مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

22/06/2002

- شارون وعرفات والعودة إلى الماضي
- القاعدة بين مكافحة الإرهاب وقدرتها على تهديد المصالح الأميركية

- تأجيل قمة الاتحاد المغاربي بين إخفاقات الماضي وآفاق المستقبل

- قمة الاتحاد الأوروبي ومكافحة الهجرة غير القانونية

- الحرب الأهلية في السودان في ظل المفاوضات اللانهائية

جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:

عرفات يعود إلى اقتراحات (كامب ديفيد)، وحكومة (شارون) تعود إلى نقطة الصفر، فمن تكون له الغلبة؟

تنظيم القاعدة بعبع لتبرير اعتقال معارضين بدعوى مكافحة الإرهاب، أم قدرة على الضرب في أرجاء المعمورة؟

والاتحاد الأوروبي قمة يؤرقها الضغط اليميني المتصاعد والهجرة غير المشروعة ذريعة، فأين المخرج؟

شارون وعرفات والعودة إلى الماضي

أدلى الرئيس الفلسطيني بتصريحات إلى صحيفة إسرائيلية أعلن فيها أنه يوافق على المقترحات التي عرضها عليه الرئيس الأميركي السابق (بيل كلينتون) في (كامب ديفيد)، حيث كان يتفاوض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق (إيهود باراك)، وإن كان ياسر عرفات يمارس بذلك أسلوب العلاقات العامة، فإن قرار الحكومة الإسرائيلية بالعودة إلى احتلال مدن فلسطينية إلى أجل غير محدد أو طالما ترتأي وجود مبرر لذلك يُعتبر ردَّا قاطعاً بالرفض، وأصبح كما يبدو الحال الآن، وكأن شارون وعرفات يتنافسان في العودة إلى الماضي، واحد يحن إلى مفاوضات، وآخر إلى احتلال.

ياسر عرفات وأرييل شارون
تقرير/حسن إبراهيم: بعد حوالي ألفي شهيد وأربعين ألف جريح قرر الرئيس الفلسطيني قبول ما عرضه عليه الرئيس (بيل كلينتون) في قمة (كامب ديفيد)، ويومها حبس الفلسطينيون والعرب أنفاسهم انتظاراً لما ستسفر عنه المفاوضات، كانت أسباب عرفات للرفض هي لرفضه أن ما عُرض عليه لم يكن 97% من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، بل منطقة مقطعة الأوصال بالمستوطنات، وأن القدس ملك لجميع العرب والمسلمين والمسيحيين، وأن أي تفريط فيها مسؤولية تاريخية لا يستطيع تحملها، يومها احترام الفلسطينيون ذلك الموقف، وأتت بعده زيارة شارون الاستفزازية إلى المسجد الأقصى التي فجرت انتفاضة مازالت نيرانها مستعرة.

واليوم وفي غمرة الموت المتبادل يبدو الموقف مأساوياً، اجتياح إسرائيلي واغتيالات للقيادات الفلسطينية يرد عليه الفلسطينيون بعمليات فدائية تؤدي إلى مزيد من الاجتياح، ولا يشدو رتابة دوامة الموت هذه إلا تصعيد الحكومة الإسرائيلية لوتيرة القتل باستدعاء الاحتياطي تمهيداً لاجتياحات جديدة، لكن بينما الإدارة الأميركية تبدو أكثر عجزاً يوماً بعد يوم، لا تبدو هناك آفاق موضوعية للحل، (فأرئيل شارون) الذي أصبح ضيفاً شبه دائم في البيت الأبيض يعلم أنه يمتلك أكثر من ورقة رابحة في اللعبة الدبلوماسية، فهو يستخدم تصنيف الولايات المتحدة لبعض المنظمات الفلسطينية الإرهابية في إطلاق يده في قمعها و(….) الجماهير الفلسطينية حتى يتخلو عن خيار المقاومة المسلحة، ويخلق رأياً عاماً فلسطينياً ضد العمليات الفدائية، التي يرد عليها بإلحاق الدمار في صفوف الفلسطينيين.

نعم، هناك مبادرات عربية لحل القضية من قبيل مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز التي تبناها العرب في قمة بيروت، واقتراح الرئيس مبارك بإعلان دولة فلسطينية تعترف بها دول العالم كإطار نظري للدولة المرتقبة، ولكن (شارون) رفض خطة الأمير عبد الله، لأنها تعتمد على قراري الأمم المتحدة (242)، و(338)، ويريد شارون تفسير القرار (242) الذي ينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 67 بأنه يعني أن هذه الأراضي متنازع عليها.

أما الفلسطينيون فلا يميلون إلى خطة الرئيس مبارك، لأنها تعطي إسرائيل فرصة للتسويف والمماطلة، وتسمح للقادة العرب بالتنصل من التزاماتهم التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، ويبدو أنه استعداد ياسر عرفات لقبول مقترحات (كلينتون) في (كامب ديفيد) وفقاً لتصريحاته لصحيفة إسرائيلية، وكأنه يقول إن كل تلك المعاناة لم يكن لها أي داعٍ، وقد سبقتهم في ذلك أيضاً مذكرة المثقفين الفلسطينيين التي دعوا فيها إلى وقف العمليات الفدائية، فهل سينبذ الفلسطينيون مبدأ المقاومة، أم أن هناك سبباً يدعو إلى التشاؤم من حالة الصف الفلسطيني؟

القاعدة بين مكافحة الإرهاب
وقدرتها على تهديد المصالح الأميركية

جميل عازر: تزايدت في الآونة الأخيرة ظاهرة الإعلانات عن اعتقال من يُتهمون بالانتماء إلى تنظيم القاعدة في باكستان، والمغرب، والسعودية، وقد تتبعها أماكن أخرى، فالقول بأن القاعدة تشتت لتصبح قواعد منتشرة في بقاع الأرض إنما يشير إلى عقم الهجمات على معاقلها في أفغانستان إذا صدقت المعلومات، ولكن مكافحة الإرهاب أصبحت ذريعة تتطلب المبالغة في قدرة القاعدة على ما يبدو لتبرير حملات تتعلق بأوضاع داخلية أكثر مما هي بالتخوف من هجمات ضد مصالح أميركية أو غير أميركية.

الهجوم على أميركا وتداعياته
تقرير/سمير خضر: ليس من السهل الحكم على الأنباء التي تتحدث عن إلقاء القبض هنا أو هناك على أفراد يُشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة، ولا يقتصر الأمر هنا على مجرد الاشتباه، بل يتعداه ليشمل التخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية ضد أهداف ومصالح أميركية أو لها علاقة ما بالولايات المتحدة، تواتر هذه المعلومات ورواجها في وسائل الإعلام يدفع بالمراقب إلى التساؤل عن صحة ما يُشاع، فلو صدقت هذه المعلومات فإنها تنم عن إن تنظيم القاعدة نجح في تجنيد الآلاف من الأعضاء في شتى بقاع العالم، وهم لا ينتظرون سوى ساعة الصفر للانقضاض على أهدافهم، ولكن هذا يتعارض حتى مع ما تقوله المصادر الاستخباراتية الغربية عن إن هذا التنظيم ليس بهذا الاتساع، ولا يتمتع بقدرة عالية على التخطيط والتنظيم.

إلا إن عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر يختلف كُليَّاً عما سبق، فالحرب التي أعلنتها واشنطن ضد ما يُسمى بالإرهاب ليست حرباً تستخدم فقط الطائرات القاذفة والمقاتلة أو تحشد الجحافل من القوات النظامية، بل ستكون في المقام الأول حرب استخبارات كما يعترف بذلك القادة السياسيون والعسكريون في واشنطن، والمخفي فيها أكثر من المعلوم، حرب استخبارات تتحول من وقت إلى آخر إلى حرب معنويات وأعصاب، حرب إعلام، أو بالأحرى حرب تضليل، وباستثناء الفرنسي من أصل مغربي زكريا موسوي، الذي تعتبره واشنطن أحد العناصر الرئيسة في التخطيط لهجمات نيويورك وواشنطن لم يثبت حتى الآن ضلوع أي من المعتقلين في عمليات إرهابية ترتبط مباشرة بتنظيم القاعدة، وقد اعتُقل العديد من الأشخاص في أوروبا والشرق الأوسط وباكستان للاشتباه في انتماءاتهم، ولكن من دون دليل قاطع.

آخر هذه الاعتقالات جرى في المغرب، حيث أُعلن عن توقيف مجموعة من السعوديين تم تحويلهم إلى القضاء بتهمة الانتماء إلى القاعدة، والتخطيط لمهاجمة قواعد بحرية وسفن حربية غربية في مضيق جبل طارق، هؤلاء المتهمون ينفون جملةً وتفصيلاً هذه التهم وُفق ما أفاد محاميهم، ولكن يُخشى من أن تتكرر عملية هجوم على غرار ما تعرضت له المدمرة الأميركية (كول) رغم أن تنفيذ مثل هذه العملية في عُرض البحر سيكون أكثر صعوبة.

أما ما أعلنته الرياض من اعتقال عدد من مواطنيها، أو ما تتعرض له باكستان من أحداث على غرار الهجوم على حافلة الفرنسيين أو استهداف البعثات الدبلوماسية الأميركية، فربما يكون أكثر ارتباطاً بالأوضاع الداخلية مما هو من تدبير أتباع بن لادن.

تأجيل قمة الاتحاد المغاربي
بين إخفاقات الماضي وآفاق المستقبل

جميل عازر: تأجل انعقاد القمة المغاربية، رغم مرور ثمانية أعوام منذ انعقادها آخر مرة، وقد بقي هذا الاتحاد حبراً على ورق منذ مولده قبل 13 سنة، ولم يتحقق من أهدافه الاقتصادية أو السياسية شيء، وليس من الصعوبة بمكان أن نعثر على أسباب الفشل الذريع الذي مُنيت به هذه المحاولة الاتحادية ابتداءً من اختلاف الأنظمة السياسية في الدول الأعضاء إلى وجود خلافات أخرى، وأهمها النزاع على الصحراء الغربية، والذي بدون الوصول إلى حلٍ له لن يكتب البقاء للاتحاد.

تقرير/ جيان اليعقوبي: تأجيل عقد القمة المغاربية لم يشكل مفاجأة لأحد، فهذا الكيان ولد وهو يحمل جذور فنائه، رغم أنه لم يتشكل إلا بعد محاولات إذابة الجليد بين الشقيقين المتنافسين اللذين لم ينجحا حتى الآن في وضع علاقاتهما التاريخية الملتبسة في مسار يخدم أهداف الاتحاد، البداية كانت عام 83 حين التقى الملك الراحل الحسن الثاني بالرئيس السابق الشاذلي بن جديد في قرية حدودية، مما مهد الطرق لقمة أخرى في العاصمة الجزائر عام 88، وأخيراً القمة التأسيسية في مراكش عام 89.

ولكن المؤسسين لم يأخذوا بعين الاعتبار عمق التناقضات التي تسم أنظمتهم الحاكمة، فمن نظام ملكي تقليدي إلى جماهيرية غير تقليدية، إلى جمهورية شعبية ديمقراطية، إلى أخرى تطلق على نفسها جمهورية إسلامية، وهذا الخليط قد يبدو صعباً جمعه على سكة التوحيد، إلا إذا كان قادته ينظرون إلى المستقبل كما نظر القادة الأوروبيون إلى مستقبل قارتهم، وهذا يحتاج على ما يبدو إلى زمن يتجاوز حسابات المستقبل المنظور، فالخلافات بين المغرب والجزائر تعود إلى 4 عقود خلت، ويبدو أنها مرشحة باستمرار للظهور إلى السطح لسبب أو آخر، كما في قضية الصحراء التي حولت الاتحاد إلى جثة هامدة لم يجرؤ أحد من قادته الخمس على الإعلان عن مراسم دفنه، لا بل أن المثير للسخرية أو بالأحرى للشفقة أن الشعوب المنتمية إلى الاتحاد الذي من المفترض أنه جاء ليحسن أوضاعها لم ترَ إلا العكس، ففي ظله أغلقت الحدود الجزائرية المغربية مع ما رافق ذلك من مضايقات لسكان المناطق الحدودية، ناهيك عن غياب حرية التجارة أو تنقل رؤوس الأموال أو اليد العاملة بين بقية الدول الأعضاء، والتي ظلت كلها أشبه بحلم في ليلة صيف.

ولكن بعض المراقبين يعتقدون أنه مثلما أدى الضغط الأوروبي إلى الدفع في اتجاه إنشاء هذا التجمع، فإنه قد يكون العامل القوي لإحيائه الآن، بعد أن أصبح الاتحاد في قلب اهتمامات الدول الغربية التي تفضل التعامل مع سوق موحدة المعايير بدلاً من أسواق صغيرة مجزأة بالإضافة إلى الاهتمام الأمني بالمنطقة والذي استجد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ورغم ذلك فإن المسار الذي أخذته قضية الصحراء في الأشهر الأخيرة سيعني استمرار التوتر في العلاقات المغربية الجزائرية، وهذا بدوره يعني أن إعادة الحياة إلى الاتحاد المغاربي سيتطلب معجزة في زمن عزت فيه المعجزات.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر، نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً:

الحرب الأهلية في جنوبي السودان، مفاوضات لإنهائها، ولكن هل يتراجع الطرفان عن مواقفهما الأساسية؟

[فاصل إعلاني]

قمة الاتحاد الأوروبي ومكافحة الهجرة غير القانونية

جميل عازر: ربما لم يكن من قبيل المصادفة إن انعقدت قمة الاتحاد الأوروبي في (إشبيلية) عاصمة الأندلس، لأن في المكان مدلولات تاريخية، فموضوع الهجرة غير الشرعية كان على رأس جدول الأعمال، ولكن الجدية التي تنظر بها الدول المعنية إلى القضية نابعة أصلاً من صعود نجم اليمين المتطرف أكثر مما يعتبرونه خطراً داهماً عبر البر والبحر، وليس لليمين من طرح يتلاعب من خلاله بعواطف الجماهير بشكل فعال أفضل من موضوع الهجرة، وإذ يدرك القادة الأوروبيون مدى الخطر الداخلي المحدق بهم، أرادوا -إن صح التعبير- مكافحة ظاهرة الهجرة غير القانونية وكأن فيها مخرجاً من أزماتهم الاقتصادية.

تقرير/ سمير خضر: لطالما كانت شواطئ البحر المتوسط الجنوبية مرتعاً للحالمين بحياة أفضل من على هذه الشواطئ انطلقت الغزوات في العصور الغابرة، وهي تنطلق اليوم أيضاً، ولكن بحثاً عن لقمة العيش، دول الشمال كانت تفتح على الدوام أبوابها أمام ما تعتبره عمالة رخيصة تنعش اقتصادها وتجدد شبابها، ولكن يبدو أن أوروبا قررت هذه المرة إبقاء أبوابها موصدة بإحكام، لا لأنها لم تعد بحاجة إلى هذه العمالة الرخيصة، فالاعتبارات الاقتصادية لا تزال قائمة، إن لم نقل إنها تتعزز يوماً بعد يوم، لكن ما يسمى بالحرب على الإرهاب يدفع بالقادة الأوروبيين إلى تغيير سياساتهم، فهناك أولاً نمو اليمين المتطرف في معظم دول الشمال الأوروبي، يمين منغلق على نفسه يحاول إحياء تراث القومية الضيقة التي ظن الأوروبيون أنها انقرضت في عصر الانفتاح والوحدة الأوروبية، ورغم أن الأحزاب اليمينية المتطرفة لا تزال ضعيفة سياسياً في أغلب دول أوروبا، فإنها مرشحة لتلعب دوراً ضاغطاً في المستقبل قد يشكل خطراً على أسس الديمقراطية التي تنعم بها هذه الدول، ولا أدل على ذلك من الزلزال الذي تسبب به زعيم اليمين المتطرف الفرنسي (جان ماري لوبان) حينما تمكن من الوصول إلى نهائيات معركة الرئاسة.

ولكن وإلى جانب اعتبارات السياسة الداخلية التي تدفع في اتجاه الحد من ظاهرة الهجرة فإن الاعتبارات الأمنية أصبح لها وزنها في التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمعظم دول العالم، إذ إن الغالبية العظمى من مهاجري الجنوب مسلمون اعتادوا العيش في شبه (جيتوهات) بمعزل عن الثقافة السائدة في الدول التي استقبلتهم، ورغم أن هذا الأمر كان معروفاً للجميع في السابق، فإن الشكوك الأمنية أصبحت تراود كثيراً من الحكومات، زعماء الاتحاد الأوروبي اتخذوا قراراً بوقف هذه الهجرة رغم حاجتهم الماسة للمهاجرين، بل إن بعض الأعضاء طالبوا بفرض عقوبات على الدول المصدرة للمهاجرين لولا تدخل الرئيس الفرنسي الذي رفض تحويل الاتحاد الأوروبي إلى قلعة حصينة، فالتاريخ مليء بالأمثلة على سقوط كل الحصون والقلاع أمام الجوع والحرمان.

جميل عازر: وقد انتهت القمة الأوروبية وتبنت عدداً من الإجراءات التي يأملون أن تشكل رادعاً للمهاجرين غير الشرعيين.

ونتابع هذا الموضوع ومعنا من باريس فيصل جلول (الكاتب والمحلل السياسي)، أستاذ فيصل بداية، هل الهجرة غير المشروعة هي غير المشروعة هي فعلاً ذلك البعبع الذي ينعكس الخوف منه في مواقف الدول الأوروبية، أم أن في الأمر مبالغة؟

فيصل جلول (صحافي ومحلل سياسي): والله المشكلة مطروحة، هناك 3 ملايين مهاجر غير شرعي في كل القارة الأوروبية وهذا الأمر يطرح مشاكل عديدة بالنسبة الأجهزة الأمن في أوروبا، لكن أنا أعتقد بأن المشكلة ليست بالحجم الذي يعني ينعكس في وسائل الإعلام ولا في اللقاءات الرسمية، لذلك يراد لهذا الملف أن يكون يعني حجة لمكافحة الهجرة بشكل عام وبصورة خاصة في البلدان المحازية لمناطق الهجرة، أي إسبانيا وإيطاليا بصورة أساسية وبدرجة أقل ربما بريطانيا وألمانيا.

جميل عازر: طيب، هل تعتقد أن المشكلة تعود إلى السياسة التي تبنتها الدول الغربية بوجه عام إبان الحرب الباردة من حيث أنها كانت تشجع مواطني الدول الاشتراكية على الفرار من هناك بدعوى حقوق الإنسان؟

فيصل جلول: و الله يعني هذا الملف موروث ليس فقط من الحرب الباردة، هو موروث منذ مطالع القرن العشرين، ومن الفترة الكولونيالية حيث كانت معظم الدول الأوروبية تشكل إمبراطوريات استعمارية وكانت تسمح بدخول المستعمرين إلى بلدانها وتقيم علاقات ذات أفضلية معهم، وجاءت الحرب الباردة أيضاً لتعزز هذا يعني الوجود، الآن هناك يعني دين على البلدان الأوروبية التي صارت على قدر كبير من الثروة إزاء هؤلاء المهاجرين، لا تريد أن تدفع هذا الدين، لذا يعني نراها تتحدث عن حلول أمنية لقضايا الهجرة سواء الشرعية أو غير الشرعية، لكن أنا أعتقد بأنه هذا الأمر يعني لن يمر بسهولة، لأن هناك العديد من المجنسين بل ملايين المجنسين في أوروبا، وهؤلاء باتوا يتمتعون بقوة انتخابية وباتوا قادرين على التأثيرات على سياسيات الحكومات الأوروبية وبصورة خاصة هنا في فرنسا، التي اتخذت موقف في القمة الأخيرة، لأنها تخشى من رد فعل المجنسين هنا الذين يشكلون قوى مهمة، هذا الملف بالواقع متعدد الوجوه واعتقد بأن يعني ما ذكر توه في تقرير حلول صعود اليمين المتطرف عنصر مهم، لكن الحرب على الإرهاب عنصر مهم أيضاً، وهناك عناصر أخرى لا تقل أهمية، من ضمنها التوتر بين إسبانيا والمغرب، وهذا يزن بشيء قليل على الملف.

جميل عازر: طيب، في اعتقادك ما مدى جدوى الإجراءات التي يبدو أن القادة الأوروبيين اتفقوا عليها مثل إعادة النظر في قائمة الدول التي ينبغي على مواطنيها الحصول على تأشيرات للدخول إلى أوروبا، تبادل المعلومات حول تأشيرات الدخول، إبرام اتفاقيات مع دول العالم الثالث إلى آخره، هل هذه يعني إجراءات يمكن أن تحل هذه المشكلة؟

فيصل جلول: من الصعب أن تحل هذه المشكلة، لأن الدول التي يعني يراد أن تعاقب لا تستطيع أن تمنع مواطنيها من الهجرة بكل الوسائل إلى أوروبا. هناك في إسبانيا إحصاءات تقول أن بعض المهاجرين الغير شرعيين يكررون المحاولة مرة وثانية وثالثة ورابعة إلى أن يصلوا إلى هدفهم.

من الصعب أن تحل هذه المشكلة بواسطة إجراءات من النوع الذي اتخذ، ولا يمكن أن تحل بمعاقبة البلدان التي يأتي منها المهاجرون، الحل الوحيد لهذه المشكلة هو مساعدة البلدان التي تأتي منها الهجرة على تنمية أوضاعها بحيث يعني تثبِّت مواطنيها في أماكنهم وتخلق لهم فرص عمل، ناهيك هن ضرورة إجراء الحوار بين الشمال والجنوب، لا يجوز أن يبقى الحوار مقطوعاً بين الشمال الغني والجنوب الفقير، وما لم يتم هذا الحوار، فأنا أعتقد أنه الحلول ستكون صعبة بالنسبة لهذه المشكلة.

الحرب الأهلية في السودان في ظل المفاوضات اللانهائية

جميل عازر: فيصل جلول في باريس، شكراً جزيلاً لك.

أعلن طرفا الحرب الأهلية في جنوبي السودان - الحكومة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان- أنهما قد جاء إلى المفاوضات في (نيروبي) بقلب مفتوح من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، وقد تحولت المعارك بين الجانبين في الآونة الأخيرة إلى حالة من الكر والفر في ولاية الوحدة حيث حقول النفط، وإذ يحتل الخلاف بين الجانبين حول دور الدين في الدولة، المكانة المحورية في النزاع، يبدو أن هذه الجولة من المفاوضات مرشحة للفشل ما لم يتم إيجاد إطار قادر على التعامل مع هذه القضية.

وفد حكومة السودان المشارك في مفاوضات نيروبي
تقرير/ حسن إبراهيم: جولة أخرى من المفاوضات والمعضلة السودانية تراوح مكانها، الدين والدولة هذا ما يعتبره المعارضون السودانيون بيت الداء وما تقدمه الحكومة دواءً لعلل ما يجوز تسميته رجل أفريقيا المريض المرامي الأطراف، هذا ما أتت الحكومة تفاوض عليه الحركة الشعبية لتحرير السودان في (نيروبي) لكن لا يبدو أن الحكومة قد غيرت من القناعات التي أتت بها إلى السلطة، رغم ما يحاول مسئولوها الإيحاء به، إلا أن الوزير المسؤول عن ملف السلام في الحكومة الدكتور غازي صلاح الدين قال إن بجعبته أفكاراً خلاَّقة قد تنهي تعنت الحركة حول دول الدين في حكم سودان المستقبل.

الحركة الشعبية رغم تطور منهجها نحو قبول لدور الإسلام كمكون رئيسٍ في هوية معظم السودانيين ترفض العيش في دولة تحكمها قوانين الشريعة الإسلامية، وتقول إن ذلك يخل حتى بالدستور الذي أنجزته الحكومة عام 2000 والذي يجعل المواطنة لا الدين أساساً للانتماء، مأزق الحركة الشعبية يكمن في محاولتها التوفيق بين حلفائها القدامى في الأحزاب السياسية التقليدية والحديثة وبين حليفها الجديد المتمثل في المؤتمر الشعبي الوطني الذي يقوده الدكتور حسن الترابي. حلفاؤها القدامى ومعظم القوى الإقليمية يعتبرون الترابي وحزبه جزءاً من معضلة السودان حيث أنه كان زعيماً للجبهة القومية الإسلامية التي انقلبت على الحكومة الديمقراطية المنتخبة عام 89، وبذلك تأتي الحركة إلى مفاوضات (نيروبي) وجبهة الأحزاب من ورائها ليست موحدة ولا راضية عن المفاوضات مع الحكومة، ويسود اعتقاد أن تصلب الحكومة السودانية في موضوع الدين و الدولة سيؤدي في النهاية إلى تغليب جبار الانفصال في أوساط الجنوبيين.

ورغم قبول معظم الأحزاب السودانية في التجمع الوطني الديمقراطية بالحل السلمي، لكنها التجمع الوطني الديمقراطية بالحل السلمي، لكنها تتفق على أن الحكومة تطيل أمد الحرب بإصرارها على تديين الصراع وعلى استخدام عائدات النفط في شراء الأسلحة.

الولايات المتحدة دخلت الصراع بقوة، حيث أشرف مبعوثها (جون دان فورث) على مفاوضات وقف إطلاق النار في جبال النوبة، ويبدو أن واشنطن تريد وقفاً كاملاً للحرب الأهلية في السودان كي تستفيد شركاتها من ثروات جنوب السودان النفطية، لكن اقتسام الثروة مبدأ قد لا يختلف عليه فرقاء النزاع من ناحية المبدأ، إلا من حيث مطالبة الحركة الحكومة بإيقاف إنتاج النفط حتى يحل النزاع، وإلى أن يحل السلام المنشود تظل المجاعة الطاحنة تمزق جنوب السودان، ومهما قال السياسيون وحاملو السلاح من الجانبين، فإن الحقيقة التي لا مراء فيها: هي أن الآلاف يموتون بدون أن ينتبه إلى مصيرهم أحد، وكما قال أحد ساسة جنوب السودان: ما فائدة الوحدة أو الانفصال ما دام شعبنا قد تحول إلى كتلة من الهياكل العظيمة؟

جميل عازر: وبهذا نختتم الجولة في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم، الله، فإلى اللقاء.