مقدم الحلقة

توفيق طه

تاريخ الحلقة

22/04/2001

توفيق طه
توفيق طه: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذا العدد الجديد من الملف الأسبوعي، والذي أقدمه لكم في إجازة الزميل جميل عازر.

في هذا العدد: شارون ينصاع للإنذار الأميركي ويسحب قواته فن عزة، بينما تستمر حكومته في سياساتها الاستفزازية.

بينما يستمر الحصار على العراق تكشف (قناة الجزيرة) بالصورة الدامغة عدم صحة بعض التقارير الأميركية عما تسميه أرقى العقوبات.

وبينما لا تزال وسائل التعداد البشري القديمة باقية، بإن الرق المعاصر يأخذ أشكالاً أكثر ذكاء.

أجبر العنف الإسرائيلي الفلسطينيين الذين يقدمون الشهيد تلو الآخر على تطوير وسائل مقاومتهم من الحجر إلى الرصاص وقذائف الهاون، ويبدو أن انصياع آرييل شارون للإنذار الأميركي وسحبه قواته من قطاع غزة في بضع ساعات أعطى بعض الفلسطينيين أملاً في تجدد الدور الأميركي في عملية السلام، لكن كثيراً من الفلسطينيين يرون أن هدف الانتفاضة هو التحرير الوطني عبر مقاومة طويلة المدى ومهما كان الثمن.

مقاتلون فلسطينيون يطلقون قذائف الهاون على المستوطنات
تقرير/ سمير خضر: من الصعب على المراقب فهم طبيعة ما يجري حالياً في الأراضي الفلسطينية، من هم هؤلاء الذين يتلذذون في إطلاق قذائف هاون لا تصيب أحداً ولا تلحق ضرراً بأي إسرائيلي؟ هل هم من حماس، أم من فتح أم تنظيم آخر؟ ولكن مهما كانت هويتهم فإن النتيجة واحدة: مزيد من الدمار والخراب للمدن والمنشآت الفلسطينية، وحصار وتجويع وقتل للأطفال والشباب، وبعد نحو سبعة أشهر على الانتفاضة لم تعد الانتفاضة هي الانتفاضة، هذا الزخم الجماهيري المقاوم للاحتلال، والذي لا يستخدم سوى الحجر سلاحاً في مواجهة الدبابات والبنادق الإسرائيلية، لم تعد هذه الثورة الشعبية التي تستدر تعاطفاً على المستويين العربي والدولي.

فقد تحولت اليوم إلى حرب حقيقية، حرب غير متكافئة لا يمكن أن ينتصر فيها إلا القوي عسكرياً، وقد أثبت شارون أنه غير قادر على تغيير عقليته أو نمط تفكيره، فعمد إلى إرسال الدبابات إلى بيت حانون، وأعاد احتلال أراض تقع تحت السيطرة الفلسطينية المباشرة، وفكر في إنشاء منطقة عازلة بين الأراضي الفلسطينية والإسرائيلية على غرار ما فعله قبل عقدين في جنوب لبنان، وشعر العالم بالقلق فالعملية السلمية انهارت تماماً منذ اندلاع الانتفاضة، لكن الأمل بقي قائماً في إمكانية انطلاقها من جديد طالماً لم يقع المحظور، غير أن هذا المحظور وقع باحتلال بيت حانون. وفي حين كان شارون وزير دفاعه يعتقدان أن القطب الأميركي الأوحد لن يتزحزح عن موقفه بشأن عدم التدخل، انبرت واشنطن فجأة لتقول لشارون: كفى لقد تخطيت الخط الأحمر. وفهم شارون فوراً الرسالة وسارع إلى سحب قواته.

لكن بعض الفلسطينيين أساءوا فهم الرسالة الأميركية معتقدين أنها ضربة قاصمة للسياسة الليكودية التي يمثلها شارون، فالولايات المتحدة لم تتدخل ضد إسرائيل لصالح الفلسطينيين، بل لمنع تفاقم وضع كان من شأنه أن يضر بمصالحها الإقليمية، فواشنطن نددت أيضاً بعدم قدرة القيادة الفلسطينية على وضع حدٍ لتفاقم العنف والعنف المضاد، وحملت السلطة الفلسطينية المسؤولية كاملة، ويبدو أن هذا الموقف الأميركي أصبح اليوم مفهوماً من قِبَل القيادة الفلسطينية، خاصة مع الأوامر التي أصدرها الرئيس عرفات لأجهزة الأمن بمنع كل محاولة لإطلاق قذائف الهاون على المواقع الإسرائيلية.

لكن السؤال يبقى: هل بإمكان السلطة وقف مثل هذه العمليات؟ هذا بالطبع إذا افترضنا أنها لا تنطلق من عناصر محسوبة عليها مثل بعض نشطاء فتح. أما إذا كانت حماس تقف وراء هذه العمليات فإن محاولة وقفها قد يؤدي إلى مواجهة بينها وبين أجهزة الأمن الفلسطينية وهذا ما تعوَّل عليه إسرائيل وواشنطن، اقتتال فلسطيني –فلسطيني يمنح إسرائيل ما تزال تبحث عنه منذ فترة، نصر بدون قتال، وإمكانية التفرغ لجبهة أخرى قد تكون أكثر سخونة، الجبهة السورية التي بدأت تتحرك منذ قيام إسرائيل بالإغارة على موقع عسكري سوري في لبنان، فدمشق أعلنت بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي، لكن واشنطن سارعت بالدخول على الخط لتهدئة الأمور، ليس فقط خوفاً من اندلاع نزاع إقليمي يضر بمصالحها، بل أيضاً خوفاً مما قد يفعله شارون الذي أثبت مع مدى تاريخه أنه لا يجيد التفكير إلا من على ظهر دبابة.

توفيق طه: المشهد العراقي محير للغاية، فبينما تحاصره العقوبات الدولية وتقصف أراضيه الطائرات الأميركية والبريطانية بشكل روتيني، وتقصف إيران مواقع المقاومة الإيرانية التي يؤويها العراق بقذائف سكود، نجد العراق يفلح في إسقاط طائرة استطلاع إيرانية من دون طيار، ويحسن أداءه الدبلوماسي عربياً ودولياً، لكن الولايات المتحدة التي أثبتت (الجزيرة) بالصور عدم دقة ادعاءاتها عن ملابسات ضبط ناقلة النفط (زينب) ترفض رفع العقوبات الدولية عن العراق قبل أن ينصاع إلى القرارات الدولية، أو تفسير واشنطن لما تعنيه تلك القرارات.

جولات مكوكية لرمضان لفك الحصار
تقرير/حسن إبراهيم: بينما تحاول روسيا التوصل إلى حل ينقذ ماء وجهها في المسألة العراقية تبقى الجبهة العراقية ملتهبة لأسباب كثيرة، فالعراق ينظر بعين الشك إلى كل ما يخرج من جارته اللدودة إيران، سواء كانت اتفاقية أمنية بينها والمملكة العربية السعودية، أو صواريخ سكود تنزل على مواقع المعارضة الإيرانية في الجنوب العراقي، ورغم نجاح العراق الدبلوماسي في الفترة الأخيرة، إلا أن طهران ما زالت توصد أبوابها أمام المبادرات العراقية، وتشترط إغلاق مكاتب حركة مجاهدي خلق التي تشن هجمات في العمق الإيراني انطلاقاً من الأراضي العراقية.

لكن وبالمقابل فإن المعارضة الشيعية مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة الإسلامي يشنان هجماتها مع العراق انطلاقاً من إيران، ومبدأ المعاملة بالمثل مشروع لا شك في هذا، لكن العراق يحتاج إلى إيران أكثر من احتياجها إليه، ولو تبصر الساسة في البلدين فإنه على الرغم من الغزل الأميركي لطهران فإن الولايات المتحدة ما زالت تتبع مبدأ (إندك) في التعامل مع البلدين، أي (الاحتواء المزدوج)، لكن ولضرورات الأمن الخليجي كما تراه الولايات المتحدة وبسبب الغطاء الدولي فإنها ما زالت تطبق بحصار محكم على العراق وتزيد من قائمة المحظورات عليه يوماً بعد آخر، وقائمة المحظورات على العراق تبدأ من الدواء وأقلام الرصاص وحتى المواد التي يشتبه في أنها تساعده على إنتاج الأسلحة، ولو أرادت الحكومة العراقية شراء أي سلعة من الخارج فيجب أن توافق على ذلك لجنة العقوبات في الأمم المتحدة.

وطالما طالعتنا أجهزة الإعلام بروايات أميركية عن سفن تحاول تهريب النفط العراقي خارج برنامج النفط مقابل الغذاء، لكن ليست كل هذه الروايات الأميركية صحيحة، كما أثبتت صور خاصة (بقناة الجزيرة)، فقد قالت مصادر أميركية إن السفينة مسجلة في جورجيا اسمها (زينب) كانت تحمل نفطاً مهرباً من العراق إلى باكستان فاعترضت طريقها القوات الأميركية الموجودة في مياه الخليج لمراقبة تطبيق العقوبات على العراق، ثم أمرت السفينة بالتوجه إلى شمالي دبي على بعد ستة عشر ميلاً ونصف الميل من منطقة (جبل علي)، وهنا ضربتها موجة عاتية فغرقت فأحاطت بموقع غرقها القوات الأميركية وأنقذت طاقمها المكوَّن من أحد عشر بحاراً عراقياً.

لكن الصور تثبت عكس ذلك، فلم تكن هناك أمواج عاتية في الخليج، بل كان هادئاً، ثم متى عرفت البحرية الأميركية أن الناقلة كانت تتجه نحو باكستان؟ وهل علموا بهذا قبل أو بعد اعتراضهم سبيل السفينة؟ أما الجبهة الداخلية العراقية فتكاد تكون كما هي: تناقض ما بين من أثروا في سنين الحرب وباقي المجتمع الذي يعيش في جوع وفقر ومعاناة وازدياد في حالات السرطان وكل مضاعفات اليورانيوم المنضب، بينما يطالب نجل الرئيس العراقي عُدي صدام حسين البرلمان الذي انتخب إليه بنسبة تقارب 100% بأن يكون أكثر جرأة في انتقاد مخالفات الجهاز التنفيذي.

توفيق طه: يبدو أن البراجماتية تغلبت على اختلاف المنطلقات ما بين المملكة العربية السعودية وجمهورية إيران الإسلامية، فإيران التي يغلب عليها المذهب الشيعي الجعفري أقامت نظامها الجمهوري على أنقاض ملكية الشاه، وهي ترفع شعار رفض الهيمنة الأميركية، بينما السعودية المحافظة بنظامها الملكي ومذهبها الوهابي المحافظ تقيم تحالفاً استراتيجياً مع الولايات المتحدة، ومن أهم الملفات بين البلدين تحديد أسعار النفط في إطار أوبك، وكذلك الملف العراقي.

توجه سعودي بتوقيع اتفاقيات لترسيم الحدود وأخرى أمنية مع جيرانها اليمن وقطر وإيران
تقرير/ سمير خضر: ليس من السهل على الشارع الإيراني فهم توجهات حكومته الجديدة إزاء بعض جيرانها، فمنذ اندلاع الثورة الإسلامية تغنت معظم الحكومات الإيرانية المتعاقبة بأن هي الوحيدة التي ترفع راية الإسلام أو شكلاً معيناً من أشكال الإسلام، وكانت تكيل الذم والاتهامات لبعض هذه الدول ومنها السعودية، وكان مجرد التفكير في تعاون ما بن البلدين أشبه بالحلم، هذا الحلم بدأ يتحول إلى حقيقة منذ وصول محمد خاتمي إلى سدة الرئاسة، فبدأ التقارب بين البلدين، وأخذت العلاقات تتوطد بين طهران والرياض رغم هوة الخلاف التي لا تزال تفصل بين البلدين، لكن الطرفين كانا يعيان حقيقة أن التنافر والفرقة لن يكونا في مصلحة أي منها، ولا في مصلحة منطقة الخليج برمتها.

وتكلل هذا الوعي في التوقيع في طهران على أول اتفاقية أمنية بين البلدين، صحيح أنه لا الرياض ولا طهران تعتبر أن هذا الاتفاق يشكل حلفاً عسكرياً أو أمنياً، أو غير ذلك، فالاتفاقية لا تتحدث سوى عن مكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية والإرهاب والحدود ما شابه ذلك دون التطرق إلى نقاط الخلاف والتي تدور بشكل أساسي حول الوجود الأميركي في منطقة الخليج، إضافة إلى جملة من القضايا الإقليمية مثل مساندة الرياض لدولة الإمارات في مطالبتها إيران بإعادة ثلاث جزر تحتلها في الخليج وموقف كلا البلدين من نظام طالبان الحاكم في أفغانستان، الرياض سارعت بالطبع إلى نفي أن تكون الاتفاقية الأمنية بينها وبين طهران قد تمت على حساب مواقفها المعروفة، لكن بعض المراقبين بدأ يتحدث عن استراتيجية جديدة يتبعها البلدان، فكلاهما يعتبر قوة اقتصادية وعسكرية وبشرية في منطقة الخليج، وقد تطغى مصالحهما الاستراتيجية المشتركة على أي قضية أخرى، ومنها قضية الجزر الثلاث.

كما أن الملف العراقي أيضاً قد لا يكون غائباً عن بال المسؤولين في كلا البلدين، فطهران والرياض تعتبران النظام العراقي الحالي خطراً مباشراً عليهما رغم التباين الواضح بينهما في أسلوب التعامل مع هذه المسألة، لكن البلدين يلتقيان مع ذلك في كثير من الأمور وعلى رأسها قضية أسعار نفط منظمة أوبك والموقف إزاء الانتفاضة الفلسطينية، ويبدو أن كلاً منهما عمد إلى إجراء عملية حسابية بسيطة تأخذ في الاعتبار عوامل الربح والخسارة، فكانت النتيجة واضحة: التقارب والتعاون أجدى بكثير من حالة الفرقة التي سادت علاقاتهما منذ عشرين عاماً.

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في الملف الأسبوعي، وفيه أيضاً: لماذا يخرج شباب جاكرتا إلى الشوارع ويعلنون استعدادهم للموت؟ وهل يستحق الرئيس (واحد) كل هذه التضحيات؟ ربما يستغرب كثيرون أن النخاسة، أو تجارة العبيد بصورتها التقليدية ما زالت موجودة في عصرنا هذا، وعلى بشاعة النخاسة التقليدية أضافت تطور العصر آليات أخرى في استعباد البشر، فالرق تجريد من الإنسانية وسلب للكرامة، وأبشع ما يمكن أن يمارسه إنسان على أخيه الإنسان.

استغلال الأطفال والتجارة بهم
تقرير/حسن إبراهيم: كيف نشخص الرق المعاصر؟ ورغم اضمحلال صورة النخاس الكلاسيكي الذي يتاجر في البشر، لكنها ما زالت موجودة، الرق الكلاسيكي موجود في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ولا تشكل سفينة الأطفال الذين باعهم ذووهم في (بنين) إلى تجار الرقيق إلا نذراً يسيراً من هذه التجارة البشعة رغم احتوائها على مائتي طفل، يعمل الذكور في المناجم والزراعة والبناء في دولة (الجابون) النفطية الثرية، بينما تعمل الإناث خادمات في المنازل أو في الدعارة، أطفال لن يشاهدوا أسرهم مدى حياتهم، ومتوسط حياة هؤلاء لم يتعد التاسعة والعشرين حسب بعض المنظمات الإنسانية.

ويجوب النخاسون القرى الفقيرة في دلتا نهر الميكونج في (لاوس) و(فيتنام) و(كمبوديا) و(تايلاند) لشراء بنات سيبيعوهن للعمل في تجارة الدعارة، أو ليعملن خادمات في المنازل، وفي كل الحالات نجد أن الرق يزدهر في مجتمعات شديدة الفقر تضطر الأسر حتى لبيع أبنائها، ويسهم في ازدهاره جشع النخاسة وعدم اكتراث الحكومات، وانعدام الوازع الأخلاقي لمن يقبلون استرقاق الأطفال.

وتستفحل ظاهرة الرق في البلاد التي تمر بظروف حرب أهلية مثل السودان وأوغندا والكونجو وليبريا وغيرها، وتجد بعض الآباء في دول فقيرة مثل السودان وأريتريا يبيعون أطفالهم إلى بعض الدول الخليجية الثرية حيث يستخدم الأطفال في سباقات الهجن، ويعيش الأطفال حياة شقية، ويحرمون من حنان الأسرة والتعليم والخدمات الصحية، ويحرص مالكو الهجن على إبقاء وزن الأطفال منخفضاً كي لا يؤثر الوزن الزائد على سرعة الهجن في السباقات، وحين يبلغ الأطفال سناً معينة أو زناً معيناً يسرحون.

لكن ترى أتكفي هذه الأمثلة على بشاعتها لتوصيف الرق الحديث؟! أليست ظواهر الاسترقاق الثقافي والاقتصادي والسياسي حقائق ماثلة للأعين؟! خذ ما يسمى بعروض الأزياء، نساء نحيلات تراهن بعض الثقافات أمثلة للجمال، بينما قد تعتبرهن ثقافات أخرى أو حتى الأطباء بأنهن مصابات بسوء التغذية، ومصممو الأزياء الذين يحددون أذواق ملايين النساء يعرضون صناعاتهم لقطاع النساء الثريات، أو من ينتمين إلى مجتمعات ليبرالية لا تراعي مقاييس عقائدية للأزياء.

إذن فمع الاستلاب الثقافي هناك استخدام لجسد المرأة كوسيلة لعرض السلع، وربما لا يستوي هذا مع العنف الذي يمارسه النخاس مع رقيقه، لكن لو تبحرت في الصورة لوجدت الجوهر واحداً.

ولنستعرض مبدأ أحادية القطبية في السياسة والاقتصاد، وكيف يستقيم هذا مع الإرادة الحرة إن كان يجب على بلاد العالم مراعاة واشنطن عند اتخاذ أي قرار، فتفرض واشنطن العقوبات على بلاد كل جريمتها أنها تحاول التصرف بصورة مستقلة، الرق الاقتصادي لا يقل بشاعة، فحسب معاهدة التجارة الدولية يجب على جميع الدول تحرير التجارة، لكن تجد الولايات المتحدة تطالب الدول النامية بتحرير تجارتها بينما تزيد هي من القيود والرسوم على السلع المستوردة، ومن اعتراض فهناك سيف العقوبات.

إذن فقد يكون أقرب تعريف للرق الحديث هو أنه استلاب الإرادة المستقلة وتبعية الفرد لفرد آخر أو مجموعة أفراد أو مصالح.

توفيق طه: ولسبر أغوار هذه الظاهرة المقيتة تحدثت عبر الهاتف إلى الدكتور عبد الوهاب الأفندي -الباحث والأكاديمي في لندن- وسألته أولاً عن تعريفه للرق المعاصر؟

د. عبد الوهاب الأفندي: الحقيقة يعني الرق لم (…) في النظم الرأسمالية وبالذات أميركا إلا بعد اكتشاف وسيلة في استغلال الإنسان أكثر فاعلية، ولم يكن هذا الأمر يعني يتعلق بشيء من (الإثرة) أو العطف على المستلقين، النظام الرأسمالي هو نظام فعال جداً.. جداً في استقلال الإنسان وربط إنسان بالآلة، بصورة أن الإنسان يصبح جزء من الآلة، وهي طريقة لم تكن متاحة في الرق القديم الذي كان على الأقل يعامل الرقيق كإنسان، وهنالك عبء آخر ضعف من هذه الإشكالية، وهي الحدود الجغرافية بين الدول الغنية والدول الفقيرة، هذه جعلت الاستغلال مضاعفاً، ولدرجة أن الكثير الآن من المهاجرين أصبحوا يعاملون كرقيق فعلاً وليس مجازاً، يعني كثيراً من المهاجرين الذين يذهبون بصورة غير شرعية إلى الولايات المتحدة وغيرها يهربون من عصابات، هذه العصابات تأخذ.. تستخدمهم كرقيق فعلاً، وتأخذ كل الأجر الذي يعطي لهم إلى أن يسدد ما عليهم من.. من مستحقات.

توفيق طه: نعم، لكن دكتور يعني هذا.. هذا المفهوم قد لا يخرج كثيراً عن المفهوم الكلاسيكي للرق، إلى أي مدى يمكن اعتبار بعض الممارسات السياسية والاقتصادية على الساحة نوعاً من أنواع الرق؟

د. عبد الوهاب الأفندي: هو النظام الاقتصادي العالمي الآن يعتمد على الربا، وهو في نظري وسيلة فعالة من وسائل الاسترقاق، لأن الشخص المالك المال أو المرابي يقدم شيء من المال إلى العامل أو الموظف أو الشخص وبعد ذلك يقضي الإنسان عمره وهو يدفع هذه الديون، فيكون هذا يعني نوع من الرق المتحضر في رأيي.

الهجرة أيضاً يعني تمثل يعني نوع من الاسترقاق أيضاً الذي يقبل عليه الناس، كان عندي لي صديق كيني تحدث مرة ونحن نراقب على التليفزيون واحدة من هذه السفن التي تنقل المهاجرين غير الشرعيين، فقال أنه يعتقد وهو يقول ساخراً، لكني أعتقد أنه على حق يقول: أنه الآن لو جاءت السفن الأميركية التي كانت في الماضي تأتي لنقل الرقيق من غرب أفريقيا ووقفت قبالة الساحل وقالت أننا نريد رقيق لتسابق المواطنون على الدخول فيها للذهاب والاستمتاع بالرق في أميركا، وهذا يدل على أنه الوضع الاقتصادي العالمي الآن بطبيعته أصبح يجعل الرق مطلوب، حتى أن أحد الفرنسيين كان يعلق قال: أن الآن الإشكال بالنسبة للدول الفقيرة وبالنسبة للشعوب الفقيرة هو أن لا يجد الإنسان من يستغله، الآن أصبح كل إنسان يطالب بالاستغلال، لأنهم يطالبوا مثلاً بالدول الغربية بالاستثمار عندهم، يطالبوا الشركات العابرة للقارات ببناء مصانعها وإنشاء مصانعها في هذه الدول، وكثير من التقارير تقول أن هذه الممارسات في هذه المصانع تشبه الرق إلى حدٍ ما.

توفيق طه: السؤال دكتور: ما هو دور الحروب والصراعات الدولية في.. في تقليل قيمة الإنسان أو إلغائها نهائياً، بحيث يعني يمكن إخضاعه للرق بشكل أو بآخر؟

د. عبد الوهاب الأفندي: هو هذا الأمر طبعاً جزء من النظام الدولي أيضاً، لأنه الحروب تقع على الدول الفقيرة بصورة تختلف عن وقوعها على الدول الغنية، يعني طريقة مثلاً قيمة الإنسان الأميركي والأوروبي حتى في حالة الحرب لا تعتبر بنفس قيمة الإنسان الآخر، مثلاً في الحرب اللي كانت في كوسوفو أو غيرها إذا فيه طيار أميركي أو في العراق، فهناك طيار أميركي واحد سقط فتقوم الدنيا ولا تقع حتى.. يستعاد حياً أو تستعاد جثته، ولكن إذا قتل مائة ألف أو.. أو أسروا فهذا لا يعتبر يعني مسألة ذات صلة، فهي آلية الحرب الحديثة في الدول الفقيرة تعيد ترتيب النظام الطبقي أو النظام (التراكمي) العالمي بإهدار قيمة الإنسان، وأيضاً تتيح إلى ما يسمى بالـwar lords أو سادة الحرب أن يقوموا باستخدام الإنسان هذا الاستخدام المتدني، وهناك تواطؤ من الجهات الدولية على تخفيض قيمة الإنسان بهذه الطريقة.

توفيق طه: وأخيراً ننتهي بكبرى بلاد العالم الإسلامي من حيث عدد السكان.. إندونيسيا، فقد تكالب البرلمان وقوى المعارضة الأخرى على الرئيس عبد الرحمن واحد متهمة إياه بالفساد ومحاباة الأقارب، لكن الرئيس شبه الأعمى، والذي يعاني من متاعب صحية جمة أثبت أنه قادر على تحدي الجميع، تعينه على تشبثه بالسلطة جمعية نهضة العلماء التي أسسها جده، وتعتبر أكبر جماعة إسلامية سياسية في العالم، وقد أعلن ناشطو الجمعية استعدادهم لفدائه بدمائهم، لكن إندونيسيا تعاني من تفكك أوصالها ومشاكلها الاقتصادية العديدة.

تقرير/ خالد القضاة: يبدو الرئيس واحد واثقاً من أنه سيظل في منصبه حتى نهاية الفترة الرئاسية عام 2004م، وهو يستند في ثقته التي تتضمنها خطاباته على عامل كان السبب في تنحية رؤساء هم أقوى منه وأكثر بطشاً. البطاقة القوية التي يلعب بها الرئيس قد لا تجلب غير ويلات أخرى على البلاد، وتعويله على أنصاره يثير مخاوف من أن تدلع فوضى سياسية وعنف دامٍ في كافة أنحاء الأرخبيل، وهؤلاء المتطوعون من الفلاحين والطلبة والعاطلين عن العمل يرون في الرئيس واحد رمزاً للحقيقة، بل يعتبرون الدفاع عنه جهاداً لا يخشون فيه شيئاً من حولهم، ومعظم هؤلاء الأنصار من أتباع حركة نهضة العلماء التي يزيد عدد أعضائها عن أربعين مليوناً، وهي أكبر حركة في أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، وتتخذ الحركة من جاوا الشرقية مقراً لها، وقد أسسها جد الرئيس واحد قبل أن يتزعمها هذا الأخير لمدة خمس عشرة سنة. المتطوعون أعربوا من استعدادهم لافتداء رئيسهم بالنفس والنفيس، ولهذه الغاية قاموا بتدريبات على ما هب ودب من أدوات القتال التقليدية، وهددوا باحتلال البرلمان، والرئيس واحد هو الوحيد بين أربعة رؤساء حكموا البلاد الذي يجند الشعب لحمايته ومؤازرته بدل إطاحته، ينكر الرئيس واحد ما يتهمه به خصومه السياسيون من أنه يكثر من زياراته الخارجية بينما تعيش البلاد أزمات متعددة،بل يتهمه البعض بالفساد والتواطؤ ومحاباة الأقارب. وازدادت حدة حرب الإرادة بين البرلمان والرئيس ووصلت ذروتها في الأول من شباط/فبراير الماضي عندما وجهت له لجنة برلمانية لوماً في تهمة تتعلق بفضيحتين ماليتين، رفض الرئيس واحد ذلك اللوم، لكن الجلسة القادمة في الثلاثين من الشهر الحالي قد تعني القيام بإجراءات لعزله، ولذلك يلوح بالدعم الذي يلقاه من الشعب، بل يظهر جرأة باتهامه البرلمان بأنه جاهل بالدستور الذي يقول: إن محاكمة نظام الرئاسة لا تتم إلا في حالة الخيانة، ولكن أين الجيش؟ وهل فعلاً فقد ما تمتع به أكثر من نصف قرن؟

إن ما يفهم من موقف العسكر هو أنهم لم يعودوا صناع قرار أو واضعي سياسة كما كانوا، فقد لدغوا أكثر من مرة منذ عودة الديمقراطية إلى إندونسيا، وحوكم ضباط بتهم الفساد، وعزل جنرالات بين ليلة وضحاها، ولكن قد تكون لهم حكاية أخرى إذا انفلت زمام الأمور.

توفيق طه: بهذا نأتي إلى ختام جولتنا في الملف الأسبوعي، ونشير إلى أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصورة والصوت والنص عبر موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، تحية لكم من فريق البرنامج وهذا توفيق طه يستودعكم الله.