د. أحمد رفعت
د. حسن الترابي
جميل عازر

جميل عازر:
مشاهدينا الكرام، نرحب بكم إلى هذا العدد الجديد من (الملف الأسبوعي)، وفيه: جرائم الحرب في البوسنة والاغتصاب جريمة ضد الإنسانية، والحكم على مرتكبيه والمخططين له بالسجن مدداً متفاوتة.
العراق والأمم المتحدة، الصحاف يفتح الملف من جديد في محادثات مع كوفي عنان في (نيويورك).
والسودان، تفاهم الترابي مع الحركة الشعبية يثير غضب البشير فيعتقل زعيم المؤتمر الشعبي وعدداً من أعوانه.
كان الحكم على ثلاثة من صرب البوسنة في محكمة جرائم الحرب الخاصة بيوغسلافيا السابقة تاريخياً، أو هذا على الأقل ما قالته وزارة الخارجية الأميركية، ربما يكون في ذلك التعبير وصف فضفاض، ولكنه قريب من الواقع، إذ إن المحكمة تركزت على ما توصف بجرائم العنف الجنسي والاستعباد فوضعتا لأول مرة ضمن الجرائم ضد الإنسانية، فقط ظل واضحاً أن المجتمعات البشرية كانت تسلم حتى الآن بنوع محدد من التصرفات أثناء الحروب وكأنها أمر عادي، وهكذا فإن القانون الجنائي الدولي يكون قد اكتسب بعداً جديداً لضبط التعامل مع الأفراد في أوقات الحروب.

تقرير/ خالد القضاة:
أهمية المحاكمة التي عقدتها محكمة جرائم الحرب الخاصة بيوغسلافيا السابقة لا تكمن في انعقادها أو الحكم الذي صدر عنها بل في نوع الجرائم التي تناولتها، فقد ركزت بكاملها على جرائم العنف الجنسي التي ترافق الحروب خصوصاً المتعلقة بالاقتتال العراقي داخل البلد الواحد، ولذلك نبهت القاضية أثناء تلاوتها للحكم على أن تلك الجرائم لم تكن عرضية، وإنما قام بها قادة كبار قالت إنهم احتقروا آدمية من يعتبرونهم أعداء، وانتهكوا كرامة وحقوق النساء بطريقة بشعة، المسوغات التي استند إليها الحكم قد تكون كثيرة، ولكن يمكن تلخيص أهمها بأن الجرائم التي تضمنتها لائحة الاتهام تتعلق باعتبارات إنسانية أكثر من كونها جنائية، ومنها أن مشاكل اجتماعية ونفسية لا تزال تؤثر على الضحايا منذ تلك الفترة، إضافة إلى أن الجرائم كانت منظمة لاستغلال النساء المسلمات جسدياً، وأنه كان يقصد بالعنف الجنسي أن يكون سلاحاً يحقق فيه المتهمون أهدافاً خططوا لها سابقاً، ويتمثل ذلك في ترهيب فئة من السكان المدنيين لحملهم على النزوح، كما اتخذ المتهمون من العنف الجنسي وسيلة لصهر أو طمس أحد الأعراق في البوسنة والهرسك وكان الضحايا حينها من النساء والفتيات المسلمات، وبسبب فظاعة ما عرفته المحكمة عن أفعال المتهمين أصبح المجتمع الدولي يفكر في إنشاء محكمة جنايات دولية تعتبر بعض الأفعال التي كان مُسلَّماً بوقوعها في حالة الحرب جرائم ضد الإنسانية، رغم أنها في السابق لم تكن كذلك، ومن هذه الجرائم: الاغتصاب، والاستعباد لغايات جنسية، والإكراه على ممارسة البغاء، وإكراه الأنثى على الحمل، ثم القيام بتعقيم الذكور والإناث للقضاء على قدراتهم على الإنجاب.

أزمة البوسنة

وتعود الجرائم التي تناولها حكم المحكمة إلى أول أعوام الحرب البوسنية عندما استولت قوات صرب البوسنة على مدينة (فوكا) البوسنية، وقد عمد المتهمون الثلاثة إلى تعذيب، واغتصاب، واسترقاق نساء مسلمات وكان يتخذون من تلك الجرائم وسيلة للترويع تنفيذاً لسياسات ترمي إلى التطهير العراقي.
وكانت القضية التي أقيمت ضد الكرواتي البوسني (آنتو فرونزيا) الأولى التي اعتبرت فيها محكمة الأمم المتحدة الخاصة بيوغسلافيا السابقة، أن الاغتصاب جريمة حرب، وقد حكمت العام الماضي بسجنه 10 سنوات.

جميل عازر:
وكنت قد تحدثت إلى الدكتور أحمد رفعت (خبير القانون الدولي)، وسألته أولاً: هل هناك لائحة في القانون الدولي تحدد نوع الجرائم ضد الإنسانية؟

د. أحمد رفعت (خبير في القانون الدولي - القاهرة):
هو الحقيقة أن هناك اتفاقية بتحدد الجرائم ضد الإنسانية، هناك اتفاقيات عديدة في مجملها بتعد من الجرائم ضد الإنسانية، ولكن ما يحكمنا في.. بشأن الجرائم التي ترتكب أثناء الحرب –وهي جرائم الحرب بصفة خاصة- هي اتفاقية جنيف الرابعة، بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، التي تم إبرامها في أغسطس عام 1949م. وورد في..

جميل عازر [مقاطعاً]:
طيب هل.. هل.. هل.. تعتقد –دكتور أحمد- هل تعتقد أن الحكم الذي صدر على الصرب الثلاثة في (لاهاي) كافٍ ليكون رادعاً لتصرفات من هذا القبيل مستقبلاً؟

د. أحمد رفعت:
الحقيقة إنه.. إنه يعني اتفاقية (جنيف) الرابعة نصت على إنه.. على وجه التحديد في المادة 27 "ويجب حماية النساء بصفة خاصة ضد أي اعتداء على شرفهن ولاسيما ضد الاغتصاب" إذن الاغتصاب ورد في المادة 27 من اتفاقية جنيف، وهي التي تتعامل مع المدنيين أثناء العمليات الحربية، طبعاً..

جميل عازر [مقاطعاً]:
طيب، في أوقات الحروب -دكتور أحمد- يعني المشاعر تثور، ويفلت زمام السيطرة، وترتكب فظائع كيف يمكن، كيف يمكن أن نغير ما تعتبر –في اعتقادي- ثقافة اكتسبها الناس على مر العصور، حتى يعزفوا عن قبول ما أصبحت تعتبر مُسلَّمات حتى لو أنها فظائع؟

أحمد رفعت:
الحقيقة إنه.. إنه طبعاً دي مأساة كبيرة أن يقوم الجنود في أي معركة حربية أو عقب دخولهم إحدى المدن بعد انتصارهم في معركة من المعارك أو حرب من الحروب بأعمال فظيعة وأعمال لا إنسانية ضد المدنيين، وفي هذه الأحوال الدولة مسؤولة عن معاقبة هؤلاء، ولكن بيحدث كثيراً أن لا تعاقب الدولة جنودها، وبالتالي تكون قد انتهكت اتفاقيات القانون الدولي المخصصة لهذا الغرض.

د. أحمد رفعت:
ولكن في المستقبل بنأمل إنه المحكمة الجنائية الدولية، التي تم توقيع نظامها الأساسي في (روما) العام الماضي، أن تقوم هذه المحكمة.. يتم التصديق على نظامها الأساسي من قبل عدد.. العدد المطلوب من الدول، وبالتالي.. يصبح لدينا قضاء جنائي دولي، لو تم هذا..

جميل عازر [مقاطعاً]:
ولكن.. ولكن.. دكتور أحمد، ولكن إذا نظرنا إلى القرارات الدولية والخروقات التي ترتكب بشأنها على مختلف الأصعدة، كيف يمكن لمحكمة الجنايات الدولية أن تكون فعالة في مثل هذه الظروف؟ وكيف يمكن أن نمنع تفادي طرف أو آخر لمواجهة المحكمة في ملاحقتها لبعض الأشخاص؟

د. أحمد رفعت:
النظام اللي وضع في المحكمة راعى أنه من الممكن أن تحاول بعض الدول عدم الاستجابة فبتبدأ المحكمة أولاً بمطالبة الدولة بتقديم أو بالإدعاء من قبل المدعي العام في الدولة المطلوب تسليم بعض الأشخاص منها، وإذا لم تستجيب الدولة يقوم في المرحلة التالية المدعي العام الدولي التابع للمحكمة بتقديم هذا الإدعاء.

جميل عازر:
ولكن في نهاية الأمر، هل تعتقد أن كفاءة المحكمة ستكون مرهونة بنظام العقوبات كما حدث -على سبيل المثال- في قضية (لوكيربي) بين ليبيا والأمم المتحدة، ثم الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة أخرى.

د. أحمد رفعت:
الحقيقة إنه ما حدث بشأن قضية لوكيربي كان حالة خاصة واستثنائية، ولكن عندما تنشأ المحكمة الجنائية الدولية ستكون هي الأساس، لأنه غياب هذه المحكمة هو الذي أدى إلى ما حدث في لوكيربي، وأدى إلى أن يحاكم هؤلاء أمام محكمة اسكتلندية، وتكون هناك صيغة توفيقية لهذا الحل، طبعاً أنا أعلم أن هذا يسبب مشاكل كثيرة، ولكن بنأمل في المستقبل، لأنه محاولات إنشاء هذه المحكمة استمرت أكثر من مائة عام الآن، ونظراً لاختلاف التشريعات الجنائية في الدول وتمسك كل دولة بسيادتها، هو الذي أدى إلى تأخر هذه المحكمة، نحن نأمل الآن أن تنشأ المحكمة، أن تتنازل الدول عن التمسك الكامل بالسيادة، خاصة إذا كان هناك خرق القانون.

جميل عازر:
قال الأمين العام للأمم المتحدة: إن مجلس الأمن الدولي سيتحتم عليه أن يبت فبي أمر شرعية أو عدم شرعية فرض منطقتي حظر الطيران في شمالي العراق وجنوبيه، ولا شك في أن مثل هذه التصريحات تكتسب أهمية لأنها جاءت بينما كان كوفي عنان يستعد لمحادثات مع وزير الخارجية العراقي –محمد سعيد الصحاف- في نيويورك، وإذ يمكن أن نقرأ فيها دليلاً على محاولة عنان لإعلان استقلالية موقف الأمم المتحدة من العراق، فإن تأثير ذلك على موقف كل من (واشنطن) و (لندن) لا يمكن إلا أن يكون محدوداً، خاصة وأنها تنطوي على إيحاء بأنه ربما يكون للدعوى العراقية بعدم شرعية المنطقتين ما يبررها، ويبقى الأمر مرهوناً باستمرار العقوبات الحالية أو تبديلها.

الصحاف وعنان

تقرير/ حسن إبراهيم:
وزير الخارجية العراقي محمد سعيد الصحاف يلتقي بكوفي عنان في نيويورك، وبعد أقل من أسبوعين على الغارة الأميركية البريطانية على بغداد، الصحاف شدد على أنه سيقابل عنان يدون شروط مسبقة وأن سيقوم رؤية عراقية للخروج من هذه الأزمة، وحث –في معرض حديثه- الأمين العام للأمم المتحدة على شجب الغارة الأميركية –البريطانية الأخيرة على بغداد، فالعقوبات الدولية التي فرضت على العراق منذ غزو الكويت عام 90 لم يكن من ضمنها مناطق حظر طيران.
وشدد عنان على وجوب امتثال العراق لقرارات الأمم المتحدة كاملة، ويبدو وكأنه يريد أن ينأى بالمؤسسة الدولية عن أي موقف قد يغضب واشنطن، الولايات المتحدة وبريطانيا تقولان إن العراق يبني شبكة ألياف ضوئية بعون صيني، وقد استطاع بناء رادارات متقدمة تستطيع رصد الطائرات الأميركية والبريطانية حتى وهي تقلع من قواعدها في البلاد المجاورة للعراق، أو حتى من حاملة الطيران الراسية في مياه الخليج، وبالطبع أثارت هذه المعلومات مخاوف إسرائيل التي سارعت إلى إجراء مناورات مشتركة مع الولايات المتحدة تهدف إلى اختبار جيل جديد من صواريخ (باتريوت) المضادة للصواريخ.
ويبدو أن إدارة الرئيس (بوش) تهدف إلى إعادة المفتشين الدوليين إلى العراق للتأكد من أن العراق لن يستعيد بناء ترسانته من الأسلحة الاستراتيجية بمساعدة الصين أو أي دولة أخرى، فالجمهوريين عامة سواء في البيت الأبيض أو في الكونجرس يعتقدون أن إدارة (كلينتون) فشلت فشلاً ذريعاً في ضمان تطبيق العقوبات الدولية على بغداد، وهم بالتالي يحاولون الآن رد الاعتبار إلى نظام العقوبات المتهاوي حتى لو تحت مسميات جديدة، وضد أهداف جديدة من ناحية أخرى ستبقى المنظمة الدولية عاجزة عن الحركة في موضوع العقوبات على العراق، والذي سيبقى شأناً أميركياً وبريطانياً إلى حد كبير مهما قالت فرنسا وروسيا.
بغداد تقول: إنها نفذت كل ما هو مطلوب منها وأن صبرها قد نفذ، وتهدد بإجراءات مضادة، ولكن الظروف الدولية والإقليمية الراهنة وما تنطوي عليه من اعتبارات توحي بأن العراقيين سيحتاجون إلى مزيد من الصبر، ومواجهة مزيد من الغارات، إلى أن ترسم إدارة بوش خطة واضحة في التعامل مع المتغيرات العراقية.

جميل عازر:
ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً: مهاجرون أم لاجؤون، مئات الأكراد في جنوبي فرنسا بعد أن هَجَرَهم مهربوهم في عرض البحر.
تجد روسيا نفسها الآن في شيء من الحيرة وهي تحاول استشراف توجهات السياسة الخارجية للإدارة الأميركية الجديدة، فالرئيس جورج بوش يبدو عاقداً للعزم على تطور نشر النظام الصاروخي المضاد للصواريخ ضد تهديدات خارجية متصورة، ولكن هذه الاستراتيجية الأميركية تواجه انتقادات من جانب حلفاء واشنطن الأوروبيين بقدر ما تبديه موسكو وبكين من اعتراضات عليها، ولكن الاقتراح الروسي الذي طرحة الرئيس (بوتين) على (جورج روبرتسون) الأمين العام لحلف الناتو في موسكو بتطوير نظام صاروخي دفاعي أوروبي بديل يشكل بحد ذاته اعترافاً بالأخطار التي يتخوف منها الأميركيون، وإنما لهذا الاقتراح دلالات على الحسابات الاستراتيجية في تفكير الرئيس الروسي تحديداً.

صاروخ مضاد للصواريخ

تقرير/ أكرم خزام:
إعلان المقترحات الروسية الخاصة بإقامة نظام أوروبي غير استراتيجي للدفاع المضاد للصواريخ أثناء المباحثات مع (روبرتسون) بشكل في جوهر الأمر توسعاً روسيا باتجاه الغرب مقابل إصرار الناتو على التوسع باتجاه الشرق. روسيا تقترح على أوروبا بديلاً عن المظلة النووية الأميركية التي يرمي بوش تشييدها للاحتماء من ضربات صاروخية محتملة من بعض دول العالم الثالث، حسب وجهة نظر البيت الأبيض الأميركي، فحوى المقترحات الروسية يتمثل بجمع الأخصائيين لتقديم ما إذا كانت ثمة مخاطر من ضربات صواريخ غير الاستراتيجية وإنشاء نظام متكامل لصد أو تحييد تلك المخاطر بالسبل السياسية في حال التأكد من وجود مثل هذه المخاطر وصولاً إلى إقامة مكونات نظام الدفاع المضاد للصواريخ، على أن تكون هذه المكونات متحركة ومنتشرة لحماية المنشآت الهامة من ضربات الصواريخ المحتملة، بمعنى آخر المنظومة المقترحة لا تقصد إقامة مظلة نووية فوق القارة الأوروبية بأسرها، بل لحماية الاتجاهات الأكثر عرضة للهجمات الصاروخية.
روبرتسون وعد بدراسة المقترحات الروسية مع الفرقاء داخل الناتو مدركاً أن ألمانيا وفرنسا ترحبان بهذه المقترحات هروباً من بعبع نهج القطب الواحد الذي تتزعمه الولايات المتحدة.
ما يتعلق بتوسع الناتو شرقاً بقي الجانبان على مواقفهما، فروسيا لا تزال تضع خطوطاً حمراء على قبول دول البلطيق، والناتو يصر على قبول أي دولة ذات سيادة حتى ولو كانت مجاورة لروسيا تحت ذريعة أن (النرويج) عضو الناتو منذ زمن طويل والقريبة لروسيا جغرافياً لم تهدد يوماً ما أمن الدولة الروسية، وتركت هذه القضية مجالاً لنقاشات ومباحثات مستقبلية لعدم تعكير الأجواء بين روسيا والناتو، هذه الأجواء التي بدأت بالتحسن عبر فتح المركز الإعلامي للناتو في موسكو بعد قطيعة تامة منذ بدء حرب البلقان الأخيرة.
روسيا إذن تنوي التوسع باتجاه الغرب والناتو يؤكد على ضرورة التوسع شرقاً، الكلمة الفيصل في الخلاف بشأن منظومة الدفاع المضاد للصواريخ تعود للمباحثات بين واشنطن وموسكو، علماً أن الأمل معقود على تحرك أوروبي لقطع الطريق على التصادم والتهديد بالأزرار النووية.
أكرم خزام (الجزيرة) برنامج (الملف الأسبوعي) موسكو.

جميل عازر:
أبرم مذكرة تفاهم مع الحركة الشعبية لتحرير السودان فاعتقلته السلطة في الخرطوم، واعتقلت عدداً من كبار معاونيه في حزب المؤتمر الوطني الشعبي، ولكن أكثر ما يثير من تساؤلات حول قبول الدكتور حسن الترابي. بهذه العلاقة الجديدة مع الحركة المسلحة التي تعتبر من ألد أعداء التوجه الإسلامي الذي يقوده في السودان هو ما تنطوي عليه مذكرة التفاهم المعلنة من تناقضات مبدئية وجوهرية بالنسبة للحركة الإسلامية هناك، وإن يكن في المناورة لدى المنظر الإسلامي فإن من الممكن أن يعتبر دليلاً على عدم التمسك بالثوابت الأساسية.

تقرير/ حسن إبراهيم:
كان آخر عهد الشيخ حسن الترابي بالسجن عام 90 عندما اعتقله مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني صبيحة يوم الانقلاب في الثلاثين من حزيران عام 89، لكن شتان ما بين الاعتقالين، فالاعتقال الأول كان تمويهاً من الترابي زعيم الجبهة القومية الإسلامية لإخفاء طبيعة الانقلاب الذي قاده العميد آنذاك عمر البشير على حكومة الصادق المهدي المنتخبة، وبعد بضعة أشهر أطلق سراح الترابي ليصبح عرَّاب حكومة الإنقاذ الوطني.
وهاهو الآن يدخل المعتقل مرة أخرى كالعدو رقم واحد لنظام معظم أركانه من تلاميذ ورفاق دربه ومريديه السابقين، كان الاعتقال بسبب إعلان الترابي عن توقيع وثيقة تفهم مع الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تخوض حرباً طاحنة ضد الحكومة المركزية في الخرطوم منذ حوالي ثمانية عشر عاماً، بل وقال الترابي: إن هناك بنوداً في الاتفاق لن تعلن الآن وتفسر بأنها تتعلق بتعاون عسكري.

جندي سوداني متوجه للتدريب

ما أدهش مراقبي الشأن السوداني هو أن الترابي كان قد قاد تيار المقامة لجون جارانج ومشروعه العلماني الذي يهدف إلى بناء سودان جديد لاديني تبنى العلاقات فيه على أساس المواطنة، فما الذي تغير في فكر الترابي حتى يقبل التنسيق مع جارانج، فكر الترابي على ما يبدو لم يتغير، لكن الظروف تغيرت، وفكر الترابي حتى الفقهي منه يقوم على المصالح المرسلة، فالترابي يعلم أن صانع القرار الأميركي لا يمكن أن يتجاوز -في تصوره- اثنين من ثوابت السودان: الحركة الإسلامية في شماله، والحركة الشعبية لتحرير السودان في جنوبه، ويمتاز الترابي بقدرة خارقة على عقد الصفقات ولو مع أطراف تناقض أفكاره، فقد تحالف مع نظام الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري، وقد قال قبيل اعتقاله: إنه كان على اتصال مع الولايات المتحدة أخيراً، كما كان حتى في ذروة التصعيد الإعلامي بين البلدين في منتصف التسعينات بعد أن وضع السودان على قائمة الدول الداعمة للإرهاب، لم يشفع للدكتور الترابي حينها أنه سلَّم الناشط المسلح الدولي (إليتش راميرس صانشيز) الشهير بـ (كارلوس) إلى المخابرات الفرنسية، ولم يشفع له طرده أسامة بن لادن من السودان، ويبدو أنه رأى أن حكومة البشير لن تستطيع الوصول إلى عقل صانع القرار الأميركي نظراً لخطابها السياسي التقليدي وعدم قدرتها على تجاوز خطوط حمراء معينة يضعها الإسلاميون لأنفسهم، لكنه –أي الترابي- يستطيع تجاوز أي خطٍ أحمر، لذا فقد أخذ يفشي كثيراً من الأسرار التي كان قد جعل رفاقه في مجلس شوري جبهة الإسلامية يقسمون على المصحف على كتمانها، وكان يحسب أن الشعب قد يحمله إلى رئاسة الجمهورية عبر انتفاضة جماهيرية، ويبدو أن فشل فكرة الانتفاضة جعل من أكبر أعدائه جون جارانج خياراً محتملاً، أما الاختلافات الجوهرية بينهما فمن الواضح أن الترابي سيستطيع التكيف المريح معها.

جميل عازر:
قد يكون الفرق بين الهجرة واللجوء واضحاً من الناحية القانونية، ولكن المسألتين في السياق العملي سيان، فالهجرة قد تكون لدوافع خصوصية أو شخصية، بينما اللجوء يعني الفرار من واقع يهدد كيان اللاجيء في مجتمعه، ومن هنا نجد تفهماً لقضايا اللاجئين أكثر مما هو للمهاجرين، وقد أظهرت قضية حوالي ألف كردي وصلوا إلى الساحل الفرنسي مدى ما يمكن أن يثيره موضوع الهجرة من حساسية ليس في المجتمعات التي ينبغي أن تتحمل أعباء الاهتمام بغرباء وتوفير سبل العيش لهم فقط، بل وفي العلاقات بين الدول المتأثرة بهذه الهجرة، ولما أصبحت الهجرة واللجوء ظاهرة في السنوات القليلة الماضية، فهل هناك طرف مسؤول عنها؟!

الهجرة غير الشرعية
تقرير/ سمير خضر:
من يا ترى الضحية فيما يجري عل مرأى ومسمع من عالم يدعي الرقي والحضارة والإنسانية، هؤلاء الرجال والنساء والأطفال كادوا أن يلقوا حتفهم على صخور السواحل الجنوبية لفرنسا، ليس المهم لماذا، بل من، من المسؤول، حكومات الدول التي جاؤوا منها أم النظام العالمي الجديد الذي لم ترق له فكرة سقوط سور (برلين) الذي كان يفصل الشرق عن الغرب، فعمد إلى استبداله بسور جديد يفصل الشمال عن الجنوب، سور الفقر والحرمان، وانعدام الأمن والاستقرار، سور الاتجار بأناس كل ما يبحثون عنه هو مكان يعيشون فيه بسلام وأمان، يكون لأبنائهم فيه مستقبل غير الحاضر الذي يعيشونه هم، أكثر من 900 شخص وقعوا كغيرهم فريسة لمافيا الاتجار باللاجئين، دفعوا آلاف الدولارات ليمتطوا قارباً بائساً على أمل أن ينقلهم إلى الأرض الموعودة، إلى أوروبا حيث تحترم إنسانية الفرد، وتصان حقوقه.
معظم هؤلاء اللاجئين يفرون هرباً من واقع اقتصادي مر فرضه واقع سياسي أمر منه بدعم وتأييد من الشمال المتحضر.
لغة مزدوجة لم يعودوا يفقهونها أو يؤمنون بها، معظم من وصلوا إلى سواحل فرنسا هم من الأكراد، ولا يهم إن كانوا أكراداً عراقيين أو أتراك أو سوريين، فقضيتهم واحدة، ومعاناتهم واحدة، رغم أنها لا تختلف عن معاناة أبناء جلدتهم من الأعراق الأخرى، لكنهم الأكثر عرضة للوقوع في فخ مافيا تهريب اللاجئين وحلم الاستقرار في أوروبا وبالذات في بريطانيا، ولماذا بريطانيا؟! ربما بسبب التكوين الثقافي، والماضي الاستعماري، وتراجع الحاجز اللغوي، فمن بين نحو أربعمائة ألف شخص طلبوا اللجوء العالم الماضي إلى دول الاتحاد الأوروبي، أكثر من نصفهم كان في بريطانيا التي قيل لهم إنها الأكثر تسامحاً.
ولكن من قال لهم ذلك؟! لندن تشير بأصبع الاتهام إلى فرنسا، وتدعي أن السلطات الفرنسية تعمل على تصدير أزمة اللاجئين لديها عبر (المانش) من خلال رفض تشديد القيود على منافذها البحرية، وربما كانت الاتهامات البريطانية لفرنسا صحيحة، لكنها لا تفسر كل شيء، وبالذات، لا تبرر الحجم المتزايد لأعداد المهاجرين من الجنوب، وكذلك الاعتبارات السياسية التي تقف وراء هذه الظاهرة، إذ رغم تذمر معظم الدول الأوروبية من ازدياد العبء الذي تتحمله لاستقبال وإيواء اللاجئين فإن بعضها يشجع مثل هذه الهجرة لأسباب سياسية بحتة، وفي هذه الحالة بشكل تدفق اللاجئين من هذه الدول ثمناً للسياسات الغربية تجاهها، ثمناً يدفعه أطفال ونساءُ كان ذنبهم الوحيد أنهم تجرؤوا على الحلم بحياة أفضل، لكن أغلبهم لا يجد سوى كابوسٍ من العنصرية والرفض والضياع في مجتمعات لا تزال غير مستعدة لتقبلهم.

جميل عازر:
وبهذا نأتي إلى نهاية هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) ونشير إلى أنه بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصوت، والصورة، والنص عبر موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، على أننا سنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله. فإلى اللقاء.