مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

23/11/2002

- العراق وأسلحة الدمار الشامل في ظل التربص الأميركي
- فوز عمرام متسناع برئاسة حزب العمل الإسرائيلي

- الجولة الثانية من مفاوضات ماشاكوس بين التفاؤل والتشاؤم

- انعكاسات قمة براغ على حلف الأطلسي وروسيا

- باكستان وبداية تجربة ديمقراطية يديرها برويز مشرف

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:

العراق مسلح بأسلحة دمار شامل رغم أنفه، هكذا يقول الرئيس الأميركي.

حزب العمل الإسرائيلي يقرر أن حمائمه أفضل من صقوره، ويختار (متسناع) زعيماً له.

وأوروبا الشرقية في حضن الحلف الأطلسي نقطة تحول قلبت ظهر المجن لموسكو.

العراق وأسلحة الدمار الشامل في ظل التربص الأميركي

شاء أم أبى لديه أسلحة دمار شامل، ولا مجال أمام صدام حسين لإنكار أو نفي ذلك، هذا هو فحوى ما يقوله الرئيس الأميركي (جورج بوش)، إذاً بينما يصر العراقيون على خلو بلدهم من تلك الأسلحة، ويصر الأميركيون على عكس ذلك تصبح المواجهة مسألة وقت محتمة، وفي ظل هذا الوضع لابد من الاستنتاج أن عملية التفتيش أصبحت إجراءً شكلياً أُرغمت واشنطن على قبوله بسبب المعارضة الشديدة لشن حرب على العراق، فتصريحات (هانز بليكس) رئيس لجنة الأنموفيك وزميله محمد البرادعي (مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية) حول نتائج محادثاتهما الإيجابية في بغداد لم تثنِ الرئيس الأميركي عن عزمه على مهاجمة العراق، رضيت الأمم المتحدة أم لا، ولن يشفع للعراق والعراقيين حتى ما يصدر عن بغداد من إيماءات على بداية تحول على الجبهة الداخلية من مفاتحات مع المعارضة وعفو هنا وإغلاق صحيفة نافذة هناك.

ناجي صبري متوسطا رئيس لجنة المفتشين الدوليين بالعراق هانز بليكس وكوفي أنان
تقرير/ حسن إبراهيم: بنبرات حازمة لم تبدو مفعمة بالتفاؤل، لكنها لم تكن متشائمة كذلك، أعلن هانز بليكس أنه أحرز بعض التقدم في مفاوضاته التمهيدية مع العراق للبدء في تطبيق بنود القرار 1441، فحسب الجدول الزمني للقرار لن يبدأ المفتشون الدوليون عمليات التفتيش على المواقع المشتبه في احتوائها أسلحة دمار شامل في الثالث والعشرين من ديسمبر إلا بعد أن يقدم العراق بياناً ببرامج أسلحته بحلول الثامن من الشهر القادم، لكن في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر وسياسة العصا الغليظة التي تتبعها واشنطن، فإن المحرك الحقيقي للأحداث يبدو البيت الأبيض أكثر من مجلس الأمن الدولي، والرئيس الأميركي جورج بوش أكثر من هانز بليكس (رئيس لجنة أنموفك) أو محمد البرادعي (مدير وكالة الطاقة الذرية)، وهذا الوضع سيزيد من الضغوط على المفتشين إضافةً إلى الصعوبات الفنية في عملية التفتيش ذاتها، ورغم تصريحات الرئيس الأميركي في العاصمة التشيكية براغ، وحديثه عن تشاورٍ مع الحلفاء، فإن سعيه هناك لحشد التأييد لموقفه من العراق يجعل من عملية التفتيش إجراءً شكلياً خاصةً وأن واشنطن لم تتخلَّ حتى الآن عن طموحها لتنحية الرئيس العراقي ونظام حكمه، ولعل أوضح دليل على ذلك ما قاله الرئيس الأميركي بأن التقرير المتوقع من العراق في الثامن من ديسمبر سيكون مرفوضاً لو أعلن عدم وجود أسلحة دمار شامل، ولا مناص من اعتراف السلطات العراقية بوجود برامج تسلح كانت تخفيها في الماضي، فإذا كان العراق مسلحاً بأسلحة دمار شامل رغم أنفه وهو ينفي ذلك، لابد وأن يكون في هذا تصادم سيفضي إلى حرب لا محالة.

وفي ظل هذه المخاطر والتهديدات بدأ العراق يشهد تحركات وخطوات من نوع آخر يعتقد البعض أنها أتت متأخرة بعض الشيء من قبيل ذلك التصريحات التصالحية التي ما انفكت وسائل الإعلام العراقية تطلقها تجاه المعارضين العراقيين عارضة عليهم العفو العام داعيةً لفتح صفحة جديدة لبناء عراق المستقبل، ثم بعض الإجراءات التي وصفتها الجهات المختلفة بأنها مسرحية كإغلاق صحيفة "بابل" التي يملكها عُدي النجل الأكبر للرئيس العراقي بحجة نشرها أخباراً ضد السياسة العامة للدولة، لكن والمفتشون الدوليون يستعدون لمراقبة مئات المواقع داخل العراق، لا يمكن تجاهل أن هذا البلد العريق قد أنهكه الحصار الذي استمر منذ غزوه الكويت عام 90.

القرار الدولي يضم شروطاً صارمة من قبيل البند الذي يعطي المفتشين الدوليين حق استجواب أي شخص يرونه مرتبطاً بمشاريع التسلح العراقية، ويمكن أن يجرى الاستجواب خارج العراق، وقد أجاز مجلس الشيوخ الأميركي اقتراحاً بمنح العلماء العراقيين حق الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة، وهو يخدم غرضين، أولهما: معرفة معلومات دقيقة عن برامج التسلح من القائمين عليها، والثاني: إفراغ العراق من علماء يمكنهم إعادة بناء ما تدمره الأسرة الدولية، العراق في مفترق طرق لاشك في ذلك، لكن التحدي هو نزع فتيل الأزمة رغم التربص الأميركي.

فوز عمرام متسناع برئاسة حزب العمل الإسرائيلي

جميل عازر: لا يفتقر (عمرام متسناع) زعيم حزب العمل الإسرائيلي الجديد إلى مؤهلات لقيادة هذه الشريحة من المعترك السياسي في إسرائيل، فلديه من النياشين والميداليات ما يكفيه لإثبات أنه من خريجي السلك العسكري بامتياز وأنه ملم تماماً بكيفية التعامل مع الفلسطينيين وجيران إسرائيل الآخرين، وتصريحات هذا العسكري المسالم ظاهرياً بأنه على استعداد للتفاوض مع القيادة الفلسطينية أياً كانت، وتفكيك المستوطنات وغير ذلك من إيماءات.. إيماءات مهادنة إنما تعكس ما كان يضمره من جفاء لقائده العسكري السابق (أرييل شارون)، وكونه رئيساً لبلدية مدينة حيفا بما فيها من عرب ويهود لن يؤثر على الناخب الإسرائيلي كثيراً في ظل العمليات الفدائية والمناخ الاقتصادي المتدهور، فأمام عمرام مهمة عسيرة لإقناع الإسرائيلي بأن حيفا يمكن أن تكون نموذجاً للتعايش.

لقطات متتالية لبن إليعازر وهو يدلي بصوته في انتخابات رئاسة العمل
تقرير/ سمير خضر: (عمرام متسناع) القادم الجديد في حلبة السياسة الإسرائيلية، ثلاثون عاماً قضاها هذا الجنرال في صفوف الجيش يخوض الحروب ويقمع الفلسطينيين في الضفة الغربية التي كان حاكمها العسكري في الثمانينات، وفجأة تغيرت أحواله وأهواؤه، وخلع بَزَّته العسكرية، وانخرط في حزب العمل لينجح في انتزاع رئاسة بلدية حيفا بفضل الأصوات العربية هناك، يقول مناصروه ومؤيدوه إنه حول المدينة إلى نموذج للتعايش السلمي بين العرب واليهود، واليوم يقدم متسناع مشروعه الجديد أن يعمم نموذج حيفا على كل إسرائيل، إسرائيل التي تشهد انعطافاً حاداً نحو التطرف سواء في صفوف الليكود أو اليمين التقليدي أو حتى داخل حزب العمل نفسه، وإلا كيف يمكن تفسير 20 شهراً من تضامن العمل مع الليكود تحت راية أرييل شارون في محاولة كسر الانتفاضة الفلسطينية.

معركة متسناع على رئاسة حزب العمل خلفت آثاراً مدمرة على هذا الحزب الذي خرج منقسماً على نفسه، فتيار (بنيامين بن أليعازر) -أو فؤاد، كما يسميه أصدقاؤه باسمه العراقي- لم يهضم بعد مرارة الهزيمة، ولهذا كان أول نداء يوجهه متسناع إلى كوادر الحزب بعد إعلان فوزه، هو الدعوة إلى وحدة صفوف العمل وتيار السلام من أجل قلب استطلاعات الرأي رأساً على عقب، تلك الاستطلاعات التي تؤكد حتمية انتصار الليكود في الانتخابات المقبلة، وسواء كان اسم المنافس شارون أو (نتنياهو) فإن كليهما يسخر من برنامج متسناع الانتخابي الذي يتضمن تفكيك المستوطنات والانسحاب من قطاع غزة في غضون عام واحد والبدء بمفاوضات مع القيادة الفلسطينية أياً كانت بهدف الوصول إلى فصل كامل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فمثل هذا البرنامج يثير سخط اليمين بقدر ما يثير سخط الناخب الإسرائيلي بوجه عام، وهو يواجه اليوم تصاعداً واضحاً في العمليات الفلسطينية حتى بات الإسرائيلي متطرفاً كان أم معتدلاً يخشى الخروج من بيته للتوجه إلى عمله أو مدرسته.

ومثل هذا الوضع ترك بصمته الواضحة على بنية الاقتصاد الذي يترنح تحت وطأة الضربات المتكررة للعمليات الفدائية، فهذه العمليات تهدف بالطبع إلى نقل الحرب إلى داخل معسكر العدو، لكنها تتضمن أيضاً -عن وعي أو دون وعي- شقاً اقتصادياً بدأت معالمه بالظهور، إذ لا رخاء اقتصادياً ولا ازدهاراً إلا في ظل الاستقرار، ولا استقرار مع استمرار العمليات، ولا وقفاً للعمليات إلا بتسوية يرضى عنها الجميع، والتسوية الوحيدة التي يفهمها شارون ونتنياهو هي تلك التي تمر من بوابة القوة العسكرية، والتسوية التي ينادي بها متسناع تمر من بوابة التفاوض والسلام، وسيتعين بالتالي على الناخب الإسرائيلي الاختيار بين الأسلوبين.

الجولة الثانية من مفاوضات ماشاكوس بين التفاؤل والتشاؤم

جميل عازر: بين التفاؤل والتشاؤم انتهت الجولة الثانية من المفاوضات في مشاكوس بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، وربما يكون التفاؤل قائماً على ما تم من اتفاق على مذكرة تفاهم حتى وإن لم يتجاوز بديهيات في العلاقة بين طرفي النزاع، أما التشاؤم فيقوم أساساً على المقارنة بين نتيجة هذه الجولة ونتيجة مشاكوس الأولى، فهناك ما يبرر اتهام الجانبين بأن اختلافهما على اقتسام الثروة -وهذا ينحصر بالكامل تقريباً في الثروة النفطية التي تكمن منابعها في الجنوب- إنما هو اختلاف على اقتسام غنائم حرب أصبحت ممجوجة دولياً وإقليمياً، أما الاختلاف على اقتسام السلطة والمناصب وعلى الطابع الذي ستتخذه العاصمة السودانية فإنه يصب في تكريس طائفية النزاع.

تقرير/ حسن إبراهيم: مشاكوس تحولت في العقلية الجمعية لفرقاء السياسة السودانيين إلى أكثر من بلدة كينية تُجرى فيها مفاوضات سلام، بل أضحت عند البعض طوق نجاة لبلد مزقته الحروب والمجاعات وعند آخرين منصة انطلاق نحو تحقيق طموحات آن وقت تحقيقها، بل تجد بعض السودانيين يعتبرون مشاكوس بحد ذاتها مطمحاً يتوقون للمشاركة في مفاوضاتها لما يمنحهم ذلك من مصداقية في الخارطة السياسية السودانية، بل والإقليمية والدولية، الاتفاق الذي توصل إليه وفدا الحكومة السودانية بقيادة الدكتور غازي صلاح الدين ووفد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة (سلفاكير) يقضي بتجديد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر على جميع جبهات القتال وتداول السلطة بين الحركة والحكومة مع تعيين زعيم الحركة نائباً لرئيس الجمهورية يقتسم السلطة معه.

لكن الأمر لم يُحسم بعد فيما يخص تفاصيل اقتسام السلطة والثروة، والحركة الشعبية اشتطت في مطالبها -كما يرى طرف الحكومة السودانية- إذ تطالب الحركة بنسبة مشاركة في المناصب القومية العليا بما لا يقل عن 40% مع احتفاظها بحكم جنوب السودان. وأن تكون لها نسبة 85% من نفط الجنوب بحجة أنه يحتاج لعوائد النفط كي يعمر ما دمرته الحرب، وتوسيع حدود جنوب السودان التاريخية لتشمل مناطق في كردفان مثل جبال النوبة وأبيي وجبال الأنجسنا جنوبي النيل الأزرق، وأن تكون عاصمة البلاد مدينة علمانية لا تحكم وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية لكي تمثل جميع السودانيين.

عمر البشير (الرئيس السوداني): ونحنا نعاهد الله -سبحانه وتعالى- أنه لن تكون الخرطوم عاصمة علمانية إلا بعد أن نفنى جميعاً.

حسن إبراهيم: وكما قال الرئيس البشير فإن المؤتمر الوطني الحاكم يرفض رفضاً قاطعاً مبدأ علمنة الدولة ولو استمر القتال إلى ما لا نهاية، تصلب آراء الطرفين يضع الأطراف القومية والإقليمية والدولية في حرج كبير، فمن ناحية أضحى إنهاء الحرب التي تدور على مختلف الجبهات مطلباً دولياً لما يتكبده أهل السودان من موت جماعي سواءً كان بالرصاص أو بالجوع الطاحن أو بالأمراض التي تفتك بالكثيرين في بلد تفاقم فيه الفقر ليصل حدود الكارثة، حسب التقديرات الدولية. ومن ناحية أخرى لجميع الأطراف الوسيطة في المشكل السوداني مصلحة مباشرة آنية أو مستقبلية في إنهاء الصراع، دول الجوار بسبب أمنها القومي، فأوغندا تريد القضاء على جيش الرب، وإريتريا تريد القضاء على المعارضة الإريترية ومصر بسبب أمنها المائي، والولايات المتحدة بسبب مشروعها الكبير الذي يمتد من مناطق إنتاج النفط في جنوب السودان وحتى البحر الأحمر شرقاً.

إذن فأين المعضلة؟ يتهم معظم المراقبين انفراد التيار الإسلامي الممثل في المؤتمر الوطني بالسلطة وإقصاءه للمعارضة من الأحزاب الشمالية في التجمع الوطني الديمقراطي إلى المعارضة الإسلامية مثل حزب المؤتمر الشعبي الوطني بقيادة الدكتور حسن الترابي وحزب الأمة القومي بقيادة السيد الصادق المهدي، ولو استمرت مشاكوس إلى ما لا نهاية، فإن التحدي الرئيس هو تخطي إشكالية الدين والدولة التي يعتبرها الطرفان فرقاناً ما بين الحرب والسلام.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها أيضاً بعد فاصل:

باكستان وبداية تجربة ديمقراطية يديرها الجنرال برفيز مشرف.

[فاصل إعلاني]

انعكاسات قمة براغ على حلف الأطلسي وروسيا

جميل عازر: وإلى براج حيث عاد حلف شمالي الأطلسي ليدق عبر تشيكيا على بوابات روسيا جنوبيها وغربيها بقبول سبع دول أخرى مما كانت دولاً شيوعية تدور في فلك الاتحاد السوفيتي البائد، وفي هذا دلالة على أن روسيا وريثة ذلك الاتحاد أصبحت أمام أمر واقع ليس في يدها ما يمكن أن تؤثر فيه من قريب أو بعيد، أما الآن وقد أُحكم الطوق فإن في صفوف الحلف الموسع أكثر من هاجس ليس فيما يتعلق بنوايا موسكو وهي تتفرج على الزحف الأطلسي نحوها، بل بشأن ما تراه بعض الدول الأعضاء هيمنة أميركية على الحلف وهو ما يتعارض مع طموح أوروبا إلى أن تمسك بزمام تأمين أمنها بنفسها.

تقرير/ سمير خضر: شهدت العاصمة التشيكية براج عام 91 القمة التي أصدرت شهادة وفاة حلف وارسو وشهدت خلال الأسبوع القمة التي حققت أحلام حلف الأطلسي بالإعلان عن توسيع رقعة عضويته لتصل إلى حدود روسيا من دون طلقة واحدة، ويبقى التساؤل مطروحاً: لماذا يتسابق الجميع على طلب ود الناتو؟ فإذا كانت هناك خلاصة خرجت بها قمة براج فهي مدى هيمنة ونفوذ الولايات المتحدة الأميركية داخل هذا الحلف الذي أنشئ ليكون الدرع الواقي لأوروبا أمام المد السوفيتي في حقبة الحرب الباردة.

لكن هذه الحرب انتهت منذ عقد من الزمان ظل خلالها حلف الأطلسي يبحث لنفسه عن هوية وعن مبرر للبقاء مع غياب أي قوة عسكرية قادرة على مواجهته بعد زوال خصمه الذي كان يسمى حلف وارسو. وجاء هذا المبرر في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ليتحول الناتو إلى حلف للدفاع عن أميركا تحت مسمى الحرب على الإرهاب، وليكرس جورج بوش زعيماً أوحد للحلف.

الهوة أصبحت واسعة اليوم بين قطبي الناتو أميركا وأوروبا سياسياً وعسكرياً، فعلى الصعيد العسكري تنفق واشنطن ضعفي ما تنفقه أي دولة عضو، ولذلك تطلب الولايات المتحدة من الدول الأعضاء مضاعفة النفقات العسكرية، وعلى الصعيد السياسي ترفض العديد من الدول الرؤية الأميركية لدور الحلف في التدخل في الصراعات والنزاعات الدولية، وخاصة فيما يتعلق بالعراق وبرغبة واشنطن في مشاركة الحلف في أي حملة عسكرية قد تشنها ضد هذا البلد، ولم يخفِ عدد من الدول الأوروبية -مثل فرنسا وألمانيا- امتعاضه من محاولة واشنطن فرض أجندتها على الحلف، وتحويله ليكون الذراع الضارب للسياسة الأميركية، لكن دولاً أخرى لا تتفق مع هذا التحليل، -مثل إيطاليا وبريطانيا- فهي ترى أن الناتو كان على الدوام حلفاً أميركياً قبل كل شيء، وعلى هذا الأساس فإن قيادة الولايات المتحدة للحلف تبقى حجر الأساس في سياسته، بل ومبرر وجوه، ولا أدل على ذلك من الجهود التي يبذلها جورج بوش لإقناع موسكو بأنها لم تعد العدو، وبأن توسيع عضوية الحلف ليصل إلى حدود روسيا لا يعني بأي شكل تحييد هذا البلد ومحاصرته، (فلاديمير بوتين) من جانبه لا يشعر -بالتأكيد- بالارتياح من رؤية حلفاء روسيا السابقين يتسابقون للانضمام إلى عدو الأمس، ورغم تطمينات بوش وغيره، والتظاهر الروسي بأن العلاقة مع أوروبا قد تغيرت إلى الأفضل فإن من المؤكد أن موسكو أصبحت اليوم في عزلة متزايدة، عزلة جغرافية واستراتيجية وسياسية واقتصادية، وهو وضع يثير ضمنياً قلق الكريملين، إذ لو كانت تطمنيات واشنطن حقيقية، ولم يعد حلف الأطلسي يشكل تهديداً فلماذا إذن يُحظر على روسيا الانضمام إلى الحلف.

جميل عازر: ونتابع هذا التطور، ومعنا من باريس (الصحفي والمعلق السياسي) ياسر الهواري، أستاذ ياسر، بداية قمة براج وُصفت بأنها نقطة تحول تاريخي، هل هي بهذا القدر من الأهمية؟

ياسر الهواري (صحافي ومعلق سياسي): بدون شك هي جاءت ما بين نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد وعشرين، ولم تستفد من دروس القرن العشرين، ولم ترَ حقائق القرن الواحد والعشرين الذي بدأت فيه، فعندما كان الناتو.. عندما أنشئ في الـ 49 بعد الحرب العالمية وبداية الحرب الباردة ما بين الولايات المتحدة والغرب، والاتحاد السوفيتي، كانوا بحاجة -كما قال (تروملين)- إلى تجمع يحافظ على السلام ويحافظ على حقوق الإنسان وحقوق الدول في الديمقراطية والحرية، ومع الأسف ما شهدناه خلال نهاية القرن العشرين من دروس كانت مخالفة في أكثرها لهذه الحقائق الذي جاءت في ميثاق.. أو في اتفاقية الناتو، والحقائق الذي سيواجهها الناتو في القرن الواحد والعشرين إنه لن يواجه شيطان كبير كما كان الاتحاد السوفيتي، وإنما سيواجه شياطين كثيرة مبعثرة في العالم، ولن تستطيع أي قوة عسكرية أن تواجه هذه القوى الصغيرة المفروزة والموجهة، والمبثوثة في العالم في (Cellule) في خلايا من الإرهابيين أو من الباحثين عن النضال في سبيل حرية وفي سبيل ديمقراطية، هذه الحقائق..

جميل عازر: طيب إذن.. أستاذ.. أستاذ ياسر.

ياسر الهواري: نعم.. نعم.

جميل عازر: يعني هل هذا يدل على أن هناك متغيرات فرضت نفسها على استراتيجيات الحلف الأطلسي؟

ياسر الهواري: بدون شك هذا التجمع الكبير الذي حدث في براج هو كما قال مقولة (ديزرائيلي) في بداية القرن أنه "ليس هناك من صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، وإنما يوجد مصالح"، وهؤلاء الذين تجمعوا في.. في براج ما هم إلا المصالح المشتركة الذي.. التي جمعتهم، وعندما تتفرق هذه المصالح فتعود العدوات من جديد إلى.. إلى.. إلى الخصومة ما بين دولة ودولة، أو بين تجمع وتجمع.. وبدون شك التجمع الأوروبي.. الاتحاد الأوروبي له دور كبير في الساحة الدولية، ومع الأسف، وهنا أتكلم من جانب عربي، أن العالم العربي لم.. لم يستفد من قيام هذا الاتحاد الكبير في أوروبا، إن كان سياسياً أو اقتصادياً، أو فكرياً وتاريخياً في تعاطفه مع المتوسط ومع العالم العربي، فالعالم العربي لم يفهم هذه الحقيقة، ولم يسارع إلى مد يد قوية للتحالف مع هذا الاتحاد الأوروبي. أعود فأقول..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب في تقديرك أستاذ.. أستاذ ياسر، في تقديرك ما هي أهمية الدول الجديدة التي انضمت إلى الحلف الأطلسي، هل هي الأهمية المادية، أم هي أهمية معنوية، أم عبارة عن إكمال الطوق حول روسيا؟

ياسر الهواري: روسيا حالياً بالعكس هي دخلت الاتحاد.. دخلت الناتو منتصرة جداً، وأصبح.. وتعتبر نفسها إحدى القوى البارزة في الناتو، و.. وهو سوف يستفيد أكثر ما يمكن من الناتو سياسياً واقتصادياً وربما عسكرياً مستقبلاً (...) روسيا.

جميل عازر: أنت تشير إلى.. أنت تشير إلى مجلس روسيا والأطلسي في هذا السياق؟

ياسر الهواري: بدون شك.. بدون شك، وإنما هذا الوفاق عندما تتفرق المصالح فسيعودوا إلى نوع من.. من صراع.. صراع بارد، وفي قناعتي أنه لن يدوم.. لن يدوم طويلاً.

جميل عازر: طيب، هناك من الواضح بعض الأطراف في أوروبا على رأسها فرنسا، ثم في الآونة الأخيرة ألمانيا تبدي شيئاً من الامتعاض من الهيمنة الأميركية على الشأن الأوروبي، ففي تقديرك ما مدى يعني الشعور الأوروبي بالانتماء الأوروبي وبأن أميركا ربما تصبح أو تعتبر في سنوات قليلة قادمة دخيلة على هذا المسرح؟

ياسر الهواري: الشعور الفرنسي وبعض الدول الأوروبية تجاه الأطلسي وهيمنة الأطلسي على أوروبا ليست قريبة.. ليست حديثة وإنما بدأت مع بدايات التحرير من.. من، في الحرب العالمية الثانية، فكان (ديجول) هو أحد المعارضين بشكل مبطن في البداية، ثم أعلنه عندما خرج من.. من الأطلسي، وألمانيا عندما استعادت سيادتها بدأت أيضاً في نوع من التململ وظهر ذلك بشكل كبير عندما كان التصويت أو عندما كان الحديث عن ضرب العراق ففرنسا وألمانيا عادا إلى التجمع وهذا التجمع الذي بنى الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأوروبي حالياً في بداية إطلالة كبير على الساحة الدولية وسيكون له دور كبير بدون شك.

جميل عازر: الأستاذ ياسر الهواري في..

ياسر الهواري: أعود بالنسبة.

جميل عازر: نعم، أستاذ ياسر، أدركنا الوقت، وشكراً جزيلاً لك.

باكستان وبداية تجربة ديمقراطية يديرها برويز مشرف

أدى (مير ظفر الله جمالي) رئيس الحكومة الباكستانية الجديدة التي تضم واحداً وعشرين وزيراً اليمين الدستورية أمام الرئيس برفيز مشرف مستهلاً بذلك حقبة أقل ما يقال إنها مليئة بالتوقعات والمخاوف، وإذ تعتبر هذه الخطوة بمثابة إعادة السلطات التنفيذية من الرئيس العسكري إلى إدارة مدنية، وهو ما وعد به مشرف عند استيلائه على السلطة في باكستان قبل ثلاثة أعوام فإنه يحافظ على خط الرجعة مفتوحاً له من خلال عدد من الإجراءات التي لا تحد من سلطاته بل تدعمها، فابتداءً من التعديلات التي أدخلها على الدستور وحتى الاستفتاء على رئاسته خطوات لم تخرج عن كونها وسائل للتأكد من بقائه ممسكاً بزمام السلطة.

برويز مشرف
تقرير/ أسامة راضي: أيام في ظل الدستور عاشتها باكستان خلال أسبوع مضى، فالجنرال برفيز مشرف أدى اليمين الدستورية رئيساً للبلاد لخمسة أعوام سيحاول خلالها إبقاء خيوط المسرح السياسي الباكستاني في يده، كما عادت الحياة النيابية إلى باكستان بعد غياب ثلاثة أعوام، لينتخب البرلمان رئيساً له ورئيساً للحكومة، إلا أن أياً من الخطوات الثلاث لم يتحقق بشكل سلس فاليمين التي أداها مشرف جاءت رغم أنف المعارضة التي طعنت في صحة ونتائج استفتاء وصفته بأنه مهزلة، وهو الاستفتاء الذي أُجري في أبريل الماضي وحصل مشرف بمقتضاه على تفويض بفترة رئاسية جديدة تُغير البَزَّة العسكرية -التي ظهر بها منذ انقلابه العسكري قبل ثلاث سنوات- بأخرى مدنية، كما أن الصلاحيات التي حصل عليها بموجب الدستور الذي عدَّله دون الرجوع إلى الشعب أو نوابه لا تزال محل رفض من جانب القوى السياسية في البلاد باستثناء الرابطة الإسلامية الموالية له، فبموجب الدستور المعدل استحدث مشرف مجلساً للأمن القومي يسيطر عليه العسكريون -وهم موالون له بالطبع- ويشرف على عمل الحكومة التي رأستها الرابطة الموالية له أيضاً وهو وضع يأمل أن يتغلب به على البرلمان الذي يملك كذلك سلطة حله في أي وقت.

الصلاحيات الجديدة التي حصل عليها مشرف والتي تحكم قبضته على السلطة يبدو جلياً أنها جاءت استباقاً لوضع توقعه وتعزز خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي ولم يفز فيها أي حزب بالأغلبية الكافية ليشكل حكومة بمفرده، لكن تقدم الرابطة الإسلامية على غيرها من الأحزاب مكنها بمساعدة أحزاب صغيرة ومنشقين عن حزب الشعب من اختيار رئيس الحكومة التي تبدو أنها ستكون الحلقة الأضعف في منظومة الحكم في باكستان فالحكومة الجديدة لن تمتلك هامش حركة واسعاً إذ ستخضع لمراقبة مجلس الأمن القومي المستحدث من ناحية وستكون من ناحية أخرى عرضة للمساءلة من جانب البرلمان الذي لا تمتلك فيه إلا أغلبية ضئيلة في بلد لا ينقصه أي نوع من المشاكل المزمنة قبليةً كانت أو فساداً أو مشاكل حدودية أو اقتصادية أو أمنية أو حتى طائفية، هذا الوضع لا يبشر إلا بصدامات بين قوى البرلمان ومن أبرزها حزب الشعب والأحزاب الدينية التي تعلن رفضها للصلاحيات التي انتزعها مشرف لنفسه وتنتقد ما تصفه برضوخ مشرف التام لضغوط الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب والذي تدلل عليه بتعديلات أُدخلت على قانون الإرهاب قبل أيام قليلة من انعقاد البرلمان تمنح سلطات الأمن صلاحيات واسعة.

جميل عازر: وبهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة -نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، أو على عنوان البرنامج الإلكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.