مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

24/08/2002

- تداعيات اتفاق ماشاكوس محليا وإقليميا
- رحيل أبو نضال وإغلاق صفحة فلسطينية دامية

- روسيا بين سندان الشيشان ومطرقة العلاقة مع محور الشر

- تداعي العلاقات الأميركية السعودية في ظل سحب الاستثمارات السعودية

- قمة الأرض في جوهانسبرغ والبحث عن تنمية من دون صناعة

جميل عازر: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه:

السودان ومقتضيات (ماشاكوس) وتبعاتها تحالفات جديدة داخلية وقلق مصري، فهل تستطيع جبهة السلام تحمل كل الضغوط؟

انتحر أم قتل سيان، أبو نضال ونهاية واحد من أكثر فصول القضية الفلسطينية دموية وإثارة للجدل.

والعلاقة بين الرياض وواشنطن هل من مبرر للتقليل من شأن دلالات سحب الاستثمارات السعودية.

تداعيات اتفاق ماشاكوس محليا وإقليميا

لم يشهد السودان حتى في أوج الحرب الأهلية والمواجهة بين نظام الحكم الحالي والمعارضة مثل هذا النشاط السياسي على الصعيدين المحلي والإقليمي، فالاتفاق الذي أبرمته الحكومة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان وما تبعه من مفاوضات في (ماشاكوس) اقتضى ترتيب الأوراق التي اتسمت بكثير من الارتباك، ولكن التحالفات الجديدة وارتباطها بماشاكوس تركت في الساحة وهوامشها مشاكل تتجاذب أو تتنافر في اتجاهات مختلفة إلى حد ينذر بأن نهاية الحرب قد لا تكون وشيكة بالقدر الذي يبدو عليه الأمر ظاهرياً، ولكن إذا أُريد النجاح في المسعى لابد من معالجة ملفات داخلية وخارجية لدرء غائلة الفشل.

عمر البشير وجون قرنق
تقرير/ حسن إبراهيم: المسرح السياسي السوداني يشهد تحركاً محموماً، خلط أوراقاً كثيرة ومسلمات تقليدية تكاد تخلق واقعاً جديداً في البلاد وإن يكن مجهول المآل، فهناك استئناف المفاوضات في بلدة ماشاكوس الكينية، وغضب مصر خوفاً من انفصال يبدو ممكنا في ظل تثبيت مبدأ تقرير المصير لجنوب السودان، ومكافأة الحكومة للجناح المنشق من حزب الأمة بحفنة من الحقائب الوزارية مع تعيين زعيم مجموعة الإصلاح والتجديد مبارك المهدي مساعداً لرئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية، واستخدام الرئيس عمر البشير صلاحياته وفق قانون الطوارئ لتجديد سجن الدكتور حسن الترابي، عرَّى بالنظام السابق وزعيم حركة المؤتمر الشعبي الوطني ثم نفي وزير الخارجية السوداني أن الرئيس قد هدد برفع قضية مثلث حلايب إلى مجلس الأمن الدولي، وللتعامل مع هذه الأحداث لابد من فهمها من منطق المحاور التي تؤثر على السياسة السودانية.

أولاً: محور الحرب الأهلية والمفاوضات التي تجرى في ماشاكوس بضغط أميركي -أوروبي لإنهاء الحرب تحت مظلة المنظمة الحكومية لمكافحة الجفاف والتصحر الإيجاد.

ثانيا: الضغط الذي تمثله المعارضة السودانية الشمالية المنضوية تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي والذي تحتج على استثنائها من مفاوضات ماشاكوس.

ثالثاً: الضغط الذي يمكن أن تمارسه مصر مستقبلا لتخوفها من عواقب انفصال جنوب السودان على سياسات مياه النيل ويزيد الأمور تعقيداً التلويح بقضية مثلث حلايب.

رابعا: الخطر الذي يمثله تجاهل نفوذ الدكتور حسن الترابي، رغم وجوده رهن الاعتقال المنزلي خاصة في أوساط كتائب الدفاع الشعبي وفي أوساط المثقفين الإسلاميين.

خامساً: خطر تفتت الحزبين الطائفيين الكبيرين: الأمة والاتحاد الديمقراطي، والذي قد يؤدي إلى حرب أهلية أخرى قد تكون أشد وطأة على البلاد من حرب الجنوب.

لكن هذه الأخطار قد تبدو أقل في حجمها بالنسبة للحكومة نظراً للدعم الأميركي الكبير الذي تتلقاه بعد تعاونها الفعال في ملف أسامة بن لادن والحركات الإسلامية الأصولية، وتعتقد الحكومة كذلك أن النفط الذي بدأ يتدفق بكميات تجارية سيخلق واقعاً يدفع الدول الكبرى إلى دعم استقلال السودان ووحدته، هذا إذا كان للواقع السوداني أن يخرج استعصائه على الحلول الخارجية، فهناك مسائل أساسية تفصل ما بين العقلية التي تحكم قادة الحكومة التي مازالت تبشر بمشروعها الحضاري الإسلامي وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان، وحتى التنازل الذي قدمته الحكومة من حيث تعدد المرجعيات لحكم الأقاليم السودانية لن يحل الأزمة، فلن تستطيع أي حكومة سودانية ترحيل ملايين الجنوبيين الذين نزحوا إلى الشمال إبان الحرب الأصلية إلى مناطقهم بدون ضمانات لهم بعيش كريم يوازي أو يفوق ما يتلقونه من المفاوضية العليا لشؤون اللاجئين وربما لن يبقى في جعبة الحكومة ما تقدمه من تنازلات كما فعلت مع مجموعة مبارك المهدي للأحزاب الأخرى التي قد تتصالح معها، ثم ماذا سيكون موقفها تجاه الدكتور الترابي وحزبه؟ أسئلة شائكة ومآزق يبدو الخروج منها شبه مستحيل في ظل المعطيات الحالية.

جميل عازر: ونتابع هذه القضية ومعنا من لندن المحبوب عبد السلام (مسؤول الإعلام الخارجي في تنظيم المؤتمر الشعبي الوطني) أستاذ محبوب بداية أسألك هل المؤتمر الشعبي يعني موافق على مبادئ اتفاقات ماشاكوس.

المحبوب عبد السلام: واقع الأمر أن عملية السلام الذي تجرى الآن.. تجري الآن في ماشاكوس قد بدأته قيادات المؤتمر الشعبي منذ أن كانت في المعارضة القديمة، وعندما جاءت إلى الإنقاذ بدأت المفاوضات السلام وبدأت حلول السلام، قيادات هي الموجودة الآن في صف المؤتمر الشعبي، وكانت أول بوادر السلام اتفاقية فرانكفورت ثم اتفاقية الخرطوم للسلام التي خانتها هذه الحكومة أيما خيانة، واضطرت في النهاية إلى أن تفقد الدكتور (إيرك مشاور) أن يعود إلى صفوف الحركة الشعبية، فنحن مع هذا الخط للسلام ولكن نريد لهذا السلام أن يكون شاملا وأن يكون عادلا وأن يكون ديمقراطياً، الموضوع الذي تفرضه الحكومة..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب إن كانت.. إن كانت لديكم.. إن كانت لديكم مآخذ ما هي أهم هذه المآخذ على ما تم الاتفاق عليه حتى الآن؟

المحبوب عبد السلام: الحكومة تنظر إلى هذه العملية عملية استقرار السودان واطمئنان جنوبه وشماله لأنها قسمة سلطة بينها وبين الحركة الشعبية، وبينما تطالب الحركة الشعبية بأن تدخل كل القوى السياسية إلى عملية السلام وإلى عملية التفاوض تصر الحكومة إلى أن تعتبرها قسمة مناصب حتى تبقى ست سنوات أخرى ولو انتهت بذهاب الجنوب، مأخذنا الرئيسي هو أن تبسط هذه الفرصة لكل القوى السياسية حتى يطمئن الناس إلى سلام مستمر، لأن هذا الذي حدث في أديس أبابا انهار السلام بسبب غياب الديمقراطية وانهارت اتفاقية الخرطوم للسلام بسبب خيانة ديكتاتورية هذه السلطة، فلا ضمان إلا بمشاركة القوى السياسية كلها في هذه العملية، هذه هو المأخذ الرئيس الكبير.

جميل عازر: طيب، بالنسبة للمؤتمر الشعبي، ما هو الطرح الذي يمكن أن تأتوا به إلى مفاوضات ماشاكوس مع بقية جماعات المعارضة؟

المحبوب عبد السلام: الأردية الذي ترتديها الحكومة الآن هي أردية المؤتمر الشعبي وهي أطروحات الدكتور الترابي واجتهاداته، فهي تطرح اليوم مواطنة وتطرح حقاً لتقرير المصير حتى يلتقي السودان كله مواطنة وطوعاً، هذه كانت أفكار الدكتور الترابي واجتهاداته حتى في إطار الحركة الإسلامية العالمية، فنحن نطرح بيننا وبين كل القوى السودانية هو عهد ديمقراطي سلمي نتداول فيه السلطة ديمقراطياً ونلتقي فيه على حرية وشورى مبسوطة لكل الشعب.

جميل عازر: طيب، إذا كان هذا هو الموقف فعلاً، ما هو تفسيرك للمخاوف التي يبديها الرئيس البشير من.. عن طريق تمديده لاعتقال الدكتور حسن الترابي؟

المحبوب عبد السلام: الرئيس البشير وحكومته الآن سكارى بنصر زائف، وهو يعتقد أن الترابي في هذه الفرصة التي وضع يده مع يد أميركا أن يلقيه إلى الأبد، لان الترابي يدعو إلى حكم اتحادي حقيقي، ويدو إلى حريات، ويدعو إلى ديمقراطية، ويدعو إلى شريعة إسلامية ليست الحدود الخمسة التي جاء بها النويري وعطلتها الإنقاذ، ولكن شريعة سلطانية تحترم حقوق الإنسان وتحترم الشورى، هذه هي الشريعة التي يدعو إليها الدكتور الترابي ولا يتخلى عنها، وهي التي تخيف الرئيس البشير وعصابته التي تريد أن تبقى في.. في السلطة إلى الأبد.

جميل عازر: طيب ألا تعتقد أن السيد الترابي يعني أخطأ الحسابات والتقديرات عندما حاول الالتفاف على البشير بإجراء أو بالتوصل إلى اتفاق مبادئ مع المعارضة؟

المحبوب عبد السلام: واقع الأمر أن مذكرة التفاهم أثارت غيرة الحكومة وحنقها وغضبها، لأنها فشلت في أن تصل إلى أي اتفاق مرة بعد مرة، فمذكرة التفاهم كانت جهداً سودانياً خالصاً لم تطأ علينا يد أميركية أو غيرها، ولكن ابتغينا مباشرة سودانيين وتباحثنا وتوصلنا إلى هذا الاتفاق مثلما توصل مبارك الفاضل الذي يجلس الآن مع البشير في السلطة ومن قبل.. قبل أشهر.. بضع أشهر أشار إلى أن اتفاقاته كلها ماضية مع الحركة الشعبية، فما هي إلا حيلة، لم يكن بين البشير والترابي صراع سلطة، ولكن صراع حول الحريات وحول الحكم الاتحادي وحول خيانة اتفاقية الخرطوم للسلام، وهي في غالبها مختصة بالشأن الجنوبي وعزله وسلامه.

رحيل أبو نضال وإغلاق صفحة فلسطينية دامية

جميل عازر: المحبوب عبد السلام في لندن، شكراً جزيلا لك.

لم تكن المرة الأولى التي تم فيها الإعلان عن موت رجل أرَّق أنظمة حكم ودول عديدة عقودا من الزمن، فقد سبق الإعلان عن مقتل أو وفاة صبري البنا، أبو نضال بضع مرات، ولكن لم يكن منها أكثر دقة ودلالة مما حدث في بغداد وتأكد الآن، ولعل في قيام (نائب رئيس الوزراء) العراقي طارق عزيز وليس مسؤولاً أقل منه شأناً بالإعلان عن انتحار أبو نضال دليلاً على أن هذا المناضل في رأي القلة والإرهابي في نظر الأغلبية كان شخصية تدخل في حسابات ومخططات أطراف كثيرة بحيث أصبح أداة لتصفية حسابات وتدور حول انتمائها الشبهات.

أبونضال صبري البنا
تقرير/ سمير خضر: في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تشن حملة سياسية واقتصادية وعسكرية ضد ما تعتبره إرهاباً لم تكن شوارع بغداد تعرف أنها تحتضن واحداً من أخطر الرجال الذين عرفهم الشرق الأوسط، اكتشف العراقيون والعالم معهم أن أبو نضال قد ودع الحياة في بغداد، وانبرى مدير المخابرات العراقي يشرح للصحفيين حيثيات مصرع صبري البنا في الوقت الذي كانت تكثر فيه الروايات.

انتحار وفقا للرواية الرسمية العراقية واغتيال بحسب بعض النصار واتباع هذا الرجل الذي اقترن اسمه بالعديد من عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية والعمليات الإرهابية وأيا كانت الحقيقة حول مصرعه فإن أبو نضال لم يجد كثيرين يبكون على فراقه سوى ذويه.

انشق صبري البنا عن حركة فتح في مطلع السبعينات بسبب اتهامه لياسر عرفات بالابتعاد عن جوهر حرب التحرير الفلسطينية وسرعان ما قاد هذا الانشقاق إلى شقاق تحول مع الأيام إلى حرب فلسطينية.. فلسطينية اختار أبو نضال شنها على الآخرين، وبدأت بعدها تتوالى عمليات تصفية العديد من الرموز الفلسطينية على أيدي جماعة أبو نضال ناهيك عن تبني الحركة لسلسلة من العمليات ضد أهداف عربية ودولية في شتى أنحاء العالم، وبدأت بعض الفصائل الفلسطينية تشكك في انتماءات وولاءات صبري البنا، وغالباً ما كان التساؤل يدور حول سبب عدم قيام جماعة أبو نضال بأي عملية ضد أهداف إسرائيلية داخل إسرائيل وتركيزها على استهداف قيادات فلسطينية عجزت إسرائيل نفسها عن النيل منها، ولم يستبعد البعض أن تكون بعض عناصر هذا التنظيم قد تم تجنيدها لحساب الاستخبارات الإسرائيلية، فمعظم العمليات كانت ترتد سلبا على مجمل القضية الفلسطينية، الأمر الذي أكسب الفلسطينية عداوات أكثر مما أكسبهم صداقات، رغم أن الظاهر كان ارتهان أبو نضال لأنظمة عربية لم يكن يجمع بين مواقفها إلا القليل كالعراق وسوريا وليبيا، وكان يبدل ولاءاته بسرعة كبيرة جعلت البعض يعتبره مجرد قاتل مأجور لمن يدفع أكثر.

رحل صبري البنا ورحلت معه صفحة من التاريخ العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص، صفحة يود الكثيرون نسيانها أو تناسيها عن قصد أو دون قصد.

رحل صبري البنا بعد أن ساهم في إراقة الدم الفلسطيني الخائن من وجهة نظره، ولكن هل هناك من سيحمل راية أبو نضال ليكمل المشوار؟!

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل هذه الجولة وإياكم في (الملف الأسبوعي)، وفيه أيضاً بعد فاصل:

موسكو والتعاون مع أركان محور الشر الثلاثة عفوية في حماية مصالح آنية أم استراتيجية لإثبات وجود مقابل الهيمنة الأميركية.

[فاصل إعلاني]

روسيا بين مطرقة الشيشان وسندان العلاقة مع محور الشر

جميل عازر: وإلى روسيا التي وجدت نفسها إن شاءت أم أبت بين مطرقة الشيشان وسندان العلاقة مع ثلاثي محور الشر، فإسقاط المقاتلين الشيشان مروحية عسكرية ومقتل عشرات ممن كانوا على متنها صفعة مذهلة للقيادتين العسكرية والسياسية في موسكو، وجاء الإعلان عن صفقة ضخمة طويلة الأجل بين روسيا والعراق مع المحادثات بين الرئيس الروسي والرئيس الكوري الشمالي في أعقاب الإعلان عن توثيق التعاون في مجال الطاقة النووية ليس أقل بين موسكو وطهران ليخلط بين مكافحة الإرهاب بالتعريف الروسي في الشيشان والتعاون مع أركان محور الشر بالتعريف الأميركي.

تقرير/ أكرم خزام: بين الإعلان عن صفقة مع العراق تبلغ قيمتها 40 مليار دولار وما تعرضت له القوات الروسية في الشيشان إثر سقوط طائرة مروحية ومقتل العشرات مع العسكريين الورس قصة تعكس نجاحاً لروسيا على الصعيد الخارجي من جهة وإخفاقاً مريعا على الصعيد الداخلي من جهة ثانية.

الإعلان عن الصفقة جاء في وقت تستعر فيه حمى التهديدات الأميركية بضرب العراق ما يعني سياسياً إصرار الروس على توطيد علاقتهم مع بغداد التي تأمل أن يكون لها سند قوي في مجلس الأمن الدولي يمنع الموافقة على الضربة الأميركية في حال عُرِضَت القضية داخل أروقته، الإعلان عن الصفقة رسالة واضحة للولايات المتحدة تفيد بأن روسيا لن ترضخ للمطالب الأميركية الرامية إلى وقف التعاون الروسي العراقي والروسي الإيراني بالرغم من المصاعب التي تمر بها وخاصة ما يتعلق بإخفاقها في حل قضية و.. الشيشان، الدليل الأوضح على الإخفاق تمثل بالخسارة التي تعرضت لها القوات الفيدرالية في وضح النهار بالقرب من العاصمة جروزني، وهي الأعنف منذ بدء الحرب الثانية في الشيشان خريف عام 99، وهي رسالة إلى (فلاديمير بوتين) الذي وعد شعبه بالقضاء السريع على ما تصفهم موسكو بالإرهابيين في الشيشان، رسالة مفادها أن الأساليب العسكرية فقدت مصداقيتها في حل أعقد قضية تواجهها روسيا وأن الحلول السياسية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار (أصلان مسخادوف) كممثل لقطاع هام من الشعب الشيشاني بغض النظر عن صحة الاتهامات بارتباطه أو عدم ارتباطه بما تسميه موسكو الإرهاب.

المأزق الحاصل في الشيشان يتمثل بإصرار العسكريين الروس على البقاء هناك بحجة صيانة الدستور من وجهة نظرهم وبحجة تكديس الأموال الناتجة عن تبييض العملات والاتجار بالنفط عبر السوق السوداء من وجهة نظر المراقبين.

عدم التناسب بين نجاحات روسيا على الصعيد الخارجي وإخفاقها على الصعيد الداخلي ناتج عن غياب استراتيجية ترسم بدقة جدل العلاقة بين السياستين الخارجية والداخلية، هذا الغياب الذي يعكس استمرار الصراع بين أجنحة في السلطة على تقاسم مراكز النفوذ الاقتصادي في الشيشان وغيرها من الجمهوريات الداخلة في قوام روسيا الاتحادية.

أكرم خزام -(الجزيرة)- برنامج (الملف الأسبوعي)- موسكو.

جميل عازر: وللتعليق على سياسة موسكو تجاه ما تسميها واشنطن بدول محور الشر معنا على الهاتف (فيتشيسلاف ماتوزوف) المحلل السياسي أستاذ (ماتوزوف) بداية يبدو أن التعاون بين روسيا وبين إيران وكذلك العراق ثم كوريا الشمالية وكأنه تحدٍ متعمد لواشنطن، ما هي في اعتقادك الدوافع لواشنطن، ما هي في اعتقادك الدوافع الرئيسية وراء هذه الخطوات الروسية؟

فيتشيسلاف ماتوزوف: الدوافع الأساسية كما يبدو من موسكو أنه موقف صحيح تجاه إيران علاقات ودية مع إيران، تطوير علاقات مع كوريا الشمالية واللقاء الأخير سيد بوتين مع (كيم شين أير) وكذلك العقد.. المعاهدة الجديدة والعقد الجديد مع العراق 40 مليار دولار كل هذا دليل واضح أنه روسيا تمارس سياسة تعتمد على المصالح الروسية، ولا.. هذا نوع من التحدي لأميركا، أنا لا أتصور أن روسيا اليوم يتحدى أميركا بشكل جدي، ولكن هي تسجل الموقف مستقل، موقف التي تنعكس المصالح الروسية، ولا...

جميل عازر [مقاطعاً]: طب، هل تعتقد أستاذ ماتيزوف هل تعتقد بأن روسيا ممكن أن تقوم بدور الوسيط بين واشنطن وهذه الدول الثلاث الموصوفة بمحور الشر؟

فيتشيسلاف ماتوزوف: هكذا يفسرون اليوم طبيعة العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية، وبعض المعلقين السياسيين في موسكو يعتبرون أنه روسيا يقوم بعلاقات مع كيم شين أير على أساس أنها سوف يكون الوسيط الأساسي في علاقات بين كوريا الشمالية وبين الدول الغربية، مع أميركا قبل كل شيء، وهذا الدور يعطي الوزن السياسي في المستقبل على الصعيد العالمي...

جميل عازر [مقاطعاً]: طب إذا أخذنا أستاذ مايتوزوف إذا أخذنا فلسفة الرئيس الأميركي في الوقت الراهن "من ليس معنا فهو ضدنا"، يعني هل تعتقد أن هذا التوجه الروسي يمكن أن يؤثر على العلاقات المباشرة بين موسكو وواشنطن؟

فيتشيسلاف ماتوزوف: لا شك أنه هذه موقف روسي من كما يسمى هذا محور الشر هو يؤثر على علاقات روسيا الأميركية، ولكن الروسيا اليوم تختلف عن روسيا من 5 أو 10 سنوات منذ 5 أو 10 سنوات، اليوم روسيا تسمح نفسها من الناحية الاقتصادية، من الناحية العسكرية أن يمارس أقل.. مش مرتبطة مع الخط الأميركي 100%، ولذلك هذا لا يعجب السياسة الأميركية، لا شك، ولكن القيادة الروسية مصممة بإقامة علاقات طيبة مع العراق مثلاً، والشركات الروسية الكبرى اليوم يهيئون برامج العمل في العراق ويحضرون خطوات واقعية ليلتقي مع الشركات العراقية، ومع حكومة العراق.

جميل عازر: فيتشيسلاف ماتوزوف في موسكو شكراً جزيلاً لك.

تداعي العلاقات الأميركية السعودية
في ظل سحب الاستثمارات السعودية

لم يكن من قبيل المفاجأة الكشف عن وجود استثمارات للسعوديين أفراداً ومؤسسات في الاقتصاد الأميركي، ولكن المفاجأة كانت في حجم تلك الاستثمارات التي تقدر بمئات مليارات الدولارات، غير أن أهم تطور في العلاقة بين واشنطن والرياض منذ الحادي عشر من سبتمبر الماضي ليس ما قيل عن سحب بعض من تلك الاستثمارات بل ما يبدو واضحاً أنها لم تعد كما كانت عليه من ود وثقة، متبادلة مهما بلغ النفي لترديها أو المبالغة في قوة عراها، فالانفصام الذي اعتراها منذ بداية الحملة الرسمية في الكونجرس ضد المملكة، وحتى التسريبات البحثية من البنتاجون التي تعتبر السعودية عدواً لواشنطن لا يمكن بل ولا يجوز التستر عليه.

تقرير/ سمير خضر: لم تعد الابتسامة هي الابتسامة، ولم تعد الحميمية إلى سابق عهدها، فما فات مات وما يموت لا يعود، سبعون عام من العلاقات المميزة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ذهبت هباءً في غضون أقل من عام، فأحداث الحادي عشر من سبتمبر لم تشكل كما كانت تأمل الرياض سحابة صيف عابرة، بل شتاء قارساً، والأصوات التي بدأت تتعالى في واشنطن ضد السعودية لم تكن زوبعة في فنجان، فالفنجان قد انكسر وتفتت إلى أشلاء، وبدأت الكثير من الحقائق تتكشف أمام صانع القرار السعودي الذي بات اليوم موقناً ولو على مضض بأن اليمين المسيحي المتشدد الذي يهيمن حالياً على السياسة الأميركية لن يكل ولن يمل قبل أن يقضي على كل ما تبقى، وإذا كانت بداية النهاية قد تجلت بإتهامات بتمويل التطرف الديني والإرهاب، مروراً بغياب الديمقراطية والحرية وانتهاك حقوق الإنسان فإن بيت القصيد بدأ اليوم يتضح وأصبح الهدف جلياً فقد اكتشف العالم أن أموالاً طائلة يملكها أفراد سعوديون تستمثر منذ سنوات طويلة في الاقتصاد الأميركي، لا أحد يعرف بالضبط حجم تلك الأموال، فالتقديرات تتراوح بين 400 و800 مليار دولار معظمها لأفراد من القطاع الخاص، هذه الثروة أصبحت اليوم محط أنظار كثير من الطامعين، وبدات تخرج دعوات أميركية لوضع اليد عليها بشكل قانوني كخطوة أولى نحو ما يسميه المتطرفون في واشنطن تجفيف المنابع المالية للإرهاب.

وكان من الطبيعي أن يفكر بعض المستثمرين السعوديين في سحب ودائعهم واستثماراتهم قبل فوات الأوان، وإن كان مثل هذا التحرك لا يزالون خجولاً خاصة مع إحجام كبار المستثمرين من أمثال الوليد بن طلال عن اتخاذ خطوة قد تفسر في واشنطن بأنها إعلان الحرب، وبالتالي قد تعجل بالمحتوم.

الاقتصاد الأميركي لا يمكنه في حالته الراهنة تحمل عبء مالي جديد يتمثل في تسرب مليارات الدولارات إلى الخارج، لكن الواضح الحرب المالية قد بدأت بالفعل ربما بتشجيع وتأييد ضمني من الأسواق التي سترحل إليها هذه الرساميل الضخمة.

قمة الأرض في جوهانسبرغ
والبحث عن تنمية من دون صناعة

جميل عازر: والآن هل من تنمية من دون صناعة؟ هذا السؤال هو محور النقاش الذي ستشهده قمة الأرض الثانية في جوهانسبرغ، وقد لا تكون الإجابة الصريحة عليه صعبة في عصر العولمة، ولكن الصناعة ومتطلباتها وتداعياتها من جهة ومقتضيات حماية البيئة من جهة ثانية متناقضان يستحيل التوفيق بينهما لتصبح التنمية مفهوماً مفرغاً من أي معنىً في ظل الاستهتار الحالي لمقدرات الكوكب المغلوب على أمره.

أبي بيخاتلي بجانب سفيان التل كبير مستشاري البيئة في جوهانسبرغ
تقرير/ حسن إبراهيم: بينما تغمر الفيضانات المدمرة أجزاءً واسعة من جنوب آسيا والصين وأوروبا يجتمع آلاف من قيادي ونشطاء العالم في جوهانسبرغ لبحث قضايا أساسية تهم مستقبل الحياة في الكرة الأرضية ومن غير المحتمل بالطبع أن تُبحث القضايا الأساسية بمعزل عن المشاكل السياسية والاقتصادية التي تسيطر على عالمنا، فتجد قضايا البيئة هدف صعب المنال إن لم يكن مستحيلاً، لكن لغة الأرقام مفزعة للغاية، فتوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن كثيراً من الكوارث البيئية والمناخية متعلقة بالأنماط المعيشية.

ظاهرة الانحباس الحراري خرجت من أروقة المؤتمرات لتصبح واقعاً نعيشه فمن الثابت أن انبعاث ثاني أكسيد الكربون بالمعدلات الحالية يتسبب في رفع معدل حرارة جو الأرض، ومع هذا الارتفاع بدأت تبرز مظاهر لم تكن مألوفة في نمط التقلبات المناخية مثل ذوبان مساحات كبيرة من جليد المنطقتين القطبيتين والتحول فيما تعرف بظاهرة النينيو في المحيط الهادي ليؤثر على مسار الرياح التجارية وعلى التيارات البحرية، ونتيجة لذلك ارتفع مستوى مياه المحيطات وأصيبت مناطق بالجفاف بينما تعرضت أخرى لأمطار غزيرة تسببت في فيضانات مدمرة، وقد تكررت هذه الظاهرة بشكل متزايد منذ أواسط الستينات مع ازدياد النشاط الصناعي والغابات في الكثير من مناطق العالم، في بنجلاديش والهند وغيرهما من دول جنوب وجنوب شرقي آسيا والآن في أوروبا وقطع الأشجار لاستخدام أخشابها صناعة الورق أو للوقود أو في صناعة البناء والأثاث أو لتحويل الغابات إلى مزارع، يعتبر عاملاً رئيسياً في ظاهرة التصحر في إفريقيا على سبيل المثال، ورغم أن أبشع الأمثلة على ذلك يحدث في أفقر دول النصف الغربي من الكرة الغربية، فإن اتفاقية (كيوتو) التي رفضت إدارة الرئيس الأميركي (جورج بوش) التصديق عليها تشير بأصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة والعالم الغربي بالمسؤولية عن معظم التلوث الصناعي ومسبباته عالمياً.

ولكن رفض الإدارة الأميركية الحالية لاتفاقية أقرتها الإدارة السابقة إنما يعود إلى اعتبارات داخلية قصيرة النظر، خاصة مع ازدياد البراهين على أن النشاط الصناعي هو المسؤول بالدرجة الأولى عما يحدث من تلوث في مناخ الأرض، والولايات المتحدة هي أكبر مصدر للتلوث وتعتبر من المناطق المتضررة كثيراً من فيضان نهري الميسيسبي وكولورادو كنتيجة مباشرة للتقلبات المناخية الشديدة، وفي ظل هذا التناقض، كيف يمكن وضع أسس للتنمية المستديمة في العالم؟ فالفقر والجوع والجهل والمرض والحروب وتراكم الديون ستظل عوائق أساسية أمام أي خطة تنموية ولابد للعالم الغربي الصناعي من الانتباه إلى مدى الكارثة واتخاذ خطوات إيجابية من شأنها تشجيع الدول الأخرى على السير في نهج الإصلاحات المطلوبة لتوفير مناخ حاثثٍ على التنمية.

جميل عازر: وبهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي)، نذكر حضراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.