشترط على الشعب الباكستاني أن يمهله قليلاً، وأن يتحمل تبعات الإصلاح خصماً على الحقوق الأساسية، ألا ديمقراطية ولا حرية تجمهر أو الانتماء إلى الأحزاب السياسية، بل وحاول الجنرال أن يسوِّق معادلته هذه في الغرب، ودعا الجميع إلى الاستثمار في باكستان التي ستكون معافاة من الفساد والعنف، وأن يغمضوا أعينهم قليلاً عن غياب الحقوق السياسية.

تحمل الباكستانيون لأول وهلة مشرف وسياساته، فقد سئموا الفساد المزمن الذي تورطت فيه (بناظير بوتو) رئيسة الوزراء سابقاً، وخلفها (نوَّاز شريف) رئيس الوزراء المنفي الآن خارج البلاد، وارتضوا أن يعطوا الجنرال الفرصة ليصلح ما أفسده المدنيون، لكن وكما في معظم قصص انقلابات العالم الثالث اكتشف الجنرال أن حكم قطر كامل لا يقوم على التوجيهات العسكرية كما في الجيش، وأن العنف الطائفي في كراتشي على سبيل المثال أمر أكثر تعقيداً من مجرد جماعتي سنة وشيعة تصدر لهما الأوامر فيمسكا عن قتل وتفجير بعضهما.

أما مشروع باكستان النووي فقد جمده مشرف وبصورة أدهشت الكثيرين، فبينما أسماه البعض تصرفاً حكيماً وخطوة في سبيل إنهاء سباق التسلح في شبه القارة الهندية، اعتبره عامة الباكستانيين تراجعاً عن إنجاز بذلوا في سبيل تحقيقه الكثير من التضحيات، أما الولايات المتحدة التي تعتبر باكستان دولة استراتيجية فكانت لها تحفظات على مشرف نظراً لأنه انقلب على الديمقراطية، لكنها لم تأس كثيراً على ذهاب نواز شريف، وهنا استيقظ المواطنون وفطنوا إلى أن حياتهم في ظل حكم مشرف لا تختلف كثيراً عن حياتهم في ظل بناظير أو نواز شريف، وربما يكون الفرق الوحيد هو فقدانهم لحقوقهم السياسية، وبالطبع كانت استجابة الجنرال للتحدي مماثلة لما يحدث في الحكومات العسكرية، اعتقالات للمعارضين ومزيد من القمع.

توفيق طه: بهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونشير إلى أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصوت والصورة والنص عبر موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت.

وفي مثل الموعد بعد سبعة أيام يعود إليكم الزميل جميل عازر ليفتح معكم ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر. تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.