مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

01/06/2002

- إجراء انتخابات تشريعية في الجزائر واستفتاء في تونس لتعديل بعض مواد الدستور
- احتمالات حرب هندية باكستانية

- استمرار اجتياح إسرائيل لأراضي السلطة الفلسطينية

- استمرار أزمة لوكربي بين ليبيا والغرب

جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه:

الجزائر والعيش مع نتيجة انتخابات قاطعها نصف عدد الناخبين، فما هي التبعات؟

تونس والاستفتاء على تعديل الدستور، هل هناك أكثر من هدف التمديد للرئيس؟

وباكستان والهند هل تجدي الضغوط الدولية في حملهما على ضبط النفس، أم أول حرب بين دولتين نوويتين أصبحت قاب قوسين؟

إجراء انتخابات تشريعية في الجزائر
واستفتاء في تونس لتعديل مواد الدستور

جرت الانتخابات التشريعية في الجزائر وخرج فيها حزب جبهة التحرير الوطني منتصراً بحصوله على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان الجديد، ولعل في هذا الانتصار أكثر من مدلول عندما نتذكر أن الجبهة احتكرت الحكم طوال ثلاثين عاماً فيما كان نظام الحزب الواحد الذي يعتبر مسؤولاً إلى حد كبير عما تمر به الجزائر من مآسي في الوقت الراهن، ولكن رغم أي تبدل يمكن أن يكون قد طرأ على رؤى الحزب السياسية وقبوله بمبدأ التعددية فإن أطراف المسرح السياسي الجزائري كلها لم تقبل بمقتضيات اللعبة الديمقراطية التي تحتاج إلى تضحيات لم تتوفر دلائل حتى الآن على الاستعداد لتقديمها.

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يدلي بصوته
تقرير/ جيان اليعقوبي: لماذا عليَّ أن أصوت وما الذي سيتغير في الأمر؟ هذا ما صرح به أكثر من شاب أمام وسائل الإعلام الأجنبية التي تابعت الانتخابات الأخيرة في الجزائر وهناك قطاعات كبيرة في الجزائر تشاطر هذا الشاب رأيه في انتخابات وصفها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بأنها مسألة حياة أو موت وأنها ستمنح الجزائريين الفرصة لتقرير صورة المستقبل عبر البرلمان الجديد، ولكن لابد أن يكون لثلاثة ملايين عاطل في بلد غني بموارده الطبيعية رأي آخر، أضف إلى ذلك مائة ألف قتيل وعدد آخر من الجرحى والمفقودين هم حصيلة حرب أهلية غير معلنة مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، وانضمت إليهم تنسيقية العروش التي تعبر عن موقف فئة كبيرة من أبناء منطقة القبايل الذين قاطعوا الانتخابات منضمة بذلك إلى حزبين قويين معارضين لهما نفوذ واسع في أوساط القبائلين وهما جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، ولا تشير نتيجة الانتخابات إلى أن أي معسكر قد تراجع عن موقفه، فالقابضون على جمرة الحكم من المؤسسة العسكرية يبدو أنهم مازالوا على ظنهم من أن إعادة ترتيب أوراق اللعبة الانتخابية بين جبهة التحرير الوطني –وهو حزب شاخ وترهل ومازال يحتكر السلطة منذ نحو أربعة عقود- وبين حزب رأي النور بولادة قيصرية وهو التجمع الوطني الديمقراطي تستطيع أن تحل الأزمة، وبالفعل تقاسم هذان الحزبان معظم مقاعد البرلمان الجديد مضافاً لهما حزبان إسلاميان يحاولان أن يكونا البديل عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ واللذان احتلا المرتبتين الثالثة والرابعة لعزوف الشباب عن تأييدهما وامتناع الحكومة عن توفير ما ينبغي لهما من دعم وتشجيع، وهكذا ستجد الجزائر نفسها وقد عادت من جديد إلى المربع الأول فاللعبة الديمقراطية- إن صح التعبير- تتطلب أكثر من وعود بإجراء تغييرات وتحتاج إلى تضحيات يبدو أنها لا تدخل في اعتبارات القائمين على استمرار الوضع الراهن.

جميل عازر: وقد يكون استمرار الوضع الراهن عنواناً لاستفتاء الذي جرى في جارة الجزائر إذا أدلى –وفقاً للأرقام الرسمية- 95% من الناخبين التونسيين بأصواتهم في استفتاء وافقوا فيه كلهم تقريباً على تعديل حوالي نصف مواد الدستور، ولعل أبرز التعديلات ما يتيح لرئيس الجمهورية الترشيح لولايات متعددة إلى أن يبلغ من العمر 75 عاماً، ولا حاجة لتفسير المدلول، فالدستور الذي كان يحظر ذلك تعدل بحيث يفسح المجال أمام استمرار الرئيس زين العابدين بن علي في الترشح حتى يبلغ تلك السن في عام 2012 والسوابق تشير إلى أنه سينجح في كل مرة.

تقرير/حسن إبراهيم: أول استفتاء تونسي ونسبة تفوق 99% يمنحان الرئيس بن علي فرصة البقاء في الرئاسة ولايتين آخريين على الأقل، وما بين إصرار الحكومة على نزاهة التصويت واتهامات من المعارضة بالتزوير يبقى المواطن التونسي حائراً، ورغم أن عملية الاستفتاء غريبة على المسرح السياسي التونسي ولا يوجد فيها متنافسون، فإن للأرقام الرسمية حول التصويت دلالات ليس على صدقية النتائج فحسب، بل وعلى الغاية الرئيسية من وراء التعديلات الدستورية، تشير الأرقام الرسمية إلى أن 95% من الناخبين البالغ عددهم حوالي ثلاثة ملايين وستمائة ألف أدلوا بأصواتهم، وهذه نسبة عالية بأي مقياس، أما أن يكون 99.52% منهم قد صوتوا بالموافقة على تعديل 38 مادة من مواد الدستور الـ 78 فهذا إنجاز لا يضاهي، وينفي بالكامل تقريباً وجود أي معارضة، وبالطبع تتضمن التعديلات رفع سن شاغلي منصب الرئاسة من 70 إلى 75 عاماً وهذا يعني أن بإمكان الرئيس زين العابدين بن علي البقاء في الحكم حتى عام 2014 بعد أن يكون قد بلغ الخامسة والسبعين من العمر، وإذا كان مقرراً أن يتقاعد بعد انتهاء فترته الرئاسية الحالية في عام 2004 لا يمكن في الظروف الراهنة إلا اعتبار التعديلات بأنها تخدم هدفاً أوحد، أما وقد انتقدت منظمات حقوق الإنسان مراراً سجل السلطات التونسية في مجال حقوق الإنسان في عهد بن علي، منذ استحواذه على الرئاسة عام 1987 عندما نحى المجاهد التونسي الأكبر الرئيس الحبيب بورقيبة فإن هناك من يشيرون إلى إنجازات اقتصادية خلال الـ15 عاماً الماضية، وقد يقول قائل: إن هذا قد يشفع للرئيس بن علي، لكن من غير المتوقع أن يقبل المعارضون بحجة من هذا القبيل، فما لم يتم تنفيذ الوعود بتحسين سجل حقوق الإنسان في تونس، فإن التعديلات على الدستور –حتى وإن صدقت نتائج الاستفتاء عليها- لن تكون سوى إجراء شكلي.

جميل عازر: إذن تعديلات دستورية في تونس صادق عليها الناخبون بأغلبية ربما لم يسبق لها مثيل في أي استفتاء آخر، ومجلس تشريعي جديد سيكون منقوصاً بسبب مقاطعة القبائل للانتخابات في الجزائر.

وينضم إلينا من باريس المحلل السياسي الدكتور عمر الطاهر أحمد، دكتور عمر كيف يمكن أن نصنف الاستفتاء التونسي والانتخابات الجزائرية في إطار العمل أو في إطار مفهوم العمل الديمقراطي؟

د.عمر الطاهر أحمد: يمكن أن يُصنف الأمران بكل، على حدة، أولاً: فيما يتعلق بالاستفتاء التونسي الواقع أُثيرت زوبعة من قبل المعارضة التونسية حول ثلاث بنود فقط من هذا الاستفتاء وهي البنود الخاصة بتمديد في عمر المرشح لرئاسة الجمهورية، والبند الخاص بحماية الرئيس خلال فترة ممارسته وبعد نهاية هذه الفترة، البند الثالث وفيما.. هما البندان الرئيسيان يعني، وفيما يتعلق أيضاً بإمكانية الترشح لعدة مرات أكثر من مرتين كما كان سابقاً معمول به، كان بإمكان البرلمان التونسي أن يصوت –لو كان الأمر يتعلق فقط بهذه القضايا- كان بإمكان البرلمان التونسي أن يصوت على تغيير هذه البنود الثلاثة وانتهى الأمر والأمر دستورياً، لكن الإرادة التي تبدو من خلال هذا العمل تتجه إلى منح تونس إمكانيات أكبر لتنمية مسارها ديمقراطياً، طبعاً هذا كلام فيه.. بالنسبة للمعارضون لا يوافقون عليه، لأنه يبين إلى أي حد هم مُهمشون والوسيلة الوحيدية التي لديهم هي لمقاومة.. لمقاومة.. للقيام بمعارضة، هي البحث أو الاستمرار في تصعيد عملية الدفاع عن حقوق الإنسان، الاستفتاء في تونس جاء..

جميل عازر [مقاطعاً]: بالنسبة للانتخابات.. للانتخابات الجزائرية الأمر يختلف عن.. عما هو بالنسبة للاستفتاء في تونس.

د.عمر الطاهر: بالجزائر الأمر يختلف، فيما يتعلق بالجزائر هناك.. يختلف الوضع أيضاً عن تونس، لأنه إذا أردنا أن نتكلم في العمق فإننا نستطيع أن نقول أشياء كثيرة، لكن فيما يتعلق بالجزائر، هذه الانتخابات هي إلى حد بعيد انتخابات شفافة، وقد جاءت بمبادرة من الرئيس بوتفليقة سعياً لمقاومة حصار المؤسسة العسكرية التي تستخدم عدة أطراف في الجزائر بما فيها القبائل وحلفاءهم، لتطويق الرئيس بوتفليقة ولولا هذا.. هذا.. هذه الانتخابات التي منحت الرئيس بوتفليقة الإمكانية لمقاومة المؤسسة العسكرية وبعض الدعم الخارجي الذي حصل عليه خلال جولاته المتتالية، لأصبح الرئيس بوتفليقة الآن في مرحلة خطيرة جداً، إلا أنه بهذا الكسب الذي حققته.. حققته جبهة التحرير الجزائرية تمكن من وضع الأساس الذي قد يكون مستقبلاً أداة لإخراج الجزائر من الأزمة التي تهدده.

جميل عازر: طيب.. طيب إذا سلمنا جدلاً بأن النتيجة في الحالتين التونسية والجزائرية تعكس بصدق آراء الشارع، هل تتوقع تغييرات في أساليب الحكم نتيجة لهذين الإجرائين؟

د.عمر الطاهر: التغييرات واضحة جداً هي تبدو منذ الآن، فيما يتعلق بتونس نرى واضحاً أن إقرار مسألة رئاسة.. الترشح لرئاسة الجمهورية على دورتين يقتضي سلفاً التسليم بوجود تعددية، أحد المكاسب البسيطة، بالإضافة إلى هذا المجلس الذي وقع إقراره المجلس الثاني في تونس الذي يتسع لعدة أطراف منها منظمات حقوق الإنسان، منها اتحاد العمال والشغيلة، منها المنظمات المهنية ومنها.. وفي أهم بنود ذلك.. ذلك البند الذي يتعلق بتمثيل الجهات، حيث أن تونس تعيش أزمة كبيرة جداً منذ عهد الرئيس بورقيبة على هذا الصعيد وقد جاء هذا المجلس لحل المشاكل الأساسية، لكن المسار يأخذ بعض الوقت في هذا بالذات أو في هذه القرارات التي اتخذت لبناء مثل هذه المؤسسات إرادة واضحة على أن هناك نية للتغيير، هذا فيما يتعلق بتونس، فيما يتعلق بالجزائر..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب في.. في هذه الحالة الإرادة أو الرغبة في إجراء تغيير يعني مطلوبة، ولكن هناك استفتاء يدين بقاء الرئيس وانتخابات يمكن أن تدين العنف والمواجهة، فما هو المخرج في اعتقادك؟

د. عمر الطاهر: يا سيدي المخرج فيما يتعلق بقضية الرئيس، إدانته في تونس هذه المسألة ليست مسألة أشخاص، المسألة مسألة سياسة هناك توجه الآن نحو إيجاد -حلول جذرية لقضايا معلقة تتطلب- الكثير من السعي ولا يمكن حلها بين عشية وضحاها، صحيح أن الانتخابات في تونس لم تكن نقية 100% هناك بعض التجاوزات التي حدثت وهذا يجب الإقرار به، ويجب على المعارضة لو كانت.. لو كانت تريد فعلاً أن تتقدم الأمور لدعت إلى المشاركة وإلى التصويت بلا.. لا الهروب من الساحة، لكنها استشعار منها لضعفها فضلت الانسحاب، بالإضافة إلى هذا فيما يتعلق بالجزائر..

جميل عازر: دكتور..

د.عمر الطاهر: المسألة هنا فعلاً يبدو أن الأمر غامض إلى حد بعيد، لأن المستقبل لا يمكن -التكهن به، نظراً لأن أطراف الصراع لم تُسلم، وأن المؤسسة العسكرية يبدو أنها ستستخدم موضوع القبائل إلى أبعد حدود الاستقبال حيث حتى الأحزاب القبائلية..

جميل عازر: دكتور.. دكتور عمر..

د.عمر الطاهر: خرجت من.. نعم

جميل عازر: دكتور عمر الطاهر أحمد شكراً جزيلاً لك. ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفي أيضاً.

إسرائيل ماضية في اجتياحاتها، وفلسطين في إصلاحاتها فكيف يمكن التوفيق بين الضدين؟

[فاصل إعلاني]

احتمالات حرب هندية باكستانية

جميل عازر: هناك بالطبع مبررات لحالة الذعر الدولي مما قد تسفر عنه حرب بين باكستان والهند في الوقت الراهن، فهذه المجابهة ستكون الأولى بين دولتين نوويتين كما أن احتمال لجوء إحداهما إلى استعمال ما يوصف عادة الرادع النووي يبرره الوضع القائم على حدود شطري كشمير الهندي والباكستاني، ربما يكون طلب الأمم المتحدة من موظفي وكالاتها وكذلك الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وغيرها من رعاياها الرحيل عن شبه القارة الهندية دليلاً على التوجس العالمي من أن محاولة التهدئة قد لا تنجح في الحيلولة دون نشوب حرب، لأن أي هجوم من المقاتلين الكشميريين، على أي هدف في الهند قد يكون بمثابة عود الثقاب الذي سيشعل الفتيل.

مركبات عسكرية تابعة للجيش الهندي
تقرير/ سمير خضر: دب الخوف في نفوس الكثير من الهنود والباكستانيين لدى رؤيتهم لآلاف الأجانب يغادرون المنطقة، فقد دعت واشنطن ولندن وعواصم أخرى رعاياها إلى مغادرة الهند وباكستان تحسباً لنشوب حرب بينهما، وكان هذا كافياً لحمل البعض على الاعتقاد بأن الحرب واقعة لا محالة، لكن أوامر الرحيل قد لا تشكل سوى إجراء وقائي إذا لا يمكن لأي من العدوين اللدودين تحمل عواقب حرب لا يعرف أحد إلى ماذا ستنتهي، فمسألة كشمير أدمت البلدين منذ أكثر من نصف قرن ولم تنجح حربان في إيجاد حل لها، أما قضية ما تسميه دلهي بالإرهاب القادم من باكستان عبر كشمير، فالوساطات الدولية الحثيثة الدائرة حالياً يمكن أن تنجح في تخفيف حدته أو على الأقل إقناع (فجباي) وحكومته بجدية حكومة الجنرال مشرف بخصوص مكافحة الإرهاب، صحيح أن الهند لم تقنع بسهولة فالمخابرات الباكستانية هي التي أنشأت ودربت المقاتلين الكشميريين، ولكن من غير المؤكد أنها قادرة على لجمهم ناهيك عن إقناعهم بوقف نضالهم من أجل التحرير. الوسطاء الدوليون يحاولون على الأقل إقناع المتشددين في الحكومة الهندية بأن الضغط المتواصل على مشرف قد يأتي بنتائج عكسية، ولا أدل على ذلك من رفع الرئيس الباكستاني مؤخراً من حدة النبرة تجاه الهند حين أمر بإجراء سلسلة من التجارب الصاروخية المحدودة إضافة إلى إشارته الواضحة إلى أن بلاده تحتفظ لنفسها بحق اللجوء إلى السلاح النووي في حالة تعرض أمنها القومي للخطر، كما أن زيادة الضغط على مشرف لن تدفعه إلى تقديم تنازلات مصيرية حول كشمير لأن الجيش الباكستاني –الذي يشكل العمود الفقري لحكمه- لن يقبل بذلك. وفي كل الأحوال ورغم صيحات الحرب التي بدأ قرع طبولها في دلهي أولاً، فإن خيارات الهندية العسكرية تبقى محدودة، إذ أن حشد مئات الآلاف من الجنود على الحدود لم يعد له معنى في عصرنا هذا، عصر الطائرات والصواريخ والسلاح النووي، لكن هذا الحشد يبقى الاستجابة الوحيدة المتاحة أمام (فجباي) لتخفيف الضغط الشعبي على حكومته وتبرير عجزها عن مواجهة حركة التمرد في كشمير، لكن (فجباي) قد يضطر تحت وطأة هذه الضغوط إلى شن حرب محدودة، هذا إن استطاع ذلك، مثل شن غارات عبر خط الهدنة ضد معسكرات الثوار الكشميريين، لكن الهند تعرف جيداً أن باكستان لن تقف مكتوفة الأيدي، وأغلب الظن أنها سترد بالمثل مما سيستدعي رداً هندياً آخر، وهكذا، سيناريو يعرف العالم كله أنه لن يتمخض عن منتصر ومهزوم فهو سيناريو الكارثة النووية لا محالة.

استمرار اجتياح إسرائيل لأراضي السلطة الفلسطينية

جميل عازر: لا فرق إن كانت الإصلاحات التي أعلن الرئيس الفلسطيني أنه سيجريها في مؤسسات السلطة هي نتيجة لاقتناعه بضرورتها، أم إذعان لمطالب الإسرائيليين والأميركيين، فهي على ما يبدو ستظل غير كافية لإقناع رئيس وزراء إسرائيل بالتوقف عن اعتباره أي مطلب فلسطيني مطلباً نابعاً من دوافع إرهابية، فإنها الاحتلال مطلب إرهابي، ومقاومة الاحتلال عمل إرهابي، وإقامة دولة فلسطينية هدف إرهابي، والقضية الفلسطينية برمتها قضية إرهابية، وما الاجتياح الإسرائيلي إلا رد على كل هذا الإرهاب، فإذا كان للموفدين الدوليين إلى المنطقة أن يحققوا أي نجاح ينبغي ألا تغيب عن أذهانهم هذه الصورة.

ناقلات جنود إسرائيلية في بيت لحم أثناء إعادة اجتياحها
تقرير/حسن إبراهيم: لم تمنع وعود الرئيس الفلسطيني ولا تعهُّداته بإجراء إصلاحات الحكومة الإسرائيلية ورئيسها (أرييل شارون) من الاستمرار في عملية اجتياح المناطق الفلسطينية كلما ارتأت ضرورة لذلك، فالموقف الفلسطيني الإسرائيلي لا يزال رهن إرادة المقاومة ضد الاحتلال، ومن هنا فإن ملامح الانفراج المتمثلة في عودة المبعوثين الدوليين إلى المنطقة لابد وتبدو للعارفين ببواطن الشأن الفلسطيني الإسرائيلي سراباً خادعاً، فهل الفلسطينيون قادرون على نسيان ما ارتكبته القوات الإسرائيلية في مخيماتهم ومدنهم والحكومة الإسرائيلية في وضع تستطيع معه الظهور بمظهر المتساهل إزاء الهجمات الفدائية.

حلقة مفزعة تواجه (تنت) و(بيرنز) و(سولانا) و(فيشر) بقدر ما تواجه ياسر عرفات، فهو يحاول إقناع حماس والجهاد وحتى حركة فتح التي يتزعمها بالتوقف عن مقاومة الاحتلال، وربما يكون أفضل ما أمكنه الحصول عليه حتى الآن هو قبول من الشيخ أحمد ياسين (زعيم حركة حماس) بتلك الدعوة ولكن بشروط من قبيل إلغاء مرجعية أوسلو. وليست الحكومة الإسرائيلية بأحسن حال من ياسر عرفات، لأنها تواجه هي الأخرى عواصف سياسية من يمينها متمثلة في حركة (شاس) ويسارها في الكتلة المنادية بالسلام، وقد أصبح بقاؤها مهدداً، بل ومرهوناً بمزاج (شاس) التي أُقيل وزراؤها وامتنعت الكنيست عن تأييد الخطة الطارئة التي تقدم بها شارون لتوفير الأموال الضرورية لاستمرار العمليات العسكرية ضد المناطق الفلسطينية، فانتفاضة الأقصى قضت تقريباً على قطاع السياحة الإسرائيلي.

وتأثرت بالتالي معظم الصناعات الخدمية، واضطرت الحكومة إلى زيادة الانفاق العسكري بوتيرة أقلقت حتى الأميركيين وهم أقرب حلفائها، فتصريحات المبعوث الأميركي (وليام بيريز) بأن هناك مستوى لا يُطاق من المعاناة والقتل بين الإسرائيليين والفلسطينيين لن تؤثر على رئيس وزراء إسرائيل الذي برع في مراوغة مثل هذه الضغوط وإن تكن صادرة من أقرب حلفاء إسرائيل، خاصةً إذا كانت تندرج في إطار التمهيد لمؤتمر سلام تختلف بشأنه الرؤية الشارونية للحل عن رؤى واشنطن وغيرها من الأطراف المعنية. لقد جاء (جورج تنت) إلى المنطقة قبل عام تقريباً ووضع خطته بهدف التمهيد لإجراء محادثات بين الجانبين حول تنفيذ خطة مبعوث أميركي آخر هو (جورج ميتشل) والتي وافق عليها الفلسطينيون والإسرائيليون، ولكن لم يُنفَّذ من بنودها شيء حتى الآن، وكيف يتم ذلك، وهذه الخطة تدعو إلى وقف الاستيطان الذي يشكل استمراره ركناً أساسياً في سياسة شارون؟ فهل يجوز التفاؤل بقرب التوصل إلى مخرج من الوضع المتأزم الراهن؟ وما الذي يمكن أن يحققه (تنت) و(بيرنز) وغيرهما من المبعوثين إلى المنطقة؟ إذا أردنا الاستناد إلى السوابق وإذا توخينا الواقعية في التحليل، فلابد أن يكون الجواب: لا يجوز.

استمرار أزمة لوكربي بين ليبيا والغرب

جميل عازر: لاشك في أن أشباح ضحايا لوكربي المائتين والسبعين تطارد الزعيم الليبي ليل نهاره رغم استمرار تمسكه ببراءة ليبيا من التورط في تدمير.. تفجير الطائرة الأميركية، ولكن من السذاجة بمكان أن يعتقد أي شخص –ناهيك عن أي ليبي على الإطلاق- أن الحكم على عبد الباسط المقرحي- بغض النظر عما أحاط به من مثالب- كان بمثابة إسدال الستار على القضية بكل ما فيها من ملابسات.

مبنى محكمة كامب زايست الهولندية

تقرير/سمير خضر: عندما دانت المحكمة الإسكتلندية في كامب زيس عبد الباسط المقرحي بالضلوع في حادثة لوكربي ظن الجميع أن ملفها قد طُوي إلى غير رجعة، لكن القضية ما كادت قد بدأت عند هذا الحد، فالمحاكمة لم تُشكل سوى الفصل الأول من مواجهةٍ بين ليبيا العقيد القذافي وبين واشنطن ولندن، صحيح أن تسليم طرابلس لمواطنيها دفع الأمم المتحدة إلى تعليق العقوبات المفروضة على ليبيا، تعليقها فقط وليس رفعها، كما أن مسألة اتهام ليبيا المستمر من قبل واشنطن بدعم الإرهاب يقض مضاجع المسؤولين الليبيين، حتى وإن لم يُشر أي مسؤول أميركي إلى واقعة ما تثبت بالدليل القاطع تورُّط ليبيا في عمل إرهابي واضح حتى في قضية لوكربي إذ رغم إدانة المقرحي في محكمة (كامب زايس) فإن ليبيا لم تقر أبداً بالمسؤولية وأصرت على أن المقرحي برئ، ولكن إدانته جاءت لطمس الحقيقة.. الحقيقة حول هوية الجاني، هذا الموقف يلاقي صدىً لدى بعض أقارب ضحايا لوكربي الذين لا يزالون يصرون على ضرورة فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادث بعيداً عن الحكومات وعن السياسة الدولية، إقرار ليبيا بالمسؤولية ولو شكلياً يبقى مطلباً أميركياً وبريطانياً وشرطاً أساسياً لرفع العقوبات الدولية بشكل نهائي، لكن أحداً لا يعرف أي شكل ينبغي أن يأخذ مثل هذا الإقرار، الولايات المتحدة وبريطانيا تريدان اعترافاً رسمياً بأن ليبيا هي التي خططت ودبرت حادثة تفجير طائرة (بانام) لكن طرابلس ترى في ذلك مناورة تهدف إلى توريط النظام الليبي برمته وربما يشكل مبرراً لعدوان تخطط له واشنطن ضد ليبيا، وهناك حل آخر لا يزال التفاوض عليه جارياً وهو إقرار ضمني بمسؤولية ما تترتب على الدولة الليبية من خلال دفع تعويضات لأسر الضحايا تصل إلى عشرة ملايين دولار عن كل ضحية، ولكن شريطة رفع العقوبات وشطب اسم ليبيا من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، واشنطن ولندن ترفضان على الأقل علانية الربط بين مسألة التعويضات والقضايا السياسية، وليبيا لا ترى من جانبها في كل المسألة سوى قضية سياسية تهدف إلى منح واشنطن ولندن فرصة لتسوية حسابات قديمة مع طرابلس وقطع الطريق أمام كل محاولة لما تسميه واشنطن محاولة لإعادة تأهيل النظام الليبي.

جميل عازر: وبهذا نختتم الجولة في الملف الأسبوعي تحية لكم، وإلى اللقاء.