مقدم الحلقة توفيق طه
ضيوف الحلقة بدون
تاريخ الحلقة 27/10/2001

- القصف الأميركي بين إسقاط طالبان وصعوبة إيجاد البديل المناسب
- روسيا بين التنازلات المتتالية والوعود الأميركية
- ماذا بعد قرار الجيش الأيرلندي بتفكيك أسلحته؟
- انشغال العالم وتزايد وحشية الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين
- الواقع الفلسطيني بين فرص الحل واحتمالات الانفجار
- نتائج إجازة القانون الأميركي للإرهاب داخلياً وخارجياً

توفيق طه

توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) ومعنا هذا الأسبوع:
تحالف الشمال الأفغاني يدعو الولايات المتحدة إلى تركيز قصفها على المواقع الأمامية لإضعاف قوات طالبان حول كابول، وتساؤلات حول مقاصد الدبلوماسية الأميركية.

وروسيا تلعب دوراً مهماً في التحالف بحكم تاريخها السابق في أفغانستان وقدرتها على ضبط أو خلخلة الأوضاع في دول آسيا الصغرى.
وأيرلندا على أعتاب عملية سلام جديدة قد تنهي صراعها الدامي بعد شروع الجيش الجمهوري الأيرلندي في وضع أسلحته.

القصف الأميركي بين إسقاط طالبان وصعوبة إيجاد البديل المناسب

تزيد المعطيات المتداخلة والمعقدة في المشهد الأفغاني من صعوبة المهمة الأميركية فإسقاط حكومة طالبان الذي يقول كثيرون إنه بات تحصيل حاصل سيفضي إلى مزيد من الفوضى إن لم يتم الترتيب لحكومة جديدة، فبينما يريد تحالف الشمال خلافة حركة طالبان تتحدث كثير من القوى الخارجية وعلى رأسها باكستان والولايات المتحدة عن تحالف موسع يقوده ملك أفغانستان السابق محمد ظاهر شاه، ويضم من تسميهم واشنطن العناصر المعتدلة من حركة طالبان، وربما لهذا لم يتركز القصف الأميركي على خط المواجهة بين طالبان وقوات التحالف الشمالي خوفاً من سقوط طالبان قبل العثور على بديل مقنع.

أفغاني يقف فوق حطام منزله الذي دمره القصف الأميركي على كابول
تقرير/ سمير خضر: بين كر وفر وعمليات فاشلة وأخرى تكاد تقترب من النجاح يبدو تحالف الشمال الأفغاني أبعد ما يكون عن تشكيل ذلك البديل العملي الذي ينشده الكثيرون، نحو 15 ألف مقاتل تعصف في صفوفهم الخلافات العرقية والأيديولوجية والمذهبية، وتتعدد في صفوفهم الولاءات، ولا يوحد صفوفهم سوى إرادة واحدة وهدف واحد الرغبة في القضاء على عدوهم الأوحد حركة طالبان.

ومنذ خروجهم من العاصمة كابول عام 96 إثر هزيمتهم النكراء أمام قوات حركة طالبان الناشئة دب اليأس في صفوف قيادات التحالف المختلفة، ولولا شخصية أحمد شاه مسعود الكارزمية وقدراته ومهاراته العسكرية والتكتيكية والسياسية التي يشهد لها الجميع لاختفى التحالف من الساحة السياسية الأفغانية، وكاد الأمر أن يتحقق منذ عدة أسابيع حين تعرض مسعود لعملية اغتيال في معقله في وادي (بنشير) في شمالي البلاد، ولم يكن أحد يتوقع أن يكون خليفته الجنرال (فهيم) على مستوى سلفه خاصة فيما يتعلق بقدراته على الحفاظ على تماسك هذا المزيج من القوميات التي لا يثق أحد منها في الآخر.

ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وجاءت العمليات العسكرية ضد حركة طالبان، وبدأ الأمل يدب من جديد في صفوف التحالف الشمالي، فهذه هي الفرصة التي كان ينتظرها للثأر من طالبان والعودة إلى كرسي الحكم في كابول، وقد حاول الجناح السياسي في التحالف كل ما في استطاعته لإقناع واشنطن وحلفائها بدعم قوات الشمال للتخلص بسرعة من طالبان، ورغم بعض التصريحات الهزيلة والمقتضبة وبعض عمليات القصف غير الفاعل للطيران الأميركي على خطوط طالبان الشمالية المواجهة لقوات الشمال ظلت استجابة واشنطن لهذه الطلبات متحفظة للغاية، فجيران أفغانستان أجمعوا اليوم على شيءٍ واحد: ضرورة التخلص من حكومة طالبان وتشكيل حكومة موسعة في البلاد تضم كافة العرقيات وأطراف الطيف السياسي في البلاد، ولكن لا أحد قدم تعريفاً لما يسميه بالحكومة الموسعة، فهل تتشكل بمشاركة طالبان أم بدونها؟ وهل يكون للملك ظاهر شاه دور على الأقل مرحلي أم لا؟

فإيران على سبيل المثال مثلها مثل طاجيكستان وروسيا ترفض أي دور للحركة في أفغانستان المستقبل، أما باكستان فهي تعتبر طالبان جزءاً لا يتجزأ من النسيج السياسي لأفغانستان وترى إمكانية الاعتماد على عناصر معتدلة في الحركة يمكن أن تلعب دوراً في تشكيل مستقبل البلاد، حتى الآن لم يتم الاتفاق على شكل وطبيعة الحكومة المستقبلية للبلاد، ومثل هذا الاتفاق سيبقى بعيد المنال طالما لم تعلن واشنطن صراحة موقفها من الحملة العسكرية الجارية، فهل تريدها حرباً طويلة الأمد؟ وهل ترغب فعلاً في دعم جهة ما سياسياً وعسكرياً لإكمال المهمة التي بدأتها؟ يبدو أن الجواب لا يتوفر حالياً في واشنطن، وربما كان الحل مرة أخرى بيد (إسلام آباد) التي لا تخفي رغبتها في إنهاء المشكلة في أسرع وقت ممكن.

روسيا بين التنازلات المتتالية والوعود الأميركية

توفيق طه: أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في غمرة محاولاته إرضاء الولايات المتحدة. أعلن تأييده للتحالف الدولي ضد ما يوصف بالإرهاب، ثم قرر إغلاق قاعدتي التجسس الروسيتين في فيتنام وكوبا، وعلى ما يبدو كان بوتين يأمل في مكافأة من نوع ما في مؤتمر "شنجهاي" عندما اجتماع بالرئيس بوش، لكن الرئيس الأميركي خيب آماله عندما أعلن عزمه على التنصل من معاهدة الحد من الأسلحة البالستية وطالب بوتين بحل سلمي لقضية الشيشان، ويبدو أن رد الفعل الأميركي سيثير كثيراً من الأزمات لبوتين خاصة في مجلس الدوما.

تقرير/ أكرم خزام: صورة انسحاب القوات السوفيتية من أراضي أفغانستان إثر الخسارة الساحقة لها هناك بعد حرب طويلة تعشعش في مخيلة أي روسي، وقد تكون هذه الصورة الدافع الرئيس للرفض الروسي المشاركة في العمليات العسكرية إلى جانب الولايات المتحدة في حربها الحالية ضد أفغانستان، روسيا بوتين وبتأييدها للحملة الأميركية ضد من تطلق عليهم "الإرهابيين" نابع من تغلب جناح من المؤسستين العسكرية والسياسية يدعو إلى تناسي خلافات الماضي مع الولايات المتحدة والبدء بإقامة تحالف استراتيجي يجلب للروس الاستثمارات الأميركية ويدخل سوريا فيما يسمى بالأسرة الحضارية الدولية، ولقاء ذلك غضت روسيا الطرف عن مساهمة أوزباكستان مع الولايات المتحدة في حملتها ضد أفغانستان أمام غموض بشأن الثمن الذي حصلت عليه روسيا جراء ذلك، لكن وعلى ما يبدو فإن روسيا حصلت من الأميركيين على تمويل دعمها العسكري لتحالف الشمال المناوئ لطالبان.

المفاجئ في تطورات الموقف الروسي إعلان بوتين عن سحب القاعدة العسكرية الروسية من فيتنام والمركز التجسسي الروسي البالغ الأهمية من الناحية الاستراتيجية من كوبا ما فسره المراقبون بأنه التنازل الأكبر أمام واشنطن منذ حقبة جورباتشوف، فماذا كان رد الولايات المتحدة، بوش وفي لقائه السريع مع بوتين في قمة شنجهاي أكد أن بلاده لن تتراجع في سعيها إلى الانسحاب من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ وإلى إقامة درعها النووي الخاص بها، كما أكد أيضاً على ضرورة حل الأزمة الشيشانية بالطرق السلمية وليس العسكرية على غرار ما تفعله واشنطن في أفغانستان، وعلى عدم إعلان موقف داعم واضح لتحالف الشمال المناوئ لطالبان.

هذه الموقف دفع بوتين إلى عقد قمة مفاجئة في "دشمباي" عاصمة طاجيكستان حيث استبعد المشاركون فيها طالبان من الحكومة المستقبلية في أفغانستان ما فهم منه توجيه رسالة إلى الأميركيين بضرورة اللعب مع روسيا على قاعدة التأييد لهذا الموقف مقابل التنازلات الروسية الأخيرة المتتالية لواشنطن.

المشكلة الأساسية في الاستراتيجية الروسية حيال أفغانستان تكمن في محاولة إقامة تحالف مع إيران ودول آسيا الوسطى لمواجهة المشروع الأميركي الباكستاني الخاص بمستقبل أفغانستان في الوقت الذي تقدم فيه روسيا التنازلات تلو التنازلات لواشنطن، كما تكمن في إصرارها على رفض تمثيل طالبان في الحكومة الأفغانية الجديدة المرتقبة، ويبدو أن القمة الروسية الأميركية ستلقي الضوء على كيفية تفكيك الروس لهذه المعضلة.
أكرم خزام (الجزيرة) برنامج (الملف الأسبوعي) موسكو.

ماذا بعد قرار الجيش الأيرلندي بتفكيك أسلحته؟

توفيق طه: القرار التاريخي للجيش الجمهوري الأيرلندي بتفكيك أسلحته كان قراراً اتخذ على مضض وبعد ضمانات أميركية بعدم الغدر بهم من جانب السلطات البريطانية أو الأحزاب البروتستانتية، ومن جانبها شرعت لندن في تفكيك نقاط المراقبة التي تحتفظ بها في مناطق نفوذ الجيش الجمهوري، والتحدي الذي يواجه الجميع في شمالي جزيرة أيرلندا الآن هو الوصول إلى معادلة تحفظ للجميع أمنهم مع احترام الخصوصيات الثقافية والدينية، ومفتاح الأمن هناك هو جسر الهوة الواسعة التي تفصل بين الطائفتين البروتستانتية والكاثوليكية، فقد قبع الكاثوليك في قاع السلم الاجتماعي ردحاً طويلاً من الزمن، ولن تستقر أيرلندا الشمالية ما لم يقترن الانفراج السياسي برخاء اقتصادي.

عدد من قطع الأسلحة في بلفاست تعود للجيش الجمهوري الأيرلندي يتم تسليمها للأمن البريطاني
تقرير/ خالد القضاة: قرار الجيش الجمهوري الأيرلندي نزع أسلحته باختياره، أو إخراج ترسانته العسكرية من الخدمة حسب وصفه كان تاريخياً بمعنى الكلمة، وهو قرار غير مسبوق، بل غير متوقع، ويمثل القرار من حيث المعول عليه دفعة مهمة لعملية السلام هناك وخصوصاً المحطة التي عرفت باتفاق الجمعة العظيمة الذي تعثر تنفيذه بالكامل بسبب إصرار حزب "ألستر" البروتستانتي الموالي "للتاج" البريطاني على ضرورة بدء الجيش الجمهوري بتسليم أسلحته قبل تنفيذ أي اتفاق سلام، وهو مطلب رافقه إصرار الجيش في المقابل على ضرورة إعادة هيكلة الشرطة وانسحاب القوات البريطانية من الإقليم قبل البدء في تسليم أسلحته.

وقد تزامن القرار الأخير من جانب الجيش مع وعود وتعاهدات من جانب بريطانيا وأيرلندا الجنوبية بنزع أسلحة قوة متطوعي "ألستر" وقوة دفاع ألستر، بل وباشرت لندن بإزالة 4 مواقع عسكرية رئيسية كانت قد أقامتها في أيرلندا الشمالية كنقاط مراقبة وصفت بالحساسة، بالتأكيد كانت هناك جملة من الأسباب وراء اتخاذ الجيش الجمهوري هذا القرار في هذا الوقت، فلا ينكر أحد أن الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة في الشهر الماضي زادت من وعي الجميع بأن العالم يشهد تغييراً حقيقياً، بحيث لم يعد هناك مكان لأي نشاطات قد يصفها أي طرف بأنها إرهابية، وربما لم يكن لأنشطة الجيش الجمهوري أن تستثنى من ذلك.

كما كان للهجمات تأثير عميق على قطاع المواطنين الأميركيين المنحدرين من أصل أيرلندي الذي يقال إنهم على الدوام كانوا يقومون بتمويل نشاط الجيش الجمهوري الأيرلندي، وربما أدرك الجيش سريعاً أيضاً أن تجفيف مصادر تمويل العلميات التي توصف بأنها إرهابية تعني أنه آن الأوان للتخلي عن العمل المسلح، ولكن هل يصمد وضع السلم في أيرلندا الشمالية؟ الراجح حتى اللحظة هو أن المخاطر ما زالت رابضة هناك بغض النظر عن هذا القرار الذي يوصف بالشجاع، فالصراع الأيرلندي تميز بدموية ومرارة وقسوة طالت الإنسان طفلاً وامرأة وكهلا، بل كل مناحي الحياة لطائفة بروتستانتية متشبثة بالوحدة مع بريطانيا، وطائفة كاثوليكية تريد الانفصال عن المملكة المتحدة والانضمام إلى الشق الجنوبي المستقل من أيرلندا.

لو نظرنا بتفاؤل إلى مضامين هذا القرار سنجد أن نزع سلاح الجيش الجمهوري الأيرلندي قد يعني حلول منعطف تاريخي حاسم في مسار إحدى أكثر الأزمات استعصاءً في أوروبا الغربية، على أن أمانة وصدق منظمة الجيش الجمهوري في التخلص من ترسانتها سيكون في نهاية المطاف وإلى حدٍ بعيد المحك الحقيقي لتقدير مدى نجاح هذا المنعطف التاريخي.

انشغال العالم وتزايد وحشية الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً: ما الذي تبقى من الديمقراطية الأميركية بعد الإجراءات الجديدة؟ وما الذي يحرك المجتمع الدستور أم ضرورات الحرب والأمن؟

رغم توصل الفلسطينيين والإسرائيليين إلى اتفاق على سحب الدبابات الإسرائيلية من بيت لحم فإن من الصعب توقع عودة الاستقرار في القريب العاجل بسبب جسامة الخسائر الفلسطينية البشرية والمادية، ورغم أن صناع القرار الإسرائيليين يقللون من شأن حدة الضغط الأميركي الذي لولاه لما كانت إسرائيل لتنسحب بهذه السرعة، رغم ذلك فإنه ما من شك في أن إسرائيل لم تعد تعتبر مركز ثقل الدبلوماسية الأميركية، فالولايات المتحدة لا تريد زعزعة ما تسميه بالتحالف الدولي ضد الإرهاب بسبب الممارسات الإسرائيلية التعسفية ضد الفلسطينيين، وبالتالي يبقى الوضع معقداً على الجبهتين الفلسطينية والإسرائيلية.

تقرير/ سمير خضر: 6 مدن فلسطينية تخضع للسيطرة الكاملة للسلطة الوطنية الفلسطينية داهمتها الدبابات الإسرائيلية خلال الأيام الماضية، بعضها تعرض لقصف وحشي لم يسلم منه المدنيون بنسائهم وأطفالهم وشيوخهم، وبعضها الآخر تعرض إلى تدمير وتجريف لا يضاهيه سوى حقد جنود الاحتلال وعنصرية حكومتهم، أما بلدة (بيت ريما) فقد تعرضت إلى جريمة اعتقد العالم القرن الحادي والعشرين أنها ولت إلى الأبد اقتحام بالدبابات والطائرات لبلدة لا تأوي سوى ثمانية من رجال الأمن، وإطلاق نار عشوائي على المدنيين، وبيان رسمي يعلن مقتل عدد ممن وصفتهم بالمطلوبين لإسرائيل.

رسمياً تذرعت إسرائيل باغتيال أحد وزرائها المستقيلين لتبرير حملتها العسكرية، أما في الواقع فإن شارون وأعوانه وجدوا الساحة الدولية مواتية لشن عمليات عسكرية واسعة النطاق تضرب عصفورين بحجر واحد، عصفور عملية السلام وعصفور الانتفاضة، أما الحجر فهو الدبابات والطائرات التي تغدقها الولايات المتحدة على حليفتها الاستراتيجية، السياسة التي ينتهجها شارون لم تعد اليوم الشغل الشاغل لواشنطن وحلفائها، فالأولويات قد تغيرت بعد الحادي عشر من سبتمبر، لكن رغبة شارون في الإفادة من هذا الوضع ودفعه الأمور باتجاه التصعيد لم يرق للإدارة الأميركية.

صحيح أن الولايات المتحدة تعتبر إسرائيل حليفاً استراتيجياً هاماً وورقة لا يمكن التفكير في خسارتها، لكن بعض الأصوات في الإدارة الأميركية استطاعت إقناع الرئيس بوش بأن ما تقوم به إسرائيل قد يكلف واشنطن التحالف الذي أنشأته ضد ما تسميه بالإرهاب، فالانتقادات المصرية والسعودية لموقف واشنطن تجاه ما يجري في الأراضي الفلسطينية أصبحت علنية، وباتت واشنطن تخشى انفراط عقد تحالفها ضد طالبان وبن لادن، وربما لهذا السبب عبرت الإدارة الأميركية عن انزعاجها واستخدمت لهجة حادة نادراً ما تصدر عنها تجاه إسرائيل، فقد طالبتها وعلى لسان الرئيس بوش بالانسحاب فوراً من أراضي السلطة الفلسطينية التي احتلتها، ورأى شارون في هذا الموقف تحدياً لسلطته، وخشى من انهيار حكومته الائتلافية التي تتشكل من أحزاب يمينية متطرفة إن هو استجاب على الفور للأمر الأميركي، فقرر لعب ورقة الدبلوماسية من خلال دعوته إلى اجتماع عاجل للجنة الأمنية الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة، واستدعى أعضاء المجلس الأمني المصغر لبحث إجراءات الانسحاب دون أن يبدو ذلك وكأنه هزيمة، فكان القرار بالانسحاب على مراحل.

أما القيادة الفلسطينية فقد قررت التحرك على كافة الأصعدة ومنها مجلس الأمن للمطالبة بإدانة الجرائم الإسرائيلية، وحتى يتم الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي سبق وأن انسحبت منها مراراً وتكراراً وحتى ينتهي الجدل الجديد القديم حول ضرورة أو أهمية إدانة إسرائيل أو عدم إدانتها تستمر المواكب الجنائزية في فلسطين، ولا يبدو أن هناك ما يبشر بانتهائها في القريب العاجل.

الواقع الفلسطيني بين فرص الحل واحتمالات الانفجار

توفيق طه: ولاستجلاء الواقع الفلسطيني ما بين فرص الحل واحتمالات الانفجار تحدثت عبر الهاتف إلى الدكتور مصطفى البرغوثي (مدير مركز الإعلام والسياسات الفلسطينية في رام الله) وسألته أولاً: لماذا كان الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية من بيت لحم وبيت جالا فقط ولم يشمل المدن الأخرى؟

فلسطينية تبكي على حطام منزلها الذي دمرته القوات الإسرائيلية فى قرية بيت ريما بمدينة رام الله بالضفة الغربية
د. مصطفى البرغوثي: أولاً لا أدري إن كان هذا الاتفاق أصلاً قائم أو أنه سينفذ، أنا أشك في نوايا إسرائيل، ولكن أنا باعتقادي هذه محاولة إسرائيلية مرة أخرى لاستخدام أسلوب التجزئة وإشغال الجانب الفلسطيني بالجزئيات والتفاصيل، والتغطية على الأمر، وبالتالي باعتقادي أنه من الخطأ الموافقة على تقسيم الأمر إلى مدينة مدينة أو إلى جزء جزء لأن إسرائيل تحاول أن تضع شروطاً على الجانب الفلسطيني للخروج من مناطق "أ" والتي دخلتها عنوة وبطريقة وحشية وإجرامية وبخرق واضح لكل الاتفاقيات القائمة.

توفيق طه: نعم، يعني من خلال الشروط الجديدة التي يريد شارون وضعها يعني تريد أن تقول إنه يريد تعديل اتفاقات أوسلو يعني ما لم.. ما دام لم يستطع دفنها؟

د. مصطفى البرغوثي: يريد أن يصفي هذه الاتفاقات ويلغي كل ما هو إيجابي بالنسبة للفلسطينيين فيها، وطبعاً ولا مانع ليه أن يبقى الأشياء السلبية، وبالتالي هو هذا.. شارون لم يغير شيئاً ويسير على نهجه وخطته منذ جاء للحكم، هو ينفذ عملية منهجية تستهدف يعني تدمير البنية التحتية الفلسطينية، تدمير إمكانية قيام دولة فلسطينية حقيقية وذات سيادة، وفعلياً إعادة احتلال مناطق واسعة.

توفيق طه: نعم، يعني لا يبدو أن أياً من الفلسطينيين أو الإسرائيليين حتى متفائل بقرب الخروج من... من هذا المأزق، في رأيك ما هي العقبات الأساسية في ذلك؟

د. مصطفى البرغوثي: العقبات عديدة، ولكن العقبة الكبرى الكئداء هي وجود حكومة إسرائيلية متطرفة في الحكم في إسرائيل، هذه الحكومة الإسرائيلية المتطرفة التي يمثلها شارون والتي للأسف الشديد تمثل إجماع إسرائيلي، اليوم صدر استطلاع للرأي في إسرائيل يشير إلى أن 50% من الإسرائيليون يؤيدون ترحيل الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، يؤيدوا فكرة "الترانسفير".

العقبة الثانية هي: عدم وجود ردود فعل دولية قوية وفعالة تتناسب مع حجم المجازر والآثام التي ترتكبها إسرائيل الآن في الأراضي المحتلة، وعدم وجود سياسة فعلاً فاعلة في اتجاه إجبار إسرائيل على احترام القانون الدولي، وثالثاً أن..
توفيق طه: نعم، دكتور.

د. مصطفى البرغوثي: نعم.

توفيق طه: دكتور، في رأيك يعني هل.. هل يعني كثرة الدماء التي تسيل في أفغانستان الآن يعني هي سبب في السكوت على ما يُسال من دماء في فلسطين؟

د. مصطفى البرغوثي: لا شك أن الانشغال بما يجري في أفغانستان هو جذب الانتباه والاهتمام عن الموضوع الفلسطيني، ولكن هناك بعد آخر للأمر، ما جرى في الولايات المتحدة وبالتالي ما يجري الآن في أفغانستان ومعاناة الشعب الأفغاني، وقبل ذلك معاناة الأبرياء الذين سقطوا في الولايات المتحدة، كل ذلك يشير إلى أمر جوهري، وهو أن القضية الفلسطينية وما يجري هنا في فلسطين هو عنصر أساسي في الاستقرار الاستراتيجي، في المنطقة وفي العالم.

توفيق طه: إذن دكتور يعني في الخلاصة يعني ما هو التطور الأقرب إلى التوقع؟ يعني عودة إلى المفاوضات في القريب أو في القريب يعني ليس العاجل بالضرورة، أم انفجار واسع واقتراب أكثر بين الفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية؟

د. مصطفى البرغوثي: لا، أنا أعتقد أن السيناريو الأقرب للواقع هو استمرار المواجهة بين الشعب الفلسطيني بكل قواه الوطنية ومؤسساته الشعبية والرسمية مع حكومة شارون، هذه الحكومة من الوهم الاعتقاد بإمكانية التفاوض معها، من الوهم الاعتقاد بإمكانية التفاهم معها حتى على أي جزئية، أنا أعتقد حتى لو كان هناك اتجاه يريد بأن يتفاوض معها فسيفشل لأن إسرائيل وشارون ليس لديهم ما يقدموه لمثل هذا الاتجاه.

نتائج إجازة القانون الأميركي للإرهاب داخلياً وخارجياً

توفيق طه: وأخيراً ومع إجازة قانون الإرهاب في الولايات المتحدة تبدو الديمقراطية الأميركية في أضعف حالاتها، فرغم التقدم العلمي الكبير والتفوق العسكري الساحق فإن واشنطن شرعت في اتخاذ إجراءات احترازية قد تحول حياة مواطنيها إلى الأبد، ويعتقد مراقبو الشأن الأميركي أن إدارة بوش استغلت الذعر الكامن في النفوس بسبب الأحداث الأخيرة لمنح أجهزتها الأمنية لسلطات ما كانت تحلم بها يوماً، وحتى الصحافة التي كانت تعتبر خط الدفاع الأول عن الحريات في الولايات المتحدة أصبحت مطالبة بالتزام حدود معينة وذلك في سبيل الصالح العام.

تقرير/ حسن إبراهيم: هذه حرب غير كل الحروب، ولا ندري بعد إن كانت قصة داوود وغاليات ستنطبق على هذه الحالة، فالتفاوت المريع بين العدوين يجعل مجرد عدم تفتت حركة طالبان حتى الآن انتصاراً مقدراً في ظل القصف الأميركي المكثف، إلا أن الأمر الأشد وطأة على طالبان هو إصرار الولايات المتحدة على عدم تكرار السيناريو الفيتنامي، فلا عدسات كاميرات تصور المجازر، ولا شاشات تلفزة تظهر مدى بشاعة الحرب ووطأتها على الجيش الأميركي والشعب الفيتنامي على حدٍ سواء، إصرار الصحفيين الغربيين على الانتصار لمبادئ الديمقراطية التي ترعرعوا عليها كان موقفاً مبدئياً لا شك في ذلك، فرغم القصف والرصاص المتطاير من كل جانب صور الصحفيون أحداث حرب فيتنام يوماً بيوم، بل ساعة بساعة، وتوصلوا إلى الحقيقة، ألا وهي أن التورط الأميركي في فيتنام غير مبرر، وأن الحرب بالأسلحة التقليدية والكيماوية والجرثومية أدت إلى معاناة تفوق تلك التي عانت منها شعوب أوروبا في الحرب العالمية الثانية.

كانت تلك وقفة من الصحافة الغربية استجاب لها جيل الستينات بحركة مناهضة للحرب، وحركة أخرى ضد التمييز العنصري، ونشأ جيل كامل وهو يتشكل ثقافياً وسياسياً في عملية تطور اجتماعي تسير بصورة مطردة نحو إضفاء مسحة من الإنسانية على الرأسمالية وبشكل غير مسبوق، لكن وكمعظم الأفكار النبيلة يأتي الاقتصاد ليوقف السمو الاجتماعي، فأتت حكمة الرئيس رولاند ريجان وبدأت معها عملية منظمة لإعادة صياغة التاريخ، وتوارت النزعات الإنسانية خلف مبادئ الاقتصاد الريجاني -إن صح التعبير- ثم انهار الاتحاد السوفيتي تحت وطأة الديون، والبيروقراطية، والفساد، وسباق التسلح المحموم مع الولايات المتحدة.

في ظل هذه الظروف أتت حرب الخليج الثانية لتشكل نقطة تحول في النظام العالمي كما نعرفه، فلم تعد الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية تأبه كثيراً إن هي مارست ضغوطاً غير ديمقراطية على العالم، وكانت حرب الخليج الثانية نموذجاً لحروب القرن الحادي والعشرين، أي أنها حرب عالية التقنية تخوضها الولايات المتحدة تحت مظلة تحالف ما الأمم المتحدة أو التحالف الدولي ضد الإرهاب، وأهم ما في هذه الحروب خلوها من المنغصات الإعلامية، فلا صور لنعوش طائرة تقض مضاجع الرأي العام الأميركي، ولا صحافة حرة تكتب ما تشاء بحماية من الدستور الأميركي.

وها هي حرب الولايات المتحدة ضد ما تسميه بالإرهاب، تقنية عسكرية رفيعة ضد بلد مازالت إمكانياته بدائية، إعلام مكمم الأفواه، بل ويطبق الآن قانون طوارئ في الولايات المتحدة يسمح للسلطات بالتنصت على الهواتف والاعتقال بدون إبداء أسباب، ورغم هذا تجد استطلاعات الرأي تعطي ثقتها لإدارة الرئيس جورج بوش بصورة شبه مطلقة، ويخشى كثيرون من أن تؤدي ضرورات الأمن إلى أن تسود ثقافة جديدة في الولايات المتحدة تعيدها إلى مرحلة مكارثية جديدة.

توفيق طه: بهذا نأتي مشاهدينا الكرام إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج وهذا توفيق الله يستودعكم الله.