مقدم الحلقة: توفيق طه
ضيوف الحلقة: لا يوجد
تاريخ الحلقة: 16/02/2002




- أميركا ومحاولة جعل العراق كـ"أفغانستان"
- تصاعد حدة الخطاب الرسمي الإيراني ضد أميركا

- تطور آليات العمل العسكري الفلسطيني والذعر الإسرائيلي

- باكستان واستجابة أميركا لمطالبها

- الرئيس الفنزويلي بين شعارات الماضي وفقر شعبه الحالي

توفيق طه

توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، ومعنا هذا الأسبوع: تضارب الأنباء حول ما تعده الولايات المتحدة بشأن العراق، استعداد بعض أقطاب المعارضة العراقية للعب دورٍ مشابه لدور حامد كرزاي في أفغانستان. إيران تصعد من حدة خطابها السياسي ضد الولايات المتحدة بينما تظاهر الملايين احتفالاً بالذكرى الثلاثة والعشرين بانتصار الثورة الإسلامية.

وتطور نوعي في العمليات العسكرية الفلسطينية، وإسرائيل تشدد من حصارها وترفض قبول تحمل عرفات الجزئي للمسؤولية عن سفينة الأسلحة.

أميركا ومحاولة جعل العراق كـ"أفغانستان"

إشارات الإدارة الأميركية تجاه العراق متناقضة، فبينما يدق الرئيس الأميركي طبول الحرب ينفي ذلك وزير خارجيته (كولن باول)، لكن المراقبين يتفقون على أن إدارة (بوش) تريد إيجاد ذريعةٍ ووسيلةٍ لإسقاط النظام العراقي، ومع استبعاد تكرار عاصفة الصحراء التي أخرجت العراق من الكويت قد يكون المدخل عودة المفتشين الدوليين أو الترويج لدعم عراقي للإرهاب أو أي ذريعةٍ تسوِّغ للإدارة الأميركية تنفيذ مآربها.

تقرير/ سمير خضر: يبدو أن الإدارة الأميركية قد حسمت أمرها فيما يتعلق بالعراق، فالسؤال لم يعد إذا كانت واشنطن ستوجه الضربة، بل كيف ومتى، (جورج بوش) الرئيس الأميركي وضع العراق في طليعة ما سماها "دول محور الشر"، وهو بذلك يحاول إكمال ما فشل فيه والده قبل عقدٍ من الزمان، أي الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين الذي يشكل بنظره تهديداً للمنطقة وللعالم من خلال رفضه عودة المفتشين الدوليين عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، ومنذ النجاح الذي حققته في حربها ضد أفغانستان بدأت الإدارة الأميركية باللعب على الوتر العراقي مجدداً من خلال التلويح بالتهديدات العسكرية وإن كانت تظهر أحياناً نوعاً من الحذر في التعامل مع هذا الملف، فالعراق ليس أفغانستان، والنظام العراقي ليس طالبان، وربما لهذا السبب أكدت واشنطن مراراً وعلى لسان مستشارة الأمن القومي (كوندوليزا رايس) بأن (بوش) سيكون حذراً وصبوراً في تعاطيه مع هذه القضية، وقد لا يكون التعامل مع هذا الملف عسكرياً خاصةً إذا استطاعت واشنطن إقناع مجلس الأمن يتبني ما يسمى بـ "العقوبات الذكية"، وإذا ما وافق العراق على صيغةٍ ما تضمن عودة المفتشين الدوليين، وحتى لو اختارت واشنطن الجسم العسكري فإن مسألة إيجاد حلفاء يبقى أمراً غير محسوم، فنائب الرئيس (ديك تشيني) ألمح مؤخراً إلى أن هذه القضية قد لا تؤرِّق كثيراً صانع القرار الأميركي وخاصةً مع تعاظم الانتقادات الدولية لرغبة الولايات المتحدة بضرب العراق، لكنه بالتأكيد لن يستطيع الإطاحة بالنظام العراقي لوحده خاصةً وأن التقديرات الأولية تشير إلى ضرورة توفُّر نحو مائتي ألف جندي لتنفيذ هذا المخطط، الفرنسيون والروس يبدون امتعاضاً كبيراً من هذا التوجه رغم معرفتهم المسبقة بأن المارد الأميركي لم يعد يبالي بمثل هذه الاعتراضات، لكن باريس وموسكو تأملان على الأقل في موافقة بغداد على عودة المفتشين الدوليين مما يجعل من الصعب على واشنطن تبرير شن هجوم، وإذا كان هدف واشنطن إسقاط النظام العراقي فإن البديل لم يتوفر بعد رغم أن واشنطن أعدت قائمة بأسماء بعض زعماء المعارضة الذين قد يشكلون بنظرها بديلاً على النمط الأفغاني، لكن طبيعة العراق تجعل من الصعب العثور على (كرزاي) عراقي، كما أن الاستحقاق الداخلي قد يكون العامل الحاسم في أي تحرك بهذا الاتجاه، ففي الخريف القادم ستشهد الولايات المتحدة انتخابات الكونجرس، وقد يشعر الرئيس (بوش) بالرغبة في تعزيز صورته كقائد حرب، الأمر الذي سيدفع بالديمقراطيين إلى عدم تأييده في حرب ضد العراق قد تكون نتيجتها خسارتهم في الانتخابات.

توفيق طه: ولمعرفة رؤية أقطاب المعارضة العراقية للسيناريوهات الأميركية المحتملة تجاه بلادهم تحدثت عبر الهاتف إلى اللواء وفيق السامرائي (مدير مركز الدراسات الاستراتيجية لشؤون الخليج)، وسألته أولاً: إن كان يقبل بأن يلعب في العراق الدور الذي لعبه كرزاي في أفغانستان؟

اللواء/ وفيق السامرائي: طبعاً لأ، الحقيقة هي العراق ورئيس العراق تختلف عن الوضع في أفغانستان، وضع الجيش العراقي يختلف كلياً، وضع الشعب العراقي يختلف كلياً، كل شيء مختلف عن أفغانستان، أنا لا يسرني أن أكون أو أن ادخل إلى الحكم في العراق أو أن أصل إلى الحكم في العراق بتلك الطريقة التي وصل فيها أقطاب الحكم في أفغانستان.

توفيق طه: نعم، إذاً يعني تريد أن تقول إن السيناريو الأفغاني لا يمكن أن ينطبق على العراق، ما هي السيناريوهات الأخرى المحتملة أيضاً؟

اللواء/ وفيق السامرائي: نقرأ في الصحافة الغربية بأن هنالك خططاً للقيام بهجوم عسكري واسع النطاق على العراق من اتجاه الجنوب والشمال، وأنا شخصياً أستبعد هذه السيناريوهات كلياً، وأعتقد إنها مجرد تسريب للمعلومات، تسريب موجه متعمد لغرض الحرب النفسية، ولغرض التشويش، ولغرض الخدع الاستراتيجي.. الخداع الاستراتيجي، أما السيناريو الأكثر قرباً إلى الواقع وهو القيام بحركة انقلابية داخل العراق في القوات المسلحة في بغداد خصوصاً، ومثل هذه الحركة ربما تحتاج إلى عمليات تمهيدية والعمليات التمهيدية قد تكون عمليات قصف لأهداف منتخبة منتقاة.

توفيق طه: نعم، يعني هل الوضع في الجيش العراقي مهيأ لحركة انقلابية من هذا النوع؟

اللواء وفيق السامرائي: أنا لا أعتقد إن العراقيين.. كل العراقيين، لا أعتقد أحد منهم مع النظام حقيقة وصميمياً ولا أعتقد إن قادة القوات المسلحة ملتصقين فعلاً بالنظام عندما يجدون فرصة للخلاص وعندما يجدون توجهات إيجابية تستهدف تخليص العراق، تخليص المنطقة من النظام، وليس تدمير العراق وتدمير المنشآت الحيوية، هؤلاء القادة نعم يخضعون لمراقبة شديدة، ولكن عندما تكون عمليات عسكرية، وهذا ليس مقترحاً مني، ولكن هذه قراءة للتصورات المحتلمة عندما تكون هناك عمليات قصف كثيف ربما يتحرك القادة بتنسيق مع الغرب، أو بدون الغرب أو مع لبعض الدول العربية المجاورة.

توفيق طه: هل ترى أن هناك احتمال لأن يقدم العراق على قطع الطريق على هجوم أميركي من هذا القبيل من خلال القبول بصيغة ما لعودة المفتشين؟

اللواء/ وفيق السامرائي: المشكلة هي ليست أن يقبل أولاً يقبل، أنا أرجح قبول النظام في العراق بعودة المفتشين، وهنالك توجه جدي حقيقي للأخذ بهذا المفهوم، أي ليعاد القبول بعودة المفتشين. لكن المشكلة هو كيف يعود المفتشون في أية صيغة في أية حالة؟ الغرب يريد أن يعود المفتشون بمهماتهم الاقتحامية، أي أن يتحركوا ويقومون بعمليات التفتيش في المكان والزمان والحالة التي هم يرونها، أما بغداد أما النظام في العراق فيريد عمليات التفتيش مقيدة. إذن الاختلاف، فسحة الاختلاف، مسافة الاختلاف بين الطرفين لازالت شاسعة جداً.

توفيق طه: نعم، إذن في رأيك أن ما يريده الأميركيون فعلاً هو عودة المفتشين وليس الإطاحة بصدام كهدف نهائي؟

اللواء/ وفيق السامرائي: أنا أعتقد أنهم يرغبون فعلاً بالإطاحة بصدام حسين، ولكن.. ويتخذون من عودة المفتشين سبباً أو ذريعةً أساسية أو مبرراً لتنفيذ هذه الخطط، لكن سوءاً كان الحاكم صدام حسين أو كان غيره بالنتيجة يريدون تجريد العراق فعلاً من أسلحة الدمار الشامل، وإذا وافق النظام –كما قلت- على عودة المفتشين فسوف تهدأ الحالة، لكن تعود وتتجدد خطورتها مرة أخرى.

توفيق طه: يعني المشكلة حتى الآن -كما يقول كثير من المراقبين- في عدم الإطاحة بالنظام الحالي في.. في بغداد هذه أنه لا يوجد بديل مضمون وقادر على المحافظة على وحدة العراق. هل ترى أن السيناريو الذي تطرحه يوجد قيادة بديلة قادرة على أن تحل محل صدام حسين؟

اللواء/ وفيق السامرائي: إذا أراد الغرب أن يرتكب خطأ فادحاً فعليه أن يفكر كيف يوجد قيادة للعراق من خارج العراق، من العراقيين من الخارج، فمثل هذه القيادة في مثل هذه الظروف، في مثل أوضاع العراق ستسبب في كارثة حقيقية في العراق، وستؤدي إلى التفاف القادة أيضاً حول صدام حسين وحول نظام صدام حسين، لأن ما مصلحة فيلق أو محافظ في مكان معين أن يتعاون مع حكومة مؤقتة أو قيادة مفروضة من الخارج، إذن الذين يستطيعون السيطرة على الوضع الأمني هم القيادة الحقيقية للعراق بعد صدام حسين.

تصاعد حدة الخطاب الرسمي الإيراني ضد أميركا

توفيق طه: في إيران كان خطاب الرئيس خاتمي إلى المواطنين الإيرانيين نعياً لأي محاولات انفتاح على الولايات المتحدة الأميركية، فبعد إهانة إيران وتصنيفها دولة شريرة، توعد الرئيس الأميركي بتطبيق السيناريو الأفغاني على حكومة طهران، وهو ما يصعب تصوره نظراً لاختلاف موازين القوى بين إيران وأفغانستان، وما يزيد إيران قوة موقعها الاستراتيجي وقدرتها على تعطيل حركة النفط عبر مضيق هرمز.

تقرير/ حسن إبراهيم: تمر إيرانُ الثورة بفترةٍ عصيبة للغاية، فرغم المظاهرات المليونية التي خرجت تحتفل بعيد الثورة الثالث والعشرين، ساد الجماهير إحساسٌ بالغضب والرغبة في التحدي، ولعل أكثر الغاضبين كان الرئيس محمد خاتمي الذي يعلم أن التيار الإصلاحي كان الأكثر خسارة بسبب تصريحات محور الشر التي أتت في خطابات الرئيس بوش، والتي أتبعها بتهديد إيران، فالتيارُ الإصلاحي الإيراني يحاول منذ منتصف التسعينات التوصل إلى معادلةٍ تحوِّل اهتمام الجمهورية الإسلامية إلى بناء الدولة الحديثة بدلاً من الانكفاء على شعارات الثورة التي أسقطت الشاه في الحادي عشر من فبراير عام 79، لكن المحافظين في إيران رغم تدني حظوظهم الانتخابية في وجه الشعبية الجريفة للرئيس الجارفة يملكون الكثير من النفوذ، فالقضاء في إيران مستقل ويتبع للمرشد الأعلى (آية الله على خامنئي) والحكومة التنفيذية والبرلمان منتخبان لكن مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يشرف على الأداء الحكومي والبرلماني يسيطر عليه المحافظون وهو غير مسؤول أمام أحد إلا مرشد الجمهورية الإسلامية كذلك، ووصل الصراع بين التيارين إلى ساحات المحاكم حيث اعتقل المحافظون الصحفيين والناشطين وحتى عمدة طهران السابق وكثيرين من مؤيدي التيار الإصلاحي، لكن الشعب انتخب خاتمي مرتين وبأغلبية جارفة أملاً في تحقيق انفتاح إيراني على العالم والوصول بجمهورية الثورة إلى الدولة الجمهورية، وربما اعتبر المحافظون العداء الأميركي دليلاً على صحة مواقفهم الرافضة لأي تقارب مع "الشيطان الأكبر" كما سمى الإمام الخوميني الولايات المتحدة.

لكن إيران بكل مشاكلها وصراعاتها الداخلية تعلم أنها تمسك بمفاتيح النفط الخليجي، فمضيق هرمز يمكن السيطرة عليه وإغلاقه في وجه الملاحة النفطية الخليجية، وهو ما يمكن أن يشعل حرباً في العالم بأجمعه، ويمكن لإيران إن استهدفها القصف الأميركي أن تهدم المعبد بما فيه ومن فيه، وقد هددت بضرب آبار النفط في الدول الخليجية باعتبارها نقاط مصالح أميركية، فإيران لن تكون نزهةً أفغانية ولا حرب مغارات وكهوف، فهي بلد شديد الأهمية وتتقاطع فيه وحوله كثير من المشاريع الهامة في المنطقة ويجاور العراق الذي تقرع الولايات المتحدة طبول الحرب ضده.

وليس المشكل الكردي بعيداً عن محابيه الأمن الاستراتيجي هناك آسيا الوسطى وأفغانستان بكل تعقيداتها العقائدية والدينية والنفطية، فهل ترى تحاول واشنطن ضرب إيران، أليس من المحتمل أن تشعل حريقاً إيرانياً قد يصعب إطفاءه؟

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع معكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها: هل ينتمي الرئيس الفنزولي إلى جيل ماضي؟ و هل تشبع الشعارات جيوش الجائعين؟

[فاصل إعلاني]

تطور آليات العمل العسكري الفلسطيني والذعر الإسرائيلي

تنقل الفلسطينيين بين الدبابات الإسرائيلية

توفيق طه: أهلاً بكم من جديدة، تطور آليات العمل العسكري الفلسطيني يشيع جواً من الذعر في إسرائيل، وبينما تستمر سياسة إسرائيل التي فجرت العنف في المقام الأول يحاول الرئيس عرفات وبعض الوزراء الأوروبيين السيطرة على الموقف، لكن هيهات أن تنتهي العمليات العسكرية الفلسطينية ما لم تغير الحكومة الإسرائيلية نهجها ولم يستطيع (آرييل شارون) ذو التاريخ المضرج بالدماء إلا أن يمعن في القتل.

تقرير/ سمير خضر: المركبة 3 هذه الدبابة التي طالما تغنت بها وبكفاءتها الصناعة العسكرية الإسرائيلية فقدت فجأة بريقها، ليس في ساحة الحرب بين جيشين، بل في مواجهة مقاتلين لا يملكون من العتاد العسكري غير وسائل أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها بدائية، فقد هوت المركبة إلى الهاوية بعد أن تمكن الفلسطينيون من مهاجمتها عبر تفجير عبوة ناسفة لا يزيد وزنها عن مائة كيلو جرام، التكتيك الذي استخدم في الهجوم أصبح مصدر قلق لهيئة الأركان الإسرائيلية فهو يشبه إلى حد كبير الأسلوب الذي اتبعه حزب الله اللبناني، ويزداد هذا التشابه حدة عندما بدأ الفلسطينيون الاستقبال صواريخ "أرض- أرض" من طراز قسام 2 وهي وإن كانت بدائية الصنع، لكن تأثيرها النفسي والمعنوي أكبر بكثير من تأثيرها المضمون على عكس الغارات التي تشنها طائرات 6F 1 ومروحيات الأباتشي الإسرائيلية على المواقع الفلسطينية والتي تنشر الرعب والموت والدمار، أسلوب الانتفاضة تغير إذن، ولم يعد الحجر هو سلاح الفلسطيني، وكذلك تغير أسلوب المواجهة السياسية، فالحوار اختفى أو على الأقل لم يعد بتلك الأهمية التي عرفها منذ عهد أوسلو خاصة بعد قرار الإدارة الأميركية مساندة (شارون) في حربه دون الوصول إلى حد القطعية التي يريدها شارون بين واشنطن والسلطة الفلسطينية، وبعد أن فقدت القيادة الفلسطينية الأمل في تغيير النهج الأميركي إزاء الأحداث الدائرة بدأت تراهن على الحصان الأوروبي إذ رغم معرفتها التامة بأن مفاتيح الحل لن تخرج من أيدي صانعي القرار الأميركي، بدأت القيادة الفلسطينية باللعب على وتر الحساسية بين الأوروبيين والولايات المتحدة، صحيح أن الأوروبيين يتبنون الكثير من المواقف الأميركية فيما يتعلق بطبيعة الصراع القائم وشكل الحل المطلوب، لكن الاختلاف يكمن في الأسلوب وفي النهج المطلوب للوصول إلى الهدف، وحتى هذا الاختلاف لا يساعد الفلسطينيين كثيراً في كسب الرأي العام العالمي، فأوروبا ليست واحدة والآراء فيها متعددة وتتراوح بين الدعم البريطاني لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وبين الموقف الفرنسي الذي يرى بأن شروط إسرائيل للعودة إلى المفاوضات مبالغ فيها، ومثل هذه الخلافات تجعل من الصعب وحتى من المستحيل التوصل إلى ما يمكن تسميته بمبادرة أوروبية لحل الصراع بين الطرفين.

الوضع السائد الآن سيبقى على ما هو عليه طالما بقيت حكومة شارون في السلطة، خاصة وأن أغلبية الإسرائيليين عبرت عن رضاها عن أداء هذه الحكومة، لكن شرارة التمرد بدأت بالظهور في إسرائيل، وبدأ ما يسمى بمعسكر السلام يخرج من سبابته العميق -وإن كان على استحياء- لكنه بالتأكيد لن يستطيع تغيير عقلية وأيديولوجية كانت ولا تزال هي التي تسيِّر صانع القرار في إسرائيل.

باكستان واستجابة أميركا لمطالبها

توفيق طه: كان الجنرال (برويز مشرف) يحسب أنه سيجني ثمار تعاونه مع واشنطن مشروع ماريشال جديداً إلا أن الاستجابة أتت دون توقعاته، فواشنطن لها حساباتها الأخرى، إذ تعتبر الهند دولة مهمة، خاصة في ظل تعاونها النووي مع إسرائيل ومشروع باكستان النووي تعليق واشنطن التي تخشى أن يخلف مشرف نظاماً أصولي يخلط جميع الأوراق، لذا فقد عاملت مشرف بكثير من الترحاب الحذر وقطَّرت في المساعدات المالية المتوقعة.

تقرير/ حسن إبراهيم: بوش ومشرف يتفقان على الاستمرار في محاربة الإرهاب ووعود أميركية أتت دون تطلعات الجنرال ذي الثياب المدنية ورغم أن أول من التقى مشرف كان رئيس صندوق النقد الدولي (هورتس كولا)لم تكن هناك وعود كثيرة بمبالغ تساوي مدى التحول الذي حدث في النظام الباكستاني، فباكستان تخلت -ولو مؤقتاً- عن تطلعاتها الإقليمية في أفغانستان وارتضت التعايش مع الحكومة المؤقتة في كابول، وتبدو مستعدة لنوع من التفاهم حول كشمير، ولا شك في أن واشنطن فتحت ذارعيها ترحيباً بالجنرال الحليف، وصمتت الأصوات التي كانت تشكك في شرعيته، كونه انقلب على النظام المنتخب ديمقراطياً، فالحادي عشر من سبتمبر يجُبُّ ما قبله، إلا أن كثيرين من الإدارة الأميركية يعتقدون أن بعض المتنفذين في المخابرات والقوات المسلحة الباكستانية قادرون على تخطي الرئيس مشرف، وقد يشكل هؤلاء خطراً على المخططات الأميركية في اعتقال أو تصفية زعماء القاعدة وطالبان، ورغم الإجماع في واشنطن على أهمية مشرف في المخططات الأميركية في جنوب ووسط آسيا، لم لن تحتكر باكستان الاهتمام الأميركي، في فالهند الجارة اللدود لباكستان أضحت دولة هامة للغاية بالنسبة للولايات المتحدة وعلى أكثر من صعيد، وبالتالي لا يجب أن تتوقع باكستان انحيازاً أميركياً إلى جانبها، خاصة في موضوع كشمير، إلا أن الولايات المتحدة تخشى من التصعيد النووي بين الدولتين، فكلاهما تمتلكان أسلحة نووية والصواريخ اللازمة لإيصالها إلى أهدافها، ولكن البلدين تعانيان من فقر مدقع ومشاكل ضخمة تنموية واقتصادية.

باكستان بالإضافة إلى طلباتها المتعددة وتحدياتها الحدودية لها دين على واشنطن تريد استيفاءه يتمثل في صفقة الطائرات المقاتلة من طراز F16 دفعت باكستان ثمنها منذ الثمانينات وترفض الولايات المتحدة الإفراج عنها بسبب برنامج باكستان النووي ولا شك أن باكستان ستطلب عوناً أميركياً لمقابلة أعباء تواجد ملايين الأفغان اللاجئين على أراضيها، وستطلب كذلك دعماً وأسلحة لزيادة كفاءة حرس الحدود الباكستاني، زيارة بالغة الأهمية والتعقيد لكن واشنطن عاصمة تتعامل بمنطق حسابات الحرب وانتزاع المكتسبات الحقيقة منها أمراً صعب للغاية.

الرئيس الفنزويلي بين شعارات الماضي وفقر شعبه الحالي

توفيق طه: وأخيراً إلى فنزويلا حيث تعبر الجماهير الغاضبة عن خيبة أملها في الرئيس أو غش (هوبو شافيز) بعد أن حملته على الأعناق عند انتخابه عام 99، فرغم الشعارات الثورية التي يوزعها الرجل يمنية ويسرى لم يلفح في تحقيق وعوده لفقراء بلاده، ولما لم تعد الشعارات الرنانة تدغدغ أحاسيس الجماهير فقد أصبح الإنجاز على أرض الواقع هو الفيصل.

تقرير/ جيهان اليعقوبي: أثار الرئيس الفنزويلي (هوبو شافيز) الكثير من الجدل حول فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 98، وظن المراقبون أن الجدل سيخف بمرور الأيام، ولكن توقعاتهم.. لم تصب هذه المرة فالرئيس (شافيز) مازال قادراً على إثارة الزوابع من حوله مع فارق أن الأمور قبل الحادي عشر من سبتمبر لم تعد كما هي بعده، فإذا كانت واشنطن قد غضت الطرف خلال السنوات الثلاث السابقة إزاء تصريحاته النارية وزيارته لبغداد للالتقاء بالرئيس العراقي وبيع النفط لكوبا بأسعار مخفضة والتعامل بشكل ودي مع المليشيات اليسارية في كولومبيا فإن هذه المرة زمجرت في وجهه واستدعت السفيرة الأميركية في (كاراكاس)، وبدأ كبار المسؤولين في واشنطن من (كولن باول) إلى (جورج تينيت) في توجيه انتقادات علنية لأداء الرئيس الفنزويلي سبب الغضب الأميركي هو تصريحات (شافيز) حول الحملة الأميركية في أفغانستان والتي قال عنها أنه لا يمكن مكافحة الإرهاب بمزيد من الإرهاب، ولكن رياح (شافيز) جرت هذه المرة بما لا تشتهيه سفنه، إذ ترافق الغضب الأميركي مع غضب الشارع الذي أشارت استطلاعات الرأي إلى تدني حاد لديه في شعبية (شافيز) وبدأت دائرة الانتقاد تتصاعد ضد لتشمل رجال أعمال المعارضين ورجال الكنيسة الكاثولويكية ووسائل الأعلام (شافيز) لا يهتم كثيراً بالإعلاميين وقادة الكنيسة، ولكنه ينبغي عليه هذه المرة أن يهتم للاستماع إلى نبض الشارع الذي ينذر بالتحول ضده في موجة أقرب إلى السيناريو الأرجنتيني الذي أطاح فيه الشعب الغاضب بثلاث رؤساء خلال شهرين، فقد انهارت شعبية (شافيز) في الشهور الأخيرة بسبب فشله في تحقيق وعوده الانتخابية في محاربة الفقر وتحسين الأوضاع الاقتصادية واندلعت المظاهرات التي أعرب فيها المتظاهرون عن تخوفهم من تعرض عملتهم الوطنية لمزيد من التدهور كما تقوم بعض الأحزاب السياسية بجمع توقيعه من أجل إجراء استفتاء بشأن بقاء (شافيز) في السلطة حتى عام 2007م، المعارضة تتهم (شافيز) بأنه يريد تحويل البلاد التي تعتبر رابع أكبر منتج لنفط في العالم إلى كوبا تانية تحكم عن طريق سلطات شمولية.

ربما يكون (شافيز) قد أخطأ الحساب فالمزاج العام لم يعد يطرب كثيراً لسماع الشعارات ويفضل عليها وجوه جديدة تتكلم عن الاقتصاد أكثر مما تتغنى بالشعارات الثورية.

توفيق طه: بهذا نأتي مشاهدينا الكرام إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود -إن شاء الله- في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه، يستودعكم الله.