مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

30/03/2002

- القمة العربية وخيار السلام والملف العراقي
- الرد الإسرائيلي على قرار السلام العربي

- شارون والالتزام بقرارات الشرعية الدولية

- جولة بوش في أميركا اللاتينية لمواصلة حملته ضد الإرهاب

- دعوى التعويض عن العبودية ومحو الماضي وآلامه

جميل عازر

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه: القمة العربية الدورية الثانية انفراج عراقي سعودي وكويتي، وتأكيد على خيار السلام كاستراتيجية عربية.

وإسرائيل (شارون) ترد من دون تردد باقتحام مقر عرفات بالدبابات وتستدعي آلافاً من الاحتياطي العسكري.

القمة العربية وخيار السلام والملف العراقي

الرئيس الأميركي في جولة لمتابعة حربه على الإرهاب في دول أميركية لاتينية.

إذاً انعقدت القمة العربية الرابعة عشر والدورية الثانية في بيروت، وتأرجحت الفوضى والانضباط وبين التفكك والاتحاد، وبين الحزم التردد، ثم انتهت وصدر البيان الختامي وبالإجماع أعلن العرب مرة أخرى أن السلام خيارهم الاستراتيجي وأكدوا رفضهم لتوجيه ضربة عسكرية أميركية للعراق، وشاهد العرب بوادر الانفراج بين بغداد والرياض، وبغداد والكويت إلى حدٍ ما بفضل جهود عربية تحدت الوسواس الأجنبي، ولم تكن القمة رغم ما تمخضت عنه من إيجابيات بعيدة عن الفشل الذريع، ولكن اعتمادها على أطراف دولية غير عربية لتنفيذ مقرراتها يشكل دليلاً على ضعف سيتحتم على قادة العرب أن يبحثوا في سبل تقويمه إن أرادوا أن يكون لقرارات قممهم وزن يعادل أهمية القضايا المصيرية التي يتطرقون إليها.

عبد الله بن عبد العزيز آل سعود مع عزة إبراهيم

تقرير/ حسن إبراهيم: بدأ من الوهلة الأولى أن قمة جامعة الدول العربية في بيروت محدودة، فقد تغيب عنها ثلاثة عشر رئيس دولة من أصل اثنين وعشرين كان أبرزهم الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الأردني الملك عبد الله، واكتنفت القمة خلافات منذ البداية خاصة بعد أن أنهى الرئيس اللبناني إميل لحود الجلسة الافتتاحية بدون الاستماع إلى كلمة من الرئيس الفلسطيني الذي كان ينتظر لتوجيهها عبر الأقمار الاصطناعية، وبثت الخطاب قناة (الجزيرة)، وانسحب الوفد الفلسطيني الذي كان يقوده فاروق قدومي (رئيس الدائرة السياسية بمنظمة التحرير الفلسطينية)، وتوالت الوساطات التي أدت في النهاية إلى خروج القمة بقرارات أعلنت أن السلام -كما وصفته مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز- ممكن إن نفذت إسرائيل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران عام 67، ووجدت تسوية لموضوع اللاجئين الفلسطينيين، وفي المقابل تحصل إسرائيل على علاقات طبيعية مع جميع الدول العربية، وأعلن العرب أنهم لن يقاتلوا إسرائيل، ولم يشر البيان حتى إلى دعم الانتفاضة الفلسطينية، ولكن القمة تبنت تفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية كإجراء أخير في حال تعنتت إسرائيل أو أسرفت في اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني أو هي رفضت المبادرة العربية.

وأدت المعانقة بين الأمير عبد الله (ولي العهد السعودي) ونائب رئيس الجمهورية العراقي عزت إبراهيم إلى حدوث انفراج في العلاقة بين العراق والكويت وتعهد العراق باحترام الحدود الكويتية بعد إعلانه عن إطلاق سراح كويتي كان قد دخل الأراضي العراقية عن طريق الخطأ، ويمكن القول إن القمة العربية قد نجحت وفشلت في آن واحد وهي تحاول التعامل مع القضايا التي تؤرق الأمة العربية، فالنجاح في انفراج الوضع بين بغداد والرياض من جهة وبين بغداد والكويت من جهة ثانية بعد التأكيد على رفض أي ضربة عسكرية أميركية ضد العراق يعتبر إنجازاً مهماً وإن يكن مرهوناً بعوامل كثيرة كاستمرار حسن النية وعدم الإنصات إلى مواقف أجنبية، أما التعامل مع الموقف الإسرائيلي من القضية الفلسطينية من خلال التلويح بتفعيل المقاطعة فهو أقل ما يقال أسلوب ينم عن ضعف، لأن المقاطع الاقتصادية لم تكن مجدية حتى في أوج الالتزام العربي بها، وما قرره شارون باستدعاء آلاف من الاحتياطي العسكري الإسرائيلي والعودة إلى احتلال مدن فلسطينية سوى ردٍ واضح على المفاتحات السلمية، وليس التذرع الإسرائيلي برد على عملية ناتانيا سوى تبرير لنوايا عدوانية مبيتة.

الرد الإسرائيلي على قرار السلام العربي

جميل عازر: وفي ظل الظروف الراهنة وبينما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية في أنحاء مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية ومزارع شبعا كيف يمكن النظر إلى القمة بمنظار رجعي؟ والسؤال الأهم بالنسبة لأخطر قرار تتخذه قمة عربية حتى الآن ألا وهو مبادرة السلام المطروحة على إسرائيل والمجتمع الدولي كله فهو: هل كان القادة العرب سيتخذون مثل هذا القرار لو علموا مسبقاً أن شارون كان سيقتحم مقر عرفات حتى ولو توفرت له ذريعة؟ ولكن هل لدى القادة خيار؟

الفلسطينيون الذين اعتقلتهم القوات الإسرائيلية عقب احتلال رام الله

تقرير/ سمير خضر: لوحوا بغض الزيتون، وهتفوا تحية للسلام الآتي، ودفنوا فأس الحرب، وهذا هو رد شارون، رصاصة فقذيفة فصفعة، ولا أحد يحرك ساكناً، ولماذا حالة الضعف التي يعيشها العرب من محيطهم إلى خليجهم؟ كثيرون هم الذين يودون لو استطاعوا عمل شيء ما، ولكن ما باليد حيلة، وهم لم يعرضوا أصلاً السلام في قمة بيروت لمجرد رغبتهم في السلام، بالعرب أبعد ما يكونوا عن سلام الشجعان إنهم يدعون إلى سلام العاجز العارف ببواطن الأمور فلا أحد يفكر ولا في أحلمه بشن حرب على إسرائيل، ولا أحد لديه القدرة على العمل في الساحة الدولية لإقناع سادة العالم بعدالة القضية، وأكثر ما يقلق كثيراً من القادة اليوم هو مزاج الشارع المتأجج في عواصمهم ومدنهم وهل يقمعون تظاهرات التأييد للفلسطينيين كلما حدثت للتعبير عن المشاعر لأن لا يساء فهمها في واشنطن أو تل أبيب؟

أحياناً يترك للمواطنين العنان لينفسوا عما يختلج في صدورهم، وأحياناً أخرى يخرج الشارع بأمر من الحاكم ربما لآن ذلك يصب في مصلحته، وغالباً يحرم المواطن من التعبير، وإذا وجد من يخالف العليمات فالويل والثبور، مأزق العالم العربي في مواجهة شارون كان ولا يزال كبيراً، فقد واجهوه في الحروب وخرجوا منها خاسرين، ويحاولون اليوم مواجهته على حلبة السلام لكنه يقول لهم بأعلى صوته وأصوات أسلحته ودباباته: لا لا.

وفي مواجهة مثل هذا الرد يتمسك الجميع بمبادرة السلام التي تمخضت عنها قمة بيروت رغم أن بعض الأصوات ارتفعت منادية بسحبها رداً على الهجمة الشارونية الأخيرة، ولم يعد أمام العرب من وسيلة سوى الضغوط الدولية ومن يمكنه الضغط على شارون؟ الولايات المتحدة، سيجيب معظمهم، ولكن هل ترغب أميركا بالضغط فعلاً على شارون؟ ولماذا تفعل ذلك أصلاً؟ فمصالحها الاستراتيجية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بإسرائيل أكثر من ارتباطها بأي من الأنظمة العربية التي تشعر بأنها نجحت في استرضاء المظلة الأميركية، وهذا الوضع يجعل من قرارات مجلس الأمن الدولي مجرد تخدير للأعصاب، فإسرائيل تتحدى هذه القرارات منذ أكثر من نصف قرن قبل أن يظهر شارون على الساحة السياسية، فكيف لها أن تأبه بإرادة المجتمع الدولي وشارون هذا يمسك بزمام الحكم في إسرائيل؟!

جميل عازر: وما من شك في أن القمة وما اكتنفها من اختلافات أو تلاق في وجهات النظر ستظل محور تأويلات وتحليلات، ولكن ما الذي سيؤرخ لقمة بيروت سؤال طرحته على عبد الحليم قنديل (رئيس تحرير مجلة العربي في القاهرة).

عبد الحليم قنديل: يعني أظن أن التاريخ يتحدث عن قمة بيروت بوصفها من علامات النهاية، نهاية نظام رسمي عربي عجز في لحظة الخطر أن يتجاوب مع الوقائع على الأرض وفضل أن يعيش بالأوهام، فضل أن يعيش بلغة قديمة فات أوانها وسقط زمانها تتحدث عن السلام والتطبيع، بينما لا سلام ولا تطبيع بينما الحرب دائرة بالفعل، إحنا.. نحن نقول ببساطة استعدوا للحرب حين تفرض عليكم.

جميل عازر: طيب، هل تعتقد أن هذا ناجم عن أن العرب.. قياداتهم تتعامل مع الحكومة الإسرائيلية الحالية بوجه خاص بشكل لا ينم عن تفهم للعقلية الشارونية، خاصة وأنه لا توجد مثلاً استراتيجية عربية واضحة؟

عبد الحليم قنديل: كلامك صحيح جداً، لا توجد استراتيجية عربية واضحة رغم الصياح في كل مرة بأن السلام خيار استراتيجي، وكلنا نعرف ما يختبئ وراء هذه الكلمة، ما يختبئ وراء هذه الكلمات وراء هذه الكلمات ببساطة هو التسليم بالهزيمة وكأنه قدر مكتوب على الجبين و"السلام خيار استراتيجي" تساوي في الواقع "الهزيمة إكراه استراتيجي"، لأنه لا أحد يتحدث عن السلام ولا الحرب بوصفها خيار استراتيجي، يمكن أن نتحدث عن حقوق، يمكن أن نتحدث عن أهداف، يمكن أن نتحدث عن نهضة، عن المقاومة، عن التنمية، عن دخول العصر، إنما الحديث عن السلام خيار استراتيجي في وقت يبدو فيه ميزان القوى مائلاً إلى هذا الحد أعتقد أنه تسليم بالهزيمة أو رغبة في إرضاء الوحش الإسرائيلي وكما هو واقع التاريخ...

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب إذا كنا نتوخى.. إذا كنا.. أستاذ عبد الحليم.. إذا كنا نتوخى الواقعية بالنسبة للموقف العربي، هل لدى العرب خيار آخر في الظروف الراهنة؟

عبد الحليم قنديل: أظن أن لدى العرب ألف خيار، لكن السؤال أي عرب؟ لو تحدثنا عن الطبقة الحاكمة الآن فلها اختياراتها التي حسمتها أو قل أنها حسمت لها، وهي خيار.. خيارات الارتباط التبعي لأميركا من جانب وطلب عطفها ورضاها والتوسل إليها.

تحدثني عن الواقعية وأنا أقول لك ما يحدث في الواقع وعلى الأرض هو ما يحدث في المباراة.. في الحرب الفلسطينية الإسرائيلية، طرف يملك كل عناصر القوة -التي مكن تخليها- المسلحة، رابع أقوى جيش في العالم، ثالث قوة نووية في العالم، ثاني قوة في التطور التكنولوجي، في المقابل شعب وحيد أعزل، تواطؤ دولي على قضيته، خذلان عربي لقضيته، ماذا فعل هذا الشعب الوحيد الأعزل؟ حاول ما يقال عنه الهامش المعنوي في حسابات الحروب إلى مد وأخرج قوة إسرائيل من المد إلى الهامش، ولأول مرة في إسرائيل نرى يعني علامات انهيار حقيقي لم تحدث ولا في حرب عربية إسرائيلية نظامية ولا حتى في حرب المقاومة في جنوب لبنان، ما يحدث الآن، الإسرائيليون يتحدثون عن أن الحرب القائمة هي مواصلة لحرب 48، وفي تقديري هذا حقيقي، لكن لا أتصور أن النكبة ستكون من نصيب الفلسطينيين هذه المرة، النكبة من نصيب الإسرائيليين، إذن ما يحدث في الواقع.. ما يحدث في الواقع..

جميل عازر [مقاطعاً]: أستاذ عبد الحليم.. أستاذ عبد الحليم ما الذي.. ما الذي يدعوك إلى هذا الافتراض أن النكسة ستحل بالإسرائيليين وليس بالفلسطينيين؟

عبد الحليم: أقول لك يا سيدي ما يدعوني لهذا الافتراض هو أنه قد نشأ التوازن الجديد الذي تحدثت عنه في ميزان الحروب، إسرائيل تجد نفسها في مواجهة سلاح جديد، تعجز كل التطورات التكنولوجية في العالم عن إنتاج بديل أو مقاوم له أو مثيل له هذه واحدة.

النقطة الثانية أن الصراع الديمقوغرافي على الأرض الفلسطينية يبدو في المدى المنظور لصالح الفلسطينيين.

الأخرى.. يعني هذه الواحدة، هذا الميزان.. القنابل البشرية مع القنبلة الديموغرافية هذه واحدة، الأخرى أن إسرائيل حتى لو تعاملت معها كأنك غير عربي ونظرت إلى المشهد من بعيد، إسرائيل في النهاية كيان هجرة، هي تنزح من مخزون معين، هذا المخزون يكاد ينفد، الحديث راجع عن موت الشعب اليهودي، هذا المتغير يجري على الأرض، ما أريد أن أقوله أن الذين يتحدثون عن السلام والتطبيع هم الذين يعيشون في بحور الخيال.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً بعد فاصل:
العبودية تعود إلى المعترك القضائي فهل تكفي التعويضات عن الغبن لمحو الندب التاريخية التي خلفها الاستعباد؟

[فاصل إعلاني]

شارون والالتزام بقرارات الشرعية الدولية

جميل عازر: عودة إلى موضوع الساعة، فمن غير المتوقع أن يمتثل رئيس الحكومة الإسرائيلية لقرار مجلس الأمن الدولي 1402 والداعي إلى انسحاب الإسرائيليين من مقر القيادة الفلسطينية والمناطق الأخرى والالتزام الفوري بوقف لإطلاق النار، ولكن ما قام به رئيس الحكومة الإسرائيلية لم يكن غير متوقع تماماً إذا أحسن المرء قراءة تصريحات هذا الجنرال العجوز، فشارون لم يكن في حاجة إلى عملية ناتانيا الفدائية ليشن هجومه على مقر الرئيس الفلسطيني في رام الله، فهو يرى في أي تحرك لإحلال السلام تهديداً له ولكل مبدأ يؤمن به،كما أنه يفكر دائماً بعقلية الاستراتيجي العسكري الذي إذا وضع خطة، فإنه سيتحتم عليه تنفيذها بغض النظر عما يلحق بصفه وصف العدو من خسائر.

الدبابات الإسرائيلية تتجه نحو مقر الرئيس الفلسطيني

تقرير/سمير خضر: ما الذي يريده شارون الآن بالضبط؟! لا أحد يستطيع الإجابة على هذا التساؤل اليوم، فالهجمة الإسرائيلية الجديدة قد تكون موجهة إلى شخص الرئيس عرفات ولا أحد غيره، فهل يمكن لأحد إذن أن يصدق ما يقوله زعيم إسرائيل من أن هدفه هو القضاء على الإرهاب؟ نعم هناك كثيرون، فإسرائيل لم تجرؤ يوماً على القيام بأي عمل دون التمهيد له سياسياً وإعلامياً وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي، فداخلياً نجح شارون في تعبئة الرأي العام الإسرائيلي ضد شخص عرفات، لا بل أنه نجح في تحييد الشريك الأكبر في حكومته حزب العمل الذي أضحى بدون صوت ينساق بيسر وإذعان لأهواء زعيم الليكود، أما ما يسمى بمعسكر السلام الإسرائيلي، فقد انتهى دوره ربما إلى غير رجعة، فهو لا يمانع في قبول تبريرات شارون ولا ينظر سوى إلى نتائج العمليات الفلسطينية في ناتانيا أو القدس أو تل أبيب، ولا أحد منهم يتساءل من المسؤول، ولماذا يضحي شاب أو شابة في مقتبل العمر بحياته ليقتل إسرائيليين؟ تساؤلات لم تعد تخطر ببال الإسرائيلي الذي يعيش اليوم حالة من الذعر لم يعرفها منذ إنشاء دولة إسرائيل، ذعر صم أذنيه عن دعوات ونداءات السلام الفلسطينية والعربية، ولم يعد يسمع سوى هرج ومرج آتٍ من جنرال سابق لم تشف كل حروب إسرائيل غليله، بل يريد تكملة مشواره على الدبابة نفسها التي حملته إلى غزة وسيناء والديفرسوار وبيروت، والوجهة اليوم رام الله، أما دولياً فقد توالت عبارات الاستهجان والاستنكار لما يجري وتعالت نداءات المجتمع الدولي المطالب أو بالأحرى نداءات المجتمع الدولي المطالب أو بالأحرى المتوسل لشارون ألا يمس شخص الرئيس عرفات، وكأن الأمر مجرد حياة فرد وإن كان زعيماً.

لا قضية شعب بأكمله، لا قضية احتلال تدينه الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، ولكن من يهمه أمر الشرعية الدولية، طالما لا يتعلق الأمر بالعراق؟

راعي عملية السلام الأميركي اكتفى من جانبه بإغداق الوعود والتأكيدات: لن يتم المس بشخص الرئيس عرفات ومهمة الجنرال زيني ستستمر وكيف تستمر الآن؟ ومع من يتفاوض؟ وهل يستطيع الذهاب إلى مقر الرئاسة لمقابلة عرفات؟ ربما على ظهر الدبابة نفسها التي تمطر هذا المقر بوابل نيرانها!!

جولة بوش في أميركا اللاتينية
لمواصلة حملته ضد الإرهاب

جميل عازر: ربما يكون تبني دول أميركية لاتينية للديمقراطية كأسلوب للحكم حافزاً يدفع الرئيس الأميركي (جورج بوش) لزيارة الساحة الخلفية للولايات المتحدة ممثلة في المكسيك والسلفادور وبيرو، ولكن واشنطن تربط بين الحركات المسلحة التي تناهض أنظمة الحكم في عدد من دول أميركا الوسطى والجنوبية وبين تجارة المخدرات التي تستهدف السوق الأميركية، وواشنطن تدرك أيضاً أن الأوضاع الاقتصادية المتردية في جاراتها اللاتينية عنصر أساس وراء عدم الاستقرار هناك، وهذا ما يتطلب التزاماً أميركياً ينطوي على تخصيص مبالغ كبيرة لدعم تلك الأنظمة إذا أريد لها النجاح في محاربة ما يؤرق الأميركيين في منطقتهم.

جورج بوش

تقرير/ جيان اليعقوبي: وصف الرئيس الأميركي جورج بوش زيارته إلى ثلاث دول لاتينية بأنه احتفالٌ بعودة الديمقراطية إلى تلك الدول بعد سنواتٍ من الحرب، وإنها جاءت أيضاً لتأكيد اهتمامه بدول القارة، ومساعدتها في تحقيق الرخاء الاقتصادي. والولايات المتحدة ليس بوسعها أن تهمل ساحتها الخلفية، حتى وهي في غمرة انشغالها بالحرب ضد ما تصفه بالإرهاب.

وقد أكد الرئيس بوش في زيارته للمكسيك وبيرو والسلفادور أن بلاده على استعداد لإنفاق عشرة مليارات دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة للمساعدة في تنمية الدول التي لم تتخذ خطواتٍ جادة لمحاربة الفساد واحترام حقوق الإنسان، أي أن دول أميركا اللاتينية ستكون مختبراً للامتحان الأميركي المباشر يضع حكوماتها أمام استحقاقات طال أمدها، وهي مكافحة الفساد، وشفافيةٌ أكثر و حاكميةٌ أفضل، ولكن أغلب هذه الدول عانت من حروب أهلية دامية خلال العقود الأربعة الأخيرة، وسببت مشاركة الولايات المتحدة في هذه الحروب استياءاً شديداً لدى شعوبها تجاه واشنطن، ربما يكون قد وجد ترجمةً عنيفةً له في انفجار سيارة مفخخة قرب السفارة الأميركية في (ليما) قبيل وصول الرئيس بوش.

أما في المكسيك حيث حضر الرئيس الأميركي مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة الفقر، فقد أعلن التزام بلاده بالعمل لتحسين الأوضاع في دول أميركا اللاتينية المجاورة للولايات المتحدة، وهذا يعني اعترافاً أميركياً ضمنياً بأن الفقر يدفع الأفراد إلى الوقوع في براثن الفكين الذين تخشاهما الدوائر الأميركية في جوارها، ألا وهما الإرهاب والمخدرات.

ولكن هل ستنجح واشنطن في دفع الدول الأميركية اللاتينية إلى تحقيق نجاحٍ في محاربة حركات التمرد اليساري والفساد وتجارة المخدرات؟، هذا سؤالٌ سيظل مرهوناً بمدى التزام الأميركيين بإخراج هذه الدول من أزماتها الاقتصادية بدل أن تدفعها لخوض حروبها ضد اليسار نيابةً عنها.

دعوى التعويض عن العبودية ومحو الماضي وآلامه

جميل عازر: العبودية جُرحٌ لا يمكن أن يلتئم وقد حكمت على السود في أميركا بمزيد من الفقر والبطالة ونقص التعليم، هذا ما ورد في الدعاوى الثلاثة التي رفعت في المحاكم الفيدرالية ضد ثلاث شركات عملاقة للمطالبة بتعويضات لخمسةٍ وثلاثين مليون أميركي من المنحدرين من العبيد الأفارقة، فاللجوءُ إلى القانون لمحاولة تصحيح الغبن السياسي والاجتماعي أصبح أسلوباً مقبولاً خلال العقد الماضي خاصةً لما تحقق فيه من نجاحٍ في الحصول على تعويضات لضحايا ما تُعرف بالمحرقة أو (الهولوكُست)، ولكن هل دفع تعويضات مهما يكن شكلها سيعمل على إزالة النُدب التاريخية والاجتماعية التي خلَّفتها العبودية؟

الاسترقاق في أميركا

تقرير/حسن إبراهيم: كان استرقاق الأفارقة للعمل في القارة الجديدة أميركا من جرائم ما بعد الثورة الصناعية التي لم يفلح العالم الغربي، وخاصةً الولايات المتحدة في محو آثارها فمنذ وصول أو شحنة عبيد في عام 1619م وحتى قرار تجريم الرق الذي أصدره الرئيس (إبراهام لينكولن) عام 1863م مر الأميركيون الأفارقة بمراحل عِدة، وعانوا الأمرَّين من تعنت المجتمع الأميركي رسمياً كان أو على صعيدٍ شعبيٍ أو فردي.؟ فعلى الرغم من أن التعديل الدستوري الخامس عشر منح الأفارقة الأميركيين حق التصويت، فإننا نجد وبعد مرور ما يقارب مائةً وثلاثين عاماً من هذا التعديل أن نسبة التصويت في أوساط الأفارقة الأميركيين هي الأقل في الولايات المتحدة، حيث أن واحداً فقط من كل ثمانيةٍ منهم يشارك في الانتخابات.

وما بين حركة العودة إلى أفريقيا التي بدأها في العشرينات من القرن المنصرم (ماركوس جاردي) وإلى حركة الحقوق المدنية التي بدأت في الستينيات على يد الدكتور (مارتن لوثر كنج جونير) حدثت تغييراتٌ كثيرةٌ في مجتمع الأميركيين الأفارقة، فرغم تحسن الأوضاع الاقتصادية وإقرار قوانين تمنع التمييز ضدهم، بينما تقلد كثيرون منهم مناصب رفيعة مازال المجتمع يمارس ضدهم تمييزاً ظالماً، فمازالت الوظائف الوسطى والعليا خارج متناول معظمهم، ومازال مجتمع الأفارقة الأميركيين مفككاً خاصةً في دواخل المدن الكبرى، ويعيش معظمهم على الإعانات التي تقدمها الدولة، والتي أخذت الإصلاحات الاقتصادية منذ عهد الرئيس (ريجان) تحد منها، والنتيجة الحتمية للتهميش الاقتصادي والسياسي هي الانغماس في الجريمة، فترى بيع المخدرات والدعارة والجريمة المنظمة متفشية في أوساط الكثيرين من شباب الأميركيين الأفارقة، وكان رجال مثل (مالكوم مكس) زعيم حركة المسلمين السود، و(استكلو كارل مايكل) زعيم حركة الفهود السود قد أوقدوا جذوة ما يسمى بالقوة السوداء التي تحرك كثيراً من الناشطين الأميركيين في الوقت الحالي، وكانت مسيرة المليون رجل التي دعا إليها زعيم جماعة أمة الإسلام (لويس فرقان) دليلاً على غضب الأقلية الأفريقية في الولايات المتحدة ومدى يأسهم من المؤسسة الحاكمة.

وها هي الدعوى التي رفعتها الناشطة (ديجريا فارما بريدمان) الأفريقية الأميركية ضد ثلاثة من كبريات الشركات الأميركية، والتي كانت في الماضي قد نقلت العبيد أو استخدمتهم بدون أجرٍ أو مولت استرقاقهم باعتبار العبيد جزءً من الضمان اللازم لمنح القروض وقيمة الدعوى هي واحد وأربعة أعشار ترليون فهل يكفي هذا لمحو عار الماضي وآلامه؟!

جميل عازر: وبهذا نختتم الجولة في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضاراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت.

وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.