مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

23/03/2002

- القمة العربية ومواجهة التحديات الإسرائيلية والتهديدات الأميركية
- فشل تشيني في زيارته ومساعي زيني لوقف إطلاق النار

- شبه القارة الهندية ما بين العنف الطائفي والنزاعات الإقليمية

- الوضع في أفغانستان ومدى المصداقية الأميركية

- سكان جبل طارق بين الصراع البريطاني الإسباني وأزمة الهوية

جميل عازر

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:
القمة العربية الدولية الثانية ومواجهة التحديات الإسرائيلية وتهديدات أميركية ومخاطر محدقة في كل جانب وعلى كل صعيد.

(تشيني) يعود بخفي حنين في الملفين الفلسطيني والعراقي، و(زيني) يواصل المساعي لوقف إطلاق النار،
والهجمات الفدائية مستمرة.

شبه القارة الهندية ما بين العنف الطائفي المتجدد والنزاعات الإقليمية، والهند وباكستان تحاولان الركوب على قطار مكافحة الإرهاب.

القمة العربية ومواجهة التحديات الإسرائيلية والتهديدات الأميركية

تتركز الأنظار على بيروت والأمة العربية تمر في ظروف حُبلى بالتوقعات ومحفوفة بالمخاطر، فالأوضاع المأساوية في المناطق الفلسطينية والتهديدات الأميركية بضرب العراق والمهاترات المتجددة بين المغرب والجزائر، والحرب الأهلية في جنوبي السودان، وحتى الأوضاع الاقتصادية كلها قضايا تنتظر قراراً عربياً حاسماً جاداً وملزماً، ولكن الالتزام بالقرارات يبدو بناءً على السوابق وكأنه ليس من شيم القمم العربية في معظم الحالات، فهل ستكون هذه القمة مختلفة عن سابقاتها لترتقي إلى مستوى التحديات، أم أن بياناتها الافتتاحية والاختتامية ستكون تكراراً لما سمعه العرب من قبل مرات ومرات؟

مؤتمر القمة العربية في عمان

تقرير/ حسن إبراهيم: ماذا يريد العرب من بيروت؟ وما الذي ينتظره الفلسطينيون من القادة العرب؟ من الواضح أن حمام الدم في فلسطين يبرر انعقاد القمة في هذا الوقت بالذات حتى وإن تكن دورية، وربما ستفرض متغيرات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر نفسها على جدول الأعمال نظراً إلى أن تلك التطورات تمس بعض الدول العربية أكثر من بعضها الآخر، ففي السياق الفلسطيني وفرت أفكار الأمير عبد الله بن عبد العزيز التي اصطُلح على تسميتها بـ "المبادرة" إطاراً محدداً لتحرك عربي، وهذه أول مرة تأخذ فيها السعودية بزمام المبادرة نيابةً عن العرب لتعرض مشروع تسوية مع إسرائيل لا يتضمن فقط الاعتراف، بل التطبيع الكامل في مقابل انسحاب إسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران عام 67.

وكانت سوريا ولبنان قد أعلنتا عن تحفظهما عن المبادرة السعودية إبان زيارة الرئيس بشار الأسد التاريخية إلى لبنان، وأعلنت سوريا لاحقاً رفضها لأي تطبيع علاقات مع إسرائيل حتى لو انسحبت من جميع الأراضي المحتلة عام 67، ويحبس الجميع أنفاسهم انتظاراً لأن تأذن إسرائيل لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية -ياسر عرفات، المحاصر في رام الله- بمغادرة فلسطين، وكان رئيس وزراء قد سمح بسفر عرفات لحضور القمة شريطة ألا يتخذ موقفاً تحريضياً ضد إسرائيل، وهدد بمنعه من العودة إلى فلسطين إن هو خالف هذا الشرط، وانعقاد القمة في بيروت العاصمة العربية الوحيدة التي دخلتها القوات الإسرائيلية في عام 82 قد ينفض الغبار عن بعض الملفات اللبنانية الثنائية، فقد تجدد فتح ملف الإمام موسى الصدر والدور الليبي في اختفائه، وكاد العقيد القذافي أن يأمر بانسحاب بلاده من الجامعة العربية احتجاجاً على مطالبة حركة أمل ليبيا بتوضيح مصير الإمام الذي اختفى عندما كان في زيارة لطرابلس عام 78، فهناك ملف العلاقات اللبنانية السورية حيث شهدت بيروت مظاهرات ضد الوجود السوري في لبنان، وتخيم على جو القمة التهديدات الأميركية بضرب العراق لتواجه القادة العرب بواحد من أصعب التحديات، ورغم كل الجهود الأميركية الأخيرة في التوصل إلى وقف إطلاق النار في فلسطين ترفض كل التصريحات العربية حتى الآن أن يكون ذلك مقايضة بموقفهم الرافض بضربة أميركية للعراق والتي تحاول واشنطن تسويقها كجزءٍ من حربها ضد الإرهاب، وسيتقرر نجاح أو فشل هذه القمة من خلال قدرتها على أو عجزها عن اتخاذ موقفٍ إزاء هذه وغيرها من القضايا التي تؤرق العلاقات العربية العربية.

جميل عازر: ولانعقاد القمة العربية بشكل دوري مدلولات على دور جامعة الدول العربية في إنشاء نظام عربي قادر على النهوض بالمسؤوليات وتحقيق الأمنيات، وفي هذا السياق سألت الدكتور حسن نافعة (رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة) عما إن كانت القمة العربية قد أصبحت جهازاً أو مؤسسة من مؤسسات الجامعة العربية؟

د. حسن نافعة: أعتقد أنها لم تتحول بعد، وإن كان يمكن أن تتحول إلى مؤسسة، الجديد في الأمر أنه أصبح هناك التزام بموجب الميثاق، لأنه تم تعديل الميثاق بحيث يُنص على أن يكون هناك مؤتمر قمة يُعقد بشكل دوري مرة واحدة على الأقل في مارس من كل عام، الدول العربية حاولت ذلك مراراً وخاصة منذ عام 64، أن يكون هناك مؤتمر دوري على مستوى القمة يُعقد كل عام، ولكن لم تلتزم الدول العربية بهذا، وأدت الخلافات العربية العربية إلى عدم إمكانية هذا انعقاد هذا المؤتمر بشكل عادي وبشكل دوري مرة كل سنة.

جميل عازر: طيب، عندما.. عندما تتحول القمة إلى مؤسسة راسخة في جامعة الدول العربية، ما هي -في اعتقادك- ستكون نواحي ضعفها ونواحي قوتها؟

د. حسن نافعة: عندما تتحول القمة إلى مؤسسة راسخة أولاً سوف يؤدي هذا إلى إصلاح هيكلي في جامعة الدول العربية، لأن مؤتمرات القمة في هذه الحالة لن تركز فقط على الصراع العربي الإسرائيلي ولن تصبح مؤتمرات لإدارة الصراع مع إسرائيل فقط، وإنما ستصبح مؤتمرات لإدارة شؤون النظام العربي ككل، وبالتالي يمكن أولاً أن تحدد أهداف ووظائف هذه القمة، أن تعالج الأمور الأخرى على كل المستويات بحيث لا يتم تصعيد إلا الأمور ذات الحيوية والأهمية القصوى والتي تحتاج إلى قرار من قبل القمة العربية، وبالتالي أعتقد أنه عندما تتحول القمة إلى مؤسسة حقيقية تصبح هناك علاقة بين هذه المؤسسة وبين المؤسسات الأخرى في الجامعة، أن يعاد هيكلة الجامعة العربية برمتها وبالتدريج، لأن العالم العربي يحتاج إلى أن يعيد صياغة علاقاته بالعالم وأيضاً أن يعيد صياغة علاقاته العربية العربية وأن يرتب شؤون بيته من.. من الداخل.

جميل عازر: طيب، هل ميثاق الجامعة العربية الذي صيغ قبل 57 عاماً، هل لا يزال يفي بالأغراض والأهداف المتوخاة من الجامعة العربية؟

د. حسن نافعة: أعتقد أنه يحتاج إلى إعادة صياغة، ولكن نظراً لأنه كتب في إطار صياغات عامة يمكن أن يعني أن تعمل.. يعمل النظام العربي من خلاله لو توافرت الإرادة العربية، لأن القضية ليست قضية نصوص، فيمكن أن تكون النصوص موجودة وتعطل بسبب غياب الإرادة العربية وتعطل الإرادة العربية.

جميل عازر: طيب لو أردنا تقديم مشورة إلى الأمين العام الجديد إلى عمرو موسى بشأن إصلاحات للجامعة، بماذا تشيرون عليه.. أين يبدأ؟

د. حسن نافعة: يعني.. يعني صعب طبعاً توجيه نصيحة إلى الأمين العام للجامعة العربية، ولكن أنا أعتقد أن الأمين العام يدرك طبيعة الإصلاحات المطلوبة، ولكن يدرك أيضاً طبيعة العقبات القائمة.. أنا أعتقد إنه إذا أمكن البدء بآلية متابعة تنفيذ مقررات القمة ثم بعد ذلك بدأ بمحاولة ترتيب علاقة مؤسسة القمة بالأجهزة العربية الأخرى بحيث تتم معالجة الأمور الأقل أهمية في المستويات الأخرى، أعتقد إنه يمكن أن يكون قد نجح نجاحاً مهماً، لكن أعتقد أيضاً أنه يستطيع هو شخصياً ومن خلال دوره كسكرتير عام أو كأمين عام للجامعة العربية أن يعني يعيد هيكلة الأمانة العامة بحيث يتخلص من يعني حجم.. هذا الحجم الهائل من الموظفين الذين تنقصهم أحياناً الكفاءة وأحياناً الحس القومي ولأنهم عُينوا في ظروف مختلفة، أعتقد إن المرحلة القادمة مرحلة يعني تحدياتها كبيرة جداً وتحتاج إلى جهاز فني داخل الجامعة العربية أعلى مستوى بكثير من المستوى الموجود حالياً، فليبدأ عمرو موسى بتنشيط الأمانة العامة، وتغيير العناصر، وتجديد الدماء.. هذا سيعطي الجامعة العربية دفعة كبيرة فيما أتصور.

فشل تشيني في زيارته ومساعي زيني لوقف إطلاق النار

جميل عازر: جاء (ديك تشيني) نائب الرئيس الأميركي إلى المنطقة وغادرها على ما يبدو دون تحقيق ما كان يرجى منه أو ما كان يصبو إليه، وجاء إلى المنطقة في الوقت نفسه (أنتوني زيني) المبعوث الأميركي الخاص ساعياً لترتيب وقف لإطلاق النار بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والبدء بتنفيذ تفاهمات (تنت) وخطة (ميتشل) وتركت مسؤولية إنهاء العنف ومقاومة الاحتلال على كاهل ياسر عرفات ولا ضمان لحضوره مؤتمر القمة، ناهيك عن ضمان عودته بعدها، وبين جولة (تشيني) ومساعي (زيني) لم تتغير الأمور كثيراً بل ويؤمَّل ألا يطبق عليها ما جاء في المثل بين حانة ومانة.

عرفات بجانب المبعوث الأميركي

تقرير/ حسن خضر: لا يبدو أن خطة جهنم الذي وضعها شارون لدى وصوله إلى الحكم قد نجحت، فقد أراد تركيع الفلسطينيين وإجبارهم على التوصل لوقف إطلاق النار، لكن ما نراه اليوم هو العكس، فإسرائيل هي التي تحلم بوقف إطلاق النار، ولا يهم هنا من الذي يطلق النار، وبأمر من، فالعمليات الفلسطينية لا تزال مستمرة رداً على الهجمات الإسرائيلية، وهناك الكثير من الجماعات التي لم تلتزم ولا يبدو أنها ستلتزم بدعوة الرئيس عرفات لوقف الهجمات وخاصة كتائب الأقصى التي ولدت من رحم حركة فتح التي لم نعرف لها زعيماً منذ انطلاقها غير عرفات، فهل فقد الرئيس الفلسطيني إذن سيطرته على رجاله؟ الإسرائيليون ومن ورائهم الأميركيون يرفضون مثل هذه الفرضية، فهم مقتنعون تماماً بأن عرفات هو الذي يصدر الأوامر أو على الأقل يغض النظر، ولذا فهو قادر تماماً على كبح جماح الجماعات التي تصر على مواصلة العمليات الفدائية، أما الموقف الرسمي الفلسطيني فيختلف كلياً، فهو يرى بأن استمرار العدوان الإسرائيلي والإحباط والمرارة التي يخلفها وراءه هي التي تدفع بالشباب الفلسطيني إلى محاولة الثأر من خلال عمليات في العمق الإسرائيلي، لا بل أن السلطة الفلسطينية تحمل أجهزة الأمن الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن هذه الهجمات، فلماذا تحمل هذه الأجهزة السلطة الفلسطينية تبعات فشل الإجراءات التي يتخذها الجيش الإسرائيلي في منع تسلل منفذي العمليات إلى داخل إسرائيل؟ وفي ظل هذه الظروف تبدو مهمة الجنرال (زيني) شبه مستحيلة، إذ كيف يحصل على الهدوء الذي تنشده تفاهمات (تنت) في الوقت الذي لا يزال فيه الطرفان أبعد ما يكون عن التوصل إلى مفهومٍ موحدٍ لمعنى وقف إطلاق النار، ناهيك عن شروطه وسبل وضعه موضع التنفيذ؟ فهل أصبح الطرفان رهينةً للمتطرفين من كلا الجانبين؟ وبين هذا وذاك لم يجد (زيني) طريقه حتى الآن، ولم يُوفق في تمهيد الطريق لنائب الرئيس (ديك تشيني) الذي اضطر للإقرار على استحياء بفشل جولته في المنطقة والتي كان الملف العراقي على رأسه جدول أعمالها، وبدلاً من تهدئة الوضع لإفساح الطريق أمام عمل ما ضد العراق وجسد تشيني نفسه في دوامة تتعلق بلقائه أم لا بالرئيس الفلسطيني، وأصبح هذا اللقاء هو الهدف وليس الوسيلة، وبهذا تعود الإدارة الأميركية لتجد نفسها في المأزق نفسه، إذ لا يمكنها التحرك باتجاه العراق، طالما استمر الصراع على أشده بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولا يمكنها أيضاً إيجاد حلٍ لهذا الصراع طالما استمرت في تبني مواقف وسياسات شارون.

أما الاعتماد على جنرال سابق من الصف الثاني لحل مُعضلةٍ فشلت في حلها كل الإدارات الأميركية السابقة، فهو ما يمكن تسميته باللعب في الوقت الضائع.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه أيضاً بعد فاصل:

سكان جبل طارق ما بين التاجين البريطاني والإسباني وأزمة استيطان وهوية.

[فاصل إعلاني]

شبه القارة الهندية ما بين العنف الطائفي والنزاعات الإقليمية

جميل عازر: إلى شبه القارة الهندية حيث كان العنف الطائفي سمةً واضحةً خلال الأسبوع في المسرحين الباكستاني والهندي. فالهجوم على كنيسة بروتستانتية في إسلام أباد في الحي الدبلوماسي من العاصمة الباكستانية له من المدلولات الكثير على الصعيدين الداخلي والإقليمي، وفي هذا السياق كان للعنف الطائفي بين الهندوس والمسلمين في ولاية (بوجارات) مؤشرات كثيرة أيضاً على التطورات في أكبر الديمقراطيات في.. في العالم، وما من شك في أن العلاقات بين إسلام أباد ودلهي مؤهلة لدفع الواحدة منهما إلى توجيه اتهامات بالتورط في الأحداث التي شهدتها الأخرى.

الكنيسة البروتستانتية

تقرير/ سمير خضر: لم يكن الهجوم الذي استهدف كنيسة بروتستانتية في إسلام أباد ليثير في الماضي مثل هذه الضجة. فقد اعتاد العالم على مناظر العنف العرقي والطائفي في باكستان قبل وبعد الحادي عشر من سبتمبر، لكن الملفت للنظر هذه المرة هو الجدية التي تعاملت بها الحكومة مع هذا الاعتداء، ولما لا ومن بين الضحايا عدد من الأميركيين. فباكستان الجنرال مشرف تعمل كل ما في وسعها لتثبت لواشنطن أنها جادة في محاربة الإرهاب من المنظور الأميركي، وبالذات الجماعات المتطرفة رغم النفوذ الذي تتمتع به هذه الجماعات في الشارع الباكستاني. وقبل مشرف بتحمل مخاطر شخصية وسياسية جمة حين أمر باستهداف المدارس الإسلامية وباعتقال عدد من القادة الإسلاميين مثل القاضي حسين أحمد، ومولانا فضل الرحمن حتى وإن لم يُدم هذا الاعتقال طويلاً، كما أن الهجوم على الكنيسة جاء بعد فترةٍ وجيزةٍ من استهداف المتشددين للصحفي الأميركي (دانيال برن) التي تشير كل الروايات إلى إعدامه من قِبَل مختطفيه، ويخضع مدبر عملية الاختطاف والقتل عمر شيخ حالياً للمحاكمة في ظل إجراءات أمنية لم تشهد باكستان لها مثيلاً، حتى أثناء محاكمة رئيس الحكومة السابق نوَّاز شريف، ولكن يبدو أن جهود الجنرال مشرف لم تكن مطمئنة تماماً لواشنطن التي بادرت إلى سحب عددٍ كبيرٍ من دبلوماسيها وعائلاتهم من باكستان.

وأكثر ما تخشاه إسلام أباد أن يُساء تفسير هذه الخطوة في (نيودلهي) التي لا تزال العلاقات معها متوترة رغم أن رئيس الوزراء الهندي يجد نفسه اليوم في وضع لا يقل حساسية عن وضع غريمه مشرف. فالهند التي كانت تتغنى بكونها واحةً للديمقراطية والعلمانية في مواجهة باكستان العسكري والطائفية تجد نفسها اليوم في وضع مشابه، فالعنف الطائفي بلغ أشده بين الهندوس والمسلمين أولاً في (أيوديا) حيث يصر المتشددون الهندوس على تشييد معبدٍ لهم على أنقاض مسجد (البابري) الذي هدموه عام 94، وثانياً: في أحمد أباد حيث تجاوزت حصيلة المواجهات الطائفية الحد المقبول في هذا البلد الذي يعتبر فيه العنف أحياناً جزءاً لا يتجزأ من مظاهر الحياة اليومية، وقد يشكل تجدد هذا العنف حبل النجاة الذي كانت تنتظره باكستان منذ زمن لتجنب مواجهة مع غريمتها، فقد بدأت مظاهر الوحدة الوطنية تتلاشى في الهند ولم يعد هناك اتفاق حتى على مفهوم الإرهاب، ناهيك عن محاربته تحت مسميات وذرائع مختلفة تستهدف بشكل أساسي العدو الباكستاني.

الوضع في أفغانستان ومدى المصداقية الأميركية

جميل عازر: وتحولت أفغانستان إلى بؤرة ليس لاختبار مدى مصداقية التصريحات الأميركية حول القضاء على فلول القاعدة وطالبان، أو معظمها فحسب، بل ولاختبار مدى كفاءة العمليات العسكرية ضد التنظيم والحركة، فالإعلان عن انتهاء عملية (أناكوندا) في مرتفعات (جرديز) تبعه (إعلان) بريطاني عن إرسال قوات لمتابعة الحرب ضد بقايا طالبان والقاعدة، وفي هذه الأثناء يشهد المسرح الأفغاني عودةً إلى الصراعات القبلية المألوفة هناك، بينما تجري الاستعدادات لعودة الملك ظاهر شاه الرمزية من منفاه بعد اغتراب دام أكثر من ربع قرن، ولكن يظل الوضع في أفغانستان رهن الالتزام الدولي لتحسين أحوالها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

الهجوم الأميركي على أفغانستان

تقرير/ حسن إبراهيم: تشكل عملية (أناكوندا) درساً بليغاً في صدق أو مصداقية الإعلام الحربي فالآلة الإعلامية للقوات الأميركية لم تتمكن من تأكيد المزاعم عن أن القوات المتحالفة قتلت مئات من مسلحي طالبان والقاعدة وهذا وضع يختلف عما كان وقت وقوع معركة قلعة جانجي خارج مزار الشريف، حين صورت كاميرا التليفزيون الجثث التي تبعثرت في فناء القلعة ولم يستطع الإعلام المضاد التشكيك كثيراً في عدد القتلى إلا من حيث التشكيك في قيام الأسرى بتمرد قال الأميركيون إنه تسبب في تلك المذبحة، والتصريحات الأميركية التي رافقت العملية الأخيرة في منطقة (جرديز) حول الإجهاز على فلول القاعدة وطالبان تتناقض مع تصريحات لاحقة عن أن هذه الفلول قد عادت للتجمع في المناطق الجبلية، حيث أعلن عن نهاية أناكوندا، وجاء إطلاق النار على القوات الأميركية في قاعدة (باجرام) بالأسلحة الخفيفة وقذائف (المورتر) ليكون دليلاً على مقاومة الوجود الأميركي وعلى هشاشة الحكومة الانتقالية التي يقودها حامد كرزاي، ومع عدم توفر الأدلة على هوية المهاجمين، فإن هذا الهجوم يشير إلى أن الأوضاع في أفغانستان مازالت بعيدة عن الاستقرار، خاصة في ظل التنافس القبلي على السلطة والنفوذ، وتركيبة حكومة كرزاي تثير شكوى من هيمنة للمحور البانشيري الطاجيكي على الوزارات الرئيسية وهو الأمر الذي يتسبب أحياناً في قتال بين قوات الطاجيك بقيادة وزير الدفاع محمد فهيم وبين رجل مزار الشريف القوي الجنرال عبد الرشيد دستم.
ويشكو الباشتون من تهميشهم رغم أن رئيس الحكومة كرزاي باشتوني، وشكوى الباشتون القومية الغالبة في الأقاليم الباكستانية المجاورة كما في أفغانستان والتي كانت العصب الرئيس في نظام حكم طالبان، لتنطوي على خطورتهم، وهم يشاهدون ساسة الهند يستقبلون بدون أي اعتبار لخصوصية مفترضة للعلاقة مع باكستان.

ومع غياب المعونات الإنسانية الدولية الكافية لإغاثة الجائعين وإعادة توطين اللاجئين العائدين تستمر معاناة الأفغانستان من الجوع والأزمات الاقتصادية الخانقة.

وفي ظل هذه الظروف قد لا يكون غريباً أن تعود زراعة الخشخاش المستخدم في صناعة الأفيون والهيروين إلى مناطق عديدة في أفغانستان، ومن غير المنتظر أن يكون لعودة الملك الأفغاني السابق ظاهر شاه -المتوقعة قريباً من منفاه إلى وطنه- أثر كبير على التطورات ما لم يأخذ المجتمع الدولي بناصية الأمور لإنقاذ شعب مزقته الحروب والأيادي الأجنبية طوال الـ25 سنة الماضية.

سكان جبل طارق بين الصراع البريطاني الإسباني وأزمة الهوية

جميل عازر: يبدو أن بريطانيا وأسبانيا أصبحتا قاب قوسين أو أدنى من التوصل إلى صيغة يمكن أن تكون أساساً لحل نزاعهما على جبل طارق، فقد ظلت السيطرة على هذه الصخرة التي تتحكم بالمضيق الفاصل بين أوروبا وأفريقيا ذات أهمية استراتيجية لبريطانيا الإمبراطورية، ولكن مسرح العلاقات الأوروبية قد تغير كثيراً بحيث أصبح الوصول إلى حل نزاعات إقليمية أوروبية من هذا القبيل ممكناً شريطة الالتزام بمبدأ حق تقرير المصير للسكان.

تظاهرات في جبل طارق

تقرير/ جيان اليعقوبي: نزل سكان جبل طارق إلى الشوارع ليتظاهروا احتجاجاً على المفاوضات البريطانية- الإسبانية الهادفة إلى إعادة تحديد وضع هذه المستوطنة التي تخضع لولاية بريطانيا القضائية منذ ثلاثة قرون، ولم تتوقف مدريد عن المطالبة بالسيادة عليها منذ أربعة عقود، ويقول رئيس وزراء جبل طارق (بيتر كروان): إن مستقبل الجبل لا يمكن أن يقرره أحد غير سكانه بموجب حقهم في تقرير المصير.
ويرجع تاريخ النزاع على هذا الممر المائي المهم عندما احتلتها بريطانيا أثناء الحرب التي نشبت بين العروش الأوروبية والتي دامت من عام 1701 إلى 1713 وانتهت بالتوقيع على معاهدة (أوترخت) التي تنازلت فيها

اسبانيا عن جبل طارق لبريطانيا.

وكان الدافع وراء احتلال جبل طارق هو قيمته كعائدة بحرية استراتيجية تشرف على المضيق الذي يربط المحيط الأطلسي بالبحر المتوسط والذي يعبره حالياً 80 ألف سفينة تجارية ومئات السفن العسكرية والأساطيل والغواصات النووية سنوياً، وبإمكان الدولة التي تتحكم بهذا الممر أن تشل حركة التجارة العالمية في حال نشوب صراع عالمي الأبعاد، وقد طالبت إسبانيا في عام 63 باسترداد الصخرة وفرضت عدة عقوبات عليها، وردت بريطانيا بإجراء استفتاء شعبي عام 67 صوت السكان فيه للبقاء في كنف التاج البريطاني، ثم جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي يطالب بريطانيا بإنهاء احتلالها بحلول عام 96، ولكن لم تتمكن لندن ومدريد من التوصل إلى أي اتفاق بهذا الخصوص.

وقد دأب المغرب على الإشارة في اتصالاته مع الإسبان بخصوص احتلالهم لمدينتي سبته ومليليا إلى مطالبتهم بجبل طارق كمبرر لمطالبة المغرب بالمدينتين اللتين تضع إسبانيا يدها عليهما منذ خمسة قرون، ومن يدري فقد تدخل القضيتان في إطار القضايا التي تعتبر مصدراً للتوتر بين الأمم ذات الثقافات والأديان المختلفة والتي عليها حلها لتفادي نشوب نزاعات إقليمية جديدة في عالم ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى ختام هذه الجولة في (الملف الأسبوعي).

ونذكر حضراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت.

وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.