مقدم الحلقة:

توفيق طه

تاريخ الحلقة:

26/10/2002

- النهاية المأساوية لاحتجاز الرهائن في موسكو وتسليط الضوء على المأساة الشيشانية
- محاولات بيرنز لحل أزمة الشرق الأوسط في ظل استمرار العنف الإسرائيلي

- محاولات العراق كسب التأييد المحلي والدولي في ظل اختلاف مجلس الأمن

- كوريا الشمالية بين الحصافة الدبلوماسية والتلويح بالأسلحة النووية

- مثالب الخطاب السياسي الأميركي

توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيها اليوم:

نهاية مأساوية لاحتجاز الرهائن في أحد مسارح موسكو، إنها تسلط الأضواء على حمام الدم النازف في جمهورية الشيشان.

ومازال العنف الإسرائيلي ضد المدن والمخيمات الفلسطينية مستمر و(وليام بيرنز) يواجه استقبالاً فاتراً من الإسرائيليين والفلسطينيين.

والعراق ينتظر نتيجة اختلاف الخمسة الكبار في مجلس الأمن الدولي حول مصيره، والقيادة العراقية تحاول التقرب من الشعب والمعارضة.

النهاية المأساوية لاحتجاز الرهائن في موسكو وتسليط الضوء على المأساة الشيشانية

يذكر حمام الدم في أحد مسارح موسكو بمأساة الشيشان المستمرة منذ قرر الشيشانيون الاستقلال بجمهوريتهم عن روسيا، ورغم أن التعرض لحياة المدنيين أمر مرفوض في كل الشرائع والقوانين إلا أنه يجب فهم دوافع العمل الإرهابي قبل توجيه الإدانة القطعية، اللافت في هذه الحادثة هو أن تظاهرة أهالي الرهائن اتهمت الحكومة الروسية بالإهمال وبالقمع الذي فجر ردود الأفعال الشيشانية، بل وطالب المتظاهرون من أهالي الرهائن الحكومة بالاستجابة إلى جميع مطالب الخاطفين، وهو ما يعكس حالة من انعدام الثقة من جانب المواطن الروسي في حكومته، ويشي أيضاً باعتقاد الكثيرين بأنه من دون تسوية عادلة للمعضلة الشيشانية، فلن يهنأ الروس بالأمن.

تشييع جثمان أحد ضحايا الرهائن
تقرير/ حسن إبراهيم: النهاية المأساوية للعملية التي قام بها المسلحون الشيشانيون قد تلفت أنظار العالم بعض الشيء عن المفاوضات الساخنة التي تدور في أروقة مجلس الأمن الدولي عن العراق، لكنها لاشك سلطت الضوء بصورة مباشرة على الأزمة الشيشانية، ولعل المطالب التعجيزية التي سردها المسلحون الشيشانيون بقيادة (مظفر برايف) كانت تدل على أنهم لم يكونوا يتوقعون استجابة من أي نوع من القيادة الروسية، وإنما فقط أرادوا إثبات موقف وتذكير العالم بالبؤس الذي يعيشه الشعب الشيشاني وإلى الانتهاكات التي تقوم بها القوات الروسية لحقوق الإنسان الشيشان، فبرايف، الذي رفض تغطيه وجهه منذ البداية كان كأنه ينقل رسالة للقيادة الروسية مفادها أنه خرج في مهمة انتحارية ولا يعنيه مصيره، ولعل ذلك كان من الأسباب التي شجعت الروس على التكثيف من وجود القوات الخاصة حول مبنى المسرح، فقد أدركوا أن كشف الرجل عن شخصيته، يعني أن الرجل يدرك أنه في مهمة بلا عودة.

الرئيس العراقي صدام حسين لم ينس أن يدلي بدلوه في الموضوع حيث وجه نداءً إلى الخاطفين يناشدهم فيه عدم تشويه صورة الإسلام في روسيا التي قال إنها لا تعادي الإسلام والمسلمين، إلا أن الرئيس العراقي حرص على عدم ذكر اسم الشيشان على لسانه خوفاً من أن يتورط في شأن قد يعقد علاقاته الإسلامية في هذه المرحلة الحرجة، وهو يواجه رغبة أميركية عارمة في إسقاط نظام حكمه.

السلطات الروسية أصرت على إنهاء الأزمة رغم المظاهرات خارج المسرح التي سار فيها أهالي الرهائن وطالبوا فيها الحكومة الروسية بالاستجابة لمطالب الخاطفين، وهو موقف مفهوم لرغبتهم في تجنب المشهد الدموي الذي حدث في النهاية، وتختلف الروايات في حقيقة ما حدث في النهاية ، فبعد أن هدد الخاطفون بالبدء في قتل رهائنهم خلال فترة لم يحددوا مداها، لم تستجب السلطات إلى آخر مطالبهم وهو الخروج الآمن من المسرح، فقتل المسلحون رهينتين، ثم حدثت فوضى تلتها عملية تبادل كثيف لإطلاق النار، لكن مهما كان السيناريو الحقيقي للأحداث فإنه من المؤكد أن هيبة السلطة في روسيا اهتزت، وأن العالم تذكر ولو لفترة بسيطة أن بلداً صغيراً في أطراف القوقاز يعاني من حمام دم مستمر منذ عام 1995.

محاولات بيرنز لحل أزمة الشرق الأوسط في ظل استمرار العنف الإسرائيلي

توفيق طه: لم ينجح الموفد الأميركي للشرق الأوسط (وليام بيرنز) في إقناع الفلسطينيين والإسرائيليين بالخطة التي يحملها لإعادة الهدوء والعودة إلى طاولة المفاوضات، فالمواقف بين الطرفين أضحت واسعة، وأصبحت سياسية الانتقام المتبادل هي السمة السائدة في تعامل الفلسطينيين والإسرائيليين مع بعضهم بعضاً، فعمليات الاجتياح الإسرائيلية للمدن والقرى في الضفة الغربية وقطاع غزة تقابلها عمليات فدائية في العمق الإسرائيلي فيما يشبه الدائرة المغلقة من العنف والعنف المضاد دون أن تكون هناك بارقة أمل في انفراج قريب.

ياسر عرفات ووليام بيرنز
تقرير/ سمير خضر: مرة أخرى تنقض الدبابات والآليات المدرعة الإسرائيلية على جنين، ومرة أخرى يدوي صوت الانفجارات في إسرائيل في عملية فدائية جديدة تقض مضاجع (شارون) وائتلافه الحاكم، وبين هذا وذاك تتفاقم الفجوة بين الطرفين، وما كان مقبولاً إبان عملية أوسلو لم يعد مقبولاً اليوم، فقد سالت الدماء في كلا الطرفين، وأصبح هاجس الانتقام المتبادل هو السياسة الوحيدة المقبولة.

أما محاولات جسر الفجوة فتبدو اليوم مجرد مبادرات خجولة لا تقنع أحداً، فوليام بيرنز جاء من جديد إلى المنطقة حاملاً معه ما يسميه خطة طريق، أي رؤوس أقلام لما يأمل أن يشكل بداية انحسار للعنف، لكن الإسرائيليين قالوا له بصراحة إنهم غير معنيين بهذه الخطة، لأنها تتضمن وعداً مبهماً بإنشاء دولة فلسطينية في المستقبل المنظور، وهذا ما لا يريد شارون سماعه خاصةً من شركائه في حزب العمل الذين أضحوا اليوم رهينة سياسات رئيس الحكومة الإسرائيلية، وحتى عندما قامت قوات الجيش باللجوء إلى القوة لإخلاء بعض المتطرفين من إحدى النقاط الاستيطانية العشوائية ثارت ثائرة شارون ولام وزير دفاعه على هذه الخطوة في إشارة واضحة إلى أنه إذا خُيِّر بين المستوطنين وحزب العمل فإن خياره سيصب في غير صالح شركائه في الحكومة وخاصة (بنيامين بن أليعازر) الذي بات –على ما يبدو- يشكل مصدر إزعاج كبير لشارون، فمن جهة تصاعدت مؤخراً وتيرة الرافضين للخدمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في صفوف ضباط وجنود الاحتياط، وبدأ صوتهم يعلو في الساحة الداخلية، ومن جهة أخرى شكل الكشف عن خلية في الجيش تعمل لصالح حزب الله اللبناني ضربة قاسمة لشارون الذي يعتبر تاريخه مع حزب الله نقطة سوداء، وهو لاشك يتحين الفرصة لتصفية هذا الحساب القديم، كما يحاول اليوم تصفية حساباته القديمة مع ياسر عرفات الواقع اليوم بين مطرقة الضغوط الدولية التي تطالبه بإصلاح السلطة وبين سندان الداخل الفلسطيني الذي بدأ يفقد صبره، إذ رغم استقالة الحكومة الفلسطينية منذ فترة والوعد بتشكيل حكومة جديدة تضخ الحياة في شريان المؤسسات الفلسطينية لم يتمكن الرئيس عرفات من التوصل إلى صيغة يرضى عنها المجلس التشريعي وتحظى بإجماع كافة القوى والفصائل الفلسطينية، ناهيك عن رضا الجماهير الفلسطينية.

توفيق طه: ولإلقاء مزيد من الضوء على المشهد الفلسطيني معنا عبر الأقمار الاصطناعية من باريس الدكتور مروان بشارة (الكاتب والأكاديمي الفلسطيني). دكتور مروان، في ظل الهجمة الإسرائيلية المستمرة وسياسة.. أو سيرة شارون منذ مجيئه إلى الحكم، هل ترى أن الحكومة الإسرائيلية معنية بأي سلام مع الفلسطينيين؟

د. مروان بشارة (الجامعة الأميركية – باريس): لا، ليست حكومة شارون معنية في أي سلام أو أي حتى عملية سلمية، وهنالك طبعاً فرق بين عملية سلمية وسلام. تعتقد حكومة شارون أنها أصبحت المختبر الأفضل للبنتاجون في حربها غير المتكافئة، أو ما يسمى حرب القرن الواحد والعشرين، حيث تشكل فلسطين نوع من المختبر العسكري لإدارة هذا النوع من الحرب ضد المدنيين الفلسطينيين، ضد المجتمع الفلسطيني وضد المؤسسات، وضد الأحزاب السياسية الفلسطينية. تعتبر شارون.. يعتبر.. تعتبر حكومة شارون أن موقفها اليوم هو موقف متوافق ومتلازم ومتوازي للحرب ضد الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة ، وبهذا المعنى يعرف شارون جيداً أنه على اتفاق تام مع البنتاجون، ولو أنه.. ولو.. ولو أن له بعض الاعتراضات على مبادرة (بيرنز).

توفيق طه: نعم. يعني في ظل ما.. هذا الاتفاق الذي تتحدث عنه بين السياستين، يعني هل.. هل هذا يعطي مصداقية لبعض التوقعات باحتمال أن يلجأ شارون إلى تنفيذ سياسة (الترانسفير) للفلسطينيين في حال إقدام الأميركيين على توجيه ضربة للعراق؟

د. مروان بشارة: أنا أعتقد أن هذا نوع من التعميم، وهذا نوع من التهديد حول سيناريوهات المستقبل، أعتقد في.. في.. الحقيقة في رأيي أنه غير مُجدي. أعتقد أن الواقع الفلسطيني اليوم هو أسوأ ما يمكن، وهو بالفعل أسوأ ما.. ما هنالك اليوم يعني في.. في جميع مستوياته، بمعنى الاضطهاد للشعب الفلسطيني، والإغلاقات على الشعب الفلسطيني، وتدمير البنية التحتية الفلسطينية الاقتصادية، والسياسية والمجتمعية، كل هذه اليوم هي سياسة شارون، وبهذا المعنى أعتقد أن التهديد في المستقبل سيخفف من وطأة الحرب الشارونية على الشعب الفلسطيني. أعتقد أن الوضع اليوم هو الوضع السيئ، ويجب أن نهتم ليس في سيناريو مستقبلي، وإنما في ما تفعله حكومة شارون اليوم، وهو أنا أعتقد إنهاك الشعب الفلسطيني، في هذا نوع من السياسية الحرب غير المتكافئة ضد إمكانيات هذا الشعب على مدى طويل، أعتقد أن هذه هي سياسة شارون.

توفيق طه: نعم.. نعم.. نعم، لو بقينا في.. في إطار سياسة شارون وما يفعله اليوم يعني ، كيف يمكن تفسير هذه المماطلة، وهذا يعني الرفض لأي تحرك سلمي، حتى من جانب الولايات المتحدة من قبل شارون يعني، إلى أين يريد أن يذهب شارون؟

د. مروان بشارة: أعتقد أن شارون ينتظر حتى تنتهي الولايات المتحدة من اجتياح أو من عملية ضد العراق، وأعتقد أن هذا هو المفهوم المقلوب لذلك الفكر الناصري الذي.. الذي كان يقول لابد من توحيد العالم العربي من أجل تحرير فلسطين. اليوم شارون والبنتاجون يقولون أنه لابد من تجزئة وهضم وضرب العالم العربي حتى يتسنى لإسرائيل أن تؤسس لذاتها أرض إسرائيل الكاملة، أي بمعنى هيمنة كاملة وشاملة على أرض فلسطين التاريخية، إذن شارون سيسبق البنتاجون إلى ضرب مقوِّمات الشعب الفلسطيني وضرب مقومات أي دولة أو إمكانية لكيان فلسطين، حتى تنتهي الإدارة الأميركية من ضرب أي إمكانية وحدة عربية في هذا المجال.

توفيق طه: نعم. لو انتقلنا إلى الطرف الفلسطيني، هل تعتقد أن الفلسطينيين، وهم في هذا الوقت يعني يكرسون أنفسهم للبحث أو للدوران في.. في دوامة الإصلاح الداخلي، إصلاح البيت الداخلي، هل تعتقد أنهم يستطيعون فعل أي شيء، أو حتى التفكير بأي خطة سلام؟

د. مروان بشارة: أعتقد أنه لابد من طريق ثالث، أعتقد أن طريق العمليات التفاوضية الاستسلامية أو الانتشارية ما يسمى ، أو العمليات الانتحارية، هذان المساران قد انتهى مفعولهما، لابد من طريق ثالث، الطريق الثالث يجب أن يعتمد الصمود أولاً، الوحدة ثانياً ، والمقاومة ثالثاً.

وللصمود هنالك مقومات وشروط مجتمعية، تعاضد مجتمعية في فلسطين، وبين الأراضي الفلسطينية إذا كان ذاك في الـ 48 أو إذا كان في الـ 67 أو في غزة.. في قطاع غزة.

من ناحية ثالثة.. من ناحية ثانية لابد من وحدة وطنية لها مرجعية وطنية، أي لابد من حوار وطني فلسطيني – فلسطيني اليوم، يعتمد برنامج استراتيجي، وهذا لا يعني أن.. أن تتفق الفصائل الفلسطينية على مرجعية تاريخية أو دينية، لابد من مرجعية وطنية اليوم في فلسطين.

ثالثاً: لابد من مقاومة، وهذه المقاومة يجب أن تكون لها مرجعية قانونية دولية، أي يجب أن تعتمد المقاومة المشروعة، والمشروعة فقط، وفي إطار الأراضي المحتلة، ويجب أن تكون هذه المقاومة لها مرجعية دولية ولها دعم دولي، وبهذا المعنى يجب أن تخاطب المجتمع الإسرائيلي مثلما تخاطب المجتمع الدولي، بدون هذه الشروط، بدون هذا الطريق الثالث الذي يعتمد على الصمود والوحدة والمقاومة أعتقد أن أي كلام حول إصلاحات ، أو حول دمقرطة الاحتلال هو كلام فارغ ومضيعة للوقت.

توفيق طه: نعم دكتور، الصمود ، الوحدة ، المقاومة، كلها تحتاج إلى قيادة تلتف حولها، أو مرجعية كما أسميتها، هل فقدت السلطة الفلسطينية شرعيتها كقيادة أو مرجعية للشعب الفلسطيني؟ ومن الذي جردها إذا كان ذلك صحيحاً، من الذي جردها من هذه الشرعية؟

د. مروان بشارة: أعتقد أن على السلطة الوطنية أن تتخلى عن أوهام الماضي، وأن لا تلتفت إلى وعود الإدارة الأميركية حول المستقبل، ليس هنالك اليوم إمكانية تحت هذا السقف الاستراتيجي الدولي في هذه.. في إطار هذه الحملة الأميركية وفي إطار الحملة الشارونية لأية مبادرة سياسية. يجب أن تكف هذه السلطة عن.. عن.. عن تغيير وجوه وزراء ، وكأن العملية هي عملية إدارة حكومة في دولة ذات سيادة، ليس هنالك حكومة، وليس هنالك دولة سيادة، هنالك أراضي محتلة بحاجة لقيادة وطنية لإدارة نوع من المقاومة، وهنالك أنواع كثيرة من المقاومة ضد احتلال غير مشروع دام أكثر من ثلاثة عقود، هذه السلطة الوطنية يجب أن تعتمد مرجعية وطنية لكافة الفصائل، ويجب أن تهتم بأمور المقاومة، وليس بوعود وبأوهام مضى عليها الزمن منذ أكثر من عشر سنوات.

توفيق طه: نعم. لكن السؤال مازال قائماً دكتور مروان، يعني من الذي جرد السلطة الفلسطينية من شرعيتها، وكونها مرجعية للشعب الفلسطيني إذا كان هذا صحيحاً؟

د. مروان بشارة: لا أعتقد.. لا أعتقد أن السلطة الوطنية خسرت شرعيتها بهذا المعنى، أعتقد أن الطريق هو طريق مسدود، وأي خارطة طريق جديدة هي خارطة طريق نحو المجهول. أعتقد أن التجربة، تجربة العشر سنين الماضية هي تجربة ثبت أنها فاشلة، وأن العملية السلمية ليست مجرد إلا عملية هضم الحقوق الفلسطينية، وأنه لابد لهذه السلطة التي جربت ذلك الطريق أن تعتمد طريق آخر يعتمد المرجعية الوطنية وبهذا المعنى أعتقد أن لابد للفصائل الوطنية مثل فتح وحماس وإلى آخره أن تعتمد هذا.. هذا الحوار الوطني نحن ليس لنا غير هذه الفئات وهذه الأحزاب السياسية التي تمثل الشعب الفلسطيني، وبهذا المعنى أعتقد أن هنالك طبعاً يعني مسؤولين كثيرين نظفاء وممتازين في السلطة الوطنية، أعتقد الذي يجب أن يُتخلى عنه هو الوهم، يجب أن نتسلح بخطة.

توفيق طه: دكتور.. نعم.

د. مروان بشارة: وببرنامج عمل جديد يتماشى مع مطالب الشعب الفلسطيني.

توفيق طه: نعم، دكتور مروان بشارة الكاتب والأكاديمي الفلسطيني في باريس شكراً جزيلاً لك.

ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه أيضاً بعد الفاصل:

هل يجدي التلويح بالأسلحة النووية في عالم الكبار أم هي حصافة دبلوماسية من بيونج يانج؟

[فاصل إعلاني]

محاولات العراق كسب التأييد المحلي والدولي في ظل اختلاف مجلس الأمن

توفيق طه: لا يبدو أن هناك مؤشرات تلوح في الأفق إلى إمكانية توصل مجلس الأمن قريباً إلى اتفاق بشأن المسألة العراقية، فالثنائي الأميركي البريطاني لا يزال يصر على مواقفه المتشددة ورغبته في صدور قرار جديد من مجلس الأمن.. يخوَّل البلدين شن حرب على العراق متى شاءا ذلك، هذا الموقف أدى بالتالي إلى تصلب واضح في الموقفين الروسي والفرنسي، حتى بات العراق يشكل مسألة ثانوية أمام احتدام المعركة في مجلس الأمن بين الخمسة الكبار، وفي هذا الوقت تحاول بغداد كسب المزيد من التعاطف والتأييد على الصعيدين المحلي والدولي من خلال سلسلة من الإجراءات التي يرى فيها البعض انفتاحاً على الداخل والخارج.

إطلاق سراح السجناء العراقيين
تقرير/ سمير خضر: قد يرى البعض في عملية إطلاق سراح السجناء في العراق مجرد حركة دعائية تهدف إلى تلطيف الأجواء، لكنها تبقى خطوة هامة في سبيل تحسين صورة النظام وكسب التأييد الشعبي على الأقل في صفوف العراقيين في الداخل والخارج، فبغداد باتت تشعر بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن مشاريعها العدائية، وبالتالي فإن أفضل سبيل لمواجهة الحرب القادمة مع مارد القرن الحادي والعشرين هو رصُّ الصفوف في الداخل وحملة دبلوماسية منظمة في الخارج عربياً ودولياً.

فعلى الصعيد العربي تبدو بغداد اليوم غير بغداد الأمس، إذ حتى أولئك الذين كانوا في مطلع التسعينات في المعسكر الآخر أضحوا اليوم من أشد المعارضين لحرب جديدة على درجات مختلفة بالطبع تتفاوت بين التضامن الحقيقي مع دولة عربية شقيقة مهددة وبين الخوف من تبعات مثل هذه الحرب على المنطقة أو ببساطة التوجس من ردة فعل عراقية غاضبة في حال تعرض العراق للهجوم، وربما تندرج مسألة إعادة الأرشيف الكويتي في هذا السياق بعد مداولات مطولة على أمل أن يساهم ذلك في إذابة بعض من الجليد الذي تراكم بين البلدين وربما أيضاً -لما لا- أن يساهم ذلك في خلق رأي عام كويتي ضاغط ضد حكومته، لمنع استخدام أراضي الكويت في الحرب القادمة على الأقل تفادياً لتبعات مثل هذه الحرب عليهم.

لكن المعركة الحقيقية تدور رحاها الآن في الطرف الآخر من الكرة الأرضية في مجلس الأمن الدولي الذي انقسم على نفسه بين معسكر أميركي بريطاني يريد قراراً أممياً يُبرر ويشرع للحرب على العراق بغض النظر عن النتائج التي ستتوصل إليها فرق التفتيش عن الأسلحة وبين معسكر فرنسي روسي صيني يرى في مثل هذه الحرب سابقة قد تؤسس لعالم جديد يستند إلى شريعة الغاب، كثيرون هم أولئك الذين راهنوا على قدرة واشنطن على تمرير مشروع القرار الذي تقدمت به وقليلون هم الذين راهنوا على مدى عمق الهوة التي باتت تفصل القطب الأوحد عن حلفائه الأوروبيين، فالعلاقات الأميركية –الأوروبية باتت في وضع لا تحسد عليه ابتداءً من الموقف الألماني المتصلب حيال ضرب العراق والذي أدى إلى فصم عُرى التحالف الذي بني على أنقاض هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى تعنت فرنسي واضح في اللحاق بالركب الأميركي، طبول الحرب التي تقرع في نيويورك تتزامن مع طبول الحرب التي بدأت تقرع في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي فالأساطيل بدأت تتوافد من كل حدب وصوب، وهدير آلة الموت والدمار بدأ يسمع في المنطقة، لكن الأمل لا يزال معقوداً في انتصار صوت العقل سواء كان هذا العقل عراقياً أو فرنسياً أو حتى أميركياً.

كوريا الشمالية بين الحصافة الدبلوماسية والتلويح بالأسلحة النووية

توفيق طه: تهور أعمى وإغراق في الغفلة أم ضربة معَلِّم ودرس في الدبلوماسية؟ هذا ما يسأله المراقبون منذ أن اعترفت كوريا الشمالية بأن لديها برنامج تسلح نووياً، لكن المتتبع لتطور وردود الأفعال على الموقف الكوري خاصة في الولايات المتحدة يجد تفهما تدريجياً لموقف (بيونج يانج) خاصة بعد أن أدرك العارفون بخبايا المشهد الكوري الشمالي في واشنطن ما يرمي إليه الزعيم (كيم جونج إل) فكوريا الشمالية تريد أن تتفادى مصير ألمانيا الشرقية عام 89 حيث اندمج البلدان بعد سقوط حائط برلين، لكن الهيمنة كانت ولا تزال بعد عقد من الزمان لألمانيا الغربية، ويعلم (جونج إل) أنه بسبب ضعف اقتصاد بلاده فإن مواطني كوريا الشمالية سيتحولون إلى عمال في مصانع كوريا الجنوبية في أفضل الاحتمالات، ورغم أن الرئيس الأميركي كان قد هدد بضربات رادعة لبيونج يانج التي كان قد صنفها ضمن محور الشر إلا أن الغلبة على ما يبدو ستكون للحل الدبلوماسي.

رئيسا الوفدين الياباني والكوري الشمالي يتصافحان في مستهل محادثاتهما بكوالالمبور
تقرير/ جيان اليعقوبي: كوريا الشمالية تطور برنامجاً نووياً، كان هذا آخر ما تود إدارة الرئيس بوش سماعه هذه الأيام، فمع انشغالها وصراعاتها مع حلفائها وأعدائها حول ملفات ساخنة جاءت صفعة بيونج يانج في غاية الإزعاج، ويبدو أن واشنطن تميل إلى اتخاذ موقف محسوب بدقة كي لا تعطي رسالة خاطئة إلى الكوريين فهي تريد مكافأتهم على هذه الصراحة بدون أن تظهر أمام الآخرين أنها ستتهاون في مسألة تجريدهم من الأسلحة النووية، وترجع جذور هذه الأزمة بين واشنطن وبلد يطبق منهجاً ستالينياً في إدارة شؤونه الداخلية والخارجية إلى مارس/ أزار من عام 93، عندما أصبحت كوريا الشمالية أول دولة تقدم طلبا رسمياً للانسحاب من المعاهدة الدولية لمنع الانتشار النووي، ولكنها تراجعت عن موقفها هذا بعد ثلاثة أشهر فقط من تهديد الأمم المتحدة لها بفرض أقصى العقوبات الاقتصادية ثم زارها (جيمي كارتر) ملوحاً بالجزرة والعصا ومهدداً بمزيد من العقوبات وبعد وفاة الرئيس التاريخي (كيم إل سونج) بشهر واحد فقط سارع خليفته وهو ابنه (كيم جونج إيل) إلى التوقيع مع إدارة الرئيس السابق (كلينتون) على معاهدة تنص على تقديم واشنطن مساعدات نفطية وأخرى لتطوير محطتين للطاقة النووية للاستخدامات السلمية، مقابل أن تضع بيونج يانج حداً لطموحاتها التسليحية، ومن يومها بدأ الابن ينهج سياسة خاصة لا يمكن إلا أن توصف بالحكمة والدهاء وهي الانفتاح خطوة فخطوة على طريقة القائد الصيني الراحل (تيم....) أي الاحتفاظ بالنظام الشيوعي مع إدخال إصلاحات اقتصادية واجتماعية لا تؤدي إلى انهيار النظام أمام الزحف الأميركي الشره الذي قد يحول الشماليين في نهاية المطاف إلى مجرد عمال في مصانع الشطر الجنوبي من شبه الجزيرة الكورية، وهكذا بدأ (كيم جونج) سياسة جديدة تعرف كيف تتعامل مع حقائق السياسة الدولية في حقبة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، وتفرد الولايات المتحدة بدور القوة العظمى فانفتح على (سول) في قمة تاريخية جمعته مع الرئيس الكوري الجنوبي في صيف عام 2000 عقبتها خطوات وصلت أخيراً إلى أن يمشي وفدا البلدين في موكب واحد تحت راية الألعاب الأسيوية في بوسان، والآن أيضاً عرف الشماليون كيف يختارون الوقت المناسب للإعلان عن برنامجهم النووي في خضم انشغال واشنطن بحروبها الجديدة، ثم أعقبت تصريحاتها تلك بأخرى لوَّحت فيها باستعدادها للتخلي عن هذا البرنامج مقابل توقيع معاهدة عدم اعتداء بين البلدين، وأمام واشنطن خيارات كثيرة لإرغام الكوريين على التخلي عن برنامجهم ومنها العمل العسكري، لكن يبدو أن الدبلوماسية الحثيثة هي الأسلوب الذي سيتبعه الطرفان في التوصل إلى تسوية مرضية.

مثالب الخطاب السياسي الأميركي

توفيق طه: لم تمر على الولايات المتحدة الأميركية فترة مجهولة المعالم مثل هذه الفترة، فعالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر حوَّل الخطاب السياسي الأميركي إلى خطاب أقل ما يوصف به أنه عنيف للغاية، وتحلقت حول مراكز صنع القرار في واشنطن كل القوى المغرقة في محافظتها أو تلك التي ترتبط باللوبي النفطي الصناعي العسكري، ولا شك في أن خطاباً كهذا لا يليق بدولة تعتبر القوة الأولى في العالم، وما انفكت تفاخر العالم بمجتمعها الاستيعابي الأكثر انفتاحاً، لكن كثيرين يجزمون بأن أكثر ما يضر بالمصالح الأميركية هي النبرة الاقصائية التي تتسم بها الإدارة الجديدة، ربما أكثر من محاولات التنظيمات التي تسميها الولايات المتحدة بالإرهابية.

جورج بوش
تقرير/ حسن إبراهيم: تواجه الإدارة الأميركية معضلة تبدأ من قمتها كما يقول المراقبون، فإن كانت مقاصد السياسة الأميركية العليا هي المحافظة على مصالح الولايات المتحدة في أنحاء العالم وتسلم موقع القيادة عالمياً فلا يبدو أن أسلوب الرئيس (جورج بوش الابن) يسهم كثيراً في تحقيق تلك المقاصد، ولعل من أكبر آفات الإدارة الأميركية كما يعتقد كثير من المراقبين هي أنها ورثت تركة ثقيلة من إدارة الرئيس بوش الأب سواءً برنامجه السياسي أو حتى شخصيات إدارته نفسها، نائب الرئيس (ديك تشيني) كان وزير الدفاع السابق، ووزير الخارجية (كولن باول) كان أول قائد زنجي للجيش الأميركي، ومن معضلات الإدارة الجمهورية الحالية هي وزير الدفاع الحالي (دونالد رامسفيلد) الذي لم يغب عن الإدارات الجمهورية منذ عهد الرئيس الأسبق (ريتشارد نيكسون) في أوائل السبعينات، إدارة كهذه ربما تكون ارتباطاتها السابقة التي نمت ونضجت إبان الحرب الباردة أو بُعيد سقوط الاتحاد السوفيتي ثم ارتباطاتها المعلنة باللوبي الصناعي النفطي ربما تفسر بعضاً من حدة الموقف الأميركي تجاه العراق، والمتتبع لتصريحات الرئيس الأميركي يلاحظ عداءً لشخص الرئيس العراقي صدام حسين يصل بعض الأحيان إلى حدودٍ غير مألوفة في الدبلوماسية الدولية، ولعل تصريح الرئيس الأميركي عن الرئيس العراقي "لقد حاول قتل أبي" يشرح بعضاً من المشهد العراقي الأميركي.

من مثالب الخطاب السياسي الأميركي هي نبرة التلويح بالقوة التي تغلب عليه، بل وفي مخالفة صريحة للدستور الأميركي أضحى الخطاب السياسي الأميركي مليئاً بالرموز والعبارات الدينية، أي أنه أضحى خطاباً اقصائياً، وهذا الخطاب الاقصائي وضع الولايات المتحدة في موقف صعب للغاية داخل مجلس الأمن الدولي على سبيل المثال، فالدول غير دائمة العضوية لم يقتنع معظمها بالمسوغات الأميركية لضرب العراق، وترفض الدول دائمة العضوية عدا بريطانيا حق الاستخدام التلقائي للقوة ضد العراق، ورغم استمرار المفاوضات وجه الأميركيون إنذاراً للدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي بأن صبرهم قد قارب النفاذ، وأن واشنطن قد تضرب العراق بمفردها إن لزم الأمر، وهو أسلوب غاب عن عالم الدبلوماسية منذ أيام الحرب الباردة، ولو كان الرئيس الأميركي يريد إعادة هذه الأساليب إلى الحياة فهي لن تؤدي في نهاية الأمر إلا إلى ازدياد عزلة الولايات المتحدة، وربما يلتمس البعض العذر للولايات المتحدة التي يرون أنها ربما تريد أن تثأر لكرامتها التي جرحتها هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وقد تقبل الكثير من دول العالم حربها ضد أفغانستان بسبب حركة طالبان وتنظيم القاعدة رغم ما شاب تلك الحرب من إفراط وعشوائية في استخدام القوة.

أما التصعيد ضد العراق فقد ألَّب كثيرين ضد واشنطن حتى داخل الولايات المتحدة وألقى مزيداً من الشك في قدرات رئيسها وإدارته التي يتهمونها بالانحياز إلى اللوبي الصناعي النفطي وهتفوا ضد الحرب التي يتوعد الرئيس الأميركي بشنها ضد العراق رافضين مقايضة دمائهم بعائدات النفط كما عبرت المظاهرات.

توفيق طه: وأخيراً يبدو أن الإرهاب حمَّال أوجه، ويبدو أيضاً أن قناص واشنطن لم يكن يسعى فقط إلى ترويع الآمنين بل إلى التربح أيضاً من جريمته، وبعد بحث مضنٍ تمكنت الشرطة في ولاية (ألاباما) على بعد مئات الأميال من مسرح الجريمة من القبض على (جون لي محمد) وعمره 41 عاماً وابن زوجته (جون لي مالوف) وعمره 17 عاماً، وطلب المدعي العام في مدينة (مونتجمري) بولاية ألباما بتوقيع عقوبة الإعدام على (جون محمد) الذي كان ضابطاً في الجيش الأميركي شارك في حرب الخليج وأن يحاكم (مالوف) كبالغ رغم أنه لم يبلغ السن القانونية بعد.

بهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر.

تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.