مقدم الحلقة:

جميل عازر

ضيف الحلقة:

ماجد نعمة: رئيس تحرير مجلة أفريقيا وآسيا

تاريخ الحلقة:

15/02/2003

- تداعيات تقريري بليكس والبرادعي على الموقف الدولي والأميركي من الحرب
- مستقبل الناتو وأوروبا في ظل الانقسامات حول الحرب على العراق

- المخاوف الأميركية والبريطانية من هجمات إرهابية

- آخر التطورات على الساحة الفلسطينية الإسرائيلية
- المواجهات العنيفة في بوليفيا بين المعارضة والحكومة

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى جولة جديدة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:

بعد تقريري (بليكس) والبرادعي اشتداد المعارضة للحرب وانتقال الجدل إلى داخل البيت الأبيض.

الناتو انقسام خطير بين المؤيدين والمعارضين للحرب، والاتحاد الأوروبي يُهرع إلى قمة طارئة.

والمخاوف من هجمات إرهابية شرطة وجنود يحرسون مطارات لندن، وبطارية باتريوت وطائرات لحراسة أجواء واشنطن.

تداعيات تقريري بليكس والبرادعي على الموقف الدولي والأميركي من الحرب

انقلب ظهر المجن لوزير الخارجية الأميركي (كولن باول) في مجلس الأمن الدولي من خلال ما ورد في تقريري هانز بليكس (رئيس لجنة أنموفيك) ومحمد البرادعي (رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية)، فبينما كانت واشنطن تتوقع أن تحوِّل اهتمام أعضاء المجلس من الدبلوماسية في التعامل مع الأزمة العراقية إلى حرب وشيكة على العراق وجدت نفسها أمام موجة من المطالبات بإفساح مزيد من الوقت لعمليات التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، ويبدو أن الوقت هو المحور الذي تدور حوله الحجج الأميركية في محاولة لحمل المجتمع الدولي على القبول بأن الرئيس العراقي صار بارعاً في التسويف وحتى المراوغة، وأنه لا يمكن الاستمرار في عمليات التفتيش إلى ما لا نهاية.

تقرير/ سمير خضر: وجه مكفهر، حركات لا إرادية تنم عن قلق وحرج واضح، هكذا بدا كولن باول أمام عدسات الكاميرا خلال جلسة مجلس الأمن، جلسة لم تحصد منها واشنطن سوى مزيد من العزلة على الساحة الدولية، ويزداد مستوى هذا الحرج عندما يتذكر المتابع للأحداث أن باول نفسه هو الذي أقنع إدارة الرئيس بوش وصقورها بضرورة المرور عبر بوابة الشرعية الدولية في تعاملها مع الملف العراقي، ولكن ها هو (هانز بليكس) يستعرض أمام مجلس الأمن نتائج أعمال فرق التفتيش، نتائج لا تخلو من كثير من الإيجابيات وبعض السلبيات التي سارع بليكس إلى الإعلان بأن مزيداً من الوقت كفيل بتذليلها، لا بل رد بطريقة جد مهذبة على استعراض باول الأخير أمام المجلس مشيراً بشكل غير مباشر إلى محاولة واشنطن تضليل المفتشين والرأي العام خاصة فيما يتعلق بصورة الأقمار الاصطناعية التي تبجَّح بها باول.

دعاة الحرب في المجلس استوعبوا بسرعة مضمون الرسالة لا أحد يريد الحرب على الأقل ليس الآن، وعزر هذا اليقين ما تحدث به وزير الخارجية الفرنسي الذي شن هجوماً منظماً ضد واشنطن ولندن قبل أن يتبعه في ذلك نظيره الروسي وقبله الصيني.

وفي وجه ما يمكن اعتباره إذلالاً لواشنطن سارع الرئيس الأميركي إلى الإعلان عن تصميم إدارته على نزع سلاح العراق، ولكن بشكل أو بآخر -كما قال- في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة تدفق القوات الأميركية على المنطقة لتصل إلى حدود 150 ألف جندي.

والسؤال الذي يتردد الآن في أروقة صنع القرار الأميركي يتمحور حول سبل الخروج من هذا المأزق، إذ لا يمكن لبوش سحب قواته الآن، وإلا فُسر ذلك بتراجع استراتيجي قد يؤدي إلى فقدان القوة الأعظم مصداقيتها، وبالتالي إلى خسارة محتومة في انتخابات الرئاسة المقبلة، وقد تلجأ واشنطن في محاولة يائسة إلى الضغط باتجاه استصدار قرار جديد لمجلس الأمن لا يذكر تعبير اللجوء إلى القوة، لكنه قد يشكِّل غطاءً ما لعملية عسكرية ضد العراق، وأخيراً قد ينتصر معسكر الصقور في البيت الأبيض، ويلجأ إلى حرب انفرادية لفرض أمر واقع جديد على المنطقة وعلى العالم بأسره، وحتى هذا الخيار الأخير يبدو اليوم محفوفاً بالمخاطر مع اتساع رقعة المعارضة الجماهيرية في معظم دول العالم لخيار الحرب، تلك الحرب التي بدأ كثيرون من أنصار وحلفاء واشنطن بربطها علانية بالرغبة في السيطرة على نفط العراق.

ويمكن القول والحال هذه إن المعركة انتقلت اليوم من أروقة مجلس الأمن إلى أروقة البيت الأبيض، وعلى بوش أن يتخذ اليوم قراراً مؤلماً وحاسماً بالنسبة لمستقبله، وإذا كان خيار الحرب هو الذي سيسود فإن سمعة الولايات المتحدة ستتأثر دولياً، وسيكون لها عواقبها على الساحة الداخلية الأميركية، وإذا ما استبعد هذا الخيار فإن رؤوساً ستسقط في إدارة بوش، إما رؤوس الصقور وأُلات الحرب، وإما رؤوس من ورطوا واشنطن في دهاليز مجلس الأمن.

مستقبل الناتو وأوروبا في ظل الانقسامات حول الحرب على العراق

جميل عازر: وعلى صخرة المعارضة للحرب كمبدأ لحل الأزمات تحطمت وحدة الصف داخل حلف شمال الأطلسي أيضاً، فلأول مرة في تاريخ الناتو منذ تكوينه قبل 54 سنة يُرَد طلب من إحدى دوله بتوفير الحماية لها من تهديد متصوَّر من العراق هذه المرة، فالفيتو الذي مارسته ألمانيا وفرنسا وبلجيكا لنقض الطلب الأميركي ثم التركي لاحقاً باتخاذ ترتيبات عسكرية لحماية تركيا تسبب في أزمة داخل الناتو أثارت تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين جانبي الأطلسي، وانعكست هذه المخاوف على المناخ في الاتحاد الأوروبي أيضاً، فسارعت رئاسته اليونانية إلى الإعلان عن قمة طارئة في بروكسل يوم الاثنين لبحث كيفية الخروج من المأزق.

ماجد نعمة
تقرير/ حسن إبراهيم: علاقة قديمة بين طرفي الأطلسي تتعرض إلى هزة ، وربما تكون بداية لإعادة النظر في هذه العلاقة، ولعل الاستهجان الذي أبدته الدوائر الفرنسية والألمانية ردًّا على وزير الدفاع الأميركي (دونالد رامسفيلد) عندما انتقد موقف الدولتين من العراق أفضل تعبير عن ميل متزايد في أوروبا إلى الانعتاق من الهيمنة الأميركية، أوروبا القديمة.. هكذا سمَّاها وزير الدفاع الأميركي، ولم يكن الوصف اعتباطياً فهو يعكس صورة أوروبا في نظر واشنطن، قارةً عجوزاً مغرقة في نمط تفكيرٍ كولونيالي كلاسيكي، كما قال رامسفيلد وبعده وزير الخارجية كولن باول، إذ يريان أن هذا الاتجاه يعرقل مشاريع الأميركيين ومن داخل الناتو، فعلى مدى ثلاثة أيام متتالية من اجتماعات الحلف تمسكت فرنسا وألمانيا وبلجيكا بموقفها الرافض لتمرير الرغبة الأميركية في تعزيز الدفاعات التركية لمواجهة حرب محتملة على العراق، فهذه الدول لم تقتنع بالحجج التي قدمها كولن باول إلى مجلس الأمن الدولي ولا الضغوط الأميركية الدبلوماسية أو النفسية التي أعادت إلى الذاكرة دور واشنطن في إنقاذ أوروبا من النازية في الحرب العالمية الثانية، وبلغ الخلاف إلى حد فشل مجلس الحلفK في عقد اجتماع رابع لبحث مسألة توفير الحماية لتركيا والتي طلبتها أولاً واشنطن، وتبعتها أنقرة، وللخلاف تداعياته على المسرح الأوروبي بوجه عام، ولا تتعلق هذه التداعيات بالاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في دول مختلفة، وعلى رأسها بريطانيا وأسبانيا وإيطاليا ضد العمل العسكري فحسب، بل وعلى العلاقة بين الدول الأوروبية، فالدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو تتفرج على خلاف لا يوحي بثقة كبيرة متبادلة بين أعضاء هذين الكيانين الأوروبيين، فالمواقف المختلفة من العراق تسببت في حالة استقطاب داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي، وهناك من يخشون على العلاقة مع الولايات المتحدة من النزعة الأوروبية نحو الاستقلال عن الاعتماد على واشنطن، كما ظلت الأحوال عليه طوال القرن الماضي وحتى الآن، وعلى رأس هؤلاء بريطانيا التي ترفض أن ترى أنها بعلاقتها الخاصة مع الأميركيين يمكن أن تكون جسراً بين جانبي الأطلسي، وهذا بالضبط ما يثير بعض الشكوك حول انتماءات لندن الأوروبية، وعلى رأس المشككين هناك فرنسا أكبر داعية إلى الوحدة الأوروبية بسبب إيمانها القاطع بأن أوروبا موحَّدة يمكن تشكل قطباً ثانياً يواجه التفرُّد الأميركي بالزعامة الدولية، وما الإعلان عن قمة أوروبية طارئة إلا اعترافاً بأن هناك أزمة حادة ينبغي معالجتها، أمَّا وقد انتهت محادثات رئيس الوزراء الأسباني (خوسيه ماريا أزنار) المؤيِّد للموقف الأميركي مع المستشار الألماني (جيرهارد شرودر) المعارض للحرب على العراق، كما انتهت محادثات رئيس وزراء بريطانيا مع الرئيس الفرنسي بالتأكيد على اختلاف المواقف، فإن لا أحد يحتاج إلى دليل آخر على أن المعضلة التي توجهها أوروبا لا يستهان بها.

جميل عازر: ومتابعة لهذا الموضوع ينضم إلينا من باريس ماجد نعمة (رئيس تحرير مجلة إفريقيا وآسيا)، أستاذ ماجد، ما هي في رأيك أخطر تداعيات هذا الانقسام الحاصل في صفوف الناتو؟

ماجد نعمة: في حقيقة الوضع أن ما يجرى حالياً في أوروبا وفي العلاقات بين الولايات المتحدة وبقية العالم وبشكل خاص مع حلفائها الأوروبيين قد يكون أخطر أزمة تشهدها مثل هذه العلاقات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فنحن نذكر أن الحلف الأطلسي عندما قام عام 1949 كان بهدف مجابهة الاتحاد السوفيتي

ولم يكن فقط لممارسة الهيمنة الأميركية على السياسة الأوروبية، كان للدفاع على أوروبا، حالياً زال الخطر.. السوفيتي بانهيار الاتحاد السوفيتي وانضمام الكثير من الدول التي كانت تسير في فلك الاتحاد السوفيتي، إلى هذا الحلف.

حالياً الرهان وموضوع الصراع الأساسي هو ما هو.. ما هي طبيعة النظام الجديد الذي سيقوم على أنقاض النظام الذي انهار عام 1991 مع عاصفة الصحراء ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال حائط برلين، هذه.. هذا هو الرهان الحالي، الإدارة الأميركية الحالية..

جميل عازر[مقاطعاً]: طيب هل.. هل تعتقد أستاذ ماجد هل.. هل تعتقد أن الحالة الراهنة ستؤدي إلى إعادة النظر في العلاقة بين جانبي الأطلسي؟

ماجد نعمة: بطبيعة الحال هذا ما.. ما أظن أننا سنسير باتجاهه، فلأن الولايات المتحدة تريد إعادة تأسيس نظام جديد تكرر فيه هيمنتها لخمسين عاماً أخرى، وهذا ما.. ما ترفضه فرنسا وألمانيا وبقية أوروبا، على الأقل الرأي العام في أوروبا، كما نحن شاهدنا اليوم في معظم العواصم الأوروبية، فهي، فأوروبا تريد أن تكون شريكة لا أجيرة، تريد أن.. أن يكون لها رأي، والمفاجأة الكبرى أن دولة صغيرة مثل بلجيكا كانت قبل فرنسا وقبل ألمانيا هي التي هددت.. استعملت الفيتو ضد الأوامر الأميركية بإرسال قوات لحماية تركيا، وتركيا التي ليست مهددة، وقد استمعنا إلى وزير خارجية بلجيكا يقول: ما هذه المزحة؟ متى كان العراق يهدد دولة مثل تركيا بحجم تركيا وبحجم التسلُّح التركي مع حوالي مليون جندي مسلَّح ومدعم من.. من الناتو، يعني هناك حركة تمرُّد..

جميل عازر: طيب أستاذ ماجد.. أستاذ ماجد.

ماجد نعمة: نعم.

جميل عازر: ما هي في.. في تقديرك الدوافع الحقيقية وراء موقفي فرنسا وألمانيا، هل هي حفاظاً على مصالح ذاتية أم تمسُّكاً ودفاعاً عن مبادئ بالنسبة للموقف الأميركي من العراق مبادئ عدم استخدام أو اللجوء إلى القوة كخيار ربما يكون أوَّل في.. في حل الأزمات؟

ماجد نعمة: طبعاً المبادئ أساسية بهذا الموضوع، ولكنها ليست الأهم في.. في شرح ما يجري حالياً، فرنسا وألمانيا، أولاً ألمانيا لا تريد أن تتورط في حروب وأن تبقى.. تريد أن تتخلص نهائياً من نتائج الحرب العالمية الثانية عندما خرجت مهزومة من هذه الحرب، وأصبحت مارداً اقتصادياً وقزماً سياسياً، حالياً عبر المحور الفرنسي الألماني تريد أن تعيد مكانتها السياسية والاستراتيجية من خلال التحالف مع فرنسا وبقية الدول الأوروبية التي تريد فعلاً بناء دفاع مشترك أوروبي، ونحن نذكر أنه عندما تم التوقيع على معاهدة (ماسترش) في ظل عهد (ميتران) كان هناك خلاف كثير بين معظم هذه الدول التي لم تكن تريد أن تدفع ثمن سياسة دفاعية مشتركة، فوضعت نفسها تحت مظلة الحلف الأطلسي، وسارت آنذاك في.. في خط المنهج البريطاني الذي كان يصر على ذلك، والآن بدأنا نصل إلى نهاية هذا الطريق، اكتشفت أوروبا أن مصالحها خاصة بعد المشكلة البلقانية أن مصالحها تتطلب في نهاية الأمر الاستثمار في.. في سياسة دفاعية لها صدقيتها ولها فاعليتها.

جميل عازر: طيب عند التساؤل عن الجانب المسؤول عن هذا الانقسام، هل يمكن أن نقول إن واشنطن أخطأت قراءتها للأوروبيين، وكانت تعتقد أن فرنسا وألمانيا سوف تسيران في نهجها في نهاية الأمر؟

ماجد نعمة: طبعاً، فهناك خطأ.. خطأ فادح في.. ترتكبه الإدارة الأميركية الحالية، وأقول وأشدد على كلمة الإدارة الأميركية، لأن هذا ليس هو موقف الـestablishment والطبقة السياسية بكاملها في الولايات المتحدة، لأنها .. من الغباء -ومن فعلاً أكرر الغباء- أن تمارس.. تأتي الولايات المتحدة من خلال السياسة هذه إلى تدمير الدعائم الثلاث التي تقوم عليها هيمنتها منذ الحرب العالمية الثانية وأقصد بذلك أوروبا، الحلف الأطلسي والأمم المتحدة، يعني يلزمنا الكثير من الغباء لكي نصل إلى مثل هذه النتيجة.

جميل عازر: أستاذ ماجد نعمة في باريس شكراً جزيلاً لك.

ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها أيضاً بعد فاصل:

عرفات يعلن قبوله بمبدأ التخلي عن بعض من سلطاته التنفيذية، وشارون يعود إلى قائمة المتهمين بجرائم ضد الإنسانية.

[فاصل إعلاني]

المخاوف الأميركية والبريطانية من هجمات إرهابية

جميل عازر: وإلى لندن وواشنطن اللتين أعلنتا استنفاراً لمواجهة ما وُصفت بأنها هجمات إرهابية قد تكون مماثلة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001، وإذ عزى رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية الـCIA المخاوف إلى أن أسامة بن لادن دأب على توجيه رسائل قبل وقوع هجمات، كما سبق الهجوم على ناقلة النفط الفرنسية في أكتوبر الماضي والهجوم على أهداف إسرائيلية في كينيا بعد ذلك بشهر تقريباً، فإن رسالة زعيم تنظيم القاعدة الأخيرة قد تكون مقدمة لهجوم أو هجمات، قيل إنها ستقع في الولايات المتحدة وفي شبه الجزيرة العربية، ويبدو أن ما ينطبق على واشنطن -في نظر أسامة- ينطبق على لندن لموقفها من حرب على العراق وهذا ما تدركه العاصمتان.

سليمان أبو غيث
تقرير/أسامة راضي: الولايات المتحدة تنتظر تلقيها ضربة قادمة تقول إنها على يقين من وقوعها، وبريطانيا أيضاً تتخذ موقفاً مماثلاً، فمعلومات واشنطن الاستخباراتية التي تقول إنها الأكثر دقة حددت مكان العملية المنتظرة وزمانها والجهة التي ستنفذها والوسائل المحتمل استخدامها أيضاً، فهي تتوقع عملية في الولايات المتحدة أو شبه الجزيرة العربية، رغم نفي سعودي رسمي بوجود معلومات بهذا الشأن لدى الرياض، وحددت انقضاء موسم الحج موعداً لها، وتقول: إن العملية ستكون من تنفيذ القاعدة باستخدام صواريخ أرض جو أو قنبلة إشعاعية أو مواد كيماوية أو جرثومية، وسواء صدقت التحذيرات الأمنية أم كانت جزءاً من حملة نفسية، يتضح أن موقف واشنطن ولندن الحربي انعكس عليهما سلباً، فقد أعلنت واشنطن ثانية أعلى درجات الخطر على الأمن الداخلي وفقاً لنظام استحدث بعد هجمات سبتمبر، واتخذت احتياطات أمنية غير مسبوقة بنشر صواريخ مضادة للطائرات، وأجهزة رادارات إضافية في مدنها، فضلاً عن تكثيف الوجود الأمني حول مؤسساتها ومنشآتها الحيوية، ويبدو أن كل ذلك ينم عن حالة حذر أمني يكاد يكون هستيرياً أدى إلى إغلاق جسر حيوي وتفتيش شاحنات وتطويق محطة كبرى في نيويورك، ما دفع مئات لشراء وسائل تقيهم الخطر المفترض.

وبريطانيا تعيش هي الأخرى رسميا حالة الهلع الأمني إزاء إرهاب قد يوِّجه الضربة عبر مطاراتها الرئيسية فقد تكرر إغلاق مبانٍ ووقف رحلات في مطاري (جادويك) و(هيثرو) الرئيسيين قرب لندن رغم قيام السلطات هناك بما وصفته أكبر عملية حماية في تاريخها للمطارين بمساندة طائرات استطلاع ووحدات من الجيش ونشر دبابات ومصفحات في محيطهما، وهي عملية يشارك فيه 17 ألف جندي.

المسؤولون في البلدين أكدوا أنهم في مواجهة خطر حقيقي وضخم من تنظيم القاعدة، الذي أطل زعيمه بصوته أخيراً، ليدعو المسلمين إلى مقاومة حرب تحشد الدولتان قواتهما لخوضها ضد العراق، فعودة أسامة بن لادن إلى المسرح كافية بحد ذاتها لإثارة الفزع لدى واشنطن، التي تخشى أن تحتوي كلمته على رسائل مشفرة إلى أتباعه، لا سيما وأنها تربط بين تسجيلات سابقة له وعمليات وقعت بعدها، والإجراءات الأمنية تناولت أيضاً البعثات الدبلوماسية الأميركية في الخارج فسمحت لدبلوماسييها غير الأساسيين في المنطقة بالرحيل من دول مثل البحرين وقطر، وقد سبقتهما في الكويت والأردن والسعودية وسوريا ولبنان والمناطق الفلسطينية وإسرائيل، ولكن لا يمكن.. بل لا يجوز الفصل بين هذه الأجواء المتسمة بالذعر لدى بريطانيا والولايات المتحدة والمعارضة الشعبية فيهما لشن حرب على العراق، فالحكومتان في واشنطن ولندن تدركان أنهما بحاجة إلى تأييد داخلي وخارجي أكبر لموقفهما، وما من شك في أنهما ستستغلان كل وسيلة وذريعة لتحقيق ذلك ففي السياسة دائماً الغاية تبرر الواسطة.

آخر التطورات على الساحة الفلسطينية الإسرائيلية

جميل عازر: أعلن الرئيس الفلسطيني -بعد لأي وجهد وطول انتظار- أنه سيوافق على تعيين رئيس للوزراء في إطار الإصلاحات التي طالب بها الأميركيون والأوروبيون واشترطها (آرييل شارون) للعودة إلى مفاوضات مع الفلسطينيين، ومن الطبيعي أن ينفي ياسر عرفات أن يكون ذلك تنازلاً منه لأحد، ولكنه قال: أنه سيدعو المجلس المركزي والمجلس التشريعي الفلسطينيين للانعقاد واتخاذ الخطوات اللازمة لاختيار رئيس سلطة تنفيذية، وإذ يتحتم على الشخص الذي سيقع عليه الاختيار لهذا المنصب أن يتعامل مع آرييل شارون بوصفه رئيساً للحكومة الإسرائيلية وجد هذا نفسه وقد أُعيد في سجلات القضاء البلجيكي إلى قائمة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية لمسؤوليته عن مذابح صبرا وشاتيلا.

تقرير/سمير خضر: وأخيراً قرر عرفات لعب آخر ورقة في جعبته آملاً أن تكون الورقة الرابحة أو على الأقل أن تجلب له بعض المكاسب السياسية، فبعد أشهر من التردد والتمنع وافق عرفات على مبدأ تعيين رئيس وزراء للسلطة الفلسطينية ومن الواضح أن ضغوط الاتحاد الأوروبي بهذا الشأن تضافرت مع ضغوط الولايات المتحدة وإسرائيل، لحمل الرئيس الفلسطيني على اتخاذ هذا القرار، إذ إن أحد الشروط التي وضعتها واشنطن للمضي قدماً في مشروع إعلان الدولة الفلسطينية كان تعيين رئيسٍ للوزراء يتمتع بسلطات واسعة تُقلِّص صلاحيات الرئيس عرفات وكان ذلك بديلاً عن دعوة الأميركيين والإسرائيليين إلى تنحية عرفات، تلك الدعوة التي تصدت لرفضها معظم الفصائل والقوى الفلسطينية، لا حباً في عرفات أو دعماً لسياسته، بل نكاية بإسرائيل على وجه الخصوص، ورفضاً للتدخل الخارجي في القرار الوطني الفلسطيني.

لكن إقرار المبدأ شيء ووضعه موضع التنفيذ شيء آخر، فقد ألقى عرفات مسؤولية اختيار رئيس الوزراء على عاتق المجلس التشريعي والمجلس المركزي، ليس الاختيار فحسب، بل وتحديد الصلاحيات أيضاً وهي النقطة الأهم في كل الموضوع، التنافس اليوم لا يزال مفتوحاً بين عدد من الشخصيات المقبولة أميركياً وإسرائيليا ابتداء من محمود عباس أبو مازن، الرجل الثاني في منظمة التحرير، مروراً بوزير المالية سلام فياض، وانتهاءً برئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وأحد عرَّابي اتفاق أوسلو أحمد قريع، وأيًّا كان صاحب الحظ فإنه سيصطدم عاجلاً أم آجلاً بصخرتين:

الأولى: العمل في ظل شخصية تركت بصماتها على تاريخ حركة المقاومة الفلسطينية، الأمر الذي سيؤدي إلى تضارب في صلاحيات اتخاذ القرار.

والثانية: تتمثل في مشاريع شارون ورؤيته لطبيعة الحل المنشود.

لكن شارون لا يبدو اليوم مستعداً بعد للجلوس على طاولة التفاوض مع الفلسطينيين في الوقت الذي تقرع فيه طبول الحرب ضد إسرائيل والتخوف من احتمال تعرض إسرائيل لهجمات صاروخية عراقية وما قد ينجم عن مثل هذه الحرب من إعادة تشكيل مجمل خارطة الشرق الأوسط، كما أن شارون بدأ يشعر بشيء من القلق من الجدية التي يتعامل فيها القضاء البلجيكي مع الاتهامات الموجهة له بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية في صبرا وشاتيلا عام 82، وما من دليل على مثل هذا القلق أكثر من قرار إسرائيل سحب سفيرها من بروكسل بعد قرار المحكمة العليا البلجيكية بالسماح بالمضي قدماً في محاكمة شارون ولو بعد خروجه من السلطة بالطبع.

المواجهات العنيفة في بوليفيا بين المعارضة والحكومة

جميل عازر: شهدت لاباز عاصمة بوليفيا احتجاجات عنيفة على سياسات الحكومة وسقط أكثر من 20 قتيلاً في مواجهات دامت يومين بين قوات الأمن والمتظاهرين، ويبدو أن النقابات العمالية وقادة المعارضة السياسية غير راضين عن سياسات الرئيس (جونزالو ديلوزادا) التقشفية التي تنطوي على رفع ضريبة الدخل أو هذا هو السبب الظاهري للاحتجاجات، وتحت وطأة العنف أعلن الرئيس أنه سحب مشروع القانون الضريبي، ولكن المعارضين قد لا يرضون بذلك، إذ إن هناك من المؤشرات ما يدل على أنهم قد يمضون في إضرابات واحتجاجات لمحاولة إرغام ديلوزادا على الاستقالة.

تقرير/حسن إبراهيم: قتيلا (الألطو) قرب لاباز لم يكونا بداية العنف الدامي، ولن يكونا نهايته في بوليفيا، ولن يهدأ الشعب خاصة أبناء جبال الأنديز من القبائل الهندية ما لم ينفك ما يسمونه التحالف الدنس بين المؤسسات المالية الدولية ورئيس الجمهورية (جونزالو سانشيز ديلوزادا)، فقد رفع ديلوزادا ضريبة الدخل إلى 12.5% استجابة لطلبات صندوق النقد الدولي الذي اشترط وصفته القاسية المعتادة قبل تقديم العون لبوليفيا، وكانت ردة الفعل بالطبع خروج المواطنين من الطبقة الوسطى ودونها في حركة احتجاجات عارمة.

خطورة هذه المظاهرات تتمثل في أنها تدهورت إلى الاشتباكات بالرصاص بين رجال شرطة مضربين وحرس القصر الرئاسي الذين قُتِل 16 منهم، واشتركت في المظاهرات نقابات العمال والمدرِّسين، بل وسير ممثلون عن مزراعي شجرة الكوكا مظاهراتهم داخل اللاباز وخرجوا عن بكرة أبيهم تقريباً في مقاطعة (تشاباري) التي تبعد حوالي 600 كيلو متر شرق العاصمة، وعنف الاحتجاجات يميز هذه البلاد التي شهدت تدهوراً مستمراً لمستوى المعيشة رغم ثرواتها الطبيعية: نفط وغاز طبيعي وغابات استوائية ومصادر مياه وطاقة كهربائية وكثير من المعادن، لكن حوالي قرنين من الحكم الوطني منذ أن تحررت بوليفيا على يد الثائر (سيمون بوليفار) عام 1825 لم يخلِّفا فيها إلا الفقر والفساد والتفرقة العنصرية ضد السكان الأصليين الذين مازالوا يشكلون غالبية سكان البلاد التي يقطنها حوالي ثمانية ملايين نسمة، ويعتبر مناخها الأنسب زراعة شجرة الكوكا التي يستخلص منها مخدر الكوكائين الباهظ الثمن والذي يدر على عصابات تهريب المخدرات مليارات الدولارات سنوياً عبر تسويقه في الولايات المتحدة وأوروبا، وكانت الحكومة الأميركية قد بدأت عام 83 إبان حكم الرئيس الأسبق (رونالد ريجان) برنامج شراكة مع حكومات أميركية لاتينية مثل كولومبيا وبوليفيا والمكسيك تعتبر إما معقلاً لزراعة الكوكا أو تصنيع الكوكائين أو تهريبه، لكن فلاَّحي مرتفعات الأنديز البوليفية يقولون إن الولايات المتحدة والحكومة ترسلان قواتهما لإحراق محاصيلهم، ولكنهما لا توفران لهم محصولاً آخر يشكِّل بديلاً مجزياً.

التقاء مصالح سكان المدن والجبال بهذه الصورة غير المسبوقة في تاريخ بوليفيا يخيف الطبقة الحاكمة والدوائر المرتبطة بها في الخارج، فقد خرج البيت الأبيض يحض البوليفيين على احترام حكومتهم المنتخبة، فديلوزادا طالما اعتبر رجل واشنطن في السياسة البوليفية، لكن عندما يكون الدَيْن الرسمي أكثر من 10% من الناتج القومي، ثم ترفع الحكومة ضريبة الدخل مرة ونصفاً في ظرف ستة أشهر فإن البوليفيين سيخرجون إلى الشوارع مهما تكن العواقب.

جميل عازر: وبهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي) نذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.