مقدم الحلقة:

جميل عازر

ضيف الحلقة:

د. نبيل شعث: وزير التخطيط والتعاون الدولي الفلسطيني

تاريخ الحلقة:

18/01/2003

- الذكرى الثانية عشرة لأم المعارك بين التحدي العراقي والحشود الأميركية.
- الأزمة العراقية بين مفتشي الأسلحة والمعارضة العراقية والمبادرة التركية للحل الدبلوماسي.

- مؤتمر لندن للإصلاحات الفلسطينية في ظل غياب الوفد الفلسطيني.

- عودة مفاوضات ماشاكوس وسط مخاوف عربية على مستقبل وحدة السودان.

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى جولة جديدة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:

العراق والذكرى الثانية عشرة لأم المعارك، الرئيس يتحدى والأميركيون يواصلون الحشد.

مفتشو الأسلحة يصولون ويجولون والمعارضة في الخارج تتعثر، ومحاولات في أنقرة للحل الدبلوماسي.

ولندن استضافت مؤتمراً للإصلاحات الفلسطينية، وصاحب القضية حاضر غائب.

الذكرى الثانية عشرة لأم المعارك بين التحدي العراقي والحشود الأميركية

أحيا العراق الذكرى السنوية الثانية عشرة لأم المعارك أو إن شئت عاصفة الصحراء أو حرب تحرير الكويت بخطاب تأريخي من الرئيس العراقي، فقد استشهد بالتاريخ ليؤكد للعراقيين على خطورة الموقف وليحثهم على اقتباس العبرة مما حل ببغداد على يد (هولاكو) المغولي عندما استباحها واحمرت مياه دجلة بدماء البغداديين واسودت شواطئه ببحر.. بحبر مكنوزات مكتباتها، لأنهم لم يقاوموا الغازي آنذاك، والربط بين هولاكو المغولي وهولاكو الأميركي في نظر الرئيس صدام حسين واضح لا محالة، وهو يعبر عن خشيته من أن تصدق مقولة: التاريخ يعيد نفسه، ليس بالنسبة لبغداد، بل وللعراق كله، ولعل ليقينه بوقوع حرب ما يبرره حتى رغم استمرار عمليات التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل.

حرب الخليج الثانية
تقرير/ حسن إبراهيم: سيقاتل العراق حتى آخر رصاصة، هذا ما قاله الرئيس العراقي في خطابه بمناسبة الذكرى الثانية عشرة لبداية عاصفة الصحراء، ولا يمكن لأي مستمع للخطاب أن يستشف منه أن لدى صدام حسين علماً بأن هناك محاولة لحمله على الاعتزال والتوجه إلى مكان ما خارج العراق، فنبرة التحدي التي اتسم بها الخطاب تصادفت مع إعلان المتحدث باسم المفتشين الدوليين عن اكتشاف نحو اثنتي عشرة قذيفة فارغة من قبيل ما يستعمل لأسلحة كيميائية، وقد أحدث هذا الاكتشاف إثارة استحوذت على العناوين الرئيسة في الأخبار، (فضَّل) المسؤولون العراقيون إلى التقليل من أهمية هذه القذائف الصاروخية على أساس أنها لم تعد صالحة للاستعمال، وأنها على أي حال ظلَّت في الصناديق الخشبية منذ استيرادها في الثمانينات، وإذ امتنعت واشنطن عن القفز إلى استنتاجات فورية، فقد أكدت أنها تنتظر يوم السابع والعشرين من هذا الشهر الموعد المحدد لتقديم تقرير (هانس بليكس) ومحمد البرادعي إلى مجلس الأمن الدولي ليتضمن النتائج التي توصلت إليها عمليات التفتيش عن أسلحة التدمير الشامل، وفي ضبط النفس الأميركي هذا خروج عن المألوف، خاصةً وأن واشنطن تبحث باستمرار عن أي مؤشر يمكن استعماله ذريعة لشن حرب، ولم تخرج لندن في هذا الشأن عن الموقف الأميركي، إذ أعلن وزير دفاعها أن بريطانيا لم تتسرع في إصدار حكم، وقد يعزى هذا التحفظ إلى ما يواجهه رئيس الوزراء البريطاني من معارضة متصاعدة في صفوف حزبه وفي أوساط الشعب لموقفه من حرب على العراق، ويبدو أن المسؤولين العراقيين يمارسون هم الآخرون ضبط النفس لحرمان بوش ومن يؤيدونه من الذرائع، فزيارة فريق المفتشين إلى القصر الجمهوري في بغداد، والذي يضم مكاتب رئاسية لم تثر ثائرة العراقيين الذين أصبحوا لا يرون في ذلك اعتداءً على مواقع سيادية، وبين هذا الموقف وذاك واصل المسؤولان الدوليان عن نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية لقاءاتهما مع قادة الدول، فاجتمعا مع الرئيس الفرنسي (جاك شيراك) الذي قال إنه يعتبر أي عمل عسكري انفرادي ضد العراق انتهاكاً للقانون الدولي، وهذا ما سترفضه باريس، ويتفق بليكس والبرادعي في أن المفتشين الدوليين يحتاجون إلى مزيد من الوقت للتأكد من خلو العراق من الأسلحة المحظورة، وهذا ما أيدهما فيه شيراك ومن قبله (جيرهارد شرودر) المستشار الألماني، ومن بعدهما (توني بلير)، وقد يكون للأوروبيين باستثناء رئيس وزراء بريطانيا دوافع ذاتية لاتخاذ موقف معارض من هذا القبيل لسياسة واشنطن في الانفراد بحرب ضد العراق، ولكن مثل هذا الموقف يظهر أن معارضة الحرب أصبحت مسألة قد لا يستطيع الرئيس الأميركي تجاهلها تماماً في حساباته، وهذا ما قد يرجوه قادة دول المنطقة، بما فيهم العراقيون.

الأزمة العراقية بين مفتشي الأسلحة والمعارضة العراقية والمبادرة التركية للحل الدبلوماسي

جميل عازر: ورغم ذلك تتواصل الحشود العسكرية الأميركية والبريطانية، ومعها محاولات حشد المعارضة العراقية المغتربة لسد أي فراغ في السلطة إذا تغير أو أطيح بنظام الحكم، ولكن إخفاق المعارضة لسبب أو آخر في الالتزام بعقد اجتماعها الذي كان مقرراً يوم الثاني والعشرين من هذا الشهر في أربيل بكردستان العراقية إنما يسلط الضوء على العلاقة القائمة بين الفصائل المتنافسة على كعكة السلطة من جهة والإدارة الأميركية التي عجزت حتى الآن دفع هذه الفصائل إلى موقف موحد رغم تعيين منسق أميركي أفغاني الأصل، لهذه الغاية من جهة أخرى، وربما أن الدور الذي ترتأيه واشنطن للمعارضين رغم وصفها لهم عراقيين أحراراً لا تنطبق مواصفاته على ما يطمحون إليه.

المعارضة العراقية
تقرير/ جيان اليعقوبي: تغيرت مواعيد فصائل المعارضة العراقية الذي كان مقرراً أن يلتئم شملها في شمال العراق أكثر من مرة مما آثار تساؤلات المراقبين حول حقيقة هذا التأجيل، وتريد تركيا مثلاً عبر عرقلة عبور بعضهم إيصال رسالة معينة إلى من يهمه الأمر، أم أن العم الأميركي لم يفلح في أخذ صك مفتوح من بعض الأطراف للتصرف في العراق كما يشاء؟ ومن مصلحة الولايات المتحدة أن يكون من يتولون أمر العراق تابعين لها، وقد اختارت منذ الآن أن تطلق عليهم لقب "العراقيين الأحرار"، وهذا يدفع عراقيي الداخل إلى التساؤل: هل أن باقي العراقيين ليسوا أحرار، أم أن هذا الشرف يصبغ فقط على أناس بعينهم دون الآخرين؟ في البدء لابد من كلمة حق تقال في هذا الفسيفساء العجيب الذي يقول عنه خصومه أنه مجرد ديكور أميركي، ويقول أنصاره إنهم اضطروا لمد يدهم إلى الشيطان، لأن الجميع تخلى عنهم من الأشقاء والأقارب والجيران، وبإلقاء نظرة منصفة على هذه الفصائل التي لا يجمع بينها رابط غير شخص أفغاني هو (زلماي خليل زاد) الذي ظهر مؤخراً على مسرح الأحداث، ونصبته الإدارة الأميركية منذ الآن ناطقاً باسم الشعب العراقي الحر، نرى أن أغلب الدول العربية وليس العراق فقط -وهذا أيضاً من باب إنصاف النظام الذي يشحذ الآن مختلف الفرقاء سكاكينهم للإجهاز عليه- لم تسمح يوماً بنمو أي شكل من أشكال المعارضة على أراضيها، فلم يسمع أحد ومنذ عقود بشيء اسمه على سبيل المثال لا الحصر معارضة سورية أو ليبية أو سعودية، ليس لأن العرب دوناً عن شعوب الأرض يستعذبون الخنوع للحاكم ويكرهون كلمة معارضة، بل لأن أغلب الأنظمة العربية لا تسمح بحكم تركيبتها القمعية بأي فسحة من العمل السياسي الحقيقي، الذي يتيح في النهاية بلورة أحزاب معارضة حقيقية ووطنية تتحرك في ضوء الشمس، وتعمل بأجندة واضحة وتضع نصب عينها مصالح الوطن الذي تنتمي إليه قبل أي شيءٍ آخر، ولهذا نرى أن فلول المعارضين كانوا دائماً ورقة في يد الدول التي تستضيفهم، سواءً كانوا في واشنطن أو لندن أو غيرهما، ويبقى الأمل أن لا تقع الحرب، وأن يخرج العراق بدرسٍ ثمين، وهو أن الالتفاف الحقيقي حول كل مكونات الشعب وأطيافه السياسية أفضل بكثير من الدفع بالمعارضين إلى الارتماء في أحضان غازٍ لم يعرف عنه سوى أسوأ سجل في تاريخ تدخلاته، وانقلاب أميركا اللاتينية تشهد على ذلك منذ أيام (سلفادور آيندي) وحتى (شافيز).

جميل عازر: ولكن في الظروف الراهنة لا يجوز الإفراط في التفاؤل بأن الحرب غير قادمة، فالمؤشرات كلها تدخل على أنها واقعة، ما لم يمكن إيقاف عجلة الآلة الحربية الأميركية والبريطانية التي بلغت من قوة الاستمرار حداً يصعب لأي قصورٍ ذاتي أن يوقفه، ومع ذلك فقد تابعت تركيا عبد الله جول، بل تركيا حزب العدالة والتنمية جهودها لإيجاد مخرجٍ إقليمي ضمن مشروع تفاوتت التقارير حول مضمونه بقدر تفاوت التوقعات بشأن إمكانيات نجاحه، والدور التركي في هذا الصدد يكتسب مرجعية من علاقة أنقرة الاستراتيجية بواشنطن، والتي يمكن أن تكون عاملاً، بل العامل الأهم لعقد قمة في العاصمة التركية تضم أربع دول عربية إلى جانب إيران والدولة المضيِّفة.

تقرير/ أسامة راضي: التحركات الإقليمية والمبادرات الهادفة إلى منع حرب أميركية على العراق تتكاثف بشكلٍ لافت، وكأن المسؤولين في المنطقة أدركوا لتوهم أن هناك خطراً ما، أو أنه يمكن تفادي الخطر الدائم، فلماذا تطلق هذه المبادرات الآن، ومن دولٍ ترتبط مع واشنطن بعلاقات وثيقة كالسعودية وتركيا؟ بعض المراقبين يعتقدون أنه لولا وجود ضوءٍ أخضر من جانب واشنطن لما جاءت مبادرات من هذا القبيل، وقد عبَّر عن ذلك بوضوح الرئيس المصري حين علَّق على مبادرة رئيس الوزراء التركي التي طرحها في خمسٍ من دول المنطقة، إذ نصح عبد الله جول أن يأتي بضمانات، أميركية قبل التحرك، وهو ما يبدو أنه تحقق فعلاً، إذ أكد جول أن واشنطن والأمم المتحدة راضيتان عن هذه التحركات.

في الأفق إذن مبادرتان، وتدور الاتصالات حول توفير قوة دفع إقليمية لمضمونهما الذي لم يعلن عنه بوضوح، رغم أنه سيطرح على قمة إقليمية في أنقرة، دعت تركيا إليها كلاً من السعودية ومصر وسوريا والأردن وإيران، وإذا صدقت التسريبات عما سيطرح في قمة أنقرة فإن نظام الحكم العراقي يعيش أيامه الأخيرة على أن يتحمل عراق ما بعد النظام مسؤولياته بالانصياع لكل القرارات الدولية، وإجراء إصلاحات ديمقراطية فيه، مع التأكيد على وحدة أراضيه، وهذا يعكس الاهتمام الإقليمي في صياغة شكل الحكومة العراقية القادمة بدلاً مما ستسفر عنه حربٌ في هذا الشأن، وربما تكون العلاقات التركية الأميركية هي العامل المرجِّح لنجاح دور أنقره الإقليمي، بينما كان غياب مثل هذه العلاقات عاملاً أفشل محاولةً إيرانية سابقة للقيام بدور من هذا القبيل، وربما كان ترتيب الأولويات الإقليمية أيضاً سبباً وراء إرجاء أو إلغاء زيارة الرئيس السوري إلى طهران قبل أيام، لكن يبقى لافتاً أن التحركات الإقليمية لتغيير نظام الحكم في بغداد لتفادي حرب هي تحركات تقودها تركيا التي يحكمها حزب العدالة والتنمية الذي يؤهلها لاتخاذ موقفٍ واضحٍ وصريحٍ من الحرب المحتملة، ويدفعها إلى البحث عن دورٍ إقليمي فاعل وأوسع نطاقاً، وربما كان ذلك حافزاً وراء سعي أنقرة للانضمام إلى جامعة الدول العربية، كمراقب، بينما تبقي على علاقاتها القوية مع إسرائيل، وعلى أي حال يبقى مآل القمة المرتقبة في أنقرة نجاحاً أو فشلا متوقفاً على موقفين تدور حولهما تساؤلات، فهل ستقبل الإدارة الأميركية بتقديم ضمانات بعدم مهاجمة العراق أو تعقب قادته؟ وهل سيقبل الرئيس العراقي بإلقاء السلاح والتوجه إلى مكانٍ آمن نسبياً لسحب البساط من تحت أقدام (جورج بوش)؟

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) من قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيها أيضاً بعد فاصل:

السودان عودة إلى مشاكوس برعاية (دانفورث) وسط مخاوف العرب على مستقبل وحدة التراب السوداني.

[فاصل إعلاني]

مؤتمر لندن للإصلاحات الفلسطينية في ظل غياب الوفد الفلسطيني

جميل عازر: وإلى لندن التي استضافت المؤتمر الخاص بالإصلاحات الفلسطينية رغم محاولات رئيس الحكومة الإسرائيلية لإحباط هذا المشروع البريطاني، والمضي في عقد المؤتمر ينطوي على دلالات، أولها أنه لولا موافقة الأميركيين على ذلك لما مضت لندن قدماً في هذه الخطوة، وثانيها أنه أظهر مدى امتعاض المجتمع الدولي ممثلاً في المجموعة الرباعية من سياسات (شارون)، ومع ذلك فإن عدم تمكن الطرف صاحب الشأن من السفر إلى لندن للحضور شخصياً -وليس في هذا القول انتقاصٌ من وجود المفوض الفلسطيني العام في المؤتمر- إنما يؤكد على أن الفلسطينيين ظلوا في مراحل متعددة، وبشكلٍ متفاوت، الطرف الغائب الحاضر في شؤون قضيتهم.

د.نبيل شعث
تقرير/ سمير خضر: التكنولوجيا في خدمة السلام، وربما العكس، فقد نجح شارون في مسعاه، وخضع الجميع لإرادته، إذ لم يتمكن الفلسطينيون من التوجه إلى لندن للمشاركة في المؤتمر الذي دعت إليه بريطانيا لمناقشة آفاق عملية السلام والإصلاحات في السلطة الفلسطينية، رغم أنه مطلب رئيسي لإسرائيل وللولايات المتحدة. والواقع أن منع الوفد الفلسطيني من التوجه إلى لندن كان يهدف إلى توجيه صفعة لـ (توني بلير) فرئيس الوزراء البريطاني يحاول جهده تسويق العمل العسكري ضد العراق من خلال تحريك الملف الفلسطيني تماماً كما حدث إبان وفي أعقاب حرب تحرير الكويت، ومثل هذه النية لا تتقاطع مع توجهات شارون لا الحالية ولا المستقبلية، واكتفى الفلسطينيون بالمشاركة من خلال شاشات التليفزيون، كثيرون عابوا على الفلسطينيين هذه المشاركة، بل إن البعض وصفها بالمخجلة، وكان حريٌ بهم عدم المشاركة وتحميل شارون وحكومته اليمينية المتطرفة مسؤولية إفشال ما يطالب به المجتمع الدولي، لكن حسابات الجانب الفلسطيني جاءت مختلفة تماماً، فالفلسطينيون لم يقدموا على مثل هذه المقاطعة، حتى لا يعطوا شارون ذريعة لاتهامهم بالتقاعس عن إجراء الإصلاحات، إذ إن الآلة الدعائية الإسرائيلية ومن خلال نفوذ إسرائيل الإعلامي في أوروبا وأميركا كانت ستلعب على هذا الوتر وتقلب الحقائق مدعية أن الفلسطينيين كانوا يريدون حجة، أي حجة كانت، للتهرب من مسؤولياتهم وهذا ما حصل أو كاد يحصل بالضبط، إذ انبرت معظم وسائل الإعلام الغربية للحديث عن هذا المؤتمر وكأنه تحصيل حاصل دون التطرق إلى أسلوب إسرائيل في التعامل مع الحدث ومحاولاتها وضع العراقيل أمام انعقاد مؤتمر لندن، أما داخل إسرائيل نفسها، فأن خطوة شارون لاقت شبه إجماع وطني، فلإن كان من الطبيعي أن يساند اليمين المتطرف خطوة شارون في عرقلة المؤتمر، فإن حزب العمل أعلن هو أيضاً دعمه لمثل هذا القرار في إشارة واضحة إلى استمرار غياب الرؤية السياسية الواضحة لدى هذا الحزب، وعلى أمل أن يشكل مثل هذا الموقف المتشدد نقطة في صالح الحزب في الانتخابات العامة المقبلة، مؤتمر لندن لم يخرج بجديد بالنسبة للفلسطينيين فالأوضاع لا تزال على حالها والعالم كله منشغل اليوم بقضية العراق، وسيبقى منشغلاً بها غداً وبعد غد.

جميل عازر: ومتابعة لهذا الموضوع ينضم إلينا من غزة الدكتور نبيل شعث (وزير التخطيط والتعاون الدولي الفلسطيني).

دكتور نبيل، أولاً: ما هو تقييمك للمؤتمر بالشكل والظرف اللذين انعقد فيهما، وكذلك من حيث النتائج أو ما تمخض عنه أو لم يتمخض عنه من نتائج؟

د. نبيل شعث: يعني هذا المؤتمر ليس هو مؤتمر حل القضية الفلسطينية، بالتأكيد هو ليس بديلاً عن الاجتماع الرباعي، لإخراج الإسرائيليين من الأراضي الفلسطينية التي يحتلونها، وكنا ندرك ذلك، كنا ندرك أن هذا المؤتمر عندما أوقفت إسرائيل أو منعت إسرائيل أعضاء الوفد الفلسطيني من السفر لحضوره، تحوَّل إلى منبراً إعلامياً وسياسياً، وهذا منبر لا نستطيع التغيب عنه في زمان الإعداد للهجوم على العراق، وفي زمان محاولات إسرائيلية وأميركية لتغييب القضية الفلسطينية، لذلك استفدنا من كل الإلكترونيات الحديثة والـ Video conferencing في أن نعقد هذا المؤتمر بالحضور الثاني الذي واكبه لكي تتاح لنا فرصة لطرح قضيتنا ولطرح انشغالاتنا، ولطرح القضية السياسية بكل أبعادها في مثل هذا المؤتمر الغريب الشكل، الذي يعتمد على التكنولوجيا الحديثة أكثر من اعتماده على السياسة الحديثة.

جميل عازر: طيب، هل تعتقد أن خطة العمل التي اقترحتها الولايات المتحدة وكذلك تبنتها المجموعة الرباعية أصبحت العقبة في سبيل تحريك عملية السلام بدلاً من أن تكون الوسيلة لتسهيل عودة الأطراف المعنية إلى تلك العملية؟

د. نبيل شعث: يعني أعتقد الاتنين فيه سبب ثالث، هو الذي يمنع الحركة ويمنع خطة السلام، ألا وهو: الانشغال الأميركي الكامل بالإعداد لحرب ضد العراق الشقيق والانشغال العالمي بانشغال أميركا في هذا الموضوع، بمعنى أنه غياب الحركة السياسية ليس سببه خطة الطريق، وإنما الحركة السياسية وخطة الطريق مجمدة بسبب الانشغال الأميركي، أنا أعتقد علينا أن نعد أنفسنا لشهر ونصف أو شهرين أو أكثر من وقت صعب جداً تتصاعد فيه الجرائم الإسرائيلية والاحتلال الإسرائيلي، دون قدرة أحد في العالم على التحرك حركة سياسية حقيقية للضغط على إسرائيل.

جميل عازر: طيب، في هذا الظرف بالذات ما هي أولويات الفلسطينيين الآن بشأن المسار إلى الإصلاحات؟

د. نبيل شعث: موضوع الإصلاحات موضوع يخص الفلسطينيين وبالتأكيد هو ليس طريق الحل لقضية إنهاء الاحتلال، الاحتلال لم يأتِ لفلسطين لكي يصلحها ولن يخرج الاحتلال الإسرائيلي من أراضينا إذا قمنا بوضع دستور جديد، هذا يعني.. أنا أرجو أن يكون ذلك واضحاً، الإصلاح الوحيد الذي تراه إسرائيل الآن هو القضاء على السلطة الفلسطينية، والقضاء على أمل في كيان فلسطيني يتحول إلى دولة مستقلة، لكن بالنسبة للشعب الفلسطيني مسألة بناء مستقبل أفضل، مسألة تطوير المؤسسات، مسألة بناء مؤسسات جديدة لدولة جديدة مستقلة كلها يراها الشعب الفلسطيني إنها أدوات، لتصليب مؤسساته ولزيادة قدرته على المواجهة ولبنائه لمستقبل قادم، ولا تجدها بديلاً عن النضال وعن الحركة السياسية من أجل إنهاء الاحتلال.

جميل عازر: طيب، لابد أن في.. في الدوائر الفلسطينية في اجتماعاتكم وأحاديثكم لابد أن تنظرون إلى المستقبل، إلى ما بعد ياسر عرفات، ماذا يدور في.. في ذهنكم في هذا الشأن؟

د. نبيل شعث: يعني الأخ الرئيس ياسر عرفات قاد هذا النضال سنوات طويلة، وهو بوجوده -إن شاء الله- تأتي هذه الدولة المستقلة، ولكن الدستور لن.. لا يكتب فقط للرئيس ياسر عرفات، وإنما الدستور يكتب لأجيال، عادة الدستور.. صحيح يمكن تغييره، ولكن.. دائماً تغييره يتم بصعوبة، ولذلك نحن نحاول أن نبني مؤسسات ليست فقط قابلة للتطبيق الآن وإنما قابلة للتطبيق في.. في زمن أبعد يصبح فيه دولة مستقلة فلسطينية ديمقراطية فيها تعددية حزبية واقتصاد حر وسيادة القانون، وفيها رئيس دولة وفيها رئيس وزراء، كل منهما له سلطات محددة في ظل رقابة برلمانية لها أيضاً سلطات محددة تمثل الشعب الفلسطيني، نحن نبني لمستقبل طويلة -بإذن الله- من الاستقلال والسيادة الفلسطينية.

جميل عازر: طيب دكتور نبيل، ذكرت رئيس وزراء للفلسطينيين، هل يحتاج تعيين رئيس وزراء الانتظار إلى سن دستور بدلاً من أن يكون أول خطوة مثلاً في الطريق إلى الإصلاحات؟

د. نبيل شعث: يعني ذلك أمر طرحته الولايات المتحدة وبشدة، وكأنما أصبح رئيس وزراء الآن هو البديل لكل شيء، وهم الحقيقة عندما يتحدثون عن رئيس وزراء الآن؟ يتحدثون أساساً عن محاولة تغييب الرئيس عرفات، وهو أمر لم ننصع له فقط لأنه الولايات المتحدة تريده، نحن نريد رئيس وزراء في ظل إطار من النظام المختلط بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني، شبيه بالنظام الفرنسي الذي يواكب وضعاً فلسطينياً خاصاً، لذلك هو أمر يحتاج إلى تعديل دستوري ليس فقط في هذه المسألة وإنما في جملة علاقات السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية وبناء سلطة تنفيذية في إطار ديمقراطي، لذلك الإطار الأفضل هو دستور دولة فلسطينية وليس تغييراً طارئاً فقط لاحتواء رغبة أميركية أو رغبة أوروبية في ذلك الموضوع.

جميل عازر: طيب، أخيراً دكتور شعث، يعني ألا تعتقد أن الفلسطينيين يجدون أنفسهم في حلقة مفرغة من حيث أنهم رطبوا إجراء انتخابات بانسحاب الإسرائيليين من المدن الفلسطينية والمناطق الفلسطينية التي عادوا إلى احتلالها، بينما شارون يدرك هذا وإذا استمر في الاحتلال فمعنى ذلك الانتخابات غير قادمة؟

د. نبيل شعث: أنا.. أنا أدرك يعني تماماً المعضلة التي تتحدث عنها، ولكن نحن لم نؤجل هذه الانتخابات، ولم نتخذ أي قرار رسمي بأنها مربوطة بإنهاء الاحتلال، ولكن عملياً الاحتلال ليس احتلالاً من الخارج، وإنما هو احتلال داخل كل مدينة وقرية فلسطينية يتبعه أو يشمل ذلك في كثير من الأحيان منع تجوال كامل، يعني هناك استحالة عملية لإجراء انتخابات في مثل هذا الظرف، حتى بالنسبة للدستور، حاولنا أن ندعو المجلس المركزي الفلسطيني وهو بيتكون من 120 عضواً منهم 64 موجودين في الداخل، الاحتلال منعنا حتى من إيجاد فرصة لكي يحضر كل أعضاء الداخل، لم نستطع أن نجمع أكثر من 34 عضواً، لأنه الأعضاء اللي من غزة ومن بيت لحم ومن نابلس والخليل منعوا من الوصول، إذن فيه استحالة عملية، ولذلك علينا أن.. أن نناضل من أجل إنهاء هذا الاحتلال على الأقل من المدن والقرى الفلسطينية إلى حدود 28 سبتمبر 2000 حتى يمكن عملياً إجراء هذه الانتخابات على الأرض.

جميل عازر: دكتور نبيل شعث في غزة، شكراً جزيلاً.

عودة مفاوضات ماشاكوس وسط مخاوف عربية على مستقبل وحدة السودان

كان اجتماع اللجنة الوزارية لجامعة الدول العربية لتنمية جنوب السودان أكثر من مجرد مناسبة لبحث التنمية في ذلك الجزء الجريح من الجمهورية السودانية، فقد كان بمثابة ناقوس إنذار من خطر يتهدد وحدة التراب السوداني نتيجة لما طُرح وتمت الموافقة عليه في جولة مفاوضات مشاكوس الأولى، وربما يوجد مبرر لمخاوف الذي يرون أن الحكومة تسرعت في قبولها إعطاء الجنوب حكماً ذاتياً تحت كنف الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة (جون جارانج) لفترة ستة أعوام يعقبها استفتاء على حق تقرير المصير، ورغم تطمينات المبعوث الأميركي بأن الموقف الأميركي غير منحاز إلى هذا الطرف أو ذاك بعكس ما تراه الخرطوم فإن حلاً لا يشمل أطياف المسرح السياسي السوداني كلها سيكون صعب المنال بمشاكوس أو بدونها.

تقرير/ حسن إبراهيم: الجامعة العربية تسعى إلى توثيق عرى الوحدة الوطنية السودانية عبر الاستثمار في اقتصاد جنوب السودان الذي مزقته الحرب الأهلية الغرض -كما يبدو- هو ترغيب أهل الجنوب في الوحدة بعد أن فشل الترهيب في إرغامهم عليها، لكن السؤال الذي يتردد بمرارة في كثير من الدوائر هو إن كانت جهود الجامعة العربية قد أتت بعد فوات الأوان، وأكثر المتسائلين هم الذين كانوا يسعون إلى تجميد الرساميل العربية في معركة الوحدة السودانية منذ اندلاع نيران الحرب الأهلية عام 83، ويردد البعض أن الجهد العربي لم ينشط إلا بعد أن أحست مصر بأن انفصال جنوبي السودان أضحى خطراً ماثلاً خاصة بعد أن أضحت الحركة الشعبية لتحرير السودان تفاوض دولياً على اجتذاب الدعم الدولي لإعادة بناء المناطق المحررة.. التعبير الذي تطلقه على الأراضي التي تسيطر عليها، لكن الأزمة السودانية حمالة أوجه فهي أزمة هوية بين العروبة والإسلام والإفريقية والمسيحية والروحانية الإفريقية، وهي أزمة حكم تتجلى في انفراد التيار الإسلامي بالسلطة منذ الانقلاب في الثلاثين من يونيو عام 89 على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً، وزاد النفط الذي بدأ تصديره بصورة تجارية عام 99 من تعقيد الأزمة السودانية وأخذت السيطرة على مناطق النفط تحتل الأولوية قبل تحقيق الانتصار في الممرات والمعابر الاستراتيجية التقليدية في جنوب السودان، وعجزت الحكومة السودانية عن استثمار التغير الكبير الذي طرأ على الموقف الأميركي تجاه السودان منذ الحادي عشر من سبتمبر وتعاون الحكومة السودانية مع الحكومة الأميركية في ملف التنظيمات الأصولية الإسلامية لما كان للخرطوم من علاقات معها، وقد أبلغ المبعوث الأميركي (جون دانفورث) الحكومة السودانية بنفاذ صبر بلاده من مماطلة الجانبين، ولكن المنسي دائماً على ما يبدو في الحسابات الأميركية هو شمال السودان والأحزاب السياسية التي تنضوي تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي، فما عدا فريق صغير من حزب الأمة تقف معظم الأحزاب الأخرى في المعارضة، ولو كان هناك حل للأزمة السودانية فلابد أن يشمل الجميع، بعض المراقبين يعتقدون أن إصرار الحكومة السودانية على تطبيق حدود الشرعية إنما يصب في خانة المواقف التفاوضية خاصة بعد زيارة دانفورث إذ تراجعت الخرطوم عن رفضها المشاركة في جولة مفاوضات مع الحركة الشعبية في نيروبي، وإذا كان المبعوث الأميركي قد جاء بما يدل على أن واشنطن ستخفف من تشددها إزاء الخرطوم فإن هذا ربما يفسر ما أبدته الحكومة السودانية من مرونة في هذا الشأن، ولكن يظل المغُيَّب الأكبر من حسابات السلام والوفاق إنسانَ السودان بما فتك به من الجوع والأمراض والآفات، فهو والحالة هذه يأمل أن يرتقي فرقاء الأزمة السودانية إلى مستوى المسؤولية هذه المرة.

جميل عازر: وبهذا نختم جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.