مقدم الحلقة:

جميل عازر

ضيف الحلقة:

د. محمد جواد علي: مدير مركز الدراسات الدولية في جامعة بغداد

تاريخ الحلقة:

25/10/2003

- أزمة البرنامج النووي الإيراني
- القمة الآسيوية الباسيفيكية بين مكافحة الإرهاب والمشاكل الاقتصادية
- محاضر محمد.. شخصية الأسبوع
- العراق ومؤتمر مدريد للدول المانحة
- مفاوضات السلام السودانية في ظل زيارة وزير الخارجية الأميركي

- الاجتياح الإسرائيلي لرام الله والبيرة
- تعثر جهود السلام في أيرلندا الشمالية

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الحلقة من (الملف الأسبوعي)، وفيها:
إيران تعلن عن نقص في وفائها بالتزامات تفرضها معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.
قمة (الأيبك) بين الضغط الأميركي لمكافحة الإرهاب وضغوط المشاكل الاقتصادية الإقليمية.
والعراق في مؤتمر الدول المانحة في مدريد، تبرعات مالية فعلية لإعادة الإعمار أم وعود خُلاَّبية.

أزمة البرنامج النووي الإيراني

لا تزال إيران في قفص الاتهام حول نواياها النووية رغم التقرير المفاجئ الذي قدمته إلى المنظمة الدولية للطاقة الذرية في محاولة لطمأنة المجتمع الدولي بأنها لا تعتزم تطوير أسلحة نووية، ولكن اعتراف (المندوب الإيراني لدى المنظمة) علي أكبر صالحي بأن هناك تقصيراً من جانب طهران في الوفاء بالتزاماتها بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية يعزز الشكوك التي ظلت واشنطن والدول الأوروبية تعبِّر عنها إزاء برنامج إيران النووي، وربما كان لمحادثات وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا مع القادة الإيرانيين دور في المصارحة الجديدة التي أبدتها إيران في تقريرها المشار إليه.

د. علي أكبر صالحي
تقرير/سمير خضر: وأخيراً سلمت طهران لمحمد البرادعي ما ترى أنه كل ما لديها من أسرار تتعلق ببرنامجها النووي، فقد كانت إيران على مفترق طرق خطير، واختارت طريق السلامة على الأقل مؤقتاً من خلال الانحناء طواعية أمام العاصفة الدولية، لكن معظم الإيرانيين يعون حقيقة أن الرياح لا تزال تعصف بشدة، فالملف النووي لم يُغلق بعد، وربما لن يغلق أبداً.

الإيرانيون سحبوا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذريعة التي كانت تتحجج بها، وقطعوا الطريق أمام محمد البرادعي الذي كان يلوِّح بتحويل الملف إلى مجلس الأمن مع كل ما يعنيه ذلك من احتمال فرض عقوبات دولية على إيران وعزلها على الساحة الدولية.

النظام الإيراني استغل بذكاء شديد القشة التي ألقتها إليه أوروبا، وتعامل مع وزراء خارجية بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا بأسلوب استباقي، وقدَّم لهذه (الترويكا) الأوروبية ما رأى البعض أنه تنازلات هامة من قبل طهران، وعلى رأسها الموافقة على التوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية والذي ينص على عمليات تفتيش مفاجئة لمنشآتها النووية، وأكثر من ذلك فقد وافقت إيران على وقف برنامج تخصيب اليورانيوم ولو مؤقَّتاً، كما أنها اعترفت في تقريرها الأخير أنها لم تحترم بعض بنود معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

دخول الأوروبيين على خط الملف النووي الإيراني أضعف -على ما يبدو- الموقف الأميركي، الذي كان ينشد عزل إيران على الساحة الدولية، ورغم اضطرارها إلى الاعتراف بأن الإنجاز الذي حققه الأوروبيون يبشر بخير فإن واشنطن عادت لتعزف على الوتر نفسه الذي كانت تتبعه مع دول أخرى مثل العراق وليبيا وكوريا الشمالية، وهو التشكيك في نوايا إيران وتعهداتها، ملمِّحة إلى أن ذلك لم يكفِ لردع واشنطن عن الاستمرار في محاولاتها للإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية أو على الأقل عزله واحتوائه.

بعض الأجنحة في التيار الإيراني المحافظ اعتبرت الاتفاق تنازلاً عن ثوابت الجمهورية الإسلامية واستسلاماً للغرب، بينما يوجد جناح آخر يحاول التركيز على التمييز بين الأوروبيين والأميركيين وضرورة اللعب على وتر التناقضات بينهم لإفشال الاستراتيجية الأميركية، والتساؤل المطروح اليوم هو: هل الذين فاوضوا على الاتفاق يمثلون كافة شرائح النظام؟ وهل يحظون بمباركة مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي؟

يبدو الأمر كذلك فمثل هذه القرارات الاستراتيجية لا يمكن أن تصدر إلا بمباركة رأس الدولة مرشد الجمهورية على الرغم من التحفظات التي قد يبديها المغالون في التشدد، فقد كان هناك شبه إجماع على التسامي على الخلافات الداخلية لمواجهة الخطر الذي يحدق بالبلاد ولإنقاذ البرنامج النووي الإيراني من خطر التعرض للهجوم أو تعرض البلاد إلى عقوبات هي في غنى عنها، أما الإصلاحيون فيبدو أن دورهم كان ثانوياً، إذ اكتفوا بالمساهمة من خلف الكواليس في تشجيع الجناح المحافظ الذي كان يرغب في التوصُّل إلى تسوية، العاصفة لم تنتهِ بعد، لأن إيران في الحقيقة لم تقدم تنازلات جوهرية تذكر، وهذا ما تدركه واشنطن تماماً.

القمة الآسيوية الباسيفيكية بين مكافحة الإرهاب والمشاكل الاقتصادية

جميل عازر: ويندر هذه الأيام أن يخلو اجتماع أو مؤتمر أو ندوة إقليمية كانت أم دولية من الحديث عن الإرهاب ومكافحته رغم إلحاحية المشاكل التي تواجه التكتلات المختلفة، وفي هذا السياق كان مؤتمر القمة الآسيوية والباسيفيكية مناسبة لاستعراض مواقف دول هذا التنظيم أو التكتل الاقتصادي الطابع من النواحي الأمنية، وفي هذا الإطار برزت مشكلة برنامج كوريا الشمالية النووي، وهي مرتبطة أيضاً بالحرب على الإرهاب، لأن هذه الكوريا لا تزال مصنفة كجزء من محور الشر، وإذا كانت الفلبين النموذج الديمقراطي الذي تريد واشنطن تطبيقه على دول المنطقة، فإن (رئيس الوزراء الماليزي) محاضر محمد لا يتفق معها في هذا الطرح، بل ينظر إلى الدور الأميركي وسيلةً للهيمنة على العالم.

تقرير/حسن إبراهيم: لم يشذ إعلان تجمع دول آسيا والباسيفيكي عن المواضيع المتوقَّعة، تعاون أمني وتصميم على مكافحة الإرهاب وهاجس أميركي آخر هو المشادة المزمنة بينها وبين كوريا الشمالية حول برنامج بيونج يانج النووي، ولم يساعد الجهود الآسيوية التصلب الأميركي في موضوع معاهدة عدم الاعتداء كما اقترحت كوريا الشمالية، بل عرضت واشنطن على بيونج يانج مجموعة من الضمانات الأمنية، كما اقترحت الصين الوسيط الآسيوي الأقرب إلى القيادة الكورية، وهو ما رفضته بيونج يانج لاحقاً، لكن كان لا مفر من التعرض إلى الإرهاب، ومن هنا أتى إعلان بانكوك الذي قرأه رئيس الوزراء التايلاندي مليئاً بآمال عِرَاض لا يبدو أن هناك سبلاً عملية لتحقيقها، فالبيان يتحدث عن تفعيل قرارات منظمة التجارة العالمية خاصة ما اتخذ منها في (كانكور) والدوحة، وضرورة التوصل إلى آلية لتفادي الخلافات العميقة التي برزت بين الدول الصناعية الكبرى والدول النامية وتفعيل الاستثمار في اقتصاديات دول المنظمة مع الأخذ في الاعتبار الأسباب التي أدت إلى انهيار ظاهرة النمور الآسيوية في منتصف التسعينات>

والتثمين على الموقف الأميركي من الإرهاب، وضرورة التنسيق بين دول المنظمة بمحاربة الإرهاب والأسباب المؤدية إليه، وضرورة الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل وتفعيل التفاوض مع كوريا الشمالية لحل مشكلة برنامجها للتسلح النووي، وتفعيل التعاون والترتيبات الإقليمية والدولية لتفادي الثغرات القانونية التي يستعين بها الإرهابيون.

ويبدو أن واشنطن تريد اتباع أسلوبٍ أقل حدة من الذي اتبعته إزاء العراق أو أفغانستان، فواشنطن تريد تغيير أو تنقيح المناهج التعليمية خاصة في بلاد أيبك الإسلامية، مثل إندونيسيا وماليزيا، وبدا ذلك جلياً في إعلان الرئيس بوش في إندونيسيا عن تخصيصه مبلغ مائة وخمسة وسبعين مليون دولار لجعل المناهج الإندونيسية أقل تحريضاً على التطرف، لكن يعتقد البعض أن هذا المبلغ غير كاف في أكثر دول العالم الإسلامي سكاناً، والتي تعاني من نفوذ متنامي لمختلف الجماعات الإسلامية التي لا تريد أن ترى بلادها في تحالف تراه غير مقدس مع الولايات المتحدة لمكافحة ما تسميه بالإرهاب.

غير أن بعض دول أيبك تواجه مشاكل تنموية واقتصادية كبيرة، ولذا فإن هناك من يأخذون على واشنطن عدم اهتمامها حقيقة بالتنمية أو بالحلول الاقتصادية بل تركز جُلَّ إسهاماتها في المجالات الأمنية كما هو الحال مع الفلبين على سبيل المثال، وليس هناك تعامل تفضيلي جمركي في الولايات المتحدة مع معظم سلع بلاد الأيبك اللهم إلا مع بعضها مثل الصين.

قد يكون من الإجحاف الحكم على مؤتمر الأيبك على أنه جزء من رحلة علاقات عامة للرئيس الأميركي الذي يريد توطيد علاقاته بدول جنوب شرقي آسيا، وهو الذي يعاني من تعثُّر مشروعه العراقي، لكن رحلته إلى أستراليا، وخطابه أمام البرلمان في (كانبيرا) ربما أكَّدا ذلك الانطباع.

محاضر محمد.. شخصية الأسبوع

جميل عازر: والعلاقات العامة لم تكن على ما يبدو في اعتبارات رئيس الوزراء الماليزي الدكتور محاضر محمد عندما انبرى حتى قبل القمة لانتقاد السياسة الأميركية إزاء العالم الإسلامي، فالرؤية التي ينظر من خلالها إلى مشاكل منطقة الشرق الآسيوي تختلف كثيراً عن مواقف العديدين من زعماء دولها، ويبدو واضحاً أن هذا السياسي المحنك بقي متمسكاً بمواقفه من المشاكل الاقتصادية ومن القضايا العالمية، رغم الضغوط التي تعرض لها، وإذ يستعد محاضر محمد لاعتزال العمل الرسمي نلقي نظرة على شخصية الأسبوع في الملف، وقد نهض بماليزيا إلى مصاف الدول التي حققت إنجازات مرموقة في ظروف صعبة.

محاضر محمد
تقرير/جيان اليعقوبي: لم يفاجأ الماليزيون كثيراً بتصريحات رئيس وزرائهم المخضرم محاضر محمد، فقد عُرف عن محاضر الجرأة في التعبير عن آرائه حتى لو جاءت صياغتها بطريقة استفزازية أو فجة.

محاضر أثار دهشة المراقبين الذين رأى بعضهم ألا ضرورة لمثل هذه التصريحات الآن، فالرجل البالغ من العمر سبعة وسبعين عاماً سيذهب إلى بيته بعد أيام ليتقاعد بعد أن حكم بلاده عقدين ونيِّفاً، ولكن الذين خبروا محاضر وعرفوه عن قرب لم يفاجأوا، فهو منذ أن دخل معترك السياسة لم يعرف المهادنة، فخصومه كثيرون بدءاً بالتيار الإسلامي المتشدد في بلاده وانتهاءً بالغرب الذي يتوجس من كل قوة ناهضة خارج منظومته التي تسيطر على العالم منذ خمسة قرون.

محاضر محمد هو أصلاً طبيب أقفل عيادته عام 64 ليصبح عضواً في البرلمان، لكنه ما لبث أن طرد من منظمة الاتحاد الوطني الماليزي بعد أن وجَّه عام 74 رسالة مفتوحة إلى رئيس الوزراء الأسبق (تانكو عبد الرحمن) يتهمه فيها بإهمال الملاويين وهم سكان البلاد الأصليون، لكنه ما لبث أن عاد إلى عالم السياسة عندما نشر كتاب "المعضلة الملاوية" الذي لقي شعبية هائلة وسط كوادر الحزب الشبابية، وعيِّن على إثرها وزيراً للتربية والتعليم، ودشن عهده بتخفيض الحصص الأدبية في المدارس والتركيز على الرياضيات واللغة الإنجليزية، ثم أصبح نائباً لرئيس الحزب قبل أن يتولى رئاسة الوزراء عام 81، فور تسلمه هذا المنصب بدأ محاضر في تنفيذ أفكاره لتحويل ماليزيا من بلد ينتمي إلى العالم الثالث مصدِّر للثروات الطبيعية مع ديكورات توحي بالتطور والحداثة من مطارات وأبراج تجارية ومهرجانات إلى دولة عصرية تنتج المعدات الإلكترونية والحديد والصلب والسيارات مع توزيع عادل للثروة، جعل الطبقة الوسطى الماليزية ذات قاعدة واسعة ومؤثِّرة، وهكذا أصبح محاضر الناطق غير الرسمي باسم آسيا الجديدة، آسيا القوية باقتصادها وإنسانها المنصرف إلى الإنتاج لا الكلام، وإلى الاعتزاز بهويته الوطنية دون الخوف من التواصل مع الغرب، مما جعل منه بطلاً في نظر الكثيرين سواء داخل بلاده أو خارجها.

وتعليقه عن تزايد نفوذ النخب اليهودية في الغرب لم يجرؤ على التلفظ به أي زعيم عربي، وحتى إن فعل فلا أحد سيعلِّق عليه، ولن يثير نفس ردود الفعل الغاضبة لأن محاضر حين يتكلم فهو ينطق باسم نمرٍ آسيوي حقيقي، أما الآخرون فأعداؤهم يعرفون تماماً أنهم نمورٌ من ورق.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيها أيضاً بعد فاصل:
السودان في خضم مخاض السلام، فهل تنتهي الجهود بسلام شامل ومستدام؟

[فاصل إعلاني]

العراق ومؤتمر مدريد للدول المانحة

جميل عازر: وإلى الملف العراقي، قد يجد الرئيس الأميركي في.. فيما تم إعلانه بعد مؤتمر الدول المانحة في مدريد، ما يحسبه تأييداً دولياً لسياسته إزاء العراق، ففي الظروف الراهنة لابد وأن يكون أي تلميح بدعم مالي لإعادة إعمار العراق سبباً لرفع معنويات إدارة تواجه من الانتقادات والمعارضة على الصعيدين الداخلي والدولي ما لم تتوقعه حتى قبل شن الحرب، ولا يزال من السابق لأوانه معرفة مدى جدية الدول والمنظمات التي أعلنت عن استعداد للمساهمة في عملية الإعمار، التي تتطلب مبالغ طائلة، ليست متوفرة الآن، غير أن مؤتمر مدريد يظل نقطة انطلاق لواشنطن، وهي تسعى لاجتذاب التأييد لموقفها من العراق.

د. محمد جواد علي
تقرير/مكي هلال: انفض السامر في مدريد، بعد أن توصل إلى جمع ما يناهز 33 مليار دولار وعدت بتقديمها الدول والمنظمات الدولية المشاركة في المؤتمر، على شكل منحٍ وقروض ومساعدات في قطاعات حيوية مختلفة، وبدا واضحاً من خلال حجم المساهمات تداعيات الحرب، والموقف منها والمشاركة فيها، وتناسب ذلك مع المبالغ الموعودة، الولايات المتحدة تعهدت بتقديم عشرين مليار دولار، أما اليابان فقد وعدت بمنح خمسة مليارات دولار، كما تعهد الاتحاد الأوروبي بتوفير 826 مليون دولار، فيما تعهد صندوق النقد الدولي بمساعدات بقيمة قد تصل نحو أربعة مليارات ومائتين وخمسين مليون دولار، وقد وعدت إيران بتسهيل ائتماني، أما دول الخليج فقد تعهدت بنحو مليار ونصف المليار بين السعودية والكويت، فيما تعهدت الإمارات بمبلغ قدره مائتان وخمسة عشر مليون دولار، مجلس الحكم اعتبر المؤتمر ناجحاً، رغم عدم بلوغه المبلغ الذي حددته الأمم المتحدة والبنك الدولي لإعادة إعمار العراق، أو حسم ملف إسقاط الديون، وردِّ المجلس على وعود مدريد بوعود مماثلة بالاستجابة الكاملة لمطالب الدول المانحة من اعتمادٍ للشفافية في تحديد أولوية المصروفات، وهو مطلب شعبي عراقي، إذ يطالب الشارع العراقي بأن تركز الجهود على قطاعات حيوية كالصحة والأمن والبنية الأساسية ومكافحة البطالة المتزايدة بعد الحرب.

ويظل السؤال عن قدرة وفرة المال على حل المشاكل في بلد ليس فقيراً أصلاً، وفي ظل بيئة غير آمنة، وتكالب للشركات الأميركية والعالمية على عقود إعادة الإعمار، وغياب قانون واضح، ومؤسسات عراقية شرعية قادرة على البحث والتثبُّت في أوجه الإنفاق وعقد الصفقات وإبرام العقود، وهو أمر بات بيد قوات التحالف، بل هو احتكار أميركي صرف.

الأموال الموعودة لن تقلب حال العراق بين يوم وليلة، بل إن ما يلي مؤتمر مدريد سيكون الاختبار الحقيقي لمدى قدرة المجلس على إنجاز خطوات يلمسها المواطن العراقي، الذي يزداد وضعه معاناة، لم تكن مؤتمرات سابقة للدول المانحة في نسخ حديثة بأفغانستان وغيرها الحل السحري له.

جميل عازر: ومتابعةً لهذا الموضوع ينضم إلينا من بغداد (الكاتب والمحلل السياسي) الدكتور محمد جواد علي. دكتور محمد، هل يبدو لك أن نتائج مؤتمر مدريد يمكن التعويل عليها للتخطيط لإعمار العراق؟

د.محمد جواد علي: هناك حقيقة لابد أن نقولها في البدء، هو شيء أحسن من لا شيء، عُقِدَ المؤتمر لمساعدة العراق، والعراق ذهب بكل قوته للحصول على مساعدات لتصل إلى حدود 56 إلى 60 مليار لأجل بناء بنيته التحتية لما دمره العدوان والحرب في بداية هذا العام، إلا أن الطموح لا يمكن أن يتحقق دائماً، وهناك أسباب ليس فقط اقتصادية، هناك أسباب سياسية منعت تحقيق هذا الطموح، منها استمرار الاحتلال، استمرار عدم استقرار الحالة الأمنية، عدم وجود سلطة شرعية تمثل الشعب العراقي، هي التي باعتقادي قد منعت وصول المساعدات إلى مرحلة أو إلى سقف الـ56 مليار دولار، هذا حقيقة لابد أن نلمسها من خلال هذا المؤتمر، هو بحد ذاته نجاح لا بأس به لتحقيق التنمية أو بناء البنى التحتية في العراق.

جميل عازر: طيب، في تقديرك دكتور محمد، بين الاعتبارات أو الأولويات الاقتصادية والأولويات السياسية، أين يمكن البدء في إعمار العراق؟
د.محمد جواد علي: في البدء لابد من القول أن المسألة الأساسية بالنسبة لـ33 مليار دولار، هناك مسألة جداً مهمة لابد أن نذكرها، إنها بحدود نصف هذه هي على شكل قروض، وهذا معنى ذلك أنه زيادة كاهل العراق بالديون، نحن الآن نحاول أن نبرمج ونهيكل ديون مترتبة على العراق بحدود الـ200 مليار، وإضافة لها بحدود الـ20 إلى 22 مليار.. مليار دولار من هذه المساعدات الحديثة، منها 10 مليار قروض من الولايات المتحدة، منها قروض أخرى من البنك الدولي بحدود 3 مليار، منها من اليابان قسم من مساعداتها، منها من الدول الأوروبية المانحة، منها حتى من بعض البلدان التي منحت لنا هذه المساعدة، نصفها منح ونصفها مساعدات ائتمانية لشركاتها، هذا مُعوِّق أساسي لقيادة عملية التنمية، إلا أنه ما يمكن أن يقال أن حاجة العراق الأساسية اليوم لعجلة التنمية أو للخروج من عنق الزجاجة الرئيسية هو.. هو مسألة الجانب الصحي الأساس الأول، ومن ثم الجانب التعليمي، ومن ثم الجانب البنائي، العجلة الصناعية ذات البنى التحتية من ماء ومن كهرباء، لابد من توفيرها، خصوصاً نحن الآن نشكو من تخلف أو.. أو وقوف العجلة الصناعية، وبالذات في مسألة الطاقة، مسألة الكهرباء، مسألة البترول، مسألة النفط، هذه مسائل جداً أساسية، النقل الآن متخلف في بلدنا، هناك جملة من المسائل لابد أن تحل.

هذه.. هذه المسائل الدول المانحة تعلقها بالجانب السياسي، الجانب السياسي الآن في العراق، هذه الدول تقول لابد من توفر الجانب الأمني بشكل أساسي وأوَّلي، ومن ثم وجود حكومة شرعية دستورية في العراق، لكي نساعد العراق، نحن نبغي ألا نصل إلى حالة أفغانستان، الدول المانحة منحت أفغانستان كثير من الأموال، ولم تصل أفغانستان إلى هذا اليوم، نحن نبغي أن تصلنا الأموال، وليس فقط بمنح هذه الأموال، إنما وصول هذه الأموال إلى العراق، وقيام عجلة التنمية وإنهاء حالة الدمار الذي شمل به العراق من شماله إلى جنوبه نتيجة لحرب عام 2003.

جميل عازر: طيب وكأنك تقول دكتور محمد أن هناك افتقاراً لتفهم الموقف أو حقيقة الموقف في العراق، في تقديرك ما هي العقبة التي تمنع الأطراف المعنية، خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا دولتي الاحتلال من تفهم الموقف، ومتطلبات الوضع في العراق الحالي؟

د.محمد جواد علي: هناك مسألة جداً مهمة، قوات التحالف في وقتها الولايات المتحدة وبريطانيا وعدت جانب أساسي، وعدت جانب المعارضة في مؤتمر لندن، أنه مباشرة بعد الدخول إلى العراق سوف تسلم السلطة إلى هذه الفئات السياسية، لكن الذي حدث في قرار 1483 أكد في هذا القرار وجود سلطة احتلال، كرَّس أن القوات للولايات المتحدة والقوات البريطانية هي قوات احتلال، أي أن سلطة وقيادة البلد تعود لسلطة الاحتلال، وليس للأحزاب السياسية التي كانت تمثل معارضة في حينها، هذا في حد ذاته معوق للسيادة في العراق، وهذا إضافة إلى هذا أيضاً معوق أيضاً بالنسبة للقوى الدولية المانحة، منها فرنسا ومنها ألمانيا ومنها روسيا، باعتبار إن هذه الدول اعتبرت أن كل حرب وكل احتلال هما عملان باطلان وفق القانون الدولي، وفق الشرعية الدولية، خصوصاً أن مسألة الحرب التي وقعت على العراق لم تأخذ الشرعية الدولية من مجلس الأمن، حقيقة هناك حقيقة وأساسية، رغم إن.. إن الاحتلال قائم، لكن هو قائم ليس بوضع قانوني دائم، وهذه مسألة جداً مهمة، يجب على التحالف أن ينقل العراق إلى حالة السيادة، إلى حالة وجود حكومة شرعية، بها حد ذاته هذا ستمنح الشرعية للبلدان المانحة، ولصندوق المساعدات العراقية، الذي سينبثق عن هذا المؤتمر لتقديم المساعدات وقيادة التنمية في العراق.

جميل عازر: طيب دكتور.. دكتور محمد أخيراً، يبدو من هذا القول أن العراقيين ينتظرون من الخارج أن يقوموا بإعمار البلد، ولكن ما الذي ينبغي على العراقيين أن يقوموا به في صدد البدء في عملية إعمار العراق؟

د.محمد جواد علي: مطلوب الآن من العراقيين أولاً العمل على إطفاء الديون من النظام السابق، هناك مسألة ترتبت على النظام الحالي، ديون تصل إلى حدود 200 مليار، وهذه الـ200 مليار المفروض على الدول التي ساعدت العراق، وعملت على إسقاط النظام السابق، أن تعمل على إسقاط الديون المترتبة، أو هيكلتها على المدى البعيد، إضافة إلى هذا لابد من التأكيد على أن الدول المانحة الآن للمنح للعراق، أن تكون جميعها منح وليس قروض، لأنها ذلك سيترتب ديون إضافية على العراق تصل إلى حدود 230 مليار دولار، هذا بحد ذاته من العراقيين الآن مطلوب أيضاً العمل على استقرار الوضع في البلد، وتأكيد الجانب الأمني، هذا الجانب الأمني لا يتوفر من سلطة الاحتلال، يمكن أن يتوفر من العراقيين أنفسهم، نعم.

جميل عازر: دكتور.. دكتور محمد جواد علي في بغداد شكراً جزيلاً لك.

مفاوضات السلام السودانية في ظل زيارة وزير الخارجية الأميركية

تقرر تمديد مفاوضات السلام السودانية أسبوعاً آخر لحل المشاكل الشائكة التي تواجه الجانبين، بعد أن تم حسم الملف الأمني، فالمتفاوضون ينبغي عليهم حسم قضايا تقاسم السلطة والثروة وهوية العاصمة القومية، لكن مما لاشك فيه أن رحلة وزير الخارجية الأميركي (كولن باول) إلى نيفاشا بكينيا، حيث تجري المفاوضات، قد قدمت دفعة كبيرة لجهود السلام، وأكثر ما يخشاه المراقبون للشأن السوداني، هو أن تهميش الأحزاب الكبيرة الشمالية في المرحلة الحالية قد يهدد آمال الاستقرار.

علي عثمان طه , جون قرنق
تقرير/رأفت يحيى-كينيا: أضفت زيارة وزير الخارجية الأميركي (كولن باول) لمقر مباحثات السلام السودانية المنعقدة بمنتجع نيفاشا الكيني بُعداً دولياً هاماً، على ملف الأزمة السودانية، التي يجري بحثها بشكل مكثف منذ فترة طويلة بين (النائب الأول للرئيس السوداني) علي عثمان طه، وزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان العقيد (جون جارانج) وقد اعتبر الكثيرون زيارة المسؤول الأميركي بمثابة قوة دفع كبيرة لطرفي التفاوض، من أجل التوصل إلى صيغة توفيقية، تتجاوز العقبات التي صاغها الإرث الثقافي والاجتماعي، والتباين السياسي الذي أنتج الصراع في الجنوب، وما ترتب عليه من سقوط أكثر من مليون قتيل وتشريد أكثر من أربعة ملايين لاجئ، فضلاً عما أحدثته الحرب من شلل لعملية التنمية في الكثير من مناطق البلاد.

ومع الأهمية البالغة لزيارة المسؤول الأميركي التي وضعت المباحثات السودانية في دائرة الضوء، إلا أنه بقيت علامات استفهام كبيرة حول دلالات ذلك الحرص الأميركي على إنجاز اتفاق سلام في السودان، إذ فسره البعض على أنه من قبيل تحسين صورة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، التي تدنت كثيراً بعد غزوها للعراق، وما يوجه إلى واشنطن من تهم تتعلق بانحيازها الواضح لإسرائيل، هذا فضلاً عن حرص الرئيس الأميركي على كسب أصوات الأميركيين السود واليمين الأميركي المحافظ اللذين يدعمان حركة جون جارانج في الجنوب، خاصة وأن الانتخابات الرئاسية الأميركية باتت وشيكة.

وكانت الجولة السابقة من محادثات السلام السودانية التي شهدت إنجازاً على مستوى الترتيبات الأمنية أعطى المفاوضين السودانيين أملاً كبيراً في حسم القضايا الخلافية الأخرى المتعلقة بتقاسم الثروة والسلطة والترتيبات الأمنية، وقد اعتبرت قضية تقاسم الثروة هي الحلقة الأكثر مرونة بين القضايا الأخرى محل النزاع، وكان الاعتقاد السائد أن يشهد المسؤول الأميركي توقيعاً على اتفاق حول هذه القضية، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث، فقد برزت على السطح خلافات حول النظام المالي في البلاد، وهل يكون علمانياً أو إسلامياً، فضلاً عن أن يكون هناك عملتين وبنكين مركزيين في كل من الشمال والجنوب، وهو أمر لا يزال يثير جدلاً واضحاً.

ويبقى مصير مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق ومنطقة (آبي) محل خلاف واضح بين الجانبين، فالحكومة السودانية تعتبر المناطق الثلاثة جزءاً من الشمال السوداني، غير أن الحركة الشعبية تطالب بأن يطبَّق على تلك المناطق ما سيطبق على الجنوب من استفتاء لحق تقرير مصير سكان تلك المناطق.

وتشكل قضية تقاسم السلطة وما تتضمنه من تفاصيل تتعلق بصلاحيات الرئيس ونائبه والسلطات التنفيذية والقضائية ووضع العاصمة القومية فضلاً عن علاقة المركز بالحكومة الإقليمية في الجنوب خلال الفترة الانتقالية تشكل هذه القضايا جميعاً محاور معقدة تتطلب تنازلات هامة من الجانبين لحسم تلك الخلافات خاصة وأن الإدارة الأميركية اعتبرت نهاية ديسمبر المقبل مهلة أخيرة للسودانيين لحسم خلافاتهم.
يبقى الحاضر الغائب في المعادلة السودانية هو تلك القوى التي لم تشارك في المفاوضات، والتي تحذر من أن يكون مصير أي اتفاق نهائي بين الحكومة والحركة مآله الفشل ما لم يؤخذ بعين الاعتبار رأي تلك القوى في تقرير مستقبل السودان.
رأفت يحيى -(الجزيرة)- لبرنامج (الملف الأسبوعي)- نيفاشا- كينيا.

الاجتياح الإسرائيلي لرام الله والبيرة

جميل عازر: ما بين الاجتياح الإسرائيلي لرام الله والعمليات المتبادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين يزداد تعقد الصراع بين الجانبين، وإن كان أحمد قريع (رئيس الوزراء الفلسطيني) يعاني من صعوبات في تشكيل الحكومة فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي (أرييل شارون) يعاني أيضاً من فشله في تحقيق الأمن للمواطنين الإسرائيليين وفي تخفيض سقف المطالب الفلسطينية، وقد نددت الجمعية العمومية للأمم المتحدة ببناء الجدار الأمني الذي أصبح ركيزة لسياسة شارون، وبينما تتحول خارطة الطريق إلى سراب تنتظر المنطقة مبادرةً ما تعيد الأمل إلى من يريدون حلاً سلمياً للصراع.

إجتياح رام الله والبيرة
تقرير/وليد العمري: الاجتياح الأخير لمدينتي رام الله والبيرة، الذي استمر أربع ساعات وسط الأسبوع الماضي كان من الخطورة بمكان لأنه جاء على خلفية تصاعد التهديدات الإسرائيلية بإبعاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، آخر ما حُرِّر بهذا الشأن جاء على لسان رئيس الحكومة الإسرائيلي أرييل شارون في بيانه السياسي أمام الكنيست حيث أعلن عن تسريع العملية بإزالة عرفات عن الحلبة السياسية.

الآليات العسكرية الإسرائيلية التي زاد عددها على الأربعين بعد يوم من هذا التصريح الخطير -بنظر الفلسطينيين- اقتحمت المدينتين من ثلاثة محاور، بعضها جاء من مستوطنة (تساجوت) في الشرق، والبعض الآخر من مستوطنة (بيت إيل) في الشمال، أما القوة الثالثة فقدمت من معسكر عوفر قرب بيتونيا في غرب رام الله.
الجيش الإسرائيلي سارع إلى الإعلان أن عمليته محدودة وأن هدفها ملاحقة والبحث عن نشطاء حماس والجهاد الإسلامي، العملية تركزت وسط المدينتين في المنطقة المحيطة بمسجد جمال عبد الناصر، حيث دخلت القوات الإسرائيلية مع صلاة العشاء بينما المسجد مكتظ بالمصلين.

مواطن فلسطيني: والناس تصلي اقتحموا المسجد دخلوا عليهم جوا خلوهم كملوا صلاتهم، وبعدين منعوهم يطلعوا.. منعوهم يطلعوا، خشوا ببساطيرهم جوا، وصاروا يطلعوا خمسة خمسة بره ويدققوا بهوياتهم، وبعدين طلبوا من إمام المساجد إنه يفتح لهم كل أبواب المسجد، وفتشوه تفتيش دقيق جداً حتى البير نزلوا في قلب البير.
وليد العمري: قوات الاحتلال لم تكتف بذلك، فاجتياحها الذي ترافق مع فرض حظر التجوال شمل إلى جانب عمليات الدهم الاستيلاء على مبانٍ مطلة على قلب المدينتين، ولم تسلم من ذلك قناة (الجزيرة) إذ حاصر جنود الاحتلال فريقها داخل مكتب (الجزيرة) طيلة ساعات الاجتياح، فاعتلوا سطح المبنى، وسدوا مدخل المكتب الواقع في الطابق الأخير.

انتشار القوات الإسرائيلية كان واسعاً وسريعاً، وهو ما أثار الشبهات عن أن الهدف ربما الرئيس الفلسطيني، رغم أن آليات الاحتلال لم تدخل أو تقترب من ساحات مقره هذه المرة، وقد اكتفت بملاحقة المواطنين الذين أصيب منهم أكثر من عشرين، بعضهم بجراح مختلفة إحداها قاتلة، وقد جعل هذا الأمر البعض لا يستبعد أن يكون الجيش الإسرائيلي إنما يجري مناورات وتدريبات على كيفية اقتحام مقر الرئاسة وإبعاد الرئيس الفلسطيني إن أمكن، دون إتاحة المجال أمام الفلسطينيين للتظاهر والتصدي.
ومما يعزز هذا الاحتمال أن اجتياح رام الله والبيرة، وبعض البلدات والقرى بالضفة الغربية وإن امتد لبضع ساعات فقط، قد ترافق مع اجتماع سرِّي ترأسه رئيس الحكومة الإسرائيلي أرييل شارون لقادة الأجهزة الأمنية وكبار الوزراء، خلاصة هذا الاجتماع كانت أن عملية السور الواقي الثانية أصبحت وشيكة، نُذكِّر فقط بأن عملية السور الواقي الأولى كانت اجتياح الضفة الغربية بالكامل.
وليد العمري -(الجزيرة)- خاص لبرنامج (الملف الأسبوعي).

تعثر جهود السلام في أيرلندا الشمالية

جميل عازر: لم يفلح إعلان الجيش الجمهوري الأيرلندي التخلي عن قسم كبير من أسلحته في إرضاء القوى الاتحادية البروتستانتية، وحتى (ديفيد ترمبل) رئيس الحكومة الانتقالية المحلية، لم يستطع المراهنة على المبادرة الجمهورية، خوفاً من جماهير الاتحاديين، التي تنتظر الانتخابات في الشهر المقبل، ويخشى الأيرلنديون أن يفوز الحزب الديمقراطي الاتحادي، الذي يقوده القس (إيان بيزلي) والذي لا يؤمن بأي تقارب مع الجمهوريين ما لم يلقوا بأسلحتهم من دون مواربة، ومما يزيد الوضع تعقيداً أن المنظمات البروتستانتية المسلحة بقيت خارج دائرة القيود على الميليشيات المسلحة في أيرلندا الشمالية.

تقرير/أسامة راضي: تأجلت وللمرة الثالثة وقد لا تكون الأخيرة، انتخابات إدارة ذاتية لأيرلندا الشمالية، تجمع خصومها التاريخيين، بعد أن كانت تلك الانتخابات قاب قوسين أو أدنى، فأجواء عدم الثقة لا تزال سائدة بين طرفي النزاع وهما الاتحاديون البروتستانت مؤيدو الحكم البريطاني للإقليم، والجمهوريون الكاثوليك الذين يسعون للانفصال عن المملكة المتحدة، والانضمام إلى الجمهورية الأيرلندية.

ولعل في تطورات الثلاثاء الماضي دليلاً على انعدام الثقة بين الجانبين، رغم اتفاقية الجمعة العظيمة، التي وُقعِّت عام 98 وتنص على تقاسم السلطة بين الكاثوليك والبروتستانت، وترتب لنزع السلاح مع إجراء انتخابات لإنهاء نزع دامٍ راح ضحيته حوالي ثلاثة آلاف شخص، وبدلاً من أن يصبح ذلك اليوم مفصلياً يدخل أيرلندا الشمالية إلى مرحلة سلام نهائي، انهارت فيه مفاوضات استمرت أسابيع، وتحول ليصبح مخيباً للآمال كما عبر عنه ذلك (توني بلير)، فلندن كانت أعلنت بالفعل أن الانتخابات التي طال انتظارها ستُجرى الشهر القادم، لاختيار إدارة مشتركة بدلاً من الإدارة التي حلتها العام الماضي، إثر ادعاءاتٍ بتجسس منظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي على تلك الإدارة التي رَأَسها (ديفيد ترمبل) زعيم حزب (ألستر) البروتستانتي الاتحادي، وفي اليوم نفسه أعلنت المنظمة أنها نفذت مرحلة ثالثة من مراحل نزع أسلحتها، وصفتها اللجنة الدولية المشرفة على تلك العملية بأنها تخلصت فيها من كم أكبر من المراحل السابقة، ولكن المنظمة واللجنة لم تفصحا عن حجم السلاح المعطل، الأمر الذي أثار سخط الاتحاديين، فالجيش الجمهوري يبدو أنه يحرص على عدم إشهار موقف يمكن تفسيره على أنه عمل استسلامي.

الجيش الجمهوري الذي يرى أن الحرب انتهت بالفعل في شوارع أيرلندا الشمالية، وأن العمل يجب أن يتركز على الإصلاح، حَرِصَ على تأكيد التزامه بنزع سلاحه وباتفاق الجمعة العظيمة، وهو موقف أكمله (جيري آدامز) زعيم (الشين فين) جناحه السياسي، وفي نفس اليوم بإعلانه معارضة الشين فين للتهديد باستخدام القوة لتحقيق أي غرض سياسي.

الانسحاب من المفاوضات المؤدية للانتخابات برره ديفيد ترمبل زعيم البروتستانت بأن تخلي الجيش الجمهوري عن دفعة من سلاحه دون الإطلاع على حجم السلاح الملقى، أمر غير كافٍ ويتنافى والشفافية المطلوبة، وهو موقف برره رئيس الوزراء البريطاني، الذي يرعى هو ونظيره الأيرلندي الجهود الهادفة لإنهاء نزاع أيرلندا الشمالية، فبلير أيضاً يرى ضرورة توفير الفرصة لتقييم حجم خطوات الجيش الجمهوري، وتوضيح الموقف المستقبلي لعملية نزع السلاح، وهو ما يعني ممارسة المزيد من الضغط على الجيش الجمهوري، والحاجة للمزيد من الوقت لتوفير الثقة بين طرفي القضية، قبل إحلال السلام الفعلي في الإقليم.

جميل عازر: وبهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية (الإنترنت) أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني.

وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام، لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.