مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

16/11/2002

- التحديات التي تواجه العراق بعد قبوله بقرار مجلس الأمن.
- حل الأزمة القبرصية في ظل العلاقة التركية اليونانية.

- الصين ومفترق طرق بين الشيوعية والرأسمالية.

- الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران.

- الاتحاد الأوروبي وامتطاء بوتين موجة الحرب ضد الإرهاب.

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:

العراق قبول على مضض للقرار الدولي، والتحديات أعظم من التوقعات، ومفتشو الأسلحة يتأهبون.

قبرص على أجندة الحلول الدولية، فهل تصلح تركيا واليونان علاقاتهما من أجل إعادة توحيد الجزيرة؟

والصين في مفترق طرق بين الشيوعية والرأسمالية، (جين طاو) في مكان (زيمين)، فما هي التبعات؟

التحديات التي تواجه العراق بعد قبوله بقرار مجلس الأمن

على مضض قبل الرئيس العراقي بقرار الفرصة الأخيرة، وعلى مضض أيضاً يتوقع أن يفتح كل خزائن أسرار برامج أسلحة الدمار الشامل، إذا أراد الإذعان لما ورد من شروط لإتمام عملية التفتيش على الطريق إلى إصدار شهادة براءة من امتلاك تلك الأسلحة، فليس من خيار آخر أمام صدام حسين، كما أن عرقلة عمليات التفتيش بأي شكل ستجعل من قبول القرار بما فيه من نيل -إن لم نقل امتهاناً للسيادة العراقية -عملية عقيمة، وإذا أضفنا وقوف الولايات المتحدة وبريطانيا -على الأقل- له بالمرصاد بحثاً عن أي ذريعة لشن حرب، فإن احتمال الحرب لا يزال أقوى من احتمالات السلام مهما قال المتفائلون.

التهديدات الأميركية بضرب العراق
تقرير/ حسن إبراهيم: ما أن أعلن الرئيس العراقي قبوله بقرار مجلس الأمن الدولي، وأعرب كثيرون في خارج العراق عن ارتياحهم بادر الأميركيون إلى التشكيك في الموقف العراقي، وهو الأمر الذي يثير تساؤلات عما إذا كانت الموافقة العراقية التي أتت في رسالة مطولة من القيادة العراقية إلى السكرتير العام للأمم المتحدة ستؤدي إلى انفراج للأزمة، أو أنها ستكون مجرد إرجاء للحرب؟ ولم يكن متوقعاً ألا يعبر العراقيون بشكل أو آخر عن رفضهم لقرار مجلس الأمن، وكان ذلك واضحاً في موقف المجلس الوطني الذي صوت بالرفض، متجاهلاً دعوة عدي ابن الرئيس العراقي الذي نادى بقبول القرار (1441)، واستخف البيت الأبيض بقرار البرلمان العراقي، لأنه يعلم أن مركز اتخاذ القرار في العراق هو صدام حسين، ويرى المراقبون أن هناك من الفرص لحدوث مواجهة، خاصة إذا أصرت الولايات المتحدة على ما قاله وزير خارجيتها عن أن أعضاء مجلس الأمن الدولي -وليس مفتشي الأسلحة وحدهم- يمكن أن يحكموا إذا كان إعلان العراقيين عدم وجود أسلحة دمار شامل لديهم هو عين الحقيقة أم لا، وليس هذا مصدر القلق الأوحد، فالقرار الدولي يشتمل على شروط ومتطلبات قد يستحيل على العراقيين القبول بها، من بينها ما ينص على حرية المفتشين في استجواب أي مسؤول عراقي في أي مكان وزمان، وهناك أيضاً ما هو مطلوب من العراقيين أن يكشفوه عن تفاصيل برامج التسلح الكيماوي والبيولوجي والنووي لديهم في غضون ثلاثين يوماً، فهل لو أُغفلت معلومة -لسبب أو آخر- سيكون ذلك بمثابة خرق للقرار يستوجب العقوبة؟

وبينما ستظل الإدارة الأميركية تهدد بحرب ضد العراق لأقل تعثر في عملية التفتيش، فإنها تتجنب الإشارة إلى عامل رئيسي بين دوافعها وراء هذا الموقف، فمن المعروف أن روسيا والصين وفرنسا قد فازت بحصة الأسد من عقود تصدير حقول النفط والغاز العراقية، ولا يمكن القول إن الشركات الأميركية لا تريد حصتها من كعكة الطاقة العراقية التي تناهز قيمتها المائة ترليون دولار، ولا يعتقد أن العراق وفق المعطيات الحالية وفي ظل العداء الأميركي المعلن لنظام الرئيس صدام حسين سيقبل بطيب خاطر على منح الشركات الأميركية أي عقود ولو كانت هامشية، وللوبي النفطي الأميركي موقف بالطبع قد يصب في اتجاه الحرب ضد العراق، ولو امتثل للقرارات الدولية، أما وقد بدأت الاختلافات بالظهور حول مبررات الإجراء العسكري فإن (هانز بليكس) رئيس لجنة الرصد والتحقق والتفتيش، سيجد نفسه في وضع لا يحسد عليه بين وجوب قيامه بعملية بحث علمي وبين التحامل الأميركي السياسي على العراق، فتقارير المفتشين الدوليين ستعني الفرق بين عراق بدون أسلحة دمار شامل وعراق مدمر في حرب أميركية يعارضها الكثيرون.

حل الأزمة القبرصية في ظل العلاقة التركية اليونانية

جميل عازر: وكأنه موسم إيجاد حلول في الأمم المتحدة لمشاكل دولية، تقدم الأمين العام للمنظمة الدولية بخطة لحل المشكلة القبرصية، فالجزيرة المقسمة منذ أوائل السبعينات بين ثلث شمالي تركي وجنوب يوناني تؤرق العلاقة بين أثينا وأنقرة، وهل سيكون أي حل مقبول للقبارصة اليونانيين والأتراك محصلة للحالة بين راعيتي الطائفتين؟ فإن البحث عن حل لابد وأن يأخذ تلك العلاقة بعين الاعتبار، ولكن هناك من العناصر المؤثرة على نوعية هذه العلاقة ابتداءً من الخلاف على ثروات بحر إيجة وحتى محاولات تركيا للدخول في عضوية الاتحاد الأوروبي تجعل الوصول إلى حل حتى في إطار ما اقترحه (كوفي عنان) مسألة غير سهلة المنال.

قبرص صراع الجغرافيا والتاريخ
تقرير/ سمير خضر: ثمانية وعشرون عاماً مضت على ذلك اليوم من عام 74 حينما اجتاحت القوات التركية الجزء الشمالي من قبرص لتقسيم الجزيرة إلى شطرين، في ذلك الحين كانت حجة (بولنت أجاويد) حماية الأقلية التركية للجزيرة من الانقلاب العسكري الذي قادته اليونان في نيقوسيا، ومرت السنوات الواحدة تلو الأخرى، والكل يتحدث عن إعادة توحيد شطري قبرص، لكن الاتفاق حول سبل تحقيق ذلك بقي بعيد المنال، إذ لم يكن الأمر يتعلق برغبة القبارصة أتراكاً كانوا أم يونانيين بقدر ما كان يتعلق بالجفاء والعداء المستحكم بين أنقرة وأثينا، لكن التحسن الذي طرأ مؤخراً على الأجواء السياسية بين البلدين ساعد في تحريك القضية من جديد على خلفية رغبة الاتحاد الأوروبي في ضم قبرص إلى عضويته.

أنقرة ترفض ضم الشطر الجنوبي للاتحاد قبل وعد جدي من الأوروبيين بضم تركيا إلى ناديهم، وهي تلقى الدعم في هذا المطلب من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، حتى اليونان -العدو اللدود- بدأت تلمح لإمكانية تحقيق مثل هذا الطلب رغم معارضة دول أوروبية متنفذة كألمانيا وفرنسا.

الأمم المتحدة ممثلة بأمينها العام (كوفي عنان) قدمت هذه المرة خطة جديدة تحمل في طياتها الكثير من الآمال، فهي تتضمن إعادة توحيد الجزيرة في دولة واحدة تتشكل من كيانين منفصلين، ولكن بهوية واحدة لا يونانية ولا تركية، بل قبرصية، ويتم تقاسم السلطة من خلال مجلس رئاسي من ستة أعضاء، وبرئاسة دورية مدتها عشرة أشهر بعد فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، وبعدها يتم قبول قبرص في عضوية الاتحاد الأوروبي وتحتفظ كل من تركيا واليونان بعلاقات خاصة مع هذه الدولة التي ستكون منزوعة السلاح ومحظوراً عليها شراء الأسلحة، على أن يسمح لأنقرة وأثينا بالحفاظ على قوات عسكرية محدودة العدد في الجزيرة لضمان الأمن والسلم، ورغم أن خطة عنان تأخذ بالاعتبار كثيراً من مطالب الطرفين فأنها تستدعي أيضاً منها تقديم تنازلات مؤلمة، خاصة فيما يتعلق بشكل نظام الحكم وكيفية تقاسم السلطة، زعيما الشطرين التركي (رؤوف دنكطاش) واليوناني (جلافكوس كلاريدس) لم يخفيا استعدادهما للتعاطي بإيجابية مع خطة عنان، وهو تطور لم تشهده القضية القبرصية منذ عام 74، لكن كلا الطرفين يعيان تماماً حقيقة أن المعضلة -أو بالأحرى -العائق الرئيسي أمام أي تقدم في هذا المجال لن يأتي إلا من بروكسل مقر الاتحاد الأوروبي الذي لا يزال متردداً في قبول عضوية تركيا، رغم أنها تشكل حجر أساس في خط الدفاع عن أوروبا من خلال عضويتها في حلف شمال الأطلسي.

جميل عازر: ونتابع تطورات القضية القبرصية وينضم إلينا من اسطنبول (الكاتب والمحلل السياسي) فايق بولوط. أستاذ فايق، بداية هل تعتقد أن الأوضاع السياسية الآن في تركيا يعني مواتية لقبول خطة الأمم المتحدة بشأن قبرص؟

فايق بولوط (كاتب ومحلل سياسي - اسطنبول): لا أستطيع أن أقول أن الأجواء السياسية مواتية وملائمة حتى الآن ولكن هناك فرص وبعض نقاط على أن الأجواء ستتحسن.. تتحسن أكثر فأكثر مع مجيء هذه الحكومة يعني حزب العدالة والتنمية إلى السلطة أكثر فأكثر، وخاصة بعد الجولة التي ستقوم بها.. قامت بها وسيقوم بها أيضاً السيد (رجب طيب أردوجان) إلى أوروبا الغربية، مما يعني أنها ستكون هناك أجواء جيدة مع الوقت.

جميل عازر: طيب أستاذ فايق، هل.. يعني هناك ما يدل على أن زعيمي الطائفتين القبرصيتين رؤوف دنكطاش وجلافكوس كلاريدس يمتلكان كل وسائل اتخاذ قرار بالنسبة للقضية القبرصية؟

فايق بولوط: لا يمكن قول ذلك، لأن زعيمين لطائفتين في قبرص، على كل حال وهذا طبيعي جداً إنه مرتبطين بشكل آخر لدولتين مستقلتين وهما اليونان وتركيا مما يعني أنه هذان زعيمان عليهم أن.. التشاور مع أنقره وأثينا، وهذا.. هذه المشاورة أيضا قد بدأت.. قد تقرر خصيصاً مع كلاريدس، واليوم أيضاً السيد رجب طيب أردوجان بدأ بتشاور مع رؤوف دنكطاش مما يعني أن القرار سيتخذ بصورة مشتركة وبصورة رباعية وليست.. ليست بصورة ثنائية.

جميل عازر: طيب، في تقديرك كيف يمكن أن تصف العلاقة بين أثينا وأنقره في الوقت الراهن، إذا كان الحل القبرصي هو سيكون محصلة لنوع هذه العلاقة؟

فايق بولوط: مع مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة نرى أن علاقة ستتطور في وقت ما وفي المستقبل الآتي، فبما يؤثر على العلاقات الثنائية بين أثينا وأنقرة لأن المسألة القبرصية هي لب النزاع مع نزاع أيضاً دائر على بحر الإيجة، ولكن الأهم شيء المسألة القبرصية، انحلت المسألة القبرصية، هذا.. وهذه ستمهد الطريق لتحسين علاقات وتقليل التوتر بين الدولتين، وأيضاً تعاون مشترك نحو عضوية أوروبا والاتحاد الأوروبي أو مساعدة الدولة اليونانية لتركيا للترشيح لعضوية وتسهيل أمورها نحو عضوية في الاتحاد الأوروبي، هذا من جهة، من جهة..

جميل عازر [مقاطعاً]: هل.. هل أستاذ فايق.. أستاذ فايق بالنسبة للاتحاد الأوروبي هل تعتقد أن تركيا تستطيع أن تلعب بورقة قبرص للحصول على عضوية أو على الأقل للبدء في مفاوضات من أجل عضوية الاتحاد الأوروبي؟

فايق بولوط: بالطبع، فتركيا منذ زمان واليوم أيضاً، حتى الآن فمستقبلاً أيضاً ستلعب ورقة قبرصية لترشيح نفسها ولقبولها من قبل الاتحاد الأوروبي وهذا ما كرره أيضاً رجب طيب أردوجان (زعيم حزب التنمية والعدالة) اليوم، يعني قبل نصف ساعة، فقال إنه لابد من قبول الكيانين، يعني التركي واليوناني لعضوية الاتحاد الأوروبي في آن واحد مع.. مع قيام دولة شراكة، يعني تقاسم للسلطة طبعاً، أن ما يعنيه.. فهذا ما أكده أيضاً وكرره أيضاً رجب طيب أردوجان فيعني أن تركيا ستلعب بهذه الورقة إلى.. إلى النهاية، حتى آخر لحظة ولأنها ليست لديها أوراق كثيرة بهذا الخصوص.

جميل عازر: طب أستاذ فايق، يبدو أن الخطة التي اقترحها كوفي عنان ترتأي قيام كونفدرالية قبرصية تضم سيادة واحدة، تبعية واحدة، شخصية دولية واحدة، هذا في الواقع يعني ذوبان الأتراك وهم الأقلية في.. في الهوية القبرصية هوية الأغلبية وهي يونانية، هل سيكون هذا مقبولاً للأتراك؟

فايق بولوط: في الحقيقة أنا.. اليوم أنا تحدثت مع بعض الخبراء وخبراء مطلعين بالأمور، ولهم صلة أيضاً.. صلةٌ بالأمور القبرصية، فقالوا.. مما قالوا هذه.. فيما قالوا هؤلاء الخبراء أنه المسألة القبرصية ستحل بشكل أو بآخر، يعني لا يمكن أن تبقى المسألة القبرصية على هذه الحال، على حالتها هذه إلى.. إلى ما لا نهاية هذا من جهة.

من جهة أخرى إن نعرف إنه صحيح في السابق إنه كانت هناك تجربة مريرة جداً بالنسبة لأقلية تركية في قبرص، ولكن أعتقد أنا في الرأي أنه القبارصة اليونانيون أيضاً استخرجوا دروساً جيدة من الماضي بحيث أن أغلبية يونانية في قبرص لا.. لا يمكنها أن تتصرف تصرفاً كيفياً ومزاجياً، بل ضمن إطار والحقوق والاتفاقيات التي سوف تبرم بين الطرفين مع ضمانات.. ضمان أميركا.. الولايات المتحدة ومع ضمان لندن يعني بريطانيا وأنقره وأثينا، فأطراف ستلتزم بهذه الشروط.

جميل عازر: طيب أستاذ فائق، أخيراً وباختصار في تقديرك ما هو العامل الحاسم الذي سيقرر بين نجاح أو فشل الخطة التي تقدمت بها الأمم المتحدة لحل المشكلة القبرصية؟

فائق بولوط: بالنسبة لتركيا خاصة أنقره و.. هذا ما كرره أيضاً رجب طيب أردوجان أنه كل الأمور وكل النقاط قابلة للتفاوض، والتفاوض لا يعني أن.. إن قبول كل الشروط المفروضة ومطروحة ومقترحة من قبل خطة كوفي عنان، ولكن خطة كوفي عنان ممكن أن نقسمها إلى قسمين، قسم الذي يمكن قبولها بسهولة، ولكن القسم الثاني هو الباقي ويمكن تفاوض عليها بضراوة.

جميل عازر: نعم، الأستاذ فائق بولوط في اسطنبول شكراً جزيلاً لك. ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها أيضاً بعد فاصل:

إيران والحكم على أحد الإصلاحيين بالإعدام هل في هذا بذور ثورة جديدة؟

[فاصل إعلاني]

الصين ومفترق طرق بين الشيوعية والرأسمالية

جميل عازر: وإلى بكين حيث عقد الحزب الشيوعي الصيني جلسة تعتبر تاريخية في سجل الحركة الشيوعية في الصين، فقد تسلمت زعامة الحزب مجموعة من القياديين على رأسهم (خو جين طاو) وهو نائب للرئيس (جانج زيمين)، ورغم استمرار العلاقة بين القديم والجديد في القيادة الصينية ببقاء جانج رئيساً للجنة القوات المسلحة فإن الصين مقبلة بكل تأكيد على مستقبل مليء بالتحديات ابتداءً من التعامل مع مشكلة انفصال تايوان وحتى تبعات سياسة الانفتاح الاقتصادي والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، كيف لا والصين دأبت على مقاومة الرأسمالية منذ تأسيس نظام الحزب الواحد على يد (ماو تسي تونج) عام 48.

تقرير/ أسامة راضي: المؤتمر العام السادس عشر للحزب الشيوعي الصيني دشن على مدار أسبوع أول انتقال سلس للسلطة، وتسليم القيادة من جيل جاوز السبعين إلى جيل لم يبلغ الستين بعد، عملية تسليم السلطة التي تمثل التطور السياسي الأهم في الصين منذ أحداث ميدان السلام السماوي عام 89 التي تسلم بعدها جانج زيمين السلطة رافقتها تعديلات في دستور الحزب الشيوعي قد توصف بأنها انعطافة حادة في تاريخه الذي لم يخلُ من اضطرابات، فنظرية التمثيل الثلاثي التي نجح زيمين في إدراجها ضمن دستور الحزب -وإن لم يدرج اسمه إلى جانب منظريه الراحلين- تسمح بدمج طبقة الرأسماليين الجدد في مؤسسات الدولة وخاصة في الحزب الشيوعي الذي كان ألد خصومه في السابق الفكر الرأسمالي وهو ما قد يعتبر بمثابة عملية توسيع صدره لاستيعاب متطلبات الانفتاح الاقتصادي والتجاري الذي قد يضطلع به الجيل الرابع من قادة الحزب الشيوعي، إلا أن الجيل الجديد الذي أشرف الرئيس الصيني (جانج زيمين) على إعداده قبل تنحيه عن سكرتارية الحزب يحمل في تركيبته بذور ما قد يراه البعض اختلافاً، إذ نجح جانج في إيصال ستة من حلفائه إلى عضوية اللجنة الدائمة بالمكتب السياسي للحزب والتي ضمت تسعة أعضاء، هذه الخطوة إلى جانب احتفاظ الرئيس الصيني برئاسة اللجنة العسكرية المركزية بالحزب تشير إلى أن جانج إضافة إلى أنه سيسلم الرئاسة في مارس المقبل قد ضمن لنفسه موقعاً مؤثراً من وراء الكواليس أسوة بمن سبقوه من الزعماء الصينيين وأن يد خليفته لن تكون مطلقة، خو جين طاو الرئيس الصيني القادم لا يتجاوز عمره التاسعة والخمسين ولا يتمتع بشعبية كبيرة لدى الصينيين رغم مروره في مرحلة إعداد للمنصب تشبه إلى حدٍ كبير حملة انتخابية أو تسويقاً لوجه فقير التعابير كنشأة صاحبه مما قد يساعده على التعامل مع ملفات صعبة منها وضع تايوان والعلاقة مع الولايات المتحدة ومواصلة التوجه الانفتاحي الاقتصادي ومحاولة تحقيق مستويات أعلى من التنمية.

جين طاو الذي حكم إقليم التبت حيث مارس الشدة فيه تعهد فور توليه قيادة الحزب بالمضي قدماً في إصلاحات اقتصادية دون تفصيل وهو اتجاه يأمل البعض أن يساهم في القضاء على الفساد وإعداد البلاد لمواجهة تبعات انضمامها لمنظمة التجارة العالمية، إلا أن عدم استناد الرجل إلى شعبية واسعة وممارسة جانج نفوذاً عليه قد يدفع إلى الاعتقاد بأنه سيكون بحاجة لبعض الوقت لوضع بصماته سواء في السياسات الداخلية أو الخارجية أو لظهور ملامح شخصيته التي تتسم بغموض يخشى الصينيون أن يكون سمة أيضاً لمستقبل بلادهم تحت قيادته.

الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران

جميل عازر: إذا تململ الطلبة انتفض الشارع مقولة تنطبق في أكثر الأحيان على ما يحدث في إيران، فالمظاهرات الطلابية في جامعات العاصمة وعدد آخر من المدن اعتراضاً على إصدار حكم بالإعدام على (هاشم أغاجري) أحد المفكرين الإصلاحيين المعروفين في إيران، استثارت غضب المحافظين الذين يسيطرون على النظام القضائي، وهذه قصة مألوفة في الشأن الإيراني منذ مجيء الإصلاحي محمد خاتمي إلى سدة رئاسة الجمهورية، فهل للإصلاح أن يستمر، أم أن التيار المحافظ سيجد في الأوضاع الراهنة والتهديدات الخارجية حليفاً لمقاومة الإصلاح؟

محمد خاتمي
تقرير/ جيان اليعقوبي: هل تبدو إيران بحاجة إلى ثورة جديدة؟ فالغليان الذي لم يهدأ منذ سنوات بين الإصلاحيين والمحافظين أو بين الشباب والشيوخ أو بين رجال الدين ورموز المجتمع المدني أو اذكر ما شئت من تسميات يصب في حالة عدم الرضا التي لا تجد سبيلاً للتعبير عنها سوى المظاهرات والمسيرات الحاشدة، ولا يعدم الشباب أسباباً للثورة، جاءت هذه المرة على خلفية الحكم بالإعدام الصادر على المفكر والكاتب الإصلاحي (هاشم أغاجري) بعد نفيه وسجنه عشر سنوات في مناطق إيرانية نائية، ومنعه من التدريس في الجامعة، وجلده أربعاً وسبعين جلدة، كل هذا بسبب قيام أغاجري أستاذ التاريخ في دار المعلمين بانتقاد بعض أمهات الكتب لدى الشيعة، مثل كتاب "بحار الأنوار" لمحمد باقر المجلسي، الذي يحوي الآلاف من الروايات والأحاديث المروية عن الرسول الكريم، والتي يشكك الكثيرون في صحتها، كما وجه أغاجري انتقادات عنيفة إلى بعض رجال الدين المحافظين، بسبب تشددهم ورفضهم التطور، وقد دافع الإصلاحيون عن أغاجري المعروف بالتزامه الديني ودوره البارز في الأيام الأولى من الثورة، كما أنه كان أحد الذين أصيبوا بجروح بليغة أثناء الحرب العراقية الإيرانية، ولكن تاريخه هذا لم يشفع له أمام المحكمة، إلا أن المدد جاء من الطلاب الذين انطلقوا في مظاهرات حاشدة من أكثر من أربعين جامعة في طهران ومشهد وشيراز وأصفهان وتبريز، وهمدان، وغيرها من المدن للدفاع عن أستاذهم، ومع أن الطلاب قد منعوا من الخروج من الحرم الجامعي إلى الشوارع، فإن زخم هذه المظاهرات وعنفها دفعت بعض المحللين للاعتقاد أنها ربما تعيد سيناريو المظاهرات التي أدت إلى أحداث تموز/ يوليو من عام 99، وقد تزامنت الاحتجاجات الحالية مع تقديم الرئيس محمد خاتمي مشروعي قانون يهدفان إلى الحد من نفوذ المحافظين، أحدهما يدعو إلى تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، فيما يهدف الآخر إلى تعديل قانون الانتخابات، والحد من سلطات المجلس الدستوري، ويهدف الإصلاحيون من هذا التحرك إلى دعم إصلاحاتهم بوسائل قانونية للحد من سيطرة المحافظين على الجهاز القضائي، ولهذه المقترحات أهمية استثنائية، لأنها ستتحكم في ثلاثة استحقاقات مقبلة، هي الانتخابات البلدية عام 2003، والنيابية عام 2004، والرئاسية 2005، وتعتبر هذه المعركة مصيرية، إذ يحاول إصلاحيون الخروج من هذه الوضعية المقلقة التي يجدون أنفسهم فيها داخل عنق زجاجة، بدون أي أمل في التغيير الحقيقي إذا ما بقيت الأجهزة الأساسية في أيدي خصومهم، ولكن المؤشرات كلها تدل على أن الوضع الإقليمي والدولي في ظل طبول الحرب التي تقرعها واشنطن لن تسمح لهذه الأزمة بأن تطول، وربما سيُقمَع الإصلاحيون، أو سيُطَالَبون بالتخلي عن برامجهم مرة أخرى، خدمة للمصالح العليا، ومقتضيات الأمن القومي.

الاتحاد الأوروبي وامتطاء بوتين موجة الحرب ضد الإرهاب

جميل عازر: ليس جديداً هذه الأيام أن يحاول الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) امتطاء أحد الجياد الأميركية الجامحة في الحرب على الإرهاب. فالقضية الشيشانية وكيفية تعامل روسيا معها تسلب بوتين الكثير من المعنويات، وتضعف موقفه في أي مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي رغم أمله في أن تهب واشنطن لنجدته، لقاء خدماته في مكافحة الإرهاب، فالأوروبيون يدركون أن بوتين يسعى للحصول على مقابل، وهم بارعون في الحصول على الثمن المناسب.

فلاديمير بوتين
تقرير/أحمد كامل: في أول امتحان دولي له بعد حادثة مسرح موسكو أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عصبية وتشدداً وصلا حد المبالغة، بوتين الذي عزم على ما يبدو على الذهاب بعيداً في تصعيد قمع الحركة الاستقلالية الشيشانية، تحدث في بروكسل بنبرة تجاوزت في الحدة نبرة من باتوا يعرفون بصقور البنتاجون، اعتبار الإرهاب الخطر الأكبر الذي يهدد العالم، التخويف من مؤامرة إسلامية رهيبة تريد إقامة الخلافة الإسلامية على كل أراضي روسيا، كمقدمة لاحتلال العالم كله، وصم كل الحركة الوطنية الشيشانية بالإرهاب، وبصورة واضحة اصطف بوتين في المعسكر الغربي، وتحديداً الأميركي، وركب موجة الحرب على الإرهاب، مقتفياً أثر العرَّاب الأميركي لتلك الحرب، وصم العدو أو بعض أفراد منه بالإرهاب كمقدمة لاستباحة هذا العدو والتخلص من أي التزام قانوني أو سياسي أو أخلاقي في التعامل معه.

أمام الغضب الروسي المبالغ فيه عن قصد كان الرد الأوروبي مهذباً عن قصد، لا ضغط على الإطلاق على موسكو، بل مجرد عبارات لم ترد في البيان الختامي تدعو روسيا لحل سياسي في الشيشان، وتطالبها باحترام حقوق الإنسان الشيشاني، وبالسماح بإيصال المساعدات لضحايا الحرب الطاحنة في الجمهورية القوقازية التي قتل عُشر سكانها في سبع سنين، فالأوروبيون لا يريدون خسارة ما تمثله روسيا من مصدر كبير للموارد الأولية، وسوق كبيرة حتى وإن كانت فقيرة وتنمو ببطء شديد، وعدا عن تعهد حازم بتعزيز تعاون الاتحاد الأوروبي وروسيا في مكافحة الإرهاب، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل وثَّق الطرفان تعاونهما الاقتصادي، حيث أعلن الاتحاد الأوروبي اعتباره الاقتصاد الروسي نهائياً اقتصاد سوق رأسمالي، ووضع أسس بناء فضاءٍ اقتصادي مشترك بين الاتحاد الأوروبي وروسيا التي قطعت كل جذور النظام الاشتراكي.

أخيراً اتفق الجانبان الروسي والأوروبي على إيجاد حل لمسألة جيب (كاليننجراد) وهي مقاطعة روسية محصورة بين لتوانيا وبولندا، ما يعني أنها ستصبح جزيرة روسية في قلب أراضي الاتحاد الأوروبي، مع انضمام الدولتين قريباً إلى الاتحاد، الحل يضمن حق مواطني المقاطعة بالتنقل بحرية بين جزئي وطنهم، ويضمن للاتحاد الأوروبي أن لا تتحول المقاطعة إلى باب خلفي للهجرة غير المشروعة من روسيا، ومن دول شرق أوروبا غير الموعودة بالدخول قريباً إلى الاتحاد الأوروبي. تشدد روسي، وتردد أوروبي، وصمت عالمي، كل ذلك ينذر بأن جمهورية الشيشان قد تعيش حمام دم ربما لم تعرف مثله من قبل، ولكنه ينذر أيضاً بعمليات انتقامية شيشانية على شاكلة عملية مسرح موسكو، أو أشد قسوة.

أحمد كامل -(الملف الأسبوعي)- بروكسل.

جميل عازر: وبهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي) نذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، أو عبر بريد البرنامج الإلكتروني. وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر. فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله.