مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

28/12/2002

- تركيا في ظل الضغوط الأميركية للمساهمة في الحرب على العراق
- كوريا الشمالية وتحدي المجتمع الدولي ببرنامجها النووي

- عيد الميلاد في ظل القتل والحصار الإسرائيلي للفلسطينيين

- انعكاس زيارة الرئيس الإيراني لباكستان على علاقتهما في ظل الأوضاع الراهنة

- انتخاب رئيس جمهورية جديد وانتصار الديمقراطية في كينيا

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:

واشنطن تواصل الضغط على تركيا وأردوغان يربط المساهمة في حرب على العراق بقرار من مجلس الأمن الدولي.

كوريا الشمالية تتوعد واشنطن وحلفاءها، وهؤلاء يتحدثون عن طرق دبلوماسية للخروج من مأزق برنامج التسلح النووي في بيونج يانج.

وعيد الميلاد في أرض رسول السلام قتل ومعاناة ومنع تجول وحصار، شعارات مناقضة لرسالة الميلاد.

تركيا في ظل الضغوط الأميركية للمساهمة في الحرب على العراق

لا تجد تركيا في بيئتها الداخلية والإقليمية ما يبعث على الارتياح، خاصة مع تزايد الضغوط الأميركية على أنقرة لإعلان استعدادها لتقديم مساهمة فعلية في حرب قد تشنها واشنطن على العراق، فالمسرح التركي تتجاذبه الآن اعتبارات في اتجاهات مختلفة أو ربما متعاكسة ابتداءً من عضوية الأتراك في حلف شمال الأطلسي وحتى انتماء حزب العدالة والتنمية حاكم أنقرة الجديد إلى أسرة الأحزاب الإسلامية، ومن هنا قد يلاحظ تناقض بين تجديد الإذن للقوات الجوية الأميركية والبريطانية باستعمال قاعدة (إنجرليك) في فرض حظر الطيران في شمالي العراق وجنوبيه، وإعلان زعيم الحزب رجب طيب أردوغان أن تركيا لن تتخذ موقفاً نهائياً حول أي هجوم على العراق إلا بعد صدور قرار من مجلس الأمن الدولي في هذا الخصوص.

بولنت أجاويد يجتمع مع دونالد رمسفيلد في أنقرة لمناقشة السياسة الأميركية التركية تجاه العراق
تقرير/ سمير خضر: تركيا اليوم ليست بتركيا الأمس حتى وإن كان النظام السياسي السائد فيها لم يتغير منذ عقود، نظام علماني يهيمن عليه العسكر من وراء الكواليس، ولكن في تركيا اليوم حكومة ذات خلفية إسلامية تنشد الانفتاح على محيطها الجغرافي الجنوبي، ولديها ما يكفي من مشاكل اقتصادية وأوروبية ما يمنعها من الدخول في حرب جديدة بشكل مباشر أو غير مباشر، وهنا تكمن المعضلة، معضلة رئيس الحكومة عبد الله جول ومعضلة زعيمه رجب طيب أردوغان، إذ إن مشاركة تركيا في عمل عسكري تقوده واشنطن ضد العراق سيقطع محاولات أنقرة لتعزيز وجودها في المنطقة، وسيهدد جهودها الرامية إلى طمس صورتها النمطية كشرطي العالم الإسلامي إلا بالطبع إذا استطاعت أن تقنع دولاً أخرى في المنطقة بمشاركتها مثل هذا الموقف وحتى وإن لم تستطع ذلك كيف يمكن لها مقاومة الضغوط الأميركية المتنامية لحملها على اتخاذ موقف فوري إزاء تبني موقف واشنطن قلباً وقالباً وفتح قواعدها أمام القاذفات الأميركية والسماح باستقبال عشرات الآلاف من المارينز على أراضيها تمهيداً للزحف على بغداد، ولكن وكما هي دائماً السياسة لكل شيء ثمن، فما هو الثمن الذي تطلبه أو بالأحرى ستطلبه أنقرة هذه المرة؟ هناك بالطبع الثمن المادي الذي سيكون على شكل مليارات غير مستردة تعزز من موقف تركيا المالي، وتنعش بعض الشيء اقتصادها المتهالك، وهناك أيضاً الثمن غير المادي المتمثل في دور أكبر تلعبه واشنطن لتذليل ما تبقى من عقبات تحول دون قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي، ولا يمكن نسيان أو تناسي الثمن الإقليمي وعد وتعهد صريح لا لبس فيه لمنع قيام دولة كردية مستقلة في شمال العراق.

الحكومة التركية -برأسيها جول وأردوغان- أعربت صراحة عن عدم قدرتها على اتخاذ قرار الآن بانتظار صدور قرار جديد من مجلس الأمن وعندها سيكون لكل حادث حديث، فقرار الحرب لابد وأن يمر أولاً من خلال البرلمان التركي الذي يهيمن عليه حزب العدالة والتنمية، والذي يرفض في غالبيته المشاركة في حرب ضد العراق، وإذا ما رفض البرلمان اتخاذ القرار فإن العسكر لن يقفوا مكتوفي الأيدي لأن مصالحهم تصب في خانة الحليف الأميركي، وستكون عندها المواجهة صعبة للغاية ومحفوفة بالمخاطر، لكن الانطباع السائد هو أن الغلبة ستكون في النهاية لصالح أنصار واشنطن ولو على مضض، إذ إن مجمل الطيف السياسي التركي يعرف تماماً أن أنقرة لا تملك مفتاح قرار الحرب، وهي أيضاً لا يمكنها البقاء خارجها.

كوريا الشمالية وتحدي المجتمع الدولي ببرنامجها النووي

جميل عازر: والموقف الأميركي من العراق يتناقض بشكل صارخ مع الموقف من كوريا الشمالية الدولة التي اعترفت بوجود برنامج للتسلح النووي فيها وأعادت تشغيل مفاعلاتها التي كانت مجمدة بموجب اتفاقية أبرمتها مع الولايات المتحدة قبل ثمانية أعوام، ورغم الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في هذا الشطر من شبه الجزيرة الكورية فإن بيونج يانج تتحدث إلى الأميركيين والكوريين الجنوبيين واليابانيين بنبرة قوية بل وتهدد بالرد بقوة على أي ضربة عسكرية، وطلبت من الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تسحب مراقبيها من الأراضي الكورية الشمالية، وبينما تجد واشنطن في هذا ابتزازاً يتحدث حلفاؤها عن الدبلوماسية للخروج من المأزق.

تقرير/ أسامة راضي: في شبه الجزيرة الكورية مشهد غير مألوف، فكوريا الشمالية تصعد أزمة نووية والولايات المتحدة تحاول استنفاذ حلول سياسية، كوريا الشمالية تحدت المجتمع الدولي ممثلاً في الوكالة الذرية للطاقة الذرية، فقد انتزعت أختام مفتشيها وأزالت أجهزة تصوير ومراقبة ثبتت في منشآتها النووية، ونسفت بذلك اتفاق عام 94 الذي كانت جمدت بموجبه مفاعل (يونج بيون) ومفاعلَين آخرَين قيد الإنشاء في مقابل الحصول من الولايات المتحدة وحلفاء لها على إمدادات وقود وبناء مفاعلين نوويين للأغراض المدنية يصعب تحويلهما للإنتاج العسكري.

كوريا الشمالية التي نقلت قضبان وقود إلى مجمع يونج بيون النووي وهي الخطوة التي تسبق استخراج البلوتنيوم اللازم لصنع الأسلحة النووية برر مسؤولوها الخطوة بالحاجة لتوليد الكهرباء لسد عجز متزايد في الطاقة فاقمه حلول الشتاء ووقف إمدادات كانت تقدمها الولايات المتحدة بموجب الاتفاق بعد اتهام واشنطن للكوريين الشماليين بتطوير أسلحة نووية سراً.

الخطوات الكورية الشمالية جاءت بعد أيام من تحديد الرئيس الأميركي عام 2004 موعداً لبدء نشر شبكة الدفاع الصاروخي الهادفة إلى إحباط أي هجوم من دول ما يسميه محور الشر، وهي خطوات يرى مراقبون أنها ستكون مؤرقة لواشنطن الحريصة على بناء تحالف دولي، وستتسبب في إحراجها وإظهار معاييرها المزدوجة أو عجزها عن ردٍ قوي، الأزمة متصاعدة مع واشنطن وحليفاتها في المنطقة، وعلى رأسها كوريا الجنوبية التي أعلنت اهتمامها بنزع فتيل الأزمة لا سيما مع وجود رئيس منتخب حديثاً ميالٍ للتهدئة مع جارته الشمالية، ومعروف برغبته في مواصلة سياسية الشمس المشرقة التي اتبعها سلفه الرئيس الحالي لتحييد ميول بيونج يانج العسكرية.

الوضع في شبه الجزيرة الكورية خطير ومثير للقلق وفقاً لتقييم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإن كانت أكدت أن العملية الأخطر لم تحدث بعد، وهي استخلاص (البلوتنيوم) من الوقود المنقول إلى المفاعل.

القدرات النووية لكوريا الشمالية بالإضافة إلى ما تمتلكه من صواريخ بعيدة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية يرى خبراء أنها تجعل واشنطن تفكر مرات قبل الإقدام على عمل عسكري ضدها، لا سيما وأن تقارير أميركية تفيد أن كوريا الشمالية أنتجت بالفعل قنبلتين نوويتين قبل عام 94، وأنها قادرة على إنتاج أكثر من 50 سنوياً في حال استكمالها مفاعلين جمدت بناءهما، ولا يأخذ المراقبون قول وزير الدفاع الأميركي عن قدرة بلاده على كسب حربين مأخذ الجد، إذ اقترنت هذه الأقوال بإعلانٍ رسمي بعدم الرغبة في التصعيد، فالحسابات بشأن العراق تختلف عن كوريا الشمالية، الدولة التي حارت واشنطن في تصنيفها من مارقة، إلى أحد أضلاع مثلث الشر، والتي تتهم بأنها الدولة الأكثر بيعاً للصواريخ وتقنياتها لكل من خرج عن الخط الأميركي.

جميل عازر: ومتابعة لهذا الموضوع تنضم إلينا من موسكو (المحللة السياسية) لينا سوبونينا. لينا، بداية ما مدى الخطورة التي تنظر بها موسكو إلى الوضع بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، وجيران كوريا الشمالية بوجه عام؟

لينا سوبونينا
لينا سوبونينا (محللة سياسية): موسكو قلقانة جداً بسبب تصعيد حول كوريا الشمالية، لأنه روسيا أيضاً جار لهذا البلد، توجد حدود مشتركة بين كوريا الشمالية وروسيا، وهذا بحوالي 30 كيلو متر، وطبعاً روسيا لا تريد أن تكون لدى كوريا الشمالية أي أسلحة محظورة، خاصة أسلحة نووية، وفي نفس الوقت موسكو تعتقد بأنه موقف واشنطن أيضاً موقف خاطئ لأنه لهجة أميركا أيضاً استفزازية، مثل لهجة كوريا الشمالية.

جميل عازر: طيب لينا، في تقديريك أين تكمن الخطورة في.. في موقف كوريا الشمالية؟

لينا سوبونينا: كوريا الشمالية طبعاً موقفها ابتزازي واستفزازي، ونحن نعرف بأنه لدى كوريا بعض الإمكانيات في بناء منشآت نووية. موسكو تعتقد بأنه كوريا الشمالية لحتى الآن بعيدة عن التملك بأسلحة نووية، في هذا الشيء موقف روسيا مختلف قليلاً مع موقف بريطانيا أو أميركا، ولكن في نفس الوقت نحن نعرف تماماً بأنه لدى كوريا صواريخ بعيدة المدى، ومتوسطة المدى، وهذا الشيء طبعاً خطر جداً بالنسبة لروسيا ولجيران آخرين لكوريا الشمالية. وأيضاً خطورة لهجة كوريا بأنها تستفز أميركا إلى بعض الأفعال غير المتوقعة، طبعاً روسيا ضد أي حروب، ولا.. ولا في منطقة الخليج ولا حول كوريا الشمالية.

جميل عازر: طيب يبدو أن كوريا الجنوبية تطلب من روسيا ومن الصين التدخل ومحاولة إقناع كوريا الشمالية للعودة إلى تجميد برنامجها النووي، ما مدى تأثير روسيا على بيونج يانج؟ يعني هل هناك وسائل يمكن أن تستعملها روسيا بشأن إقناع كوريا الشمالية في هذا الاتجاه؟

لينا سوبونينا: فعلاً روسيا مستعدة أن تتدخل في هذه القضية، وخاصة بأن هناك علاقات شخصية جيدة جداً بين الرئيسين، بين الرئيس في كوريا الشمالية، والرئيس الروسي، ولكن في نفس الوقت روسيا تشعر بأن هناك طلبات فعلاً من كوريا الجنوبية ومن كوريا الشمالية نفسها، ولكن لا نسمع بأنه هناك تطلبات من هذا النوع من قبل أميركان. روسيا ممكن أن تتدخل كطرف ضامن في حالة توقيع معاهدة عدم الاعتداء بين أميركا وكوريا الشمالية، وموسكو تعتقد بأنه مثل هذه المعاهدة عدم الاعتداء ممكن أن تساعد لحل القضية.

جميل عازر: طيب، في تقديرك -لينا- لهجة التحدي من جانب كوريا الشمالية للولايات المتحدة، والتهديد برد قوي إذا ما تعرضت منشآتها النووية إلى هجمات، وغير ذلك، هذه لغة شديدة اللهجة، ما هو المنطلق الذي تعتمد عليه كوريا الشمالية؟ هل لديها أسلحة بالفعل أسلحة نووية تخبئها، أم أنها تعتمد في ذلك على منطلقٍ معنوي؟

لينا سوبونينا: في روسيا يعتبرون بأن هذه اللهجة إلها أساس معنوي. في وزارة الطاقة الروسية مقتنعين تماماً أنه لحتى الآن إمكانيات كوريا الشمالية في إنتاج الأسلحة النووية إمكانيات محدودة، ولكن كوريا الشمالية متعودة أن تستفز الدول الكبرى لمصالح تجارية، ومثل هذه اللهجة هي من نوع الدعوة للمفاوضات ولبعض الصفقات، ولكن في هذه الحالة بالذات طبعاً الرئيس الكوري غلطان جداً لأنه اختار وقتاً غير ناجحاً لمثل هذه اللغة، ولمثل هذه الدعوة للمتاجرة وللصفقة مع أميركا.

جميل عازر: لينا سوبونينا في موسكو، شكراً جزيلاً لكِ.

ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً بعد فاصل:

خاتمي في إسلام أباد بداية علاقة جديدة بين إيران وباكستان في ظل القلق الإقليمي والتدخل الأجنبي في شؤون المنطقة.

[فاصل إعلاني]

عيد الميلاد في ظل القتل والحصار الإسرائيلي للفلسطينيين

جميل عازر: وإلى فلسطين حيث حل عيد الميلاد ولم يكن في الأفق ما يبشر بالسلام أهم رسالة في الميلاد، وقد أقيمت الشعائر الدينية للاحتفال بميلاد رسول السلام في كنسية مهد عيسى في ظل الاحتلال والحصار الإسرائيلي لمدينة بيت لحم التي اختفت من شوارعها معالم الاحتفال التقليدية بالمناسبة، وبينما ينصب التركيز على ما يلحقه الإسرائيليون بالفلسطينيين من قتل وتدمير ممتلكات يغيب عن البال ما يبديه المجتمع الدولي من صمت إزاء كل ذلك فأين رسالة الميلاد "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة" من الأوضاع السائدة في فلسطين؟!

حصار الشعب الفلسطيني وياسر عرفات طوال هذا العام
تقرير/ حسن إبراهيم: في عيد ميلاد رسول السلام تنزف الأرض المحتلة دماً بدلاً من أجراس الفرحة، وتضيء نيران القذائف الإسرائيلية ليل مهد المسيح بدلاً من أنوار شجرة عيد الميلاد التي ظلت مطفأة في احتفالات عيد الميلاد، وتظل فلسطين المحتلة ومدنها وقراها تحت الحصار وحظر التجوال، و رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية يمنع من حضور قداس عيد الميلاد في كنسية المهد للسنة الثانية على التوالي، و مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في يناير المقبل يدير (أرئيل شارون) معركته الانتخابية عبر فوهات المدافع والاغتيالات، فرغم أن حزب الليكود بزعامته يتفوق على حزب العمل بزعامة الجنرال المتقاعد حاكم حيفا السابق (عمرام متسناع) إلا أن فضيحة الارتشاء التي تفجرت داخل الليكود قلصت بصورة طفيفة من الفجوة بين الحزبين في استطلاعات الرأي، وفحوى الفضيحة أن أحد نشطاء الحزب عرض على بعض الطامحين في الترشح على قائمة الحزب بيعهم أصواتاً ترجح فوزهم بتبني الحزب لهم في انتخابات الثامن والعشرين من يناير/ كانون الثاني المقبل، ولضمان بقاء الليكود في المقدمة أطلق شارون العنان لجيشه لاغتيال ناشطين فلسطينيين -كيفما شاء- في رام الله وجنين وغزة ونابلس، قتلى فلسطينيون سقطوا بنيران الجنود الإسرائيليين وقد قتلوا فلسطينياً داخل مستشفى رام الله، وبغض النظر عمن سيفوز شارون أو متسناع فإن العجز السياسي الذي تعاني منه المؤسسة السياسية الإسرائيلية مازال يخيم بظلاله على المنطقة، فشارون يحاول ركوب موجة الحملة الأميركية على العراق موزعاً اتهاماته ذات اليمين وذات اليسار، وها هو يتهم العراق بتهريب أسلحة الدمار الشامل إلى سوريا، وكان قبلها اتهم حزب الله بالتعامل مع تنظيم القاعدة، ولكن تحريك ملف العملية السلمية يحتاج دون شك إلى رؤية سياسية تفتقر إليها المؤسسة السياسية الإسرائيلية وينظر الإسرائيليون والفلسطينيون بريبة إلى المبادرة البريطانية، ولكن الفلسطينيين يتساءلون عن توقيت المبادرة وهل هي جزرة يلوح بها الغرب للعرب لتحويل الأنظار عن العصا التي من المتحمل أن تنهال على العراق.

إلا أنه عند الإمعان في الخطاب السياسي في معسكري الليكود والعمل يتضح وجود إجماع بين شارون ومتسناع على وجوب إنشاء دولة فلسطينية، ووصل الأمر بشارون حد التهديد باستبعاد أي وزير من حكومته أو قائمته الانتخابية لا يؤمن بفكرة دولة فلسطينية لم يحدد مواصفاتها، وقد تكون معايير متسناع للدولة الفلسطينية أكثر رحابه من شارون، لكن الفكرة واحدة عند قطبي السياسة الإسرائيلية، كيان فلسطيني محدود مقطع الأوصال حتى ولو سيوافق متسناع -كما قال- على جعل القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية الموعودة، ومع ذلك فإن شارون لا يزال يلعب بورقة الأمن لإثارة مشاعر الناخب الإسرائيلي الذي يبدو أنه سيمنح الليكود صوته لاعتقاده أن قتل الناشطين هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الأمن، لكن القتل يولد القتل حتى من جانب الشعب الفلسطيني الأعزل وهو ما لم يستوعبه شارون على مدى تاريخه.

انعكاس زيارة الرئيس الإيراني لباكستان على علاقتهما في ظل الأوضاع الراهنة

جميل عازر: ربما كان تعبير إيران وباكستان عن معارضتهما لعلمية عسكرية ضد العراق في البيان الذي صدر في ختام زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي لإسلام أباد تعبيراً عن مدى قلق الجارتين من التطورات الراهنة في المنطقة أكثر منه محاولة لمنع وقوع حرب، وهناك من الأسباب ما يحملها على الشعور بأنها ربما تكونان مستهدفتين بعد بغداد، ولكن العلاقات بين طهران وإسلام أباد لم تكن تسمح بمثل هذه الزيارة لولا ما حدث في أفغانستان حيث كانتا في حرب بالنيابة قبل زوال حكم طالبان، إلا أن للظروف مقتضياتها، كما أن واقعية الرئيس الإيراني تجعله يدرك ماهية الأخطار المحدقة ببلاده.

محمد خاتمي
تقرير/ جيان اليعقوبي: تترجم زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي إلى باكستان طموحاته ورؤيته السياسية لدوره -هو شخصياً- ودور بلاده في ترسيخ صورة إيران المنفتحة والرصينة والمحرضة على السلام والتعاون بدل إيران التي تخيف الآخرين، وهذه أول زيارة يقوم بها مسؤول إيراني من هذا المستوى إلى باكستان منذ أن أنهت الضربات الأميركية نظام طالبان في أفغانستان المجاورة والتي كانت ممارساتها ضد الأقلية الشيعية المسماة بالهزارة مصدراً دائماً للتوتر بين البلدين، وربما كان الموقف مما جرى في أفغانستان بعد الحادي عشر من سبتمبر هو نقطة التحول الأساسية في هذه العلاقة بعد أن تحولت باكستان عن موقفها الحاضن والداعم لطالبان إلى الرديف الأول للولايات المتحدة في حربها هناك، كما تراجع الموقف العدائي من الطائفة الشيعية حتى داخل باكستان نفسها التي شهدت قبل بضع سنوات حوادث عنف عديدة استهدفت الشيعة الباكستانيين.

ولا يمكن أن تزور إسلام أباد إلا وتكون دلهي حاضرة في الأذهان، وهكذا أعلن خاتمي أنه سيواصل جهوده لحل الخلاف المزمن بين البلدين حول كشمير، وقد تبدو طهران وسيطاً معقولاً في هذا الصدد إذ رفضت على الدوام اللعب بورقة التضامن الإسلامي ولم تتورط لا في الماضي ولا في الحاضر في دعم المقاتلين الإسلاميين في كشمير مما قد يجعل منها وسيطاً يحظى بالثقة بين الجانبين، هذا كله شجع خاتمي على المضي قدماً في هذه الزيارة التي عكس فيها أيضاً رؤيته البراجماتية بعيداً عن المزايدات الكلامية التي دأب عليها قادة المنطقة، لهذا كان أهم ملف يحمله في حقيبته هو مشروع تزويد الهند بالغاز الطبيعي الإيراني ولإنجاز هذا الهدف لابد من تذليل عقبة الخلافات المستعصية بين الجارين اللدودين الهند وباكستان وهذه دونها أهوال إقليمية ودولية أبسطها أن واشنطن ستبذل كل ما في وسعها لإفشال أي مجهود يؤدي إلى تخفيف الحصار الاقتصادي الذي تفرضه على إيران، ولا تخفي واشنطن قلقها من أي تقارب إقليمي يتم بدون علمها أو شروطها أو مظلتها، فاللاعبون الصغار لا وجود لهم في هذه المنطقة المتفجرة والتي تحوم على بحيرات من الغاز السريع الاشتعال، ولكن تصميم الرئيس خاتمي يمضي إلى أبعد من التعاون الاقتصادي فقد خرج من زيارته بقرار آخر هو إجراء مناورات عسكرية مشتركة لدعم التعاون الدفاعي بين البلدين، وذلك خلال الأسابيع القليلة القادمة، العلاقات الإيرانية -الباكستانية خرجت من مرحلة التشنج وتحاول الدخول في مرحلة التعاون الوثيق وهذا كله يعتمد على قرارات قد لا تتخذ بالضرورة في طهران أو إسلام آباد.

انتخاب رئيس جمهورية جديد وانتصار للديمقراطية في كينيا

جميل عازر: عرش آخر من عروش التسلط في أفريقيا يتهاوى في نيروبي على عتبات مراكز التصويت، فأفول حقبة (دانيال أراب موي) يفك كينيا من عقال حزبٍ أو حزب (كانو) الذي ظل متربعاً على المسرح السياسي منذ نيل البلاد استقلالها عن التاج البريطاني قبل 39 عاماً، ولكن (مواي كيباكي) الرئيس الجديد المتوقع وزعيم الحزب الديمقراطي قد لا يجد متسعاً من الوقت للاحتفال طويلا بانتصاره في المعركة الانتخابية، فكينيا غارقة في مشاكل بل في أزمات اقتصادية وإدارية تتطلب من المجهود والإرادة السياسية ما يتجاوز الاعتبارات القبلية التي تعاني البلاد من تبعاتها.

دانيال أراب موي
تقرير/ حسن إبراهيم: انتخاب (مواي كيباكي) زعيم الحزب الديمقراطي الاتحادي رئيساً للجمهورية في كينيا قد يشكل انتصاراً للحركة الديمقراطية الكينية وأملاً في طي صفحة الفساد والرشوة التي استشرت على مدى ربع القرن الماضي، فدانيال أراب موي الذي تربَّع على سدة السلطة منذ الخامس عشر من أكتوبر عام 78 أدرك أنه لا يستطيع الاستمرار في احتكار السلطة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ بلاده، كينيا التي يعتزل (موي) قيادتها تركة ثقيلة لمن يخلفه على رئاستها فاقتصادها مرهق بالتضخم والبطالة والمجتمع تمزقه الأمراض من سوء التغذية وحتى الإيدز، والتضعضع الأمني الذي ليست أهم مظاهره تفجير فندق في ممباسا يقطنه إسرائيليون.

أما مؤسسات الدولة فقد استشرى فيها الفساد واحتكر حزب كانو الحاكم مرافق الحكم والاقتصاد في كينيا وأصبح من الممكن إطلاق اسم قبيلة دانيال أراب موي (الجوكويو) على الحكومة الكينية بل والطبقة السياسية في نيروبي، و هي أيضاً قبيلة (جوموكنياتا) أول رئيس كيني، وزعيم المعارضة مواي كيباكي، وهناك حوالي 42 مجموعة قبلية في كينيا تتكلم أكثر من ثلاثين لغة من السواحلية التي يتحدثها سكان المناطق الساحلية في الشرق إلى البنتاوية التي يتحدثها الجوكويو والأكامبا ثم اللغة النيلية التي يتحدثها الماساي والسامبورو والتركانا، لذا فقد كان الأمر الوحيد اللافت للانتباه أن مرشح حزب كانو (أهورو كنياتا) ابن بطل الاستقلال (جومو كنياتا) أدخل إنهاء القبلية ضمن برنامجه الانتخابي، لكن لم تكن هناك فرصة لفوز (أهورو كنياتا) الذي لا تتعدى خبرته السياسية بضعة أشهر قضاها نائباً للأمين العام لحزب كانو ثم وزير دولة في آخر حكومة لدانيال أراب موي، وكان شعار الاستقلال الذي يدعو إلى احترامه مواي كيباكي هو (هرام باي) أو الاعتماد على النفس الذي أطلقه زعيم حركة (الماوماو) وبطل الاستقلال جومو كنياتا، ويقول: إن موي حاد عن ذلك الطريق، رغم أن التعهد الذي أخذه على نفسه عام 78 كان (نيايو) أي اقتفاء خطوات الزعيم، وهو ما لم يحدث، فرغم العلاقات الوثيقة التي ربطت جوموكنياتا بالغرب فقد احتفظ لنفسه ولبلاده بمساحة من الاستقلالية لم يحافظ عليها دانيال أراب موي رغم أنه لم يبدِ امتعاضاً من الغرب إلا عندما ضغطت عليه بعض العواصم للتنحي، ولكن لابد أن يذكر لموي أنه أبقى على كينيا معافاة من الحروب الأهلية وحولها إلى مركز ثقل دبلوماسي أفريقي ففي نيروبي يلتقي فرقاء الصراعات الأفريقية من السودان والكونغو وحتى أنجولا وليبريا وسيراليون، وكينيا مقر لمنظمة الإيجاد أو المنظمة الحكومية لمقاومة الجفاف والتصحر، ويسجل له أيضاً أنه نأى ببلاده عن الصراعات الأفريقية التي تحتدم حولها وبينما تطوي كينيا صفحة موي فإنها لن تتخلص من هيمنة قبيلة الجوكويو التي يحكم أفراد منها البلاد منذ الاستقلال عام 63.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.