مقدم الحلقة:

جميل عازر

ضيف الحلقة:

محمد البشاري: رئيس الفدرالية الإسلامية- باريس

تاريخ الحلقة:

20/12/2003

- تداعيات اعتقال صدام حسين على القومية العربية
- تطورات الأحداث على الساحة العراقية
- جيمس بيكر.. شخصية الأسبوع
- فشل مشروع الدستور الأوروبي
- الحجاب في فرنسا بين العلمانية وحرية ممارسة الأديان
- أذربيجان بعد تولي علييف الابن الحكم
- أوروبا ومسؤولية تركيا عن مذابح الأرمن

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى حلقة جديدة من (الملف الأسبوعي)، وفيها:

صدام حسين في قبضة الأميركيين، رمز قومي مهان، أم رئيس مأسور أصبح أداة لتقويض القومية بينما ينتظر القصاص؟

وزير الخارجية العراقي في مجلس الأمن الدولي، ووفد جامعة الدول العربية في بغداد، وملف ديون العراق في يد (جيمس بيكر).

والرئيس الفرنسي والحجاب في مواجهة بين العلمانية وحرية ممارسة الدين.

تداعيات اعتقال صدام حسين على القومية العربية

لم يعد هنا ما يُقال عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين منذ الإعلان عن استسلامه للقوات الأميركية بعد ملاحقة دامت ثمانية شهور، أو هكذا يشاع، فبين الحديث عن ظروف إلقاء القبض عليه، وما أُحيط بها من أقاويل وتأويلات وقراءات في الصور، وتكهُّن كثيرين بمصيره في محكمة دولية أو عراقية كأسير حرب أو مرتكبي جرائم حرب، أو ضد الإنسانية، يوجد من يعتبرون صدام رمزاً للقومية العربية لمجرد أنه ظلَّ رغم المضاعفات الكارثية يتحدى منطق القوى العالمية، وهو أنَّ للدول الضعيفة والمستضعفة حدوداً ينبغي عدم تجاوزها، فهل ما حلَّ بصدام من مهانة يطال الوطنية والوطنيين؟

تقرير/حسن إبراهيم: هناك لحظات مفصلية في تاريخ كل أمة، قد تغير مسار مشروع نهضوي فيها أو تسقطه جملةً وتفصيلاً، ولا شك أن سقوط صدم حسين بهذه الطريقة الدرامية كان ضربة كبيرة لكثيرين ممن اعتبروه رمزاً قومياً عربياً، واستفظع كثيرٌ من هؤلاء أن يسقط آخر حاملٍ للواء القومية العربية بيد القوات الأميركية، ولعل بعضهم يعتبره سقوطاً أشدَّ قساوة من سقوط الحلم العربي يوم الخامس من حزيران من عام 67 حين تحطمت الطائرات، وسقطت سيناء والجولان والضفة والقطاع، لكن شتان ما بين السقوطين، ففي عام 67 من القرن المنصرم تمكَّن جمال عبد الناصر ثم أنور السادات من بناء الجيش المصري، وخاضا حرب الاستنزاف ثم أكتوبر، التي أعادت بعض ما أُهدر من كرامة للشعب العربي، إلا أن سقوط نظام البعث في العراق ربما دفن –إلى أجل غير مسمى- مشاريع الانعتاق القومية المشتركة، فالذاكرة العربية المعاصرة تختزن الكثير من الذكريات المؤلمة، وكم كانت صدمة لكثيرين في الثاني من أغسطس من عام 1990 عندما وُجِّهت فوهات المدافع العراقية صوب الكويت عِوَضاً عن إسرائيل بالشكل الذي كانت ماكينة الدعاية البعثية تروِّج له إبَّان حكم صدام.

وأضاف يأس العقيد معمر القذافي، وهو الوحدوي المزمن من العالم العربي والعروبة واتجاهاته الإفريقية إلى غربة التيار الذي يعتبر نفسه قومياً عربياً، وكانت للعقيد مغامراتٌ مشهورة امتدت من تشاد، وربما حتى غابات الأمازون.

هذه المرة الأمر يختلف، فالاحتلال الغربي قد عاد سواء تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل أو ذريعة إسقاط النظام الديكتاتوري والمحصلة واحدة عراقٌ ضعيف باضطراباته، وإسرائيل أكثر أماناً، خاصة بعد حل الجيش العراقي، وغياب الرئيس الذي كان من الأسخياء في دعمه للمقاومة الفلسطينية، ولا يوجد في العالم العربي حالياً من هو مستعدٌ لحمل راية العروبة حتى حزب البعث الحاكم في سوريا المجاورة، فسوريا محاصرة بقانون المحاسبة الأميركي، وبضعف لُحمة داخلية بسبب الفقر ومركزة السلطات في يد حزب البعث، ولا قدرة لها مادية في الحلول مكان العراق.

ولعل مشاريع العروبة التي نمت وترعرعت ما بين الخمسينات والسبعينات، أي في ظروف الحرب الباردة، وبُعيد الاستقلال عن الاستعمار الأجنبي قد اضمحلَّت في ظل النظام الدولي الجديد، فالولايات المتحدة، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تنظر بعين الريبة إلى التحركات العربية المشتركة، سواء كانت عبر جامعة الدول العربية أو عبر التجمعات الإقليمية التي لا تربطها نفس الصلة القوية الموجودة في مجلس التعاون الخليجي.

تُعامِل الولايات المتحدة صدام حسين كأسير حرب، فهو حسب اتفاقية جنيف لمعاملة أسرى الحرب يتمتع بالحقوق التالية:

-لا يمكن إجباره على الإدلاء بأية أقوال لا يرغب في التصريح بها، أي يحق له الامتناع عن الكشف عن أسلحة الدمار الشامل إن وُجدت.

-لا يجوز أن تُساء معاملته، أو التشهير به على غرار ما حدث عند اعتقاله.

-يجب أن يُحاكم محاكمة عادلة أمام محكمة دولية، ولا يجوز لسلطات الاحتلال محاكمته.

-لا يجوز أن يُنصِّب البعض من أنفسهم ممثلي إدِّعاء مثلما فعل الرئيس الأميركي عندما صرَّح بأن صدام حسين يستحق عقوبة الإعدام.

قد يختلف القانونيون حول حقوق الرئيس المخلوع، لكن الذي لا شك فيه هو أن من جعلوا من صدام حسين رمزاً للمشروع القومي العربي تلقوا ضربة قد تكون قاصمة.

تطورات الأحداث على الساحة العراقية

جميل عازر: ورغم ما سيؤول إليه مصير صدام حسين، فإن مجلس الحكم الانتقالي الذي حُرِمَ حتى الآن من وسمه بطابع الشرعية على الصعيدين الدولي والعربي، لابد ويجد في التطورات الأخيرة مصدر ارتياح في هذا الشأن، (فوزير الخارجية العراقي) هوشيار زيباري قدَّم إلى مجلس الأمن الدولي جدولاً زمنياً لنقل السلطة من قوات الاحتلال إلى العراقيين، وكذلك فقد وصل وفد من جامعة الدول العربية إلى بغداد لدراسة الموقف تمهيداً لرفع توصيات إلى مجلس الجامعة حول إمكانيات الاعتراف بشرعية مجلس الحكم، وهذا يدل على تحوُّلات جذرية في المواقف، كل ذلك بينما وجدت مساعي (جيمس بيكر) ممثل الرئيس الأميركي لإدارة ديون العراق ردود فعل إيجابية من جانب الدول الدائنة.

تقرير/مكي هلال: عودة العراق مجدداً إلى ردهات مجلس الأمن كانت مختلفة هذه المرة، إذ استفاد مجلس الحكم من زخم الأحداث الذي تلى اعتقال الرئيس السابق صدام حسين، فكثَّف من دبلوماسية المبادرة، وهو ما وُفِّق فيه إلى حد بعيد، وتمكن من كسر طوق اللاشرعية الذي ظل نعتاً يلازمه عربياً وأوروبياً على الأقل بصفته سلطة تعمل تحت سقف الاحتلال.

مشاركة (وزير الخارجية العراقي) هوشيار زيباري في جلسة مجلس الأمن كانت انعكاساً لحالة الثقة التي بدأ المجلس نفسه يستشعرها، فقد تحدَّث الوزير للمرة الأولى بشكل مفصَّلٍ عن خطة نقل السلطة إلى العراقيين حسب جدول زمني متفق عليه مع سلطات الاحتلال، وتقوم الخطة على خطوات لتشكيل حكومة انتقالية عراقية تتولىَّ الإعداد للدستور الجديد وتنظيم الانتخابات في العراق، وتهدف الخطة إلى حماية حقوق الإنسان واستقلال القضاء والتأكيد على السيادة الوطنية، ولم يُغفِل زيباري أن يدعو الأمم المتحدة من عقر دارها أن تعود لتلعب دورها في العراق، وهي خطوة إن تحققت ستضفي شيئاً من الشرعية الدولية على مجلس الحكم، وقبولاً أكثر له في الداخل والخارج وإن تواصلت أعمال المقاومة.

جولات أعضاء مجلس الحكم هي الأخرى في أوروبا ودول الجوار والدول العربية، واستقبالهم بكل ما يتطلبه البروتوكول نقطة أخرى تضاف إلى رصيد المجلس، وضمن نفس سياق الانفتاح والقبول بالتعاطي في ظل غياب بدائل أخرى تُقرأ زيارة وفد الجامعة العربية إلى العراق لمعاينة الأوضاع وإعداد تقرير مفصلٍ يرفع إلى القمة العربية القادمة في تونس.

موضوع آخر حمله الأعضاء في زياراتهم إلى لندن، وباريس، ومدريد، وهو ملف الديون العراقية الثقيل، وناقشوه مع أعضاء نادي باريس للدول الدائنة، الذي وعد رئيسه بأن الموضوع سيعالج قبل نهاية العام المقبل، والديون العراقية واحدة من تبعات دوامة الحروب والإنفاق على التسلح التي أثخنت الاقتصاد العراقي الذي كان يُعد من أقوى اقتصادات المنطقة، ويصنف نادي باريس ديون العراق لأعضائه فقط، والبالغة واحد وعشرين مليار دولار كالتالي:

اليابان: بـ 4.11 مليار دولار، روسيا 3.45 مليارات، وفرنسا ما يقارب ثلاثة مليارات، أما ألمانيا فلها على العراق زهاء ملياري دولار ونصف، في حين قُدِّر نصيب الولايات المتحدة من الديون بـ2.2 مليار دولار، أما إيطاليا وهي الأقل نسبة فتطالب العراق 1.73 مليار دولار، بالإضافة إلى ديون أخرى لدول الخليج وبعض دول الكتلة الشرقية السابقة كرومانيا وبلغاريا، وتقدر بستين مليار دولار، هذا فضلاً عن مبالغ أخرى قد تصل إلى ثلاثين مليار دولار يدين بها العراق لشركاتٍ ومصارف خاصة، وبما أن اليد الأميركية تدير كل ما يتصل بمستقبل العراق حتى ديونه، فإن (جيمس بيكر) ممثل الرئيس الأميركي الخاص بإدارة الديون العراقية، يطوف هذه الأيام بين الدول الدائنة لمحاولة إعادة جدولة الديون أو إسقاط جزء منها، وهو أمر بدأ يلقى بعضاً من قبول، ومَنْ يجرؤ على الرفض اليوم ما دام ساكن البيت الأبيض يطلب حيناً ويأمر أحياناً؟

جيمس بيكر.. شخصية الأسبوع

جميل عازر: وجيمس بيكر (وزير الخارجية الأميركي الأسبق) معروف على أكثر من صعيد، فهذا السياسي المحنك مؤلف مؤتمر مدريد العتيد أثبت براعة في التفاوض والمساومات عبر المناصب المهمة التي تبوأها في إداراتٍ أميركية متعاقبة وهو واحد من أعمدة قوقع اتخاذ القرار ورسم الاستراتيجيات التي تحدد مواقف الولايات المتحدة من مختلف القضايا الدولية، وليس غريباً والحال هذه أن يأتي انهيار الاتحاد السوفيتي بينما جيمس بيكر -شخصية الأسبوع في الملف- كان وزيراً للخارجية.

تقرير/ جيان اليعقوبي: كلَّف الرئيس (جورج دابليو بوش) (...) جيمس بيكر ليصلح ما أفسده دهرٌ من المغامرات العسكرية والحروب المؤامرات التي قادت واحدة من أغنى دول المنطقة إلى أسر الديون المقدرة بـ 120 مليار دولار والتي تخشى واشنطن من أن تعرقل الجهود الدولية لإعادة إعمار العراق.

جيمس بيكر الثالث سليل الأسرة العريقة والثرية والمولود قبل 73 عاماً في هيوستن وخريج (بريستن) المحامي اللامع والدبلوماسي المحنك يمكن أن يوصف قبل كل شيء بأنه صانع الملوك في الولايات المتحدة الأميركية، فلولا بيكر لما نجح ثلاثةٌ من مرشحي الحزب الجمهوري في الوصول إلى البيت الأبيض، فهو الذي أدار الحملة الانتخابية لـ (ريجان) لفترتين متتاليتين، ثم (جورج بوش) الأب ثم نقل ولاءه إلى الابن الذي كان على شفا حفرة الهزيمة على يد (آل جور) لولا عاجله بيكر بدهائه وخبرته في دهاليز السياسة الداخلية.

وكما يقال فإن التاريخ يعيد دائماً نفسه ولو بتفاصيل مختلفة، ولكن مع آل بوش وبيكر، فحتى التفاصيل هي تقريباً نفسها، فالفريق الذي أحاط ببوش الأب من (كولن باول) إلى جيمس بيكر إلى (ديك تشيني) إلى (بول وولفويتس) والذي هندس الحملة العسكرية لإخراج القوات العراقية من الكويت ثم فرض الحصار الشامل على العراق هو نفسه الفريق المحيط ببوش الابن، مع فارقٍ واحد، أن بيكر اختار أن يكون وراء الكواليس فيما اختار الباقون الواجهة، وفضَّل بيكر لنفسه دور الناصح الأمين واحتج على خطط بوش الابن بالذهاب منفرداً في حربه الأخيرة على العراق، على عكس والده الذي بنى تحالفاً واسعاً أسبغ عليه شرعية دولية ورفض أن يكمل طريقه إلى القصر الجمهوري في بغداد، لأن هذا لم يكن وارداً في القرارات الأممية، وقد كان لبيكر اليد الطولى في هذه السياسة التي أكسبته مكانة دولية وهالةً مازالت مرتبطة باسمه حتى الآن، ولكن الابن الذي يريد الخروج من جلباب أبيه رفض النصيحة واختار الذهاب منفرداً، ضارباً عُرض الحائط باحتجاجات حلفائه السابقين من الأوروبيين وكذلك الروس، وتلاحقت الأحداث حتى أخذ هؤلاء المعارضون ينتقدون إدارة بوش لحرمانهم من كعكة إعادة إعمار العراق، أملاً منهم في الحصول ولو على الفتات، وإدراكاً منه لحساسية العلاقة بين واشنطن ومنتقديها عاد جورج بوش واستعان ببيكر، الذي بدا الوسيط المثالي لهذه المهمة، أي إعادة الدفء إلى العلاقة مع باريس وموسكو وبرلين عبر لغة وأسلوب بيكر الرصين، بعد أن كادت تصريحات (رامسفيلد) الفظة أن تهدم خمسين عاماً من العلاقة الاستراتيجية بين غرب أوروبا وواشنطن.

فشل مشروع الدستور الأوروبي

جميل عازر: لم يعد النقاش يدور في أوساط الاتحاد الأوروبي حول ما إذا كان الاتحاد بحاجة إلى دستور أم لا، بل حول ما سيوفره الدستور بالصيغة التي وضعها (فاليري جيسكار ديستان) من سلطات للدول الأعضاء، فالقمة الأوروبية التي انعقدت في بروكسل لوضع دستور أوروبا المتحدة قد فشلت في الاتفاق على اقتسام السلطة ضمن الاتحاد الموسع الذي سيضم خمساً وعشرين دولة في غضون شهور معدودات، وإذ دار الخلاف حول نظام التصويت الذي يعطي من الوزن لإسبانيا وبولندا، بقدر ما يعطيه لألمانيا التي تضم من السكان وحدها ما يعادل عدد سكان هاتين الدولتين معاً، فإن هذا الخلاف -وإن يكن غير قاتل- يوضح أيضاً معالم التكتلات ضمن دول الاتحاد.

تقرير/لبيب فهمي (مراسل الجزيرة – بروكسل): هذا الرجل شبه المُقعد عطل أهم قمة في تاريخ الاتحاد الأوربي ومنع ما يقرب من نصف مليار أوروبي من التقدم في مسيرة وحدتهم الطويلة، إنه رئيس الوزراء البولندي الذي لم تدخل بلاده الاتحاد الأوروبي بعد ومعه رئيس وزراء إسبانيا الذي يتشاطر معه العديد من المواقف، لعل أهمها الإصرار على مسيحية أوروبا والانحياز المطلق إلى الإدارة الجمهورية في واشنطن.

ما عطل القمة بند من بنود مشروع الدستور الأوروبي ينص على تغيير قواعد التصويت في المجلس أعلى سلطة في الاتحاد الأوروبي، القواعد السائدة تمنح كل دولة عدداً من الأصوات يتناسب مع عدد سكانها إنما بشكلٍ غير دقيق لكل من الدول الكبرى ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا عشر أصوات، لإسبانيا ثمانية ولهولندا خمسة، ويتناقص الرقم حتى يصبح صوتين للوكسمبورج، عدم التناسب سيستمر بعد توسيع الاتحاد الأوروبي لتنال كلٌ من الدول الكبرى تسعة وعشرين صوتاً وتنال كل من بولندا وإسبانيا سبعة وعشرين رغم أن عدد سكان ألمانيا لوحدها يفوق عدد سكان الدولتين معاً، وهنا سر رفض الدولتين لمشروع الدستور الأوروبي الذي ينص على قواعد تصويت أكثر ديمقراطية بحسب المشروع يعتبر القرار مُلزماً للجميع إذا وافقت عليه أغلبية 50% زائد واحد من الدول، وأغلبية 60% زائد واحد من عدد السكان، ونظراً إلى أن الدستور يوسِّع مساحة المواضيع التي يُتَّخذ فيها القرار بالأغلبية ويكسر قاعدة الإجماع على السياسة الخارجية والضريبة، فإن قرارات كثيرة يمكن أن تُتخذ وتصبح ملزمة للجميع إذا وافقت عليها ثلاثة عشر دولة من بينها الدول الكبرى رغم رفض اثنتي عشر دولة لها.

المعارضة الشرسة لمشروع الدستور كانت متوقعة من الدول قليلة السكان، ولكنها جاءت من بولندا وإسبانيا التي تضم كل منهما أربعون مليون نسمة، الأمر الذي أثار شكوكاً حول الدوافع، هل هو رفض لمبدأ التنازل عن السيادة الوطنية وبالتالي رفض لجوهر فكرة الاندماج الأوروبي أم أنه ثمرة إيحاء من دولة عظمى خارجية تقلقها الخطوة الأوروبية العملاقة نحو التخلص من مبدأ الإجماع؟ أياً تكن دوافع بولندا وإسبانيا، فإن أنصار الاندماج الأوروبي أظهروا حزماً قد يجعل الدولتين تفكران ملياً قبل الاستمرار في نهج عرقلة المسيرة الوحدوية.

فرنسا أشهرت سلاح العودة إلى الأصول، فدعت مؤسسي الاتحاد الأوروبي ومن يرغب ممن انضم إليه لاحقاً دعتهم إلى تشكيل نواة صلبة تتقدم في عملية الاندماج ليلحق بها الآخرون عندما يشاءون، والدول الست الأغنى في الاتحاد وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا هددت بمراجعة مساهمتها في موازنة الاتحاد الأوروبي وهي رسالة تفهمها الدول المتلقية من الاتحاد، ومن بينها خاصة إسبانيا وبولندا.

رغم كل ما قيل عن فشل قمة بروكسل فإنه لا يرقى إلى درجة الانتكاسة في مسيرة الاندماج الأوروبي، هذه المسيرة تباطأت وربما توقف تقدمها إنما لعدة أشهر فقط.

لبيب فهمي – (الملف الأسبوعي) – بروكسل.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها أيضاً بعد فاصل:

أذربيجان.. ورحيل (علييف) بعد ثلاثين عاماً من التسلط فهل من مصدر إلهام آخر لابنه الرئيس إلهام في حل مشاكل البلاد؟

[فاصل إعلاني]

الحجاب في فرنسا بين العلمانية وحرية ممارسة الأديان

جميل عازر: وإلى فرنسا حيث أعلن الرئيس (شيراك) رغبته في سن قانون يحظر ارتداء الحجاب مع غيره مما تُعتبر رموزاً دينية في المدارس الحكومية، وحيث أن الإسلام هو الديانة الثانية في فرنسا الكاثوليكية، أصبح من البديهي أن تثير هذه القضية غضب المسلمين فيها وفي أوروبا، بل وغضب الدول الإسلامية أيضاً، فهل في هذا الإجراء تعبير عن معاداة للإسلام على غرار معاداة السامية مثلاً؟ أم كما يقول البعض إن الحجاب دليل على عدم اندماج المسلمين في المجتمع الذي تبنوه؟ ربما لا تكمن المشكلة لا في هذا ولا في ذاك، بل في مواجهة بين مبدأي علمانية الدولة، وحرية الممارسة الدينية، إسلامية كانت أم مسيحية أم يهودية.

تقرير/ عياش دراجي (مراسل الجزيرة – باريس): العلمانية ومبادئ الانفتاح على الآخر وعلى الذات، بدأت تأخذ بعداً مفاهيمياً جديداً في فرنسا، ولم تعد هي مجرد الفصل بين الدين والدولة، بل وضع الدين بحسم وحزم في إطار لا يتجاوزه، وكان الحجاب الإسلامي سبباً كافياً لتعزيز مفاهيم العلمانية، فالشارع الفرنسي شهد بشأنه جدلاً حاداً، ونقاشاً مستفيضاً رجحت بعده كفة الذين يرون أن الحجاب يهدد العلمانية، إذا تُرِكَ له المكان في المدارس العمومية، مما يثير التساؤل: كيف يمكن لعلمانية عتيدة -مثل علمانية فرنسا – أن تخاف على مبادئها من حجاب؟

لكن لجنة الحكماء التي شكلها الرئيس شيراك شخصياً، للنظر في وضع العلمانية وسبل تعزيزها، لا ترى الأمر بهذه البساطة، وقد أعدت تقريراً من أكثر من سبعين صفحة، خَلُصَت فيه إلى ضرورة منع الرموز الدينية داخل المدارس العمومية، كي لا يطغى التدين على مبادئ الجمهورية، وكان تقرير اللجنة وأغلب استطلاعات الرأي في الأوساط الفرنسية، فضلاً عن اتجاهات أغلب وسائل الإعلام، كلها سندا لمحتوى خطاب الرئيس شيراك بشأن العلمانية، وتشديده على أنها أول أسس دستور الجمهورية، ولا مجال للتفاوض بشأنها، ووضع الخطاب حداً للجدل بإعطائه الضوء الأخضر لإصدار قانون يمنع إظهار رموز التدين في المدارس الحكومية، سواء كانت حجاباً إسلامية أو قلنسوة يهودية، أو صليباً مبالغاً في حجمه، ولعل شيراك يدرك أن الحجاب مهما كانت القناعة به، فإن بعض أبناء الجالية يشعرون بمهانة، وإقصاءٍ اجتماعي يعيق اندماجهم، وهذا ربما ما جعل خطابه يتجاوز الحديث عن الحجاب، ليتضمن اعترافاً شبه صريح ببعض تلك المشاكل، فأكد تصميم الحكومة على محاربة العنصرية والتمييز بشتى أنواعه، ودعا إلى المساواة بين كل الفرنسيين، وإلى تكافؤ الفرص في العمل والتعلم، والاندماج الطبيعي في المجتمع، مهما كان الدين أو العرق، وهذا ربما ما لطَّف من رد فعل بعض ممثلي الجاليتين الإسلامية واليهودية فاستقبل بعضهم خطاب شيراك بارتياح، أو ربما برضا بالواقع، ما دام الأمر قد وصل إلى خط اللارجعة، وأنه لا مجال لمجادلة العلمانية في مبادئها، لكن يبقى قطاع واسع من ممثلي الجالية الإسلامية، لاسيما اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، يعارض بشدة حظر الحجاب، ويرى الأمر تقلُّصاً في مساحة حرية التدين، وتعارضاً مع تقاليد الانفتاح والتسامح.

بخطاب شيراك اتخذت العلمانية مفهوماً جديداً، ووضعت حداً لإظهار رموز التدين في المدارس والثانوية الفرنسية، فهل ستكتفي الأديان بما لها من متسع داخل الجمهورية أم ستواصل البحث عن مزيد من الحرية؟

عياش دراجي – (الجزيرة) – لبرنامج (الملف الأسبوعي) – من قصر الإليزيه – باريس.

جميل عازر: ونتابع هذا الموضوع، وينضم إلينا من باريس الدكتور محمد البشاري (رئيس ما تعرف بالفيدرالية الإسلامية في فرنسا). دكتور محمد، أولاً في أي إطار تنظرون إلى هذه القضية؟ هل في إطار مثلاً استهداف المسلمين كهدف محدد أم أنه يأتي ضمن نقاش أوسع نطاقاً ضمن العلمانية الفرنسية؟

د. محمد البشاري: أولاً أنا لا أظن بأن في إعلان شيراك ضد الإسلام والمسلمين خاصة، وإنما العلمانية هي عقدة تاريخية لفرنسا، عقدة أكثر من قرن من الزمان، حرب بين مؤسسات الدولة التي تريد أن تكون مؤسسات حيادية، ثم كل ما يعرف بالتدين، القضية المسيحية والدين اليهودي قد اعترفت الدولة الفرنسية بهما، وصار هناك قانون 1905 الذي يحدد.. يحدد فصل الدين عن الدولة، والدين الإسلامي هو دين جديد على فرنسا، وبالتالي المشاكل التي يطرحها الدين الإسلامي على المجتمع الفرنسي –على حسب تفكيرهم- كان لابد من أن.. أن يقوم الرئيس جاك شيراك ويضع الحدود، الحدود الجمهورية في.. في قضية التصور للعلمانية، وقضية ممارسة شعائر تعبدية، لكن قضية الحجاب هي ليست قضية جديدة على.. على فرنسا، يعني منذ 89، وقضية 94 و 95، لكن الجديد في الأمر اليوم مع.. مع هذا التوجه، هو أننا بعد الانتخابات الفرنسية لـ 2002، ووصول اليمين المتطرف إلى الدور الثاني من النتائج الرئاسية، صاحت وارتفعت كثير من الصيحات السياسية، خصوصاً داخل اليمين الحاكم، إلى أن يكون هناك سياسة أكثر صرامة، وأكثر.. وأكثر –بين قوسين- حدة ضد ما يسمى بالهجرة، وعندهم أن الإسلام هو الوليد الطبيعي للهجرة.

جميل عازر [مقاطعاً]: دكتور محمد.. دكتور محمد.. دكتور محمد يعني نفهم أن اليمين لا يعارض فقط ارتداء الحجاب، وإنما يعارض وجود المهاجرين أصلاً في.. في فرنسا ككل، ولو قُدِّر لهم لليمينيين لاجتثوا المهاجرين بشكل كامل، ولكن في تقديرك ما الذي يدفع الرئيس شيراك إلى تبني هذه الخطوة؟ رغم أنها لا تبدو مسألة مهمة على الصعيد حتى الاجتماعي الفرنسي؟

د. محمد البشاري: لابد أن الإشارة إلى شيء، أن النقاش الذي دار حول قضية الحجاب في فرنسا، يأتي في جو مشحون بعد أحداث 11 سبتمبر، رأينا أن الإسلام فوبيا، (Islamofobia) والعنصرية ضد المسلمين قد اجتاحت كثير من المدن الفرنسية، وكثير من المدن الأوروبية، كان على الرئيس جاك شيراك أنه يستجيب إلى بعض التطلعات السياسية التي الآن تتجه في اتجاه اليمين المتطرف، فمثلاً لو كانت هناك انتخابات الآن حالياً، يعني قبل إشهاره، وقبل خطابه لكان اليمين المتطرف قد حصل على أكثر من 25% من الأصوات، إذن هي نراها نحن كمؤسسات دينية في فرنسا، أن هذا التوجه هو توجه سياسي، توجه أكثر يريد أن.. أن يحل مشكلة آنية، ولكن لا نرى أن بالقانون قد نحل هذه المشكلة، وإنما هناك طائفة داخل المجتمع الفرنسي، وهي الطائفة الإسلامية، التي تقبَّلت هذا الإعلان بأنه إعلان ضدها، وبأن.. وبأنها هي مرة أخرى هي كراهية ضد الإسلام والمسلمين، على الأقل هذا هو الشعور يعني.

جميل عازر: أين.. أين تترككم هذه القضية؟ إذا يعني مضت الحكومة الفرنسية، وسنَّت تشريعاً في هذا الخصوص، هل سنجد من يخالفون القانون؟ وبذلك يبدون وكأنهم يعني يتحدون سلطة الدولة؟

د. محمد البشاري: أولاً: هناك قضيتين، إعلان الرئيس هو مشروع قانون، وهذا قانون سوف يناقش لمدة على الأقل ثلاثة أو أربعة أشهر داخل البرلمان الفرنسي، يوم الأربعاء كان لنا لقاء مع وزير الداخلية المكلَّف بالأديان، والذي حمل رسالتنا، رسالة المؤسسات الإسلامية إلى رئيس الدولة جاك شيراك، نطالب فيه بأن يكون هناك مشاركة للمسلمين وللمؤسسات الإسلامية في النقاش حول ها القضية، الرئيس جاك شيراك في إعلانه وفي خطابه لم يمنع الحجاب كحجاب، وإنما قال.. تكلم عن الطرحة وعلى غطاء الرأس، هناك مناقشة قد نبدأ الآن في التفكير مع.. مع البرلمان الفرنسي، إلى إيجاد صيغة من.. من الحجاب، الذي سوف يتلاءم مع الوضع الفرنسي دون أن يخرج عن الأحكام الشرعية.

ثاني شيء: إذا ما صار هناك قانون يحرم الحجاب ويحرم غطاء الرأس، المسلمون في فرنسا وطيلة يعني وجودهم لم يكونوا.. لم يكونوا ضد القوانين الجمهورية وإنما كان هناك دائماً توافق وتوفيق بين القوانين الجمهورية، وبين ممارسة الشعائر التعبدية، ومن هنا سوف نقوم في دراسة الموضوع دراسة أولاً شرعية من جهة ثم العمل.. والعمل على.. على الإيصال إلى صناعة القرار السياسي..

جميل عازر: طيب.

د. محمد البشاري: وأن يكون لنا حضور…

جميل عازر: دكتور.

د. محمد البشاري: داخل هذه.. هذه المؤسسات.

جميل عازر: طيب دكتور محمد، باختصار شديد هل تعتقد أنكم ستتوصلون إلى مخرج كحل وسط لهذا الخلاف؟

د. محمد البشاري: نحن واعون بأن الرئيس جاك شيراك ومواقفه يعني التي.. الشجاعة في القضية العربية الفلسطينية والقضية العراقية لن تدفعه إلى اتجاه.. تجاه معادي واتجاه قد يُفسر بأنه معادي للعرب والمسلمين، نحن وجهنا ونناشد ولا زلنا نناشد الرئيس الفرنسي بأن يكون هناك أكثر تحكم وأكثر عقلانية بالاتجاه إلى قانون، لأن القانون لا يحل المشاكل بل بالعكس أنه سوف يخلق يعني اتجاهات راديكالية قد تأخذ بالممارسة الدينية المعتدلة إلى اتجاهٍ لا يحمد عقباه.

جميل عازر: محمد البشاري في باريس، شكراً جزيلاً.

أذربيجان بعد تولي علييف الابن الحكم

رحل حيدر علييف بعد أن ضمن خلافة ابنه له ليواصل هيمنته على أذربيجان الغنية بالنفط وكغيره من الحكام المستبدين استطاع فرض الاستقرار على الجمهورية الأذرية بعد استقلالها في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، ولكنه استقرار جاء على حساب حقوق الإنسان والنزاهة في الانتخابات وغير ذلك من المسُلَّمات البديهية في أي نظام ديمقراطي، وإذ ورث (إلهام علييف) تركة مثقلة بالانتهاكات في مختلف المجالات في بلد يتفشى فيه الفساد إلى درجة أن منظمة الشفافية الدولية تصنفه كثامن أفسد دولة من بين مائتين ودولتين أجرت فيها دراسات حول الشفافية تدور تساؤلات حول قدرة هذا الرئيس الشاب على التعامل مع الكم الكبير من المشاكل.

تقرير/ أسامة راضي: منذ أن سقط حيدر علييف أمام جيشه أثيرت الشكوك والأسئلة حول قدرة نجله إلهام علييف على إدارة البلاد من بعده متجاوزة نقطة من سيخلفه، فعلييف الأب الذي اعتلت صحته في الأشهر الأخيرة كان قد أوصل ابنه إلى السلطة بتدرج سريع حين أقر البرلمان في أغسطس الماضي تعيينه رئيساً للوزراء، وهو المنصب الذي كان يؤهله في حال عجز والده لتولي الرئاسة، وذلك قبل أن يخوض انتخاباتها، وفي أكتوبر الماضي خاض الابن تلك الانتخابات وفاز رغم المعارضة القوية له بمنصب الرئيس مدعوماً بوجود الأب وشعبيته ورجاله، وهم الذين رأى المراقبون أنهم سيعينونه على القيام بأعباء المنصب بكفاءة، وأنه بحاجة إليهم لافتقاده خبرة وحنكة والده في مجال السياسة والحكم.

لكن الأب توفي بعد نحو شهرين من خلافة ابنه له، وانفتح باب التساؤل من جديد حول قدرة إلهام علييف في البقاء في السلطة دون والده الذي استمد منه في نظر المراقبين وقطاعات واسعة من الأذريين شرعية رئاسته، فعلييف الابن شاب غير متمرس في السياسة بينما قضى والده ثلاثين عاماً في أروقتها، وتقتصر خبرته في رئاسته للجنة الأولمبية وتمثيل بلاده في مجلس أوروبا بالإضافة إلى نيابة والده في رئاسة الحزب الحاكم وتوليه منصب نائب رئيس الشركة الوطنية للنفط.

بعض المحللين يرى أنه طالما استعان علييف الابن بطواقيم والده ولم يسع إلى التغيير والإصلاح فإنه قد يبقى ممسكاً بزمام الأمور، لكن آخرين يقولون فتش عن النفط الذي تتمتع تلك الدولة بثروة وفيرة منه مكنتها في بدايات القرن الماضي لأن تمد العالم بنصف استهلاكه منه، وجلبت مليارات الدولارات كاستثمارات، كان آخرها خط أنابيب باكو- جيهان المدعوم بقوة من واشنطن، فالولايات المتحدة قد تجد في نفط تلك المنطقة بديلاً أو مكملاً استراتيجياً لنفط الخليج، كما أن وجوداً أميركياً في المنطقة يقلص إلى حدٍ كبيرٍ من نفوذ روسيا المتاخمة لها.

ويبدو أن تلك المصالح كانت الدافع وراء اعتبار واشنطن وموسكو انتقال السلطة وإن يكن عملية استخلاف تناولتها انتقادات داخلية وخارجية أمراً مقبولاً وشرعياً، رغم طعن المعارضة ومراقبين دوليين في نزاهة سير الحملات الانتخابية التي قالوا إنها لم تخلُ من عنفٍ وترويع للناخبين وانحياز إعلامي، ويبدو أن واشنطن تتغاضى أيضاً عما تنتقده في دول أخرى، كالفساد المستشري في أذربيجان ووقوع نصف سكانها وعددهم ثمانية ملايين نسمة تحت خط الفقر، علييف الابن يواجه ملفات داخلية كالنزاع مع أرمينيا على إقليم ناجورنو - كراباخ الأرميني الغالبية، ومشكلة اللاجئين الداخلية تتمثل في ثمانمائة ألف مشرد بسبب الحرب حول ذلك الإقليم، بالإضافة إلى مشكلة الفقر، لكن التحدي الحقيقي لاستقرار أذربيجان واستقرار حكم علييف قد لا يكمن في الملفات الداخلية بقدر ما يتمثل في علاقاتها الخارجية وخاصة مع شركات النفط العالمية الكبرى وواشنطن.

أوروبا ومسؤولية تركيا عن مذابح الأرمن

جميل عازر: أطلت برأسها من جديد على المسرح الأوروبي قضية المجزرة التي ارتكبتها سلطات الحكم في الإمبراطورية العثمانية بينما كانت تخوض حرباً عالمية أدت إلى زوالها خلال العقد الثاني من القرن الفائت، وقد وجد الأرمن المطالبون بتحقيق في المذبحة وبتعويضات من تركيا العلمانية وريثة العهد العثماني تعاطفاً من قِبَل الأوروبيين على صعيد رسمي وغير رسمي، أما وقد وافق مجلس النواب السويسري أخيراً على اقتراح يُحمِّل الأتراك المسؤولية عن المجزرة التي يقولون إنها لم تستهدف الأرمن وحدهم، بل راح ضحيتها أتراكٌ ثاروا أيضاً على الدولة العثمانية فإن هذا القرار السويسري ينطوي على تأييد معنوي لقضية تهدد بمزيد من التوتر لعلاقات تركيا مع أوروبا.

تقرير/ حسن إبراهيم: تعتبر المجزرة التي ارتكبها العثمانيون ضد الأقلية الأرمينية في تركيا من أحلك لحظات التاريخ التركي فقد قتل حوالي مليون وثلاثمائة ألف أرمني على يد القوات العثمانية بين عامي 1915 وستة عشر، ولعل ما أسعف تركيا طوال العقود التي تلت المجزرة هو أنها ارتُكِبَت إبان الحرب العالمية الأولى، كما أن أرمينيا أصبحت بعد الثورة البلشفية التي أعقبت الحرب جزءاً من الاتحاد السوفيتي، وها هو مجلس النواب السويسري يضاف إلى قائمة البرلمانات الأوروبية التي تعترف بمسؤولية تركيا التاريخية عن هذه المجزرة رغم إنكارها من جانب الحكومات التركية المتعاقبة، فتقول الرواية الرسمية التركية إن ما لا يزيد عن ثلاثمائة ألف أرمني وتركي قد قتلوا عندما ثاروا ضد الحكم العثماني، وتنفي استهداف الأرمن كعرقٍ بحد ذاته، ورغم أن المجزرة اقترفتها أيدي العثمانيين فلم يعترف بها النظام الجمهوري العلماني الذي أنشأه كمال أتاتورك بعد تفكك وسقوط الإمبراطورية العثمانية.

وللأرمن الذين يدين معظمهم بالمسيحية الأرثوذكسية وجودٌ في كثير من بلاد العالم بعد أن كان يقيم منهم حوالي مليونين ونصف في تركيا قبيل المجزرة، وللأرمن أيضاً نفوذٌ في مختلف الدوائر الدولية ويعزى جانبٌ من توتر العلاقة التركية الأوروبية إلى ضغوط أرمينية على مختلف مؤسسات المجتمع المدني الأوروبية التي يُحمِّل كثير منها أنقرة المسؤولية التاريخية عن تلك المذبحة، وكانت برلمانات فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والسويد وروسيا والأرجنتين قد سبقت سويسرا في الاعتراف بوقوع المجزرة ضد الأرمن، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي واستقلال أرمينيا تجددت مطالب الأرمن في الخارج بالتحقيق والتعويض عما لحقهم من أذى على يد الأتراك، فهم يطالبون أرمينيا بأن تطالب بالحقوق التاريخية للأرمن لا أن تنشغل فقط بقضية النزاع على إقليم ناجورنو - كراباخ بينها وبين أذربيجان، ورغم حصول قرار مجلس النواب السويسري على مائة وسبعة أصوات مقابل سبعة وستين صوتاً معارضاً فإنه غير مُلزم للحكومة السويسرية التي نصحت النواب بعدم الموافقة على الاقتراح، ومع ذلك فإن هذه الموافقة تنطوي على دعمٍ معنوي للقضية الأرمينية التي توتر العلاقات بين تركيا وعددٍ من الدول الأوروبية.

جميل عازر: وبهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي)، نذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر.

فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.