مقدم الحلقة:

جميل عازر

ضيف الحلقة:

أحمد القديدي: باحث في شؤون المغرب العربي

تاريخ الحلقة:

27/12/2003

- إعلان ليبيا التخلي عن أسلحة الدمار الشامل
- معمر القذافي.. شخصية الأسبوع

- تداعيات تأجيل القمة المغاربية

- إعلان الاستنفار الأمني في المطارات والمدن الأميركية

- جنون البقر وتأثيره على الاقتصاد الأميركي

- محاولات اغتيال برويز مشرف والبرنامج النووي الباكستاني

- احتمالات فشل رحلة أوروبية إلى المريخ

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى حلقة جديدة من (الملف الأسبوعي) وفيها:

الجماهيرية الليبية العظمى.. استنكاف من أسلحة الدمار الشامل فهل تغيرت الصورة؟ وكيف؟

الاتحاد المغاربي.. تأجيل انعقاد قمة أم إعلان وفاة؟

والتحذيرات الأميركية من هجمات متوقعة.. هواجس أمنية حقيقية أم مآرب سياسية داخلية؟

إعلان ليبيا التخلي عن أسلحة الدمار الشامل

لم يكن غريباً أن يأتي الزعيم الليبي معمر القذافي بمفاجأة من قبيل الإعلان عن أنه لم يعد لديه نية لتطوير أو اقتناء أسلحة دمار شامل، فقائد ثورة الفاتح جاء بأكثر من مفاجأة في الماضي، ولم يكن غريباً أيضاً أن يصفق له الأميركيون والبريطانيون لاتخاذه هذه المبادرة التي طالما سعوا إليها بالتهديد والوعيد وبالحصار والعقوبات، فالزعيم الليبي قادر على قراءة الواقع الجديد عبر المتغيرات الإقليمية والعالمية، وربما يكون قد حصل على مقابل من هذه الصفقة كتوفير حماية أميركية للجماهيرية تغنيها عن امتلاك أسلحة دمار شامل، رغم أن هناك من يعيبون عليه تخليه عن الشعارات الثورية التي طالما تغنىَّ بها.

تقرير/ حسن إبراهيم: دأبت كثير من الدول على التعامل مع ليبيا كدولة استثنائية، بل طالما عوملت القيادة الليبية وكأن المعايير المعتادة في التعامل بين الدول لا تنطبق عليها، وبعد فترة من الصمت النسبي بدا جلياً للعيان أن المفاجآت الليبية لن تنتهي، فمن إعلانات وحدة من جانب واحد مع دول عربية أو إفريقية، أو غزو تشاد أو دفع أضخم التعويضات في تاريخ الطيران لضحايا أسر لوكيربي، يأتي الإعلان عن تخلي ليبيا عن أسلحة الدمار الشامل، وها هي الجماهيرية الليبية الشعبية الاشتراكية، وبعد سنين من النفي القاطع تعترف بأنها كانت تمتلك مشروعاً نووياً، وأنها ستتخلى عنه، وعن مشاريعها لإنتاج الأسلحة الكيماوية والجرثومية، والمفاجأة لا تقف عند حد، فمع الإعلان عنها بُعَيد إلقاء القبض على الرئيس العراقي صدام حسين، اتضح أن القيادة الليبية تتفاوض سراً منذ تسعة أشهر مع بريطانيا وبعلم الولايات المتحدة، وقد يقول البعض: إن الجماهيرية تسعى نحو إعادة تأهيلها في المجتمع الدولي بعد العزلة التي فرضتها عليها واشنطن، لكن يتساءل كثيرون عن سبب الحفاوة غير المسبوقة التي قابل بها البيت الأبيض ورقم 10 داوننج ستريت بالإعلان الليبي؟

وثانياً: عن السبب الذي جعل ليبيا تتفاوض سراً وبدون التنسيق مع حلفائها التقليديين مثل سوريا وإيران؟ البيت الأبيض بالذات يحتاج إلى أي انفراج دولي يمكن أن ينُسب إلى الحرب على الإرهاب، خاصة في زمن انتخابات رئاسية ستجرى بعد حوالي أحد عشر شهراً، ولاشك في أن عقود الاستثمار في النفط الليبي يسيل لها لعاب الشركات الأميركية، والعودة إلى السوق الليبية بقوة حلم أميركي، أما رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير)، فقد سارع إلى إعلان الانفراج في الملف الليبي، وله من الأهداف ما يشابه كثيراً أهداف الرئيس الأميركي، فهل يمكن أن نشاهد في المستقبل القريب معانقة بين الزعيم الليبي معمر القذافي والرئيس (جورج بوش) ورئيس الوزراء توني بلير، خاصة بعد إعلان سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الليبي عن زيارتين يزمع بوش وبلير القيام بهما إلى الجماهيرية، وليبيا بثرواتها النفطية الضخمة تستطيع فعل الكثير، لكنها أيضاً تحتاج إلى الكثير ولكن على الصعيد الإقليمي، لأنها بحاجة أيضاً إلى عمق إقليمي وقومي يسهم في حمايتها، السودان وموريتانيا منفذان إفريقيان، وسوريا منفذ لليبيا على المشرق العربي، وعلاقات ليبيا مع الحركات الفلسطينية الرافضة لاتفاقية (أوسلو) منفذها الرئيس على القضية الفلسطينية، فالزعيم الليبي على الأقل مازال يعتبر إسرائيل عدواً استراتيجياً، ومازال يطالب باستقلال فلسطيني، ولكن التحركات الأخيرة تثير تساؤلات مشروعة: فهل تُسقط ليبيا جميع شعاراتها الثورية السابقة في سبيل علاقة أفضل مع واشنطن ولندن، أملاً في أن تفوز بتغاضٍ عن سجلها السابق في الإرهاب الدولي؟

وهل الأجيال الليبية التي دأبت منذ السبعينات على معاداة الغرب، ستستوعب النمط الجديد من السياسات الليبية؟

وكيف ستصبح ليبيا ورمز ثورتها في نظر أجيال عربية نشأت على الخطاب السياسي الليبي غير المهادن؟ ربما نكون في انتظار مزيد من المفاجآت لنعرف الإجابات.

معمر القذافي.. شخصية الأسبوع

جميل عازر: وربما لا يكن العقيد القذافي معنياً تماماً في هذه المرحلة بصورة الجماهيرية، وحتى صورته شخصياً في نظر الأجيال الليبية والعربية التي ترعرعت على شعارات أمين القومية العربية، فالتحول من راعٍ للإرهاب في نظر الغرب إلى داعية لنزع أسلحة الدمار الشامل ورجل سلام يتطلب مقايضة الشعارات والأسلحة، بما يحافظ على استمرارية النظام مهما بلغ الثمن، ومنذ الفاتح من سبتمبر عام 69، والزعيم الليبي يظهر براعة تزايدت إتقاناً مع مرور الزمن في القدرة على البقاء، وهذا قبل أي شيء آخر ما قد يؤرخ لمعمر شخصية الأسبوع في الملف.

معمر القذافي
تقرير/ جيان اليعقوبي: ربح الرئيس الأميركي جورج بوش وحليفة توني بلير جولة المواجهة مع القيادة الليبية، دون أن يضطرا إلى إطلاق رصاصة واحدة، فقد قدَّم الزعيم الليبي معمر القذافي أسرار التسلح الخاصة ببلاده، على طبق من ذهب إلى أعدائه السابقين.

وُلد العقيد الذي يعتبر واحداً من أكثر القادة العرب إثارة للجدل، قبل واحد وستين عاماً لأسرة تنحدر من قبيلة القذافة التي تجوب الصحراء الليبية، مما جعله ابناً باراً للصحراء يحِّن دائماً إلى خيمتها، وقد انتقلت العائلة إلى سبها ليتمكن معمر من إتمام دراسته الثانوية التي بدأ منها يبشر بأفكاره القومية بين زملائه الطلاب، التحق عام 63 بالكلية الحربية في بنغازي، وتخرج منها بعد ثلاث سنوات ليبتعث إلى بريطانيا لمدة تسعة أشهر في دورة تدريبية على فنون الإشارة والاتصالات العسكرية، وكان القذافي آنذاك قد أنشأ حركة الضباط الأحرار، وهالته –شأن الكثيرين من مجايليه- النتائج الكارثية لحرب الأيام الستة، وبدأ يرسم مع رفاقه خطة للإطاحة بالنظام الملكي، الذي اعتبروه خاضعاً للمصالح البريطانية والأميركية، فتحركوا في الأول من سبتمبر/أيلول، مستغلين غياب الملك إدريس السنوسي عن البلاد، وأعلن الضابط الشاب من دار الإذاعة خبر قيام ثورة الفاتح، وإقامة الجمهورية العربية الليبية. ومنذ هذه اللحظة سيجيِّر القذافي هذا الحدث لتحقيق أحلامه القومية، واندفع في محاولاته الوحدوية بدون أي دراسة أو تحقيق، فبدأ مع مصر السادات، ثم السودان النميري، ودول عربية أخرى، ولكن خطواته هذه باءت كلها بالفشل، فانكفأ الزعيم على نفسه، وبدأ يسلك طريقاً آخر تمثل في دعم أطراف خارجية مختلفة، من الهنود الحمر في أميركا إلى الأكراد في العراق و(جون جارانج) في جنوب السودان إلى الثوار الجمهوريين في أيرلندا، هذا إلى جانب تجربته في التأليف مثل كتابه "الأخضر" ونصوص أدبية، أقام لها الندوات النقدية، وسال حولها حبر كثير، وأنُفق في صددها الكثير من المال، ثم استدار إلى أبنائه الذين اشتد عودهم، فاستخدمهم هم أيضاً لشرح أفكاره وسياساته، ووزع الأدوار بين سيف الإسلام الدمث الهادئ فجعله رئيساً لجمعية القذافي الخيرية، وبين الساعدي الذى أخذ الملف الرياضي على عاتقه، وأصبحت رياضة كرة القدم أداة لكسر العزلة الدولية، المفروضة على أبيه، ولم تستثن ابنته الوحيدة عائشة من هذه الأنشطة السياسية، فأخذت هي الأخرى تدلي بتصريحات هنا وهناك.

أما الحياة السياسية فقد اختصرها العقيد بأن أطلق على معارضيه الليبيين لقب الكلاب الضالة، وأما الاقتصاد فيعاني حالة من الركود، وأما الشعب فلا أحد يسمع له صوتاً إلا وهو يهتف بحياة زعيمه.

تداعيات تأجيل القمة المغاربية

جميل عازر: والزعيم الليبي كان أحد مؤسسي الاتحاد الخماسي بين دول المغرب العربي الذي لم يشهد سوى قمتين منذ إعلان قيامه، قبل حوالي أربعة عشر عاماً، كانت الأخيرة في عام 95، ومن المفترض أن تكون ليبيا الرئيسة الدورية الحالية، ولكنها رفضت تَسلُّم هذه المهمة احتجاجاً على امتناع الدول الأخرى عن دعم مطلب الليبيين بإلغاء العقوبات الدولية التي مازالت مفروضة عليهم، بسبب التورط في قضية لوكيربي، ولكن ملف الخلاف المغربي الجزائري حول الصحراء الغربية، ربما يكون العقبة الأكبر في سبيل نفخ حياة في الاتحاد المشلول الذي أرجئ انعقاد قمته إلى أجل آخر غير مسمى.

مبنى البرلمان المغربي
تقرير/ مكي هلال: رغم أن الوعي الإقليمي بوحدة المغرب العربي، بدأ في التشكل منذ ظهور حركات التحرر المغاربية مطلع القرن المنصرم، فإن المنجز السياسي لاتحاد المغرب العربي ظل هزيلاً ومتعثراً منذ إنشائه إبان الاجتماع التأسيسي بمراكش سنة 89، ويبدو أن مطلع هذا القرن لن يعرف انعقاداً لقمة باتت تؤجل منذ عام 94 بسب تداعيات لأزمات قديمة، كمشكل الصحراء بين الجزائر والمغرب، وأخرى محدثة كالاتهامات الموريتانية لليبيا، بتمويل محاولة انقلابية، اتُّهم بها ولد هيدالة بعيد الانتخابات الرئاسية.

الاجتماع التحضيري لوزراء الخارجية في الجزائر أخيراً أعلنها بصراحة، فشل جديد في عقد قمة، كان ينتظر أن تجمع رؤساء الدول الخمس للاتحاد في الجزائر، بل إن نص البيان أرجأها إلى أجل غير مسمى، وما يثير الاستغراب حقاً هو أن هؤلاء الزعماء أنفسهم تنادوا إلى تونس، حينما كان الكبار هناك في قمة (خمسة زائد خمسة) وعجزوا عن اللقاء فيما بينهم، بعض التسريبات ذكرت أن رفضاً جزائرياً لاقتراح ليبي بتأجيل القمة أسبوعين آخرين لمزيد من التشاور، هو ما عصف بالأمل الأخير، خصوماً بعدما راج عن إمكانية تغيب ثلاثة زعماء، إذ ينص النظام الداخلي للاتحاد على أن القمة لا يمكن أن تعقد في غياب أي من زعماء الدول الأعضاء، فما بالك إذا كانوا ثلاثة، وقد اتهم وزير الخارجية الجزائري المغرب بإفشال القمة، بوصفه أول من لوَّح بإمكانية الغياب، قبل أن تنحو نحوه ليبيا موريتانيا، وكال المغرب التهم ذاتها، وحمَّل الجزائر كل المسؤولية، بسبب تشددها في الموقف من قضية الصحراء، وعن تداعيات هذا الفشل، يرى مراقبون أن الجزائر قد تتنفس الصعداء بعد تسليمها حمل الرئاسة الثقيل النائم إلى ليبيا، المنشغلة الآن بترتيب بيتها من الداخل، وكنس ما تبقى من أسلحة الدمار الشامل لديها، لكنها قد تفعل شيئاً لرئاسة الاتحاد، وهي المهووسة اليوم لعودة سريعة إلى بيت الطاعة والأسرة الدولية، كما يرى آخرون في فشل قمة الجزائر فشلاً شخصياً للرئيس بوتفليقة، قد يستغله خصومه في انتخابات الرئاسة الوشيكة.

انفراط عقد القمة ضربة أخرى تُوجَّه إلى شعوب المنطقة الطامحة إلى تحسين أوضاعها، وخذلان جديد للشريك الطبيعي في شمال المتوسط، وهو كما يردد سياسيوه، من يدفع دوماً ثمن التخلف والبطالة وسوء الحالة الاقتصادية على الضفة السفلى من خلال تسلُّل الإرهاب إلى أراضيه، وزحف الآلاف من المهاجرين السريين، بكل ما يحملونه من مساوئ البطالة والفقر.

وبعيداً عن الاحتمالات والتفاؤل غير المبَّرر، يتعين على دول المغرب العربي، أن تخرج الاتحاد من سماء الافتراض إلى أرض الواقع لعلها تجعل منه كياناً إقليمياً بآليات فعل أكثر مرونة تستند إلى قاعدة اقتصادية متجانسة، تؤثر النظر إلى المنافع، بوصفها الحافز الأقوى لكل مشروع تبادلي، قبل أن يكون تكاملياً، وبرؤية سياسية تتسامى فوق عقدة السيادة ومنطق الريبة بالجار، لأن الرهانات القادمة لن تُبقي على شراكة متكافئة، مادام المتنافسون لا يرون في المنطقة إلا مجرد سوق، أو فضاء حيوي، يعيد إلى الأذهان تقسيما كولونيالياً، أو مجرد رقم في قسمة النفوذ والمصالح، وسياجاً خلفياً يحرس أمن أوروبا، ويقيها هجير الهجرة والإرهاب.

جميل عازر: ونتابع الموضوع، ومعي في الأستوديو (المحلل السياسي) الدكتور أحمد القديدي، دكتور أحمد، يبدو أن الاتحاد المغاربي ولد وكأنه ميت، أين تكمن المشكلة؟

د. أحمد القديدي: هو وُلِدَ فعلاً بسنة 1989، ولكن الآن إحنا في 2003، تغيرت الموازنات الاستراتيجية في العالم بدرجة عجيبة وجذرية، ولكن قادة الاتحاد هم همَّ، أحياناً عندما استمع إلى فشل الاتحاد، وهو فشل ذريع، أنا أسميه موت سريري للاتحاد المغاربي، أعتقد كأنه الرئيس هواري بومدين لم يمت، وكأن الملك الحسن الثاني لم يمت، نفس المنطق، نفس اللهجة، نفس يعني صدمة الشعوب المغاربية المغيبة تماماً، ما فيش مجتمعات مدنية، الاتحاد الأوروبي نجح بالمجتمعات المدنية، من نقابات وأحزاب وعبقريات ومثقفين ومحللين لكي يلتقوا في الأخير، رغم الاختلافات الجوهرية، وإحنا رغم أن تجمع ما بيننا تقريباً كل شيء، لكن يفرقنا كل شيء من ناحية أمزجة القادة، القضية الخطيرة هي طبعاً قضية الصحراء المغربية والبوليساريو، التي لم تحل منذ ثلاثين سنة، عالجها (شيراك) بالانحياز إلى الموقف المغربي، عالجها بوش من خلال (جيمس بيكر) لكن بغطاء أممي، ولكن لم يُرضِ أي طرف من الأطراف، الآن موريتانيا تتهم ليبيا بتأييد المنافس للرئيس ولد الطايع وهو هيدالة، وتمويله وربما تسليحه، القضية المغربية أيضاً على قضية الصحراء المغربية أيضاً على الرف، هذا في حالة موت سريري وهو الحقيقة عدم وفاء للقادة المؤسسين للمغرب العربي، أمثال الحبيب بورقيبة، والملك محمد الخامس وعبد الكريم الخطابي، والمناضلين الذين حرروا الاستعمار باتحاد مغاربي حقيقي، الآن نحن نسعى نحو التفتت و..، والغريب أستاذ جميل أن الرئاسة سوف تؤول إلى ليبيا، والعقيد القذافي لا يعترف لا بالاتحاد المغاربي ولا بالعرب، هو التفت إلى إفريقيا، فهايدي جملة من التناقضات.

جميل عازر: هل.. هل نقول: إن محاولات إحياء هذا الاتحاد، محاولات عقد قمة، يعني هي من قبيل العبث؟

د. أحمد القديدي: هي لأ، هي من قبيل مريض في حالة موت سريري، مثل ما قلت، ولكن الطبيب يعلن، أو الأطباء الذين يشخِّصون أن المريض والله حالته مستقرة، حالته مستقرة، هو في غيبوبة، ولكن حالته مستقرة، إلى متى؟ ربما تدوم 10، 15 سنة.

جميل عازر: لأ لو قُدِّر لنا أن نقول، إننا يمكن إنقاذ هذا الميت السريري.

د. أحمد القديدي: نعم.

جميل عازر: من.. من غيبوبته.

د. أحمد القديدي: صح ممكن.

جميل عازر: ما هو العمل؟

د. أحمد القديدي: ممكن، العمل هو التخلي عن الأمزجة، أمزجة القادة، والأمزجة تأخذ دور طبعاً عندما تغيب المؤسسات الدستورية، وتغيب المجتمعات المدنية، التي تؤثر في القرار، فنحن كلنا في العالم العربي لا صوت يسمع إلا للهتاف للقادة، بالروح والدم نحميك.. نحميك يا قائد فلان، أو الزعيم علان، هذا الأول.

ثانياً: أن الوحيدة التي ليس لها مشكلة مع الجميع هي الجمهورية التونسية من وقت الزعيم بورقيبة، يجب أن تكون الدبلوماسية التونسية أكثر جرأة لتحمل..

جميل عازر [مقاطعاً]: من حيث العلاقات الثنائية بين..

د. أحمد القديدي: نعم البينية.. البينية.

جميل عازر: هذه الدول، نعم.

د. أحمد القديدي: لكي لا.. لكي يتكلم الاتحاد -على الأقل- بصوت واحد إزاء الخارج، لاحظنا أن يوم 4/12 زار المغرب العربي كل من الرئيس شيراك وكولن باول، وتكلم الاثنين، كل واحد حسب مصلحة دولته، لأن ها دول العملاقين الآن المنتظرين، العالم أصبح ثنائي القطبية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، قالوا جميعاً.. يعني واشنطن وباريس والاتحاد الأوروبي للقادة المغاربيين: كونوا وحدة، تكلموا بصوت واحد، نسقوا فيما بينكم، الغوا يعني نسقوا السياسة الجمركية، نسقوا السياسة الخارجية، لكي نعرف نتخاطب مع وحدة تكون قانونية ودستورية، ولها ملامح سياسية، الآن هو شبح.

جميل عازر: طيب في هذا الإطار، لماذا لا تأخذ تونس مثلاً بناصية الأمور؟ وتقود هذا الاتحاد إلى حيز الوجود مرة أخرى؟

د. أحمد القديدي: لِمَ لا، هذا ممكن، إحنا نعرف موقف الزعيم بورقيبة في الستينات عندما أيدَّ نشأة الجمهورية الموريتانية، أخذ موقف ضد إرادة الملك الحسن الثاني في المغرب، وتصادم معه، تصادم سياسياً يعني، ولكن كانت الدبلوماسية أكثر جرأة، الآن أنا أرشح تونس لتقوم بهذا الدور، لأن لا ناقة لها ولا جمل، لا في قضية الصحراء، ولا في النظام الداخلي الموريتاني، يمكن أن تكون هي التي تتولى هذه العملية داخلياً، وأعتقد أنها صديقة للجزائر وصديقة للمغرب، والتعاون كبير بين تونس وبين ليبيا، وعلاقاتنا مع موريتانيا علاقة تاريخية، لأن أول دولة في المغرب العربي اعترفت بموريتانيا هي تونس، فهي المؤهلة إلى أن تأخذ بزمام المبادرة قبل أن تتسع خرقة الانفلات والتفتت والتشرذم.

جميل عازر: طيب، في.. في يعني المحصلة النهائية، هل يمكن فصل مصير الاتحاد المغاربي هذا عن أدوار، أو دور القوى الخارجية؟ دور فرنسا، دور الولايات المتحدة في.. في.. في المنطقة؟

د. أحمد القديدي: نعم.. نعم.. نعم، لا، مش ممكن أبداً العالم متشابك المصالح، وأنا أستشهد بما كُتب في الأسبوع الأخير في.. في "نيوزويك" قالوا أن بعد الحرب على العراق الإدارة الأميركية اليوم ليس لها بؤرة اهتمام استراتيجي غير منطقة الشمال الإفريقي قالوها بوضوح، والسياسة الأميركية ساعية الآن في التنافس مع أوروبا، وهذا واضح، حتى ولو أخفيناه شوية بأن والله متحالفين، وحلف أطلسي مثلاً، ما فيش ها الكلام، الكلام أن فيه الاتحاد الأوروبي، أصبح يتعلق في العملة الموحدة، في الدستور الموحَّد، في سياسة خارجية مستقلة، وفي سياسة دفاعية وهو أخطر لكي يغرق حلف شمال الأطلسي في الميه، ليس.. لن يكون له وجود، التنافس موجود، والمغرب العربي الآن أنا أعتقد مع قضية الأكراد أخطر تنافس استراتيجي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية.

جميل عازر: دكتور أحمد القديدي شكراً جزيلاً لك.

د. أحمد القديدي: شكراً لك، بارك الله فيك.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها أيضاً –بعد فاصل- باكستان.. فتح ملف التعاون النووي مع بعض الدول واستهداف (مشرف) بمحاولات اغتيال.

[فاصل إعلاني]

إعلان الاستنفار الأمني في المطارات والمدن الأميركية

جميل عازر: وإلى الولايات المتحدة الأميركية التي احتفلت بأعياد الميلاد في جو أبعد عن أن يكون احتفالياً، فإعلان الاستنفار الأمني في مطارات ومدن أميركا الرئيسة وإلغاء رحلات جوية من باريس إلى لوس أنجلوس تسببا في عرقلة ترتيبات الاحتفال (بالكريسماس) لآلاف المسافرين الأميركيين، وربما تبدو في هذه الاحتياطات حساسية مبالغاً فيها، خاصة مع تكرار الإجراءات، ولكن بينما يخشى المسؤولون من أن تكرارها مع عدم وقوع هجمات قد يؤدي إلى حالة من الاستكانة هناك من المتشككين من يخشون من استغلال هذه النوبات الأمنية المتواترة لأغراض سياسية تسعى إليها الإدارة الأميركية وسط تصاعد حمَّى الحملة الانتخابية.

مطار أوهير الدولي بولاية شيكاغو
تقرير/ سمير خضر: شوارع المدن الأميركية تتحول مرة أخرى إلى معسكرات تعج بقوات الأمن والحرس الوطني، ويصبح من العسير التمييز بينها وبين شوارع أي دولة من دول العالم الثالث يحكمها العسكر، لكن العسكر لا يحكمون بلاد العم سام أو هكذا يبدو، وإن كانت أيديولوجية الجناح الحاكم في واشنطن لا تختلف كثيراً عنها، فقد رفعت الإدارة الأميركية درجة التأهب لتصبح أقل بقليل من الاستنفار العام، ولماذا كل هذا الحذر؟ التبرير الرسمي جاء على لسان وزير الأمن الداخلي (توم ريدج) وجود معلومات استخباراتية شبه مؤكدة عن احتمال قيام تنظيم القاعدة بشن هجوم إرهابي على الأراضي الأميركية.

بالطبع من حق كل دولة أن ترفع درجة التأهب في حال شعورها بالخطر وبالتهديد، لكن تكرار الحدث بدأ يأخذ طابعاً مؤسساتياً إن لم نقل دراماتيكياً يخفي في طياته أبعاداً سياسية، فالأميركيون يعيشون اليوم فترة الأعياد محاولين تناسي المخاطر التي تتهدد بلادهم أو تلك التي يعيشها أبناؤهم الذين يخدمون في الجيش الأميركي في شتى بقاع الأرض من أقصى شرق آسيا إلى أميركا الوسطى، مروراً بأوروبا والقارة الإفريقية، ومن السهل جداً على إدارة يقودها جناح يميني متشدد اللعب على وتر هذا الخوف لتبرير سياسة التدخل العسكري في الخارج على أنه السبيل الوحيد للدفاع عن الوطن، وإذا أخذنا بالاعتبار أن أميركا دخلت فعلاً وبقوة في الحملة الانتخابية الرئاسية فإن كل تصرفات هذا الجناح اليميني تصب الآن في اتجاه إقناع الرأي العام الداخلي بأنها الأحرص على سلامته وأمنه ضد مخاطر الإرهاب الداخلي والخارجي على حد سواء، إدارة الرئيس بوش عادت إذن لتذكير الأميركيين بأحداث سبتمبر أو بالأحرى بالأسلوب الذي اتُّبع آنذاك: استخدام الطائرات كقنابل لمهاجمة أهداف مدنية أميركية، إذ رغم أن معظم المحللين أكدوا أن تنظيم القاعدة قد لا يلجأ إلى مثل هذا الأسلوب من جديد، لكونه أصبح مكشوفاً لدى الاستخبارات الأميركية، عاد الحديث من جديد عن الطائرات المدنية، وبمحض الصدفة وربما عن عمد يقول المغرضون: وجَّهت واشنطن أصابع اتهام مبطنة إلى الفرنسيين، فقد تم إلغاء عدة رحلات بين باريس ولوس أنجلوس بحجة أن إرهابيين نجحوا بالتسلل إلى إحدى هذه الطائرات، الفرنسيون سارعوا بالطبع إلى مجاراة الأميركيين حتى لا يُتَّهمون بالتقاعس، وأوقفوا الرحلات وفتحوا تحقيقاً لم يثبت أياً من ادعاءات واشنطن، والنتيجة الوحيدة كانت خسارة مالية كبيرة للخطوط الفرنسية ومكسباً لشركات أخرى نقلت هي الركاب أو بعضهم، شركات طائرات أميركية أو تابعة لدول تتبنى الموقف الأميركي، وخلاصة القول هي أن الحرب والإرهاب والاقتصاد والتجارة أصبحت كلها من عناصر لعبة الأمم اللعبة الكبرى.

جنون البقر وتأثيره على الاقتصاد الأميركي

جميل عازر: والاقتصاد الأميركي جزء لا يتجزأ من لعبة الأمم، بل ركن أساس فيها، ولكنه لم يكن بحاجة إلى ظهور مرض جنون البقر في قطعان من الماشية الأميركية وإن تكن محدودة العدد حتى الآن، وهو في مرحلة الخروج من كساد، ولهذه الآفة تداعياتها الاقتصادية والسياسية أيضاً، بسبب ما تنطوي عليه من خسائر في التجارة الخارجية وما قد ينجم عنها من أضرار لصناعة تربية الماشية ناهيك عن القلق بين مستهلكي لحوم الأبقار بوجه خاص، فالتجربة التي مرت فيها بريطانيا ودول أوربية أخرى في هذا المجال كفيلة بإثارة المخاوف من التبعات في الولايات المتحدة أيضاً.

تقرير/حسن إبراهيم: هل تكون البقرة القشة التي ستقصم ظهر بوش؟ قبيل اكتشاف حالة جنون البقر في ولاية واشنطن في الشمال الغربي من الولايات المتحدة كانت حظوظ الرئيس الأميركي عالية للغاية، فهو يسوِّق إدارته على أنها التي حاربت الإرهاب على جبهتين وانتصرت، مقصية نظام حركة طالبان ومحطمة حكم الرئيس العراقي صدام حسين، بل وأفلحت في القبض على الرئيس العراقي، لكن أكاليل الغار في الحروب نادراً ما تضمن للرئيس الأميركي فترة انتخابية ثانية، فالمفتاح هو الاقتصاد ولا شيء غير الاقتصاد، وعند إمعان النظر في الأسابيع التي سبقت اكتشاف جنون البقر، لظهر أنه رغم الأداء الاقتصادي المتعثر والإنفاق الضخم على الحربين والتوسع في الإجراءات المقيدة للحريات، فقد انتعشت آمال المستهلكين والمضاربين في البورصة من خبر إلقاء القبض على الرئيس العراقي، ولوهلة بدا أن الاقتصاد الأميركي ينمو بصورة غير مسبوقة، ثم أطل جنون البقر كاللعنة، وتوالت أنباء المقاطعة للحوم الأميركية من بلاد متعددة، من اليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند والعالم العربي وأجزاء من أوروبا وآسيا، وتسود أوساط مُربِّي الماشية مخاوف من مقاطعة داخلية إن تفشَّى القلق من الإصابة بالعدوى بين المواطنين الأميركيين أنفسهم، حيث أن 90% من إنتاج اللحوم الأميركية يُستهلك داخلياً، ومع بداية العام الجديد والمصيري في حملة الرئيس الأميركي الانتخابية يبدو الخبر غير مشجع بالمرة.

ولا شك أن أزمة جنون البقر ستصيب نسبة النمو الاقتصادي في مقتل، فقبل أسبوعين فقط كان الخبراء يعلنون مستبشرين بأن النمو الاقتصادي لعام 2004 سيبلغ 4.2 % وهي تفوق نسبة الـ 4% التي توقعوها في البداية، وبالطبع لم يحاول الخبراء إدخال العجز المالي في معادلاتهم، ولم يدخلوا في هذه المعادلات الجامدة جيوش العاطلين عن العمل ولا الفقر الذي ضرب حتى الطبقة الوسطى، ويقدِّر الخبراء أن واحداً من كل ثلاثة أميركيين بدون غطاء صحي، وتصاعد معدل الجريمة في المدن التي كانت في الماضي بمنأى عن الجريمة المنظمة، وربما كانت هناك عوامل أخرى لم يدخلها استشاريو الرئيس الأميركي في حساباتهم، فلو أراد (جورج بوش) أن يقتطع من الرصيد الديمقراطي في أوساط الأميركيين من أصل إفريقي أو لاتيني لتوجَّب عليه أن يكون أكثر حساسية لاحتياجاتهم، فميزانية الدفاع غير المسبوقة التي قدمتها إدارة بوش تقتطع اللقمة من أفواه الأطفال كما يعبر بعض الساخطين على الإدارة الأميركية، والتوسع في انتهاك المبادئ التي قامت عليها منظمة التجارة العالمية لم يعد إلا بالوبال والإحراج على الولايات المتحدة الأميركية، وأقرب الأمثلة ما قام به الرئيس الأميركي من فرض لرسوم جمركية عالية على مستوردات الحديد والصلب من أوروبا والتي اضطُّر إلى رفعها عندما هدد الأوروبيون بإجراءات مماثلة.

هناك معادلة أساسية في الاقتصاد الرأسمالي الصناعي تنطبع على الولايات المتحدة، دولار ضعيف يعني سلعاً أميركية أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية، وهو ما سيعني اقتصاداً أقوى، وهو ما حدث بالفعل عندما بدأ سعر الدولار الأميركي في التناقص لكن إدارة الرئيس بوش أصرت على المضي قدماً في إنفاقها غير المحدود على أهدافها الاستراتيجية، أو ما يسميها مستشارو الرئيس الأميركي بالاستراتيجية، وهو ما أضاع كل المكاسب التصديرية، وربما تكون كارثة جنون البقر عارضة يمكن تجاوزها بإجراءات احترازية مثل ما فعلت بريطانيا، لكن تكاليف التخلص من ملايين الأبقار والتعويضات اللازم دفعها للمزارعين ستكون ضربة من الصعب التخلص من آثارها.

محاولات اغتيال برويز مشرف والبرنامج النووي الباكستاني

جميل عازر: نجا الرئيس الباكستاني برويز مشرَّف للمرة الثانية في غضون أسبوعين من محاولة لاغتياله، ورغم أن أي جهة لم تعلن مسؤوليتها عن ذلك، فإن من المُسلَّم به أن الجنرال مُشرَّف أغضب القاعدة وغيرها من الجماعات الإسلامية بتعاونه مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب، وإذ جاءت هذه التطورات وسط التحقيق في نشاط بعض علماء الذرة الباكستانيين واحتمال تسريبهم معلومات نووية إلى أطراف أخرى، فإن الصورة في المسرح الباكستاني لا توحي بارتياح، خصوصاً وأن صحفاً أميركية تتهم باكستان بتزويد دولتين من ثلاثي محور الشر وهما إيران وكوريا الشمالية بتكنولوجيا تخصيب اليورانيوم، رغم النفي الباكستاني الرسمي لذلك.

برويز مشرف
تقرير/أسامة راضي: محاولتان لاغتيال برفيز مشرف في منطقة عسكرية واحدة لم يفصل بينهما سوى أحد عشر يوماً، محاولة الاغتيال الأولى وقعت في الرابع عشر من ديسمبر ونجا منها الرئيس الباكستاني بفارق نحو دقيقة من مرور موكبه على جسر في روال بندي، بعد أن تمكنت أجهزة تشويش يضمها موكبه من تعطيل أجهزة التحكم عن بعد التي استخدمها منفذو المحاولة، محاولة الاغتيال الثانية يبدو أن منفذيها حاولوا تجنب أجهزة التشويش تلك باستخدام الأسلوب الانتحاري غير المألوف في باكستان، إذ تمكنوا من إصابة الموكب وإصابة سيارة مشرف نفسه، وسواء كان منفذو محاولتي الاغتيال اللتين سبقتهما ثلاث محاولات أخرى لاغتيال مشرف من تنظيم القاعدة الذي هدد بذلك أو من تنظيمات أخرى، فإن المحاولات المتكررة تعكس بوضوح الوضع المرتبك الذي يواجهه مشرف، خاصة وأنه حاول مس قضايا تعد من قبيل المحرمات في باكستان، فمشرف وبعد أحداث سبتمبر تخلى عن دعم حركة طالبان التي كانت بلاده وأجهزة الأمن فيها من أقوى الداعمين لها، كما أنه ناصب تنظيم القاعدة العداء، إذ تمكنت أجهزة الأمن الباكستانية من اعتقال أكثر من خمسمائة من عناصره، سُلم أكثرهم للولايات المتحدة التي لا تزال قواتها تتعقب فلول طالبان والقاعدة في المناطق الحدودية الباكستانية مع أفغانستان، ويبدو أن الموقف الذي حاول به مشرف كسب ود الهند تجاه تسوية ممكنة لقضية كشمير ألَّب عليه أيضاً المزيد من حنق تلك القوى، إذ جاء عرضه وكأنه يتنازل عن قرارات دولية ترتب حلاً للقضية، في مقابل حل وسط تفاوضي سينطوي بالتأكيد على تنازلات، ويبدو أن إعلان مشرف قبل أيام عن اعتزامه التخلي عن منصبه كقائد عام للقوات المسلحة بعد الاتفاق مع ائتلاف العمل الموحَّد الذي يضم ستة أحزاب إسلامية قد جاء في إطار محاولاته خلع صفته العسكرية التي جاء بها منذ انقلاب 99، ولتفادي الاصطدام مع مؤيدي الأحزاب الدينية التي تحركت احتجاجاً على الصلاحيات الواسعة التي جمعها مشرف لنفسه في دستور أقره العام الماضي، وبما أن هذه التحركات جاءت وسط التحقيقات مع عبد القدير خان، أبي البرنامج النووي الباكستاني وعدد من العلماء في هذا المجال إثر الحديث عن تشابه بين تقنيات نووية إيرانية وأخرى باكستانية، فإن هناك مَن يرون فيها محاولة للتستر على ما يكشف عنه التحقيق، فهناك شكوك حول احتمالات تسريب معلومات من جانب هؤلاء العلماء الذين يحظون باحترام شعبي كبير إلى إيران وكوريا الشمالية، مما يثير مخاوف لدى البعض من أن تؤدي الضغوط الخارجية إلى تقديم برفيز مشرَّف تنازلات أخرى فيما يتعلق ببرنامج باكستان النووي.

احتمالات فشل رحلة أوروبية إلى المريخ

جميل عازر: يرفض العلماء المعنيون برحلة (بيجل 2) إلى المريخ التسليم بأن المختبر الفضائي الذي أُلقي به على سطح الكوكب الأحمر ربما يكون قد تحطم، فالصمت المريب بعد رحلة تجاوزت مائتين وخمسين مليون ميل، فالمركبة التي حملت بيجل إلى أجواء المريخ والمسمى (مارز إكسبريس)Mars express ستكون في وضع تستطيع منه الاتصال بالمختبر يوم الرابع من الشهر القادم، وما من شك في أنه إذا ثبت فشل هذه المهمة، بعد انتهاء كل محاولات الاتصال مع بيجل الثانية فإنه سيكون سبب إحباط في المساعي الأوروبية للانضمام إلى ركب الدول المتزايدة عدداً التي تطمح إلى دور في اكتشاف الفضاء.

كوكب المريخ
تقرير/ سمير خضر: لم يكن مشروع استكشاف دلائل وجود حياة على كوكب المريخ وليد اليوم، فقد عمل عليه الأميركيون والروس منذ سنوات، ودخل الأوروبيون على الخط أخيراً بفضل مشروع بدأ في الجامعة المفتوحة في بريطانيا منذ نهاية التسعينيات، كان المشروع آنذاك وليد فكرة عدد من طلبة وأساتذة هذه الجامعة في محاولة لتثبيت اسمها ومكانتها على خارطة المؤسسات التعليمية الكبرى في العالم، بيجل 2 مختبر فضائي متنقل بكلفة ناهزت 60 مليون دولار ساهمت فيه شركات خاصة بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية وبدعم من وزارة التجارة والصناعة البريطانية، أما الهدف فهو البحث عن احتمال وجود مياه أو ثلوج أو عناصر كيماوية محددة تحت سطح تربة المريخ لمعرفة إن كانت هناك حياة على هذا الكوكب، انطلق المختبر الفضائي بيجل 2 إلى الفضاء على متن المسبار (مارز إكسبرس) Mars express وانفصل عنه للهبوط على سطح المريخ، وما أن تم ذلك حتى اكتشف علماء الفضاء أن بيجل 2 لا يرسل إشارات إلى الأرض، أي لا أحد يعرف ما الذي حدث، فقد كان من المفترض أن يرسل المختبر إشاراته إلى المركبة الأم مارز إكسبرس Mars express في مدارها حول المريخ والتي ستبث الإشارات بدورها إلى مرصد جزر (البانك) الشهير في شمال غربي إنجلترا، وعندما فشلت هذه العملية استنجد الأوروبيون بالأميركيين الذين عدَّلوا مسار مسبارهم (مارز أوديسي) الموجود في المنطقة منذ فترة لمحاولة التقاط إشارات بيجل اثنان لمعرفة مصيره وما آل إليه، ولكن حتى الآن لا حياة لمن تنادي، العلماء في مرصد جزر البانك يشكون في أن السبب عطل في جهاز الكمبيوتر على متن بيجل 2 الذي يصدر الأوامر لإرسال الإشارات، أو ربما أن هوائي الإرسال ليس موجَّها كما ينبغي، وهذه كلها أمور يمكن إصلاحها في حال لم يقع ما سينسف العملية من أساسها تضرر المركبة من جراء الارتطام بسطح الكوكب أو هبوطها في واد سحيق يمنع تدفق الذبذبات، ومهما كانت أسباب تعذُّر الاتصال ببيجل 2 فإن الأوروبيين يعانون الإحباط من فشل علمي وتكنولوجي يضاف إلى الفشل السياسي الذي أدمى مطلع هذا الشهر في بروكسل مشاريع وآمال وطموحات شعوبهم في أوروبا موحدة.

جميل عازر: وبهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكِّر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية (الإنترنت) أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، على أننا سنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.