مقدم الحلقة

جميل عازر

تاريخ الحلقة

13/05/2001

جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذا العدد الجديد من (الملف الأسبوعي) وفيه: البابا يوحنا بولس الثاني وجولته في الشرق الأوسط بين الحج والسياسة وامتعاض الإسرائيليين.

مقدونيا في حمى ائتلاف جديد، هل تنجح في درء حرب أهلية، أم ستصاب بعدوى غوائل كوسوفو؟

والولايات المتحدة في الأمم المتحدة، التبجح في الدفاع عن حقوق الإنسان لم يمنع السودان من هزيمة واشنطن في هذا المجال.

جولة البابا في الشرق الأوسط.. أسبابها، أهدافها، نتائجها

ما كانت زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى سوريا لترضي إسرائيل حتى ولو جاءت في أفضل الظروف، فمجرد مجيئه إلى دمشق، ناهيك عن زيارته إلى (القنيطرة) التي دمرها الإسرائيليون قبل انسحابهم منها في أعقاب تمركز القوات الدولية هناك للفصل بين السوريين والإسرائيليين بعد حرب أكتوبر كان تحدياً، بل تعليقاً مبطناً، على سياسات إسرائيل ولكن للزيارة من حيث دلالاتها الدينية بعداً أعمق بالنسبة للمسيحيين في المنطقة العربية عامة حتى رغم الهوة التي تفصل بين الأورثوذكس والكاثوليك عقائدياً وتاريخياً.

زيارة البابا للمسجد الأموي بدمشق
تقرير/ حسن إبراهيم: ربما يعتقد أتباع الكنيسة الأورثوذكسية أن اعتذار البابا أتى بعد فوات الأوان، أي ما يناهز الألف سنة، المظاهرات الغاضبة في أثينا رسالة إلى البابا بأن المسيحيين المشرقيين لم ينسوا الظروف التي أدت إلى انفصال الكنيستين، الكاثولوكية والأرثوذكسية، فالانقسام الذي بدأ لاهوتياً في القرن التاسع عندما ضاق مسيحو المشرق بتسلط الفاتيكان وبتكفير البابا (ليو) التاسع (لميخائيل سيلولاريث) مطران القسطنطينية حاضرة الامبراطورية البيزنطية في السادس عشر من شهر يوليو/تموز عام 1450م، الانقسام حتى تلك اللحظة كان على مستوى قيادتي الكنيستين، لكن ما حدث في الثالث عشر من أبريل عام 1204 نقل الانقسام إلى أعماق الوجدان الشعبي، وذلك عندما اجتاحت جيوش الكاثوليك القسطنطينية وأحرقتها وقتلت رجالها ونسائها وأطفالها في مذبحة لم تعرف لها تلك العصور مثيلاً، وكان الخلاف الذي بدأ (ثيرولوجياً) يتلخص في التالي: يعتبر الأرثوذكس صيام الكاثوليك في أيام السبت قبل عيد الفصح هرطقةً، ويعتبرون هرطقةً كذلك بداية فترة الصيام عند الكاثوليك في أربعاء الرماد بدلاً من الاثنين، ويعتبرون هرطقة امتناع رجال الدين عن الزواج، ويعتبرون هرطقة إضافة لفظ الابن عندما يصفون رحلة الروح القدس، وأما الكاثوليك فينتقدون رسامة المتزوجين كهنة في الكنيسة الأرثوذكسية، وينتقدون الأرثوذكس لإيمانهم بوجود مرحلة انتظار ما بين الجنة والنار، ويرفضون استخدام الأورثوذكس للخبز المخمر في تناول القربان المقدس في عيد الفصح، ومهما تكن الفروق العقائدية، فإن الخلاف كان نزاعاً على السلطة والنفوذ خاصةً وأن الكنيسة الشرقية كانت تعيش في كنف دول إسلامية، إذ رفضت الكنيسة الأورثوذكسية منطق الحملات الصليبية.

ويذكر التاريخ أن الجيوش الأوروبية التي احتلت بيت المقدس وبلاد الشام إبان الحروب الصليبية ارتكبت مجازر في حق المسيحيين المشرقيين بمثل ما ارتكبت في حق المسلمين، بابا الفاتيكان حاول أن يمحو هذا كله، وربما يكون قد عقد قداساً في أثينا لكن الشعب اليوناني لم ينس اجتياح فرسان الكاثوليك عام 1185م لـ (سالونيكا) ثانية أكبر مدينة في الإمبراطورية البيزنطية، ولم ينسوا دماء أسلافهم التي سالت في أزقتها وكنائسها. أما رحلته إلى سوريا فقد كانت حملة علاقات عامة ناجحة بينه وبين أتباع الدين الإسلامي، ورسخت دور الفاتيكان كصانع سلام في المنطقة، لكن دخوله المسجد الأموي الذي لا يحتوي فقط على آثار إسلامية، بل مسيحية هامة كان حدثاً هاماً، فالمسجد الأموي يحتوي على قبر صلاح الدين الأيوبي، قاهرة الجيوش الأوروبية الصليبية، ويحتوي كذلك على رفات نبي الله يوحنا المعمدان أو (يحيى) كما يسميه المسلمون، ودخول البابا شكل إنجازاً للقيادة السورية التي أدخلت في البرنامج زيارة من البابا إلى مدينة القنيطرة التي دمرها الإسرائيليون، وعلى الرغم من أن البابا لم يوجه تنديداً صريحاً بإسرائيل إلا أن مجرد قبوله بهذه الزيارة وإعلان رفضه لاغتصاب الأراضي عن طريق القوة كانتا رسالتين قويتين إلى إسرائيل.

أما الجزء الأخير من رحلة البابا فقد كان لمالطا التي تعتبر واحدة من أهم معاقل الكاثولوكية في العالم، وكانت محطة انطلاق لفرسان الحملات الصليبية في الماضي، والجزيرة التي استعصت على الاحتلال السلجوقي ثم العثماني، ولو سأل البابا لوصف رحلته بأنها حج شخصي ومحاولة لتقريب الشقة بين المسيحيين وبينهم وبين المسلمين.

اشتراك الأحزاب الألبانية المعارضة في حكومة وحدة وطنية

قصف الجيش المقدوني للمقاتلين الألبان
جميل عازر: حققت مجهودات المقدونيين للنكوص ببلادهم عن شفا حرب أهلية نجاحاً ربما لم يكن متوقعاً فقد وافق حزب الرخاء الديمقراطي وهو الحزب الألباني الرئيس في تلك الجمهورية البلقانية على الانضمام إلى حكومة ائتلافية جديدة وبهذا ترك جيش التحرير الألباني يقاتل في المرتفعات الشمالية من دون دعم مادي وفي عزلة سياسية، ولم يكن هذا الإنجاز نابعاً من رغبة السلافيين في إشراك الألبان في الحكم بقدر ما كان ناتجاً عن ضغط المجتمع الدولي على رئيس الحكومة المقدونية.

تقرير/ سمير خضر: قد يبدوا المشهد المقدوني غريباً بعض الشيء على المراقب الخارجي لكن شؤون البلقان لا ينبغي أنه تدار من خارج البلقان وإن حدث ذلك فإن النتيجة تكون إياها، إذ تصبح لغة السلاح هي الوسيلة الوحيدة للتفاهم وفض النزاعات التي لا نهاية لها، وها هي مقدونيا تنال اليوم حصتها من عدم الاستقرار في البلقان، والتخبط الذي تدور فيه أوروبا، فقد ظن البعض أن هذه الدولة الفتية استطاعت بنجاح أن تنأى بنفسها عم يدور حولها من صراعات نجمت عن تفكك الاتحاد اليوغسلافي، لكن طبول الحرب سرعان ما بدأت تدق في عقر دارها.

مشكلة مقدونيا اليوم هي المشكلة نفسها التي حاول الحلف الأطلسي حلها بقوة الحديد والنار قبل عامين، إنها مشكلة الأقلية الألبانية خارج ألبانيا التي يبدو أنها أساءت فهم نوايا وإرادة الغرب ظناً منها أن تدخل أعداء (ميلوسوفيتش) لصالحها في كوسوفو يشفع لها ما تحاول القيام به في مقدونيا، ويجد الغرب نفسه اليوم أمام مفترق طرق أسهلها ذلك الذي يودي بالجميع إلى الكارثة، فالحرب التي تدور رحاها في مقدونيا بين الجيش والمتمردين الألبان ليست سوى نتيجة حتمية لفشل هذا الغرب في حل إشكالية كوسوفو إذ لا الإقليم حصل على الاستقلال الذي ينشده ولا (بلجراد) نجحت في التأكيد على سيادتها عليه، ولا يلوح في الأفق أي مشروع يتعلق بمستقبل كوسوفو واكتفى الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي بترديد شعارات التأييد والدعم لحكومة مقدونيا ضد محاولات تقويض أساس الديمقراطية في هذا البلد.

وللخروج من هذا المأزق الذي يهدد من جديد الاستقرار في البوابة الجنوبية من أوروبا لم يجد الغرب من وسيلة لاحتواء النزاع سوى الضغط باتجاه إشراك الأحزاب الألبانية المعارضة في حكومة وحدة وطنية على أمل عزل المتمردين وإظهارهم بمظهر من لا يحظى بالتأييد الداخلي، وقد يكتب لهذا المخطط النجاح على المدى القصير، لكن ألبان مقدونيا لم يكتفوا بالشعارات وسيحاولون فرض رؤيتهم على حكومة تشعر بالضعف وانقطاع الحيلة، ولن تستطيع حكومة الوحدة هذه الاستمرار طويلاً قبل أن يعود الصراع ليتجدد على أرض المعركة خاصة وأن الألبان باتوا اليوم على يقين من إن حلم الدول الألبانية الكبرى لم يعد بعيد المنال، أما الثمن فسيكون عودة قوافل المهجرين لتجوب طرقات البلقان تارة في هذا الاتجاه وتارة أخرى في الاتجاه المعاكس.

الندوة الاقتصادية العالمية في هونج كونج وتأثيراتها المحلية والعالمية

مؤتمر هونغ كونغ
جميل عازر: انعقدت الندوة الاقتصادية العالمية في هونج كونج، والصين تواجه بعضاً من أقوى التحديات في مستهل القرن الحادي والعشرين، فهناك العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة الأميركية بسبب رفض بكين إعادة طائرة التجسس إلى واشنطن، وبسبب اتهام بكين بمخالفات حقوق الإنسان، أما على الجبهة الداخلية فإن تبعات الانفتاح الاقتصادي أخذت تؤتي أكلها على شكل تحولات اجتماعية زادت من الهوة بين الفقير والغني في دولة اشتراكية المذهب تحاول أن تكون رأسمالية الطابع، ومن هنا فإن اقتراب الصين من الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية يعتبر من أقوى الحوافز للشركات الأجنبية التي تتدافع للاستثمار والاستفادة من الطفرة الاقتصادية المتوقعة.

تقرير/ خالد القضاة: ليس بغريب أن يكون لهونج كونج دور هام في استقطاب فرص الاستثمار والتجارة وتطويرها نظراً لما تتمتع به من نظام اقتصادي رأسمالي يساير العولمة، إضافة إلى إحجام الصين عن التدخل في شؤون المستعمرة السابقة منذ عودتها إلى كنف بكين منتصف عام 97، وهذا ما جعل نحو 700 من السياسيين وكبار رجال الأعمال والمسؤولين التنفيذيين في الشركات العالمية يستبشرون خيراً في مؤتمرهم السابع خصوصاً بعد ما تعهد الرئيس الصيني بأن يبقى على الحكم الذاتي الذي تستأثر به هونج كونج.

عقد المؤتمر بعنوان "آسيا الجيل القادم" وخصص لبحث الأنماط الجديدة لنشاط الأعمال على شاطئ المحيط الهادي، والمشاكل التي تواجه الشركات متعددة الجنسيات مع الاهتمام بآسيا خاصة، وظل المؤتمر ذا طابع مالي وتجاري ولم يكن فيه للسياسة دور يذكر رغم مشاركة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في أعماله، وهي خطوة اعتبرت تجاوزاً لأزمة العلاقات الدبلوماسية بين بكين وواشنطن منذ حادث طائرة التجسس الأميركية، وقد وُصِف الحضور الأميركي بلقاء بين أكبر دولة نامية وأكبر دولة متقدمة مشاركة الصين في المؤتمر واحتمال قبولها عضواً في منظمة التجارة العالمية كانا أهم الأسباب التي حملت الكثير من الشركات الأجنبية الكبرى على القدوم إلى هونج كونج للفوز بصفقات تعقد مع العملاق الصيني، فخطوات الانفتاح التي اتخذتها الصين في السنوات العشرين الأخيرة جعلت منها سابع أكبر دولة تجارية في العالم وأكثر دولة من بين الدول النامية استقطابا لرأس المال الأجنبي طوال السنوات الثمان الأخيرة.

ربما تكون هونج كونج البوابة التي تدخل منها الصين إلى منظمة التجارة العالمية، ولكن من الصعب أن يتم ذلك من دون إثارة مسألة حقوق الإنسان فيها، وكانت احتجاجات طائفة (فالونجونج) أول اختيار لحدود حرية التعبير في إطار الوضع الخاص للمستعمرة البريطانية السابقة كجزء من الصين، فالطائفة محظور نشاطها في البر الصيني، بينما لا تحظرها هونج كونج كونها منطقة إدارية خاصة، وقد نجح هذا الوضع الخاص في التعامل مع أعضاء الطائفة، حيث سمح لهم بممارسة طقوسهم ولكن بعيداً عن أعين المؤتمرين.

تداعيات خسارة الولايات المتحدة مقعدها في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً: مدفعية إسرائيل تستهدف مساكن الأبرياء وتتحدى منطق السلام لتعلن أن الحرب هي سياسة شارون.

والآن هل يمكن لوم الأمم المتحدة عمَّ تعتبر الهزيمة الدولية الأولى، بل الصفعة الدولية الأولى التي لحقت بإدارة الرئيس بوش عندما خسرت المقعد الذي احتلته باستمرار منذ عام 1947 في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للمنظمة الدولية؟ وكأن خسارة المقعد لا تكفي كان فوز السودان به ذروة الإهانة، ولكن لنكوص أميركا عن بروتوكول (كيوتو) الخاص بالبيئة وتفتيل العضلات وإعلان النية للانسحاب من معاهدة الحد من الصواريخ البالستية والتعامل باستعلاء مع الدول الصغيرة واتهامها بمخالفات حقوق الإنسان، بينما ترتكب الإثم نفسه في ساحتها الداخلية ومناطق نفوذها، كان لكل ذلك تداعيات أدمت الأنف الأميركي.

تقرير/ حسن إبراهيم: أبدت رئيسة مجلس الأمن القومي الأميركية (كموليسا رايز) غضباً شديداً لفشل الولايات المتحدة في الإبقاء على مقعدها في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وتضاعف غضبها بسبب فوز السودان بمقعد في هذه اللجنة التي تعتبرها الولايات المتحدة واحدة من مخالبها في المؤسسة الدولية، ويعتقد بعض المراقبين أنه قد يكون موضوعياً أن تنجح أو تفشل الولايات المتحدة في البقاء في اللجنة، لكن نجاح السودان كان مفاجأة، بل وصدمة قاسية لواشنطن التي كانت قد عينت مراقباً أميركياً لحقوق الإنسان في السودان، وبدرجة مستشار للرئيس بوش.

فمن الواضح إذن أن يحتل الملف السوداني مكانة مرموقة في سلم أولويات الإدارة الأميركية الجديدة التي تتهم السودان بارتكاب العديد من المخالفات وتتعدى الاتهامات خنق السودان لحرية التعبير إلى الاتهام بتسهيل الرق، وبالطبع أثلج فشل الولايات المتحدة في دخول اللجنة صدور أعدائها الكثيرين، ولعل الصين التي لما تخرج بعد من أزمة طائرة التجسس التي هبطت اضطرارياً في جزيرة (هينن) الصينية أكثر الفرحين، فالولايات المتحدة دأبت على اتهام الصين بسحق المعارضين منذ عملية ميدان (تيانم) من عام 89 وحتى قمعها لحركة (فالونجونج) الدينية.

استعراض سجل الولايات المتحدة في حقوق الإنسان

التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة
لكن لو حاول مراقب منصف استعراض سجل الولايات المتحدة في حقوق الإنسان لما وجده ناصعاً، ولعل ممارسات المجتمع المدني هناك حيال الأقلية تترك الباب واسعاً للكثير من الانتقادات، وما حدث في ولاية (أوهايو) من اضطرابات مؤخراً يلقي الضوء عل معاناة الأقليات والتفرقة التي مازالت تمارس ضدهم، فمقتل شاب زنجي على يد رجل شرطة أبيض، لم ينجم عنه إلا توجيه تهمة القتل الخطأ وعرقلة مسار العدالة للشرطي، وتبلغ العقوبة القصوى للتهمتين تسعة أشهر في السجن مع الاحتفاظ بحق الاستئناف.

وفتح ملف جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة في فيتنام يكشف الكثير من الفظائع، فما ارتكبته القوات الأميركية بقيادة السيناتور السابق (بوب كيري) في قرية (تام فونج) عام 69 ليس سوى قمة جبل الجليد، فقد أمر الضابط آنذاك جنوده بفتح النار على النساء وأطفال القرية فأبادهم عن بكرة أبيهم، ولو اتجهنا إلى أميركا الوسطى والجنوبية في جوار الولايات المتحدة لوجدنا الملف حافلاً بالجرائم ضد الإنسانية ودون كما ارتكبه جنرالات تلك البلاد من فظائع تحت ستار محاربة الشيوعية، وذلك بمباركة أميركية من جواتيمالا والسلفادور ونيكارجوا، إلى تشيلي وكولومبيا وبوليفيا.

كل هذا لا يعفي الحكومة السودانية من ارتكاب مخالفات منذ مجيئها إلى الحكم على ظهر دبابة عام 89، فقد ألغت الأحزاب، وعطلت الدستور، واعتقلت المعارضين، لكن ما يبعث على الانزعاج في السودان هو أن الأميركيين يستخدمون حقوق الإنسان مطية وأداة لزعزعة أركان دول يعتبرونها مشاكسة، بينما يغضون الطرف عن ممارسات أنظمة يعتبرونها صديقة لهم.

جميل عازر: وقد تحدثت إلى الخاتم عدلان المعارض السوداني زعيم حركة القوى الديمقراطية (حق) في لندن وسألته أولاً: هل فوز السودان في مقعد في المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة هو أكثر من كونه مسألة معنوية؟

الخاتم عدلان (معارض سوداني): فوز السودان بهذا المقعد لا أعتقد أنه أكثر من –فعلاً- مسألة معنوية بحتة بالنسبة للسلطة نفسها، لأن يعني طبيعة السلطة لم تتغير وموقفها من حقوق الإنسان، موقف المبدأ من حقوق الإنسان لم يتغير مطلقاً، ممارساتها لم تتغير إلا تغيرات سطحية محكومة بقانون دقيق جداً من قبلها.

جميل عازر: ما الذي تعتقد أن هذا الفوز، فوز في مقعد مهم يعتبر في واحدة من أقدم وأعرق مؤسسات الأمم المتحدة يمكن أن يكون له من تداعيات على المسرح الداخلي السوداني؟

الخاتم عدلان: ربما يحدث هذا في حدود ضيقة لأنه كما قلت لك لم يحدث تغيير حقيقي في موقف السلطة من مسألة حقوق الإنسان ومبادئ حقوق الإنسان، السلطة تتنازل عن تلك المساحات التي لا تهدد وجودها، ولا تمثل بالنسبة لها سوى هوامش، فأنا أعتقد أن..

جميل عازر [مقاطعاً]: الخاتم عدلان، يعني ما الذي يمكن أن نتوقعه نتيجة لهذا الوضع على العلاقات بين الخرطوم وواشنطن؟

الخاتم عدلان: لا أعتقد أيضاً أن هناك يعني اختلافات كبيرة لأنه المعلقين الأميركيين أشاروا في السخرية من.. من موقف لجنة حقوق الإنسان، أشاروا بسخرية لدخول السودان بسجله المعروف في مجال حقوق الإنسان، أو في خرق حقوق الإنسان، وحرمان الولايات المتحدة المعروفة بالدفاع عن حقوق الإنسان من هذه المنظمة، وأوردوا هذا كمثال على عبث التصويت وأن المقصود به –في الواقع- ليس حقوق الإنسان، بل مقصود به تصفية حسابات تمت في مجالات أخرى من قبل حلفاء أميركا و.. وأعدائها أيضاً ضد الإدارة الجديدة..

جميل عازر: ولكن هذا. هذا لا يعني انتقاصاً من أهمية فوز السودان بالمقعد؟

الخاتم عدلان: لا.. لا حقيقة هو لا ينتقص، بالعكس يعني هذا الشيء لا.. لم يكن تحلم به هذه الحكومة مطلقاً، وهي التي ظلت منبوذة من قَبِل الأمم المتحدة طوال هذه الفترة، هذه مسألة مهمة، ولكن يجب أن نفهم الآليات التي أدت إلى عضوية الحكومة في هذه المنظومة، وهي آليات لا علاقة لها بأي تغييرات عضوية داخلية في السلطة، وفي موقفها من حقوق الإنسان، وفي ممارساتها تجاه المواطنين السودانيين في كل بقاع السودان، إنما هي معادلات عالمية لعبت في صالح هذه الحكومة، ليس أكثر من ذلك ولا أقل، والدليل على ذلك أن نظماً أخرى معروفة تماماً بخرقها لحقوق الإنسان نالت عضوية هذه المنظمات، ولذلك المسألة لا تنطوي من هذه الناحية على أهمية تذكر.

بالإضافة لذلك الوجود داخل هذه المنظمات هو يعتمد على قوة النظام المعين وعلى القوى الاقتصادية للبلد المعين مثلاً حس وجود الولايات المتحدة خارج هذه المنظمة سيضر بعمل هذه المنظمة لأنه الكونجرس صوت حالياً بسحب 244 مليون دولار ستقدم لهذا المنظمة في العمل القادم.

مواصلة إسرائيل ممارساتها الوحشية ضد الفلسطينيين

الشهيد الرضيعة ( إيمان حجو )
جميل عازر: لم يجسد الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين من حيث مفهوم الاستعمار الصهيوني والحلم الفلسطيني لإقامة دولة بشكل أكثر وضوحاً مما فعله مصرع الصبي (محمد درة) في عهد باراك، ثم الرضيع (إيمان حجو) في ظل شارون، فذلك استشهد وهو في حضن والده في ساحة المواجهة، وهذه قتلت في حضن أمها في منزلها، وهذان الطفلان يمثلان الموقف الفلسطيني حاضراً ومستقبلاً، فهما رمز للأجيال القادمة وللكفاح، ولمسببات مخاوف شارون وأمثاله، بل ولكوابيسهم.

نقرير/ سمير خضر: من كان يشك أنها ليست بعد الحرب فقط خاب ظنه، فلو لم تكن الحرب بطائرات وصواريخ ودبابات ومدفعية ورشاشات ثقيلة، بماذا تكون إذن؟! الجميع كان يعرف نوايا شارون منذ لحظة تسلمه السلطة، لكن قليلين كانوا يعتقدون أنه سيتصرف كزعيم دولة لا كجنرال عدواني وخاب ظنهم هنا أيضاً، فشارون بدأ بشن حرب شاملة ضد كل ما هو فلسطيني إنساناً وأرضاً ومنشآت، لكنه نجح في إقناع العالم بعكس ذلك، فهو يشن اليوم حرباً لم ولن يعلنها صراحة ولم يهمه صراخ الفلسطينيين ولا نداءات الاستغاثة التي يوجهونها إذ لا من مجيب، لا في الغرب ولا في الشرق ولا حتى في العالم العربي.

ولا بل أن التجاوز بلغ به حد المجاهرة بأنه يخوض الحرب استناداً لاتفاقات السلام المبرمة مع الفلسطينيين، فقد خرج ساسة إسرائيل بتفسير جديد لاتفاقات أوسلو زاعمين أن أحد بنودها يعطي إسرائيل الحق بدخول المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية لملاحقة من يسمونهم بالإرهابيين، لكن قادة إسرائيل لم يفسروا للعالم من هم الإرهابيون؟! أهم الرئيس عرفات وتنظيم فتح أم هم المعارضة الإسلامية حماس أو الجهاد الإسلامي أم الرضع والأطفال الذين تقصف مدارسهم جهاراً بحجة الرد على مصادر لإطلاق النار؟!

معاناة الشعب الفلسطيني من البطش الإسرائيلي
إسرائيل لم تحدد بعد هوية عدوها، وهي أيضاً باتت مقتنعة بعدم وجود شريك لها في السلام لها في السلام مع الفلسطينيين، وبهذا بات الجيش الإسرائيلي في حل من الاتفاقيات، وتلقى الضوء الأخضر من شارون ووزير دفاعه باختيار الأهداف، وبالطبع فإن من بين الأهداف أيضاً كان قوات الأمن الفلسطينية، وخاصة القوة سبعة عشر، الحرس الرئاسي الخاص للرئيس عرفات، فهي القوة المنظمة الوحيدة على الأرض الفلسطينية كما أن استهدافها بشكل مستمر يشكل رسالة واضحة للرئيس الفلسطيني مفادها الموت أو الاستسلام.

وبدا الضغط الإسرائيلي واضحاً في هذا الاتجاه مع لجوء إسرائيل إلى استخدام أسلحة لم تفكر يوماً في استخدامها ضد من وافقوا في يوم ما على الاعتراف بوجودها، وإذا كانت بعض القيادات الإسرائيلية تشعر سابقاً بالقلق من عدم وجود بديل للقيادة الفلسطينية الحالية، فإن شارون وحكومته أثبت أن هذا القلق ليس من شيمة اليمين المتطرف، الذي لا يخفي رغبته في شطب كلمة سلام من قاموس السياسة الشرق أوسطية، حتى وإن حاول الحالم المراوغ بيريز إعطاء انطباع مغاير، فبيريز ارتضي لنفسه دور المبرر لسياسات تطمح إلى دفن حلمه الأزلي في شرق أوسط جديد فقط تلقي الثمن الذي يتجاوز هذا الحلم، كرسي السلطة.

أسباب عودة أشهر لص في العالم إلى بلده

رونالد بجيز
جميل عازر: وأخيراً إلى رحلة عودة إلى أرض الوطن مختلفة عن المألوف، فالعائد لص محترف هارب من العدالة اقترف أشهر وأكبر سطو على قطار، اللص الشهير هو (رونالد بجيز)، عاد من البرازيل بمحض إرادته، بعد أن وهن منه العظم، وأصبح ثقيل النطق فقد سطا على قطار للبريد عام 63 بمعاونة عصابة من 15 شخصاً تقاسمت غنيمة تقدر بأكثر من سبعة وخمسين مليون دولار سعر العملة اليوم، وحكم عليه بالسجن 30 عاماً، لكنه استطاع الفرار إلى البرازيل عام 70 بعد مغامرة هروب طويلة، وخضع هناك لعملية جراحة تجميلية، وإذا كان الهارب (بيجز) قد حن إلى وطنه، فإن شرطة اسكوتلانديارد كانت تنتظره في المطار بشوق أكبر، ولكن من يدري فقد يجعلون منه بطل فيلم سينمائي.

وبهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونشير إلى أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصوت والصورة والنص عبر موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.