مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

04/10/2003

- انتفاضة الأقصى بين انتفاضة الحجارة وخارطة الطريق
- سوريا وإيران.. هموم ومتاعب مشتركة

- دلالات الإفراج عن قياديين إسلاميين في مصر

- هاجس الإرهاب يجتاح العالم

- توني بلير بين مطرقة حربه على العراق وسندان المعارضة

- توني بلير.. شخصية الأسبوع

- علي بن فليس مرشح لانتخابات الرئاسة الجزائرية

- أوبرا عايدة في الصين

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الحلقة من (الملف الأسبوعي)، وفيها:

انتفاضة الأقصى بين انتفاضة الحجارة التي أوقفتها أوسلو وخطة خريطة الطريق كأوسلو ثانية.

سوريا وإيران، وخدام في طهران، هموم ومتاعب مشتركة، فهل يمكن للمحور الاستراتيجي أن يصمد في وجه الضغوط؟

والإفراج في مصر عن قياديين في الجماعة الإسلامية، بداية علاقة جديدة مع النظام أم بداية نهاية الجماعة؟

انتفاضة الأقصى بين انتفاضة الحجارة وخارطة الطريق

مرت ثلاث سنوات منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، بل انتفاضة المطالبة بالدولة الفلسطينية الموعودة، وفي هذا السياق لابد من أن تؤدي مناسبة الذكرى الثالثة لهذه الثورة الفلسطينية إلى مقارنتها بالانتفاضة الأولى، لأن التاريخ يعيد نفسه في القضية الفلسطينية، ولكن بسرعة على أكثر من صعيد، فالدولة الفلسطينية كانت وعداً في اتفاقيات أوسلو التي أنهت الانتفاضة الأولى رغم أنها كانت نتيجة مباشرة لها، والحجر الذي أسقط جوليت [جالوت] الجبار كما جاء في الرواية التوراتية يخيف الإسرائيليين، لأن لهم في تلك الرواية عبرة، والدولة الفلسطينية مازالت وعداً في خريطة الطريق التي يبدو أن مآلها لا يختلف عمَّا آلت إليه أوسلو، وهكذا في حلقة مفرغة.

أفراد من الشرطة الإسرائيلية يضربون فلسطينيين
تقرير/سمير خضر: كان ذلك في خريف عام 87، عشرون عاماً بعد خضوع ما تبقى من فلسطين وأرضها للاحتلال الإسرائيلي، اكتشف العالم حينها قوة الحجارة، حجارة في أيدي الفلسطينيين رجالاً ونساء أطفالاً وشيوخاً تواجه البندقية والدبابة على حدٍ سواء، سُميت الظاهرة بانتفاضة الحجارة، ودخلت كلمة انتفاضة في معظم قواميس لغات العالم، واكتسب الفلسطيني تعاطفاً دولياً لم يشهده في تاريخ نضاله الذي امتد طيلة القرن العشرين، وبدأت إسرائيل تعاني معنوياً ونفسياً، داخلياً وخارجياً، وأصبحت سمعتها الأخلاقية في الحضيض، وبدأ قادتها يبحثون عن مخرج غير المخرج العسكري فكانت مفاوضات أوسلو وما تبعها من اتفاقات مرحلية توجتها مصافحةٌ تاريخية في حديقة البيت الأبيض، ورغم أن القيادة الفلسطينية لم تعلن رسمياً وقف الانتفاضة، فقد اتضح أن ذلك كان أحد شروط أوسلو الضمنية.

لم تمر الفترة الانتقالية بيسر وسهولة، فكلا الطرفين كان يعرف تماماً أن الاتفاق النهائي لن يكون سهلاً، فعندما حاول الرئيس الأسبق (بيل كلينتون) حمل باراك وعرفات في كامب ديفيد على الموافقة على صيغة حل نهائي كان الجميع يعرف أنها لن تكون مقبولة لأي من الطرفين، وكان أن فشل كامب ديفيد حتى انبرت قوى المعارضة في المعسكرين لإثبات وجودها، فجاء (آرييل شارون) مدججاً بآلاف من رجال الشرطة ليقتحم الحرم القدسي في عملية كان الإسرائيليون يأملون ألا تتعدى حدود الرمزية، لكن الفلسطينيين اعتبروها تدنيساً لأقدس مقدساتهم، فثارت ثائرتهم وتصدوا للشرطة الإسرائيلية كعادتهم بالحجارة، ودفعوا ثمناً غالياً لهذا التصدي، إذ بدأت دماء أبنائهم تسيل على أرض الحرم القدسي وتداعت الأصوات من كل مكان تنادي بالدفاع عن الأقصى، وتحولت حادثة الاقتحام الشاروني إلى انتفاضة جديدة سُميت انتفاضة الأقصى رغم أنها لم تكن من أجل الأقصى وحده، إذ إن سبع سنوات من التفاوض العقيم والإحباط المستمر دفع بالشعب الفلسطيني إلى حالة من اليأس، فقد قيل له إن أوسلو ليست سوى مقدِّمة للدولة التي شكلت دائماً حلم أجيال من الفلسطينيين، ولكن مع تعاقب الحكومات الإسرائيلية المختلفة وبزعامات متنوعة (رابين) ثم (بيريز)، ثم (نتنياهو)، ثم (باراك) بدأ الفلسطينيون يفقدون صبرهم، وكان الأقصى الشرارة التي أدت إلى انفجار البركان، لكن الانفجار هذه المرة تجاوز الحجر إلى الرصاص، فتفاجأت القيادة الإسرائيلية بهذا التطور، وحاولت استيعاب الموقف، لكن شارون كان أذكى من أن يفوِّت مثل هذه الفرصة، فما أن تسلَّم دفة القيادة بدأ يعمل على التحضير لحملة عسكرية وإعلامية لم يسبق لها مثيل، وعندما حلَّت كارثة الحادي عشر من سبتمبر قال شارون لبوش إن لدى أميركا ابن لادن الأفغاني، ولدى إسرائيل ابن لادن داخلي اسمه ياسر عرفات، ونجحت استراتيجية شارون الإعلامية في الخارج، وخاصة داخل الولايات المتحدة، وفقد الفلسطيني التعاطف الدولي حتى أوروبا اضطرت إلى إدراج تنظيمات مثل حماس والجهاد على قوائم الإرهاب.

أوسلو أجهضت الانتفاضة الأولى دون أن تتمخض عن دولة، فمن يجهض اليوم الانتفاضة الثانية، أم أن إجهاضها أصبح اليوم مطلباً فلسطينياً قبل أن يكون إسرائيلياً؟

سورياً وإيران.. هموم ومتاعب مشتركة

جميل عازر: وفي إطار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي تأتي العلاقة بين دمشق وطهران اللتين يجمعهما أكثر من مصلحة وأكثر من هَم، فزيارة عبد الحليم خدام (نائب الرئيس السوري) إلى العاصمة الإيرانية لا تحتاج إلى مبررات رغم أنه لم يعلن عنها مسبَّقاً، وإذ تنهال على سوريا وإيران اتهامات وتهديدات من مختلف الأفواه بأصوات تتفاوت بين التلميحات الخافتة والنبرة المصمة للآذان يجد المسؤولون في البلدين دافعاً مهماً للتنسيق، ولكن الزيارة المفاجئة تثير أكثر من تساؤل وشك حول حالة ذلك المحور الاستراتيجي الذي خدم الجانبين في عهد يختلف عن وضعهما الراهن وسط ظروف إقليمية محفوفة بالمخاطر، خاصة بعد أن أصبح الأميركيون جاراً في الشرق لسوريا وفي الغرب والشمال الشرقي لإيران.

الرئيسان السوري والإيراني
تقرير/أسامة راضي: كلتا الدولتين واقعتان تحت ضغط أميركي متصاعد، فسوريا وإيران ضلعان في مثلث افتراضي للإرهاب وفقاً للتصنيف الأميركي قبل الحرب على العراق، أما بعد اندلاع تلك الحرب التي لم تضع أوزارها حتى الآن فالدولتان تواجهان اتهامات تتشابه إن لم تتطابق، فكلاهما متهم بحيازة أو تطوير أسلحة دمار شامل ودعم ما يسمى بالإرهاب لعلاقتهما بفصائل المقاومة الفلسطينية كما أنهما متهمتان بدعم المقاومة العراقية أو إيواء عناصر من القاعدة كما هو الحال بالنسبة لإيران أو متسللين عراقيين كما هو الحال بالنسبة لسوريا.

بيد أن هذه الاتهامات ليست في حجم تهديد حقيقي لأمن الدولتين مصدره جار ثقيل حلَّ على حدودهما وهو الاحتلال الأميركي للعراق الذي يفرض واقعاً جديداً على المجتمع الدولي بما فيه دول الجوار، فالواقع الجغرافي السياسي والعسكري يواجه جميع دول المنطقة دون استثناء بوضعٍ جديد يدفعها إلى الإحساس بأنها فقدت قدراً كبيراً من القدرة على التحرك إقليمياً، ويشجِّع في الوقت نفسه تيارات داخلية تطالب بالتغيير والإصلاح وهو ما تخشاه بعض الأنظمة ربما أكثر من خشيتها من تدخل أميركي عسكري مباشر، كما أسهم هذا الواقع الجديد في وضع العلاقات السورية الإيرانية على ما يشبه مفترق طرق نظراً لاختلاف قد يكون بين الدولتين في تفاصيل أجندة كل منهما بشأن الوضع الداخلي العراقي والموقف من المقاومة للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ولبنان وسوريا ذاتها.

ومع ذلك فإن طهران ودمشق تحاولان تجنُّب صدام مباشر مع الولايات المتحدة رغم أنهما لا تخفيان أيضاً مواقف معارضة لسياستها سواء من حيث الاحتلال الأميركي للعراق أو الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

لكن اللافت لنظر المراقبين زيارات لدمشق قام بها مسؤولون في مجلس الحكم الانتقالي الذي اختارته واشنطن، وهي الزيارات التي تزامنت مع تصريحات أدلى بها الرئيس السوري بشار الأسد، ولم يستبعد فيها أن ترسل بلاده قوات إلى العراق شريطة ألا تكون تحت إمرة الأميركيين، وأن يكون هناك جدول زمني لنقل السلطة للعراقيين، وأن تتولى الأمم المتحدة عملية إعادة إعمار العراق، أما إيران فإنها تتصرف كمن يسير على حبل دقيق مشدود في تعاملها مع الوضع في العراق ومع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فهي تنادي بالاعتدال، بينما تتمسك بثوابت تربطها باعتبارات سيادية تدرك أنها لن تؤدي إلى مواجهة حامية مع واشنطن.

والشروط السورية قد تكون محل تفاوض لاسيما وأن دوراً سورياً محدداً في العراق يمكن قبوله أميركياً بعكس أي دور إيراني ولو محدود، لأنه يمكن أن يفسد على الأميركيين خططهم.

جميل عازر: وينضم إلينا من لندن عبيدة النحاس (المحلل والمتابع للعلاقات الإيرانية السورية).

سيد عبيدة، أولاً: هل تقرأ في زيارة عبد الحليم خدام إلى طهران ما ينم عن وجود توتر في العلاقات بين دمشق وطهران؟

عبيدة النحاس: بالتأكيد هناك أكثر من دلالة على هذا، الأمر الأول: هو نفي وجود خلاف أصلاً، والنفي في العلاقات السياسية عادة يعني الإثبات، الأمر الآخر هو المستوى العالي للزيارة، نائب رئيس الجمهورية يقوم بزيارة إلى إيران ومفاجئة أيضاً، التوتر في العلاقات يعود إلى أقل من عام تقريباً عندما بدأت الولايات المتحدة تلوِّح بالقوة في وجه العراق حينها حصل هناك شيء من الخلاف بين طهران ودمشق، وأُلغيت زيارة للرئيس السوري إلى طهران في اللحظة الأخيرة على الرغم من أن الجانبين تحدثا عن تأجيل للزيارة وليس إلغاؤها في ذلك الوقت.

جميل عازر: طيب في تقديرك ما هو أهم عوامل هذا التوتُّر؟

عبيدة النحاس: أهم عوامل، هناك يمكن إجمال الخلاف في ثلاثة نقاط، العراق أولاً والعلاقة مع الولايات المتحدة أو حملتها على الإرهاب، وحزب الله في.. في الآونة الأخيرة، بالنسبة للعراق يبدو أن إيران اتخذت في البداية موقفاً براجماتياً أكثر منه مبدئياً متوقعاً من دولة يحكمها نظام إسلامي، فالعراق في البداية لم يكن مشكلة لإيران أن تحتله الولايات المتحدة كما كان بالنسبة لسوريا، سوريا ساهمت بشكل أكبر في محاولة الوقوف في وجه الاحتلال الأميركي للعراق، بينما ما حصل في إيران أن إيران التي كانت الولايات المتحدة قد أصبحت على حدودها الشمالية الشرقية، وأصبحت تهددها بشكل مباشر لم تكن تقف بذات الصلابة في وجه الولايات المتحدة في العراق، ربما لأن العلاقة مع صدام حسين لم تتحسن بين إيران ومع إيران كما حصل مع سوريا.

الأمر الآخر هو بالنسبة للولايات المتحدة، الولايات المتحدة اليوم توجِّه ضغوطها باتجاه البلدين بشكل متوازن، والحقيقة هناك يعني التوازي بين الضغوط على البلدين مدهش فعلاً، إيران الآن متهمة بأنها تحاول تصنيع أسلحة نووية، وسوريا متهمة في نفس الوقت بتطوير أسلحة دمار شامل، هناك أيضاً تهديدات إسرائيلية للبلدين، إسرائيل تهدِّد بضرب المفاعل النووي الإيراني، وتهدد بضرب أهداف سورية ثم أهداف فلسطينية في دمشق، يعني هناك كثير مما يمكن أن يجمعهما، ولكن يبدو أن إيران تضايقت في المرحلة الأخيرة عندما بدأت سوريا تنحو منحىً أكثر براجماتية في التعامل مع الموضوع العراقي، بينما وجدت إيران نفسها تواجه ضغوطاً متزايدة.

جميل عازر: طيب في تقديرك لنأخذ العلاقة التي تربط الجهتين بحزب الله، من في تقديرك سيتراجع عن موقفه الراهن لإرضاء المطالب الأميركية على الأقل؟

عبيدة النحاس: حزب الله.. حزب الله منذ أن انسحبت إسرائيل من الجنوب اللبناني أصبح بطلاً قومياً عربياً، بالنسبة لإيران هناك مشكلة مع هذا الأمر، لأن حزب الله أصبح يراعي أيضاً -لنقل- شعبيته في الشارع العربي، بينما إيران منذ ذلك الحين بعدما أتت أحداث 11 سبتمبر ثم الحرب في أفغانستان والحرب في العراق الآن كان موقفها يميل إلى الموقف القومي منه إلى الموقف الإسلامي.

بالنسبة للعلاقة مع حزب الله، لعلك تذكر إنه في الآونة الأخيرة أعيد إحياء موضوع الدبلوماسيين الأربعة المختفين في لبنان مثلاً، والذين تتهم إيران إسرائيل بأنها خطفتهم، هؤلاء الدبلوماسيين يبدو أنهم ليسوا مشمولين في الصفقة الحالية التي يجري التفاوض بشأنها بين حزب الله وإسرائيل، والإسرائيليون في المقابل يريدون أن يحصلوا على معلومات عن (رون آراد) ويبدو أن سر رون آراد أيضاً هو بيد الإيرانيين، ولذلك فإن إسرائيل تحاول أن تحيِّد الآن إيران، تحاول أن تخرجها لتقول إن بيدها أوراق ضغط في أوروبا موجودة في أوروبا يمكنها أن تحصل من خلالها على معلومات عن رون آراد، ولعل شارون عندما تحدث بهذا كان يشير إلى السفير الإيراني المعتقل في بريطانيا، مع أن يعني هذا الإدخال لبريطانيا في الموضوع يعني فيه شك.

جميل عازر: طيب عبيدة، إذا كنت يعني تشير إلى احتمال حدوث تغير في العلاقة بين إيران وحزب الله إلى حد ما، هل تعتقد أن هناك مجالاً لكي تقايض إيران هذه العلاقة بارتباطاتها مع الشيعة في العراق على سبيل المثال؟

عبيدة النحاس: يعني أنا لا.. لا.. أستبعد ذلك الآن، أستبعد ذلك في هذه المرحلة، حزب الله من جانبه لا يسعى إلى توتر مع إيران، لعلنا نذكر إنه عندما اغتيل السيد باقر الحكيم في العراق، فإن الشيخ حسن نصر الله رثاه مرثية قوية جداً إلى درجة أنه.. إلى أن هذه المرثية تجاوزت كل ما يمكن أن يكون لحزب الله من تحفظات على الوضع الجديد في العراق، هناك محاولة للتقارب، الجانبان لا يريدان الخلاف، الخلاف الحقيقة هو الآن موجود بين دمشق وطهران في مسألة حزب الله والتعامل مع.. مع إسرائيل، لعل نائب الرئيس عبد الحليم خدام الذي كان من الذين رعوا بناء التحالف بين سوريا وإيران في مرحلة بداية الثمانينات في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، حيث كان وزيراً للخارجية حينها، ثم أصبح نائباً للرئيس، لعل زيارته كانت محاولة لطمأنة الإيرانيين والإجابة على بعض تساؤلاتهم، الإيرانيون مثلاً أبدوا شكوكاً ظهرت هنا وهناك متفرقة في الصحافة من أن سوريا عندما تعاونت مع الولايات المتحدة أمنياً في الآونة الأخيرة ربما تكون هي التي سربت معلومات إلى الولايات المتحدة عن وجود عناصر للقاعدة في إيران مثلاً، واضطرت إيران بعد ذلك إلى الكشف عن وجود هؤلاء وتأكيد أنها لن تسلمهم إلى الولايات المتحدة أو أي جهة أخرى، أعتقد أن السيد عبد الحليم خدام واجه أسئلة ومطالب توضيح في طهران ولابد أنه حاول توضيح ذلك.

جميل عازر: طيب في هذه الظروف هل هناك يعني من مصلحة في أن تفترق طهران ودمشق عند هذه المواقف أو عند هذه الأوضاع الحساسة؟

عبيدة النحاس: لا يجوز أبداً أن يفترق البلدان في هذا الوقت، في الماضي دفع البلدان من علاقاتهما الخارجية كي يحافظا على تحالفهما، مع أن التحالف كان ضد نظام عربي.

الذي يبدو الآن أنه عندما تضغط الولايات المتحدة ويجد البلدان أنفسهما في مأزق، نرى التحالف الذي كان يتحدث عنه الجانبان كتحالف استراتيجي وكأنه كان مجرد تلاقٍ تكتيكي لأن غياب العدو المشترك بدأ يؤثر على هذا التحالف ويفسخه، وهذا خطير جداً في هذه المرحلة، لعل ما قاله المرشد الإيراني السيد علي خامنئي في زيارة السيد عبد الحليم خدام الأخيرة من أن على الدول الإسلامية أن تقف موقفاً موحداً في وجه الولايات المتحدة وأن بإمكانها أن تُفشل خططها، لعله يقود تغييراً في طهران يؤدي إلى إحياء هذا التحالف وتقويته في هذه المرحلة الحساسة، فهو مهم جداً لإيران التي لابد أن تحتفظ بعلاقاتها الجيدة مع دول المنطقة بدل أن تلحق المصالح الآنية، وأيضاً بالنسبة لسوريا بعد غياب العمق الاستراتيجي في العراق وحاجتها الماسة إلى حليف إسلامي كبير مثل إيران، في ظل اهتراء الوضع العربي الراهن أعتقد أن على البلدين أن يتجاوزا خلافاتهما بأي طريقة وأن يسعيا لأن لا تكون الولايات المتحدة الجار الجديد المخيف في المنطقة أن تكون سبباً في القضاء على تحالف الآن أصبح وقته.

جميل عازر: عبيدة النحاس في لندن شكراً جزيلاً لك.

ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيها أيضاً بعد فاصل:

شخصية الأسبوع توني بلير رئيس الحكومة البريطانية بين مطرقة حربه على العراق وسندان المعارضة في حزب العمال.

[فاصل إعلاني]

دلالات الإفراج عن قياديين إسلاميين في مصر

جميل عازر: وإلى مصر حيث أفرجت السلطات المصرية عن زعيم الجماعة الإسلامية المحامي كرم زهدي واثنين على الأقل من أعضاء مجلس الشورى لهذه الجماعة التي كانت مسؤولة عن التخطيط لاغتيال الرئيس السادات وتنفيذه، وإذ يأتي هذا الإفراج في أعقاب مؤتمر الحزب الوطني الحاكم لابد من ربطه مع التوجهات الجديدة التي تدعو إلى منح المعارضة من حزبية وغير حزبية متسعاً أكبر في المشاركة السياسية، أما إن كان ذلك سيشمل جميع أطراف المعارضة، فمسألة أخرى، ولكن الجماعة الإسلامية التي نبذت العنف واعتذر زعيمها عن اغتيالها الرئيس المصري السابق لن تجد نفسها فجأة في حضن السلطة.

كرم زهدي زعيم الجماعة الإسلامية في مصر
تقرير/سمير عمر: أثار قرار الإفراج عن ثلاثة من قيادات الجماعة الإسلامية في مصر جدلاً واسعاً في صفوف المهتمين بملف جماعات الإسلام السياسي خاصة وأن قرار الإفراج جاء عقب سلسلة من المراجعات الفكرية التي أجراها قادة الجماعة داخل السجون أكدت على نبذهم لفكرة العنف، إلا أن دوائر إسلامية أخرى تؤيد مراجعات الجماعة الفكرية ترى أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الجهد النظري والفقهي يؤصل للمراجعات ويؤدي إلى تمتين أفكار نبذ العنف.

أبو العلا ماضي (وكيل مؤسسي حزب الوسط): غلب على التبرير للتراجع إنه الخسائر التي تمت والتكلفة الباهظة، فكانت فكرة المصلحة وحدها لا تكفي لابد أن يكون هذا التراجع مبني على إن المبدأ كان خطأ وليست نتائج إنها كانت سلبية وخسائر، لأن لو النتائج الآن كانت فيها خسائر قد تكون في المستقبل ليس فيها خسائر فبالتالي يمكن الرجوع إليها، وبالتالي كان مهم هنا التركيز أن خطأ الفكرة وليس فقط مدخل المصلحة.

سمير عمر: مستقبل الجماعة وعلاقتها بالمجتمع المصري والتيارات السياسية الأخرى بعد الإفراج عن بعض القيادات هو أحد المحاور المطروحة للنقاش بقوة في ظل تساؤلات عن الدور الذي سيلعبه قيادات الجماعة في المستقبل ومدى قدرتهم على الدخول إلى حلبة العمل السياسي بعد نحو ربع قرن أمضته الجماعة في خندق العنف الدموي

ضياء رشوان (باحث بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية): الجماعة الإسلامية في عهدها القديم قبل أن تراجع نفسها كانت ذات علاقة بالدين أكثر منها بالسياسة وكانت تتعامل مع المجتمع من منظور ديني، من منظور تكفيري أو تجهيلي أو غيره من المناظير، لكن الجماعة الإسلامية بعد تحولها إلى جماعة سياسية بدأت تتحرك نحو السياسة، ونلاحظ في أحاديث قادة الجماعة -ومنهم كرم زهدي السابق- إجراؤها معهم في الصيف الماضي والصيف السابق عليه أنهم كانوا يركزون على أنهم يجب أن يكون لهم دور في الحياة العامة وبعضهم تحدث عن دور دعوي، الآخر تحدث عن دور سياسي، لكن في كل الأحوال أظن أن هذا الإفراج قد يكون نهاية للجماعة الإسلامية الدينية العنيفة وبداية الجماعة الإسلامية السياسية على الأقل كما يريد قادتها.

سمير عمر: الأحزاب التي استقبلت مبادرة الجماعة بوقف العنف في البداية بنوع من الشك والدولة المصرية التي تجاهلت المبادرة في البداية ثم عادت واقتنعت بها والمجتمع المصري الذي تحمل أعباء عنف الجماعات الجهادية ينتظرون ما ستحمله الأيام المقبلة في ظل مؤشرات تؤكد ترحيبهم جميعاً بفكرة طي صفحة العنف الدموي.

الإفراج عن بعض قيادات الجماعة الإسلامية يؤكد أن صفحة جديدة في العلاقات بين الجماعة والدولة المصرية قد بدأت، وعلى الرغم من تخوفات البعض من تراجع قادة الجماعة عن أفكار نبذ العنف بعد الإفراج عنهم، إلا أن المراقبين يرون أن عنف الجماعة الإسلامية قد ذهب إلى غير رجعة.

سمير عمر -لبرنامج (الملف الأسبوعي)- القاهرة.

هاجس الإرهاب يجتاح العالم

جميل عازر: سلَّط الحكم الصادر في الرباط على الشقيقتين إيمان وثناء الهريس والحكم على نزار الطرابلسي لاعب الكرة السابق الذي أُدين في بروكسيل بالتخطيط لتنفيذ هجوم على قاعدة عسكرية أميركية في بلجيكا، سلطا الضوء من جديد على مكافحة الإرهاب، فقد أصبح التصدي للإرهاب الشغل الشاغل للكثير من الحكومات، بل أصبح وسيلة لتصفية حسابات بين أنظمة الحكم والمعارضة في بعض الحالات متجاوزاً بذلك مقتضيات حقوق الإنسان التي أصبحت طرفاً يمكن الاستغناء عنه.

وفي خضم الانشغال في الملاحقات والمحاكمات وجمع الأدلة والبراهين يغيب عن الكثيرين أسباب لجوء البعض إلى ما أصبح يعرف تعميماً بالإرهاب.

المغربي عبد الغني مزودي مع محاميه في قاعة محكمة هامبورغ
تقرير/ حسن إبراهيم: هاجس الإرهاب يجتاح العالم هذا لا شك فيه، ورغم أن ممارسة العنف ضد الأهداف المدنية من أفراد ليسوا في جيوش نظامية هو التعريف المتفق عليه للإرهاب إلا أن البعض قد يعتقدون أن هذا التعريف يفتقر إلى العدالة حيث إن جرائم الجيوش النظامية ضد الأهداف المدنية لا تقل بشاعة والأمثلة تترى من فيتنام إلى فلسطين إلى البوسنة والعراق.

ومنذ أن أعلنت واشنطن حربها على الإرهاب أضحى مستوى التشدد ضد من يسمون بالإرهابيين مقياساً لرضا أو سخط واشنطن على هذه الدولة أو تلك، وقد بلغ التشدد أحياناً حد مخالفة حقوق الإنسان وخرق الأعراف الدولية، ففي الظروف العادية لا يجوز الكشف عن اسم قاصر متهم بالجناية، ناهيك عن نشر صورته، ومن هنا يرى البعض في الحكم بالسجن 5 سنوات في المغرب على صبيتين توأمين في الرابعة عشرة من عمرها لتخطيطهما لهجمات إرهابية تشدداً يتجاوز الحدود وإن يكن المغرب قد عانى من هجمات إرهابية في السادس عشر من مايو/ أيار الماضي في الدار البيضاء.

لكن ما هي الصورة النمطية للإرهابي المعاصر ما عاد الإرهابي هو اليساري المتشبه بالثائر الأرجنتيني الأصل (تشي جيفارا) بل منذ نهاية الغزو السوفيتي لأفغانستان أضحى الإرهابي هو الإسلامي كث اللحية، مقطب الوجه، معارض لمشاريع يعتبرها مؤامرة علمانية على الهوية الإسلامية، وتحول صراع الإرادات إلى معارك فعل ورد فعل محسوب النتائج لحد ما.

إلا أن الفعل في الحادي عشر من سبتمبر كان متطرفاً، فأتى رد الفعل متطرفاً، مجتمع الانفتاح تحول إلى قلعة بوليسية تشك في الجميع، وخاصة من يشبهون أولئك الذي نفذوا تلك الأحداث، وتطور الأمر من اجراءات احترازية إلى قوانين تسمح للسلطات بممارسات كانت في الماضي تحسب على ديكتاتوريات العالم الثالث.

وفي غمرة الغضب لم يفرق صناع القرار بين المعتدلين أو المتطرفين، فأتى اعتقال عبد الرحمن العمودي (الرئيس السابق للمركز الإسلامي في واشنطن) بتهمة التعامل مع ليبيا، وفي بلجيكا حُكم على لاعب كرة القدم السابق نزار طرابلسي بالسجن 10 أعوام لإدانته بتهمة التخطيط لهجمات إرهابية على مقر حلف شمال الأطلسي الناتو.

وصُنِّفت جميع المنظمات التي تناهض إسرائيل على أنها منظمات إرهابية، لا فرق بين حماس والجهاد وكتائب شهداء الأقصى أو حزب الله في لبنان، بل لم تسلم حتى المنظمات الخيرية التي تقوم بما تعجز عنه السلطة الفلسطينية، أو الأونروا بفتح عيادات مجانية أو مدارس ومعونات للأسر المتضررة من الممارسات الإسرائيلية.

ويبقى السؤال قائماً: لِمَ لم تفلح جميع هذه الإجراءات في درء خطر الإرهاب؟ وهل هناك مفر من حل القضايا الأساسية مثل القضية الفلسطينية أو الأفغانية أو العراقية؟

ولا يغني ذلك بالطبع عن تدعيم الحوار بين الأديان، وإشاعة الديمقراطية ومحاولة لتوزيع عادل للثروة.

نظرة إلى بؤر التوتر في الشرق الأوسط وخارجه، وكذلك إلى مدن الصفيح حول بعض العواصم تنذر بأن هناك بوناً شاسعاً مازال يفصل العالم عن إنهاء الإرهاب.

توني بلير بين مطرقة حربه على العراق وسندان المعارضة

جميل عازر: ربما سيسجل لمؤتمر حزب العمال، وهو حزب الحكومة في بريطانيا، أنه ليس نقطة تحول في أي شأن من شؤونه حتى وهو يمر في حالة من التوتر إلى الغضب، وقد مُني بهزيمة في انتخاب فرعي أخيراً.

فزعيمه رئيس الوزراء يعتزم البقاء في منصبه، رغم الهواجس والتكهنات عن منافسٍ هنا وآخر هناك، ومع إضافة غياب المعارضة الفاعلة من الحزبين الرئيسين الآخرين، المحافظين والليبراليين الديمقراطيين، يجد العمال أنفسهم في الطريق إلى ولاية حكم ثالثة بشيء من الارتياح إلى حدٍ كبير، رغم أن الانتخابات التي ستقرر ذلك مازالت بعيدة مسافة عامين، الأمر الذي سيفسح المجال أمام (توني بلير) للتركيز أكثر على أجندة القضايا الداخلية.

رئيس الوزراء البريطاني إلى المحكمة لسماع أقواله في وفاة كيلي
تقرير/ ناصر البدري: كشف مؤتمر حزب العمال البريطاني عن أزمة حقيقية يعاني منها الحزب الحاكم من دون أن يفلح في حلها، ولا حتى في تشخيصها بشكل واضح يوجهها نحو الحل، ومن الواضح أن المؤتمر الذي استمر خمسة أيام من الأشغال المتواصلة، لم يتمكن من تحقيق التصالح مع ذاته، ولا مع المواطنين البريطانيين، خاصةً فيما يتعلق بالحرب على العراق.

أنجيلا إيغل (وزيرة سابقة في وزارة الداخلية): من المهم النظر فيما اتفق عليه المؤتمر، وهو أنه علينا أن نساعد في إعادة إعمار العراق، وعلينا أن ندول إعادة الإعمار هذه في أسرع وقت ممكن.

ناصر البدري: الانقسام الذي كانت تتحدث عنه الشائعات بين رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وأنصاره البليريين من جهة، ووزير الخزانة القوي (غوردون براون) وأنصاره البراونيين من جهة أخرى، طفا على السطح وتكرَّس فوق ما كان متوقعاً، ذلك أن براون في الخطاب الذي ألقاه في اليوم الثاني من المؤتمر، واعتبر أشبه ما يكون بإعلان ترشيح لخلافة بلير، بدا وكأنه ينظر إلى الخلف بتركيزه على قيم حزب العمال التقليدية المائلة إلى يسار الوسط، بتجذرها في أوساط العمال والفقراء، وتأكيدها على الخدمات الاجتماعية، واهتمامها بمضمون العمل السياسي، بدل استراتيجيات العلاقات العامة الشكلية.

غوردون براون (وزير الخزانة): هذه الحكومة، حكومة العمال هذه حكومة تقف مع الشعب، فلتكن لكم الثقة في مبادئنا، وفي أن هذه المبادئ ستطور في سياسات العمال، حزب العمال هذا الأفضل عندما نكون الأجرأ، الأفضل عندما نكون متحدين، الأفضل عندما نكون عمالاً.

ناصر البدري: أما بلير الذي ألقى خطابه في اليوم الثالث من المؤتمر، فاختلف عن وزير ماليته إلى حد التناقض، بحيث بدا الخطاب رداً يؤكد فيه رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) إصراره على الاستمرار في زعامة الحزب وقيادته لدور ثالث على رأس السلطة، وشطبه صور الحنين لأساليب الحزب القديمة، لصالح حزب العمال الجديد، قائلاً إنه لن يتراجع عن إصلاحاته، فهو حسب تعبيره لا يملك جهاز التراجع إلى الوراء.

توني بلير (رئيس الوزراء البريطاني): أعرف أنني نفس الشخص الذي كنته، لكنني أكبر سناً وأصلب، وأكثر خبرة، الشخص ذاته مؤمناً بالأشياء نفسها، أنا لا أقود أبداً هذا الحزب بالحسابات، السياسة تحتاج إلى حسابات، أما القيادة فتأتي بالغريزة.

ناصر البدري: خطاب التحدي الذي ألقاه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، قُوبِل بتصفيق منقطع النظير، يقال إنه رُكِّب بدقة من طرف البليريين، وركز على رفض الاعتذار عن الحرب على العراق، بل وبررها كعادته مؤكداً استعداده لاتخاذ القرار نفسه، لو كان عليه أن يعيد الكرَّة، وقد رفض السماح بالتصويت على هذا الموضوع تحديداً، رغم مناقشته بشكل محدود ومقيد.

جون دانم (وزير سابق في وزارة الداخلية): من المهم جداً أن يفهم الناس أن الأعضاء هم الذين قرروا عدم التصويت، لم يفرض ذلك من طرف المنظمين هنا في الحزب، السبب هو أن هذه القضية قسمت الشعب وقسمت الحزب.

ناصر البدري: أنصار بلير ردَّدوا مواقف رئيسه من برامجه المثيرة للجدل، حتى تلك التي هزمت في التصويت داخل المؤتمر، مثل خطة إصلاح المنظومة الصحية، بإقامة ما يسمى بالمستشفيات الأساسية، ومثل فرض رسوم جامعية أعلى على الطلبة ونحوهما، وهي برامج أكد بلير تصميمه على تطبيقها رغم أنف معارضيه.

إصرار رئيس الوزراء البريطاني توني بلير على سياساته خاصة تجاه المسألة العراقية، يرى عددٌ من المحللين السياسيين أنه لن يسهم في التخفيف من حدة الخلافات داخل حزبه، بل يؤكد هؤلاء أنه سيزيد من حدتها وعمقها، خاصة إذا استمرت الأزمة العراقية على وضعها.

ناصر البدري - (الجزيرة) - بولمورث.

توني بلير.. شخصية الأسبوع

جميل عازر: وتوني بلير شخصية هذا الأسبوع في الملف أصغر من تولى رئاسة الحكومة البريطانية سناً، منذ (وليام تيت) الذي تسلم المنصب عام 1783، عندما كان في الرابعة والعشرين من العمر، وبقدر ما كان (تيت) متشبثاً برئاسة الحكومة، رغم الازدراء الذي أبداه مجلس العموم إزاء تعيين ذلك اليافع رئيساً للحكومة، فإن بلير متمسكٌ أيضاً بمنصبه وبزعامة الحزب، رغم تداعيات حربه على العراق، والتحقيق في انتحار خبير الأسلحة البريطاني، إضافة إلى الانتقادات المتواترة لسياساته الداخلية، فما هو معدن هذا السياسي الذي تمكن من إقناع الناخب البريطاني بأن للعمال حزب خلع سترة الاشتراكية ليرتدي ثوباً اجتماعياً مقبولاً أكثر في حقبة أفول نجم المنظومة الاشتراكية.

توني بلير
تقرير/جيان اليعقوبي: المشهد الأول يعود إلى خمسة أشهر مضت، توني بلير في ميناء البصرة بجنوبي العراق، وهو يعانق أطفالاً فرحين بوجوده بينهم، ثم وهو يقف وسط جنوده منتشياً بما ظنه نصراً حاسماً لن يكلفه الكثير.

المشهد الثاني يعود إلى خمسة أيام خلت، بلير في ميناء بولمورث بجنوبي إنجلترا وهو يخاطب محازبيه، وعلامات القلق والتوتر تعلو وجهه تحسباً لما تخبئه له الأيام القادمة، وكان بلير قبل قرار الانضمام إلى الحلقة الضيقة التي اصطفاها (جورج بوش) في نفسه، من المحسوبين على تيار يبشر بالأمل في إيجاد طريق ثالث يجمع بين فضائل الاشتراكية والرأسمالية، ولكنه يبدو الآن بعيداً جداً عن هذه الصورة التي أوصلته يوم 29 من مايو/أياَّر عام 97 إلى (10 داونينج ستريت)، وبلير اسكتلندي المولد وإن كان يتحدث بلهجة إنجليزية صافية، فقد ولد في أدنبرة عام 53 لعائلة برجوازية محافظة، ألحقته بإحدى مدارس النخبة التي تخرج منها عام 71، ليلتحق بجامعة أوكسفورد لدراسة القانون، وهناك انضم بلير النشيط والاجتماعي إلى حزب العمال، وفي عام 83 فاز بأول مقعد له في مجلس العموم نائباً عن (ستشفيلد)، ومنذ تلك اللحظة واصل بلير طريقه كسياسي ذي رؤية، مما جعل زعيم الحزب (نيل كونيك) رشحه عام 87 وزير ظلٍ لشؤون الطاقة، وفي عام 93 تحول إلى الشؤون الداخلية، وأصبح أخيراً زعيماً لحزب العمال في تموز/يوليو عام 94، وعندما خاض حزب العمال انتخابات 97 كان بلير الخطيب المفوه وصاحب الابتسامة الدائمة، قد أصبح بمثابة المنقذ لليسار البريطاني، تسانده عائلة متماسكة من زوجة تمثل الجيل الجديد من عقيلات السياسيين، فهي لم تتخل عن مهنتها كمحامية ناجحة، ولا عن وظيفتها كزوجة وأم، كما كان بلير حريصاً على أن يقدم نفسه دائماً كإنجليكاني مؤمن يحترم الشعائر الدينية، ولعل هذا من بين الأسباب التي جعلته صديقاً لبوش أكثر منه لكلينتون المتحرر، وقد استطاع بلير طوال مسيرته السياسية أن يكسب احترام الشعب البريطاني لأدائه السياسي المحترف، ولكنه سيسقط في شرك ولائه المطلق لسيد البيت الأبيض، والذي قد لا تكون أهدافه من شن حرب على نظام صدام حسين، تتطابق بالضرورة مع المصالح البريطانية العليا، وفي خطابه في بولمورث لم يتردد بلير في القول: إن العراق قسم المجتمع الدولي، وقسم الحزب والبلاد والعائلات والأصدقاء، وفاته القول إنه سيقسم أيضاً الناخب البريطاني، الذي ربما لن يغفر لبلير أنه ضلله في تبريراته للحرب، إرضاء للصديق الأميركي الذي يبدو أنه لن ينفعه وقت الضيق في مراكز التصويت.

علي بن فليس مرشح لانتخابات الرئاسة الجزائرية

زعيم حزب جبهة التحرير علي بن فليس
جميل عازر: أعلن حزب جبهة التحرير الوطنية الجزائري عن اختيار أمينه العام علي بن فليس مرشحاً لخوض انتخابات رئاسة الجمهورية ضد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، الذي لم يعلن بعد عن نيته على الترشح، وقد أتى الإعلان في تحدٍ لقرارٍ قضائي يمنع حزب الجبهة من عقد مؤتمر استثنائي.

ويرى البعض في هذا القرار ما يشير إلى أن بوتفليقة يريد تحييد علي بن فليس نائبه السابق، وهذا الصراع مرشح للاحتدام بين الرئيس بوتفليقة والحزب، الذي كان قد دعم ترشيحه عام 99، وكان بن فيس قد أصر على الاستقلال بالجبهة عن الحكومة في مارس/ آذار الماضي، وأردف ذلك بسحب جميع وزراء الحزب من الحكومة، لكن حزب الجبهة نفسه ليس موحداً، فهناك جناحٌ فيه مازال يؤيد بوتفليقة الذي سيبحث عن مخرج يضطره إلى حل البرلمان.

أوبرا عايدة في الصين

مهرجان أوبرا عايدة
وفي عالم الفن أيضاً أو في عالم الفن، شهدت العاصمة الصينية تدريبات لأكبر عرض لأوبرا عايدة، رائعة الموسيقى الكلاسيكي (فيردي)، ومخرج العرض وهو الكرواتي (كريس مير دولنشيتش) الذي قدم في مدينة (شنغهاي) أول أعماله في الصين قبل ثلاثة أعوام، عمل على تقريب الأوبرا الغربية إلى الآذان الصينية، بإدخال عناصر من فنون القتال والأوبرا الصينية، وبالإضافة إلى الأزياء الصينية، ولاعبي الكونغ فو، أشرك المخرج في أحد مشاهد العمل 1400 جندي من أفراد الجيش الصيني، يتحركون على المسرح وكأنهم في استعراض عسكري.

وبهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية على الإنترنت، أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.