- النشأة وذكريات ما قبل الحرب
- الانضمام للجيش وخوض حرب قبرص

- شاني شانلي.. الشهيد الحي

النشأة وذكريات ما قبل الحرب

شاني شانلي- محارب تركي: جسمي هنا ولكن العقل هناك، بدأت أفهم كل شيء فهما خاطئا، كنت أتشاجر مع أعز أصحابي وكسرت قلوبهم، ما كنت أستطيع النوم، كنت أقوم وأصيح وأبكي، كنت أتناول أقراصا مسكنة أثناء الليل، صاحبي الحميم زكي.. أحد أصحابي الغزاة رمى نفسه من الطابق الثاني وانكسرت رجلاه، عولج في مستشفى غاطا، كنت قد سمعت عن غاز من محافظة أدانا، كان متأثرا تأثرا بالغا بالحرب، ذبح زوجته وأولاده بعد سنتين أو ثلاث وهذا غاز أيضا وهكذا كنا نعاني من صدمة نفسية موجعة للغاية ولكي يتحسن وضعنا النفسي لابد من قطع رؤوسنا واستبدالها بأخرى وبمخ جديد، ستستمر معنا هذه الصدمة حتى الموت ولا نتيجة، مهما حاولنا معالجة أنفسنا، فأنا مثلا أعيش ذكرياتي من جديد حينما أتحدث معكم.

[محارب قبرص]

سلاما للوطن فسلاما للعالم، لقد صمدوا حتى مد الوطن يديه إليهم.. فليعش الناس جميعا إخوانا كي لا تكون الحرب بين الشعوب من بعد، عار على العدو تلك المجزرة التي ارتكبها في حق الشباب والأولاد والشيوخ والنساء والأطفال وكل الشعب التركي القبرصي الذي واجه اجتياح العدو لوطنه، من جيشنا يأتينا النصر والسلام والطمأنينة والسرور.

شاني شانلي: اسمي شاني شانلي، مولود في مقدونيا في عام 1953، في عام 1957 بسبب الحرب أجبرنا على الهجرة إلى تركيا، لم نتمكن من العيش في بلادنا فهاجرنا إلى تركيا، كانت مقدونيا تحت احتلال الألمان في تلك الفترة، الهجرة صعبة فأنت تغادر بيتك، عائلتك، أرضك وجميع ما تمتلكه، أي أنك تأتي من دولة إلى دولة أخرى وليس معك شيء أبدا، في علي بي كوي في ذلك الوقت كان هذا البيت فقط، الطابق العلوي ما كان موجودا، هذه المنطقة كانت أرضا موحلة، كنا نستخدم مصابيح الغاز وندرس على نورها، استمر الوضع على تلك الحال، أصيب والدي المرحوم بمرض السل المهاجرون، في تلك الفترة كانوا يستنكرون عمل النساء، ينبغي على النساء ألا يعملن.. إذا عملن فهذا أمر سيئ ولكن أمي اضطرت للعمل لأن أبي كان مريضا بمرض السل وعاطلا، في تلك الفترة المهاجرون كانوا لا يملكون نقودا، أخذنا والدنا إلى جزيرة هيبلي آدا إلى مستشفى سيناتوريوم، كان مريضا، نحتاج إلى مال لعلاجه ولا نملكه وتوفى والدي.. لا يوجد في يدنا شيء حتى أننا لم نتمكن من إحضار جثمان والدي إلى هنا لأنهم طلبوا منا تابوتا من النحاس وقاربا خاصا ولم نتمكن من إحضارها وقبره في هيبلي آدا الآن، وصلنا إلى عام 1967 أو 1968 حين أكملت دراستي وبدأت أعمل، طبعا كنت شابا في ذلك الوقت، عملت شهرا هنا.. شهرين في مكان آخر وثلاثة أشهر دون عمل، يعني عمل المتشردين.. غسلت السيارات لفترة في منطقة علي بي كوي، استمر ذلك حتى حصلت على رخصة قيادة في عام 1973.. قبل ذلك كنت أعمل معاونا لسائق حافلة من حافلات النقل العام وذلك على خط منطقتي علي بي كوي وأقساراي وبعد الحصول على الرخصة بدأت أعمل سائقا، تعرفت على زوجتي في تلك الفترة، كانت زوجتي ضيفة في البيت الذي يقابلنا.. تبادلنا النظرات طوال ثلاثة أيام وبعد ذلك طلبت من أمي المرحومة أن تزوجني إياها.

زوجة شاني شانلي: كنت قد جئت لأخت زوج أختي بغرض العمل، تعرفنا وتزوجنا.

شاني شانلي: ولم تكن بيننا أي علاقة.

زوجة شاني شانلي: ولم تكن بيننا أي علاقة.

شاني شانلي: من الشباك إلى الشباك فقط.

زوجة شاني شانلي: تزوجنا ونحن سعيدان ولنا ولدان مثل الأسود، ماذا أقول؟ يعني زواجنا على ما يرام.



الانضمام للجيش وخوض حرب قبرص

"
دخلت الخدمة العسكرية ضمن كتيبة قارابوك للتدريب العسكري تحت إشراف ضباط تدربوا في أميركا وبريطانيا، وبدأنا نتدرب على الدفاع والهجوم بالخنجر
"

شاني شانلي: دخلت الخدمة العسكرية في شهر نوفمبر.. دخلت ضمن الشرطة العسكرية، ذهبت إلى كتيبة قارابوك للتدريب العسكري ضمن الشرطة العسكرية، حضر مدربون من فوجا بعد يومين، كانوا ضباطا تدرب بعضهم في أميركا وبعضهم في بريطانيا، تعجبت حينما رأيتهم في زي العمليات الخاصة التمويهي فلا توجد فرق عمليات خاصة في الجيش التركي في زي العمليات الخاصة التمويهي، كلهم بأجسام ضخمة يلبسون أحذية لمّاعة، هنا خنجر، هنا مسدس، تحيرت من أمر هؤلاء الرجال، بدأ النقيب يتحدث عن أوصاف رجل العمليات الخاصة ممتدحا فهو نشيط رياضي وهو كذا وكذا، يعني خاطب قلوبنا وقال من يريد أن يكون كذلك؟ فرفعت يدي فورا، حاول الرقيب أن يمنعني من رفع يدي فرفعت يد الرقيب ويدي معا، بدأت أشعر بنفسي كبطل ورآني القائد وأشار نحوي ونحو من رفعوا أيديهم وكان هناك خمسون مغفلا مثلي، فانفصلنا عن المجموعة وأمرنا أن نتحرك إلى الأمام وبالعكس وطلب منا أن نذهب إلى المستوصف للتأكد من لياقتنا، ندمت لأنني رفعت يدي ولكن الأوان قد فات بدأنا نتدرب على الدفاع والهجوم بالخنجر، نحن صديقان واقفان وجها لوجه وأحدنا يحرك الحربة من أسفل إلى أعلى بطريقة هجومية والآخر يمسك المهاجم من يده ويأخذ الحربة منه ورآنا القائد وسأل عما نفعل وأخبرناه بما يجري ودفعني جانبا وواجه صاحبي الذي كان من قونيا على ما أظن وقال احذر سأهاجمك مواجها رفيقي ولم يتمكن صاحبي من الدفاع عن نفسه وأدخل السكين في فخذه وحركه في الداخل وكان التعليق الوحيد هذا من خسائر التدريب، في تلك الأثناء بدأ التوتر يزداد في قبرص وشرعوا في اغتيال الأتراك هناك، كانوا يريدون ترحيل شعبنا من قبرص، كان هدفهم الأصلي هو تسليم قبرص لليونان، من المعلوم أن هناك 12 جزيرة في بحر إيجي تسلم اليونانيون هذه الجزر الاثنتى عشرة بموجب العقود المبرمة تسلمها اليونانيون بسبب أخطاء الحكام الأتراك في تلك الفترة، هناك جزيرة مييس، ذهبت إلى قاش التابعة لمحافظة أنتاليا، تبعد جزيرة مييس كيلومترين فقط.. قريبة جدا، إن اليونانيين يأتون من هذه الجزيرة إلى قاش للتسوق، أما الأتراك فيحتاجون إلى جواز سفر للذهاب إلى هناك، إن الأمر سخيف للغاية، لا توجد مشكلة بيننا وبين الشعب اليوناني، نعتبرهم أخوة لنا ولا عداوة بيننا على الإطلاق، المشاكل ناتجة عن السياسيين الموجودين هناك والسياسيين الموجودين هنا، مساء 19 يوليو/تموز بدأت صافرات الإنذار تدوي، كنت رقيبا مناوبا قي تلك الليلة، رأيت الضباط يتحركون من جهة إلى أخرى باضطراب، اجتمعنا ووصل قائد الفوج من مدينة سيلوان إلى كتيبتنا، الضباط يسارعون من طرف إلى آخر ويعدون الخطط ويتمعنون في الخرائط وفي الصباح غادرنا الكتيبة بالسيارات التي كان عددها 60 أو 70، هناك مطار عسكري خلفنا، عرف أهالي باطمان ولا أعرف كيف أننا متجهون إلى قبرص، كل الناس خرجوا إلى الشوارع، تعجبت من أنهم يبكون ولا يريدوننا أن نذهب، لا يريدون أن يقع من أبناء الوطن شهداء أو جرحى، ساحل كيرنة.. كنا نشاهد كيرنة من أعلاها ونحن في الطائرات المروحية، في داخل كيرنة اشتباكات مستمرة كنا نراها.. رأيناها، رأيت دبابتين أو ثلاث دبابات تحترق ونحن مستمرون في رحلتنا إلى ذلك الاتجاه، رأينا جنودنا في تلك المناطق، رأينا المشاة والدبابات.. الدبابات في وضع الهجوم نحو الأعلى، من جهة أخرى حريق واسع على جبال بيش بارماك وفي هذه المناطق خطوط الدفاع من الخرسانة، بدأ الروم يتراجعون وليست لديهم القدرة على الصمود، يتراجعون وهم يشعلون الحرائق هنا، نحن نواصل الطيران بالطائرات المروحية فوق المضيق في مستوى الجبال وهناك علم تركي معلق في جهة من المضيق، كان علما كبيرا، حينما رأيت العلم تأثرت تأثرا بالغا، عبرنا جبال بيش بارماك وكان هناك مطار قديم وبحسب رؤيتي كانت وراء المطار حفائر عميقة تصل إلى هذا الارتفاع، رأيت جنودنا هناك وكانوا متسترين بالأعشاب، تحركنا بالطائرة المروحية أمامهم.. لم تحط الطائرات على الأرض، من ارتفاع ثلاثة أمتار أو أربعة وانزلوا سلما في الحبال ونحن قفزنا من هذا السلم، قفز بعضنا جهة اليمين وبعضنا جهة اليسار، استغرق اجتماع الكتيبة من جديد نصف الساعة تقريبا، لا توجد معنا أسلحة ثقيلة، معنا بنادق خفيفة من طراز جي 3 وأم جي 3، إم بي 5 وقاذفة صواريخ، أما الأسلحة الثقيلة فمجهز بها اللواء التابع لمشاة سلاح الجو.. لا توجد معنا الأسلحة الثقيلة، بعد هبوطنا إلى الأرض كما قلت لكم استغرق اجتماعنا نصف ساعة، حضر قائد قوات السلام القبرصية ولا أذكر اسمه تماما، إما بدر الدين دميرل وإما عثمان فاضل بولاط وقال يا أبطال كنا بحاجة إلى كوماندوز مثلكم وحضرت 3 أو 4 حافلات مدنية وحافلات قبرصية قديمة طويلة المقدمة وركبناها، كان هناك في الجهة اليسرى من مكان الهبوط قرية أتذكرها باسم محمد جك ولكنني حينما سألت بعض الناس ذكروا لي اسما آخر، كان الليل في آخره حينما وصلنا نحن تحت إطلاق نيران مستمر من جهة ليفكوشة، يطلقون علينا قذائف هاون، صواريخ وقذائف دبابات، تستخدم قذيفة للإضاءة بين كل خمس قذائف مضادة للطائرات، حينما تطلق قذيفة الإضاءة.. فبعد منتصف الليل مثلا في الساعة الواحدة أو الثانية صباحا لأنهم يريدون أن يروا موقعنا، يطلقون النار عشوائيا، حينما يطلقون النار كنا نرمي أنفسنا على الأرض، مكثنا على تلك الحالة حتى الصباح، في الساعة العاشرة أو الحادية عشرة تحركنا وعلى رأسنا قائد المجموعة النقيب علي إحسان كونر وذلك بأمر من قائد الكتيبة، كنا نمشي في هذا الممر عبر جبال بيش بارماك بهذا الشكل.. من هذا الممر الذي تراه في الأعلى، عند هذا الممر.. بهذا الشكل وفي تلك الأثناء كان قصر ماكاريوس يحترق.. ذلك القصر الذي ترونه وهذه المنطقة كلها كانت مشتعلة واتخذنا مقرا في الجهة اليسرى من هذا القصر بعدما عبرنا الممر وفي المكان الذي تمركزنا فيه جهة اليسار تمركزت مجموعتنا، وصولنا تأخر إلى الساعة التاسعة أو العاشرة مساء لأن المسافة كانت بعيدة ومرت أيام حين أدركنا يوم 14 من شهر أغسطس / آب وكان هدفنا قلعة كيرنة في المرحلة الثانية من العملية واتخذنا موقعا تحت قلعة كيرنة وأمامنا لواء الروم بكل قوته، ليلة الثالث عشر من شهر أغسطس / آب صدر أمر في الساعة الثالثة بأن نتجرد من ثيابنا الداخلية ونتركها على الأرض وأن نتراجع 300 متر وراء موقعنا وتركنا ثيابنا في تلك المنطقة وضعنا ثيابنا على الأرض تاركين مسافة بين كل قطعة منها واتجهنا نحو الأعلى، كانت هناك سريتا مدفعية، قيل لنا إن الطائرات الحربية ستأتي في السادسة صباحا، نظرت في ساعتي كانت السادسة وخمس دقائق ولم تأت الطائرات وعرفت أن ساعتي لم تكن مضبوطة، بعد فترة وصلت الطائرتان إحداهما من هذه الجهة والأخرى من الجهة الثانية، بدأت الطائرتان التحليق فوق المنطقة هنا وهناك واتجهتا صوبنا، كان الاتفاق بين الطيارين والقيادة على ما أظن أن يقصفوا المنطقة التي تلي ثيابنا الملقاة أرضا على مبعدة 300 متر أو 500 متر، يمكننا رؤية الأشجار هنا، انظر هنا شجرة أخرى وها هي شجرة أخرى أيضا، كلها تالفة.. انظر تم قطعها بعد عام 1974، أي أن هذه الشجرة على هذا الوضع منذ 30 سنة أو ربما تم قطعها قبل خمس عشرة سنة، انظر هناك إلى نفس الشجرة إنها منتشرة، أظن أن احتراق هذه الأشجار ناتج عن القنابل المتساقطة من طائراتنا وبعد ذلك جاء دورنا في المعركة وقيل لنا حان دوركم يا أبطال، انظر من هنا إلى أسفل، تحركنا ركضا إلى الأسفل، كنا نردد الله الله، في الجهة الأخرى ها هم جنود الروم من المحتمل أن بعضهم قد هرب إثر القصف ومع ذلك يوجد جنود الروم هناك، جنودهم موجودون أي أن لهم مواقعهم هنا.

[موجز الأنباء]

شاني شانلي: كان هناك محارب من محافظة قيصري اسمه موجود على القائمة، كان صديقا لي.. نعم هو من قيصري، دخلت إلى الخدمة في مجموعة 53/3 وأما هو فكان قد دخلها في 53/1 أي أنه كان أقدم مني في الخدمة بثمانية أشهر ولكنني كنت أنا الذي يأمره لأني أعلى منه رتبة، الأقدمية هنا بلا قيمة، فقد كنت أنا الذي يصدر الأوامر، كنا قد تشاجرنا قبل ذهابنا إلى الميدان، كان يغضب حينما آمره بشيء وكان يقول أنت كيف تأمرني؟ كان موظفا على جهاز اللاسلكي وأكمل خدمته وعاد إلى بيته، عندما ظهرت المشكلة القبرصية وطلبوه مرة أخرى للخدمة طلبوه للخدمة وذهبوا به إلى قبرص، حين أطل من بين الصخور أصيب هذا الشاب بالرصاص.. أصيب بالرصاص في فخذه وسقط على الأرض أمامي وبدأ يصرخ متألما، كان هناك حاجز صخري فطلبت منه الاختباء وراءه، لو وصل إلى هذا الحاجز لكان في المحتمل أن ينجو من الموت، رغم جراحه تدحرج مرة وأصيب برصاصات أخرى وتجمع الذباب على وجهه، كان قد استشهد وصار وجهه شاحبا، مكثنا هناك ثمانية ساعات لا يمكننا التحرك، لم نتمكن من التقدم لأن النيران كانت كثيفة ومستمرة، مكثنا ثمانية ساعات دون حراك، صاحبي من قيصري كان هنا، كان وضعه هكذا، كان وضع صاحبي من قيصري هكذا ولم يكن قد سقط على الأرض بعد، دخل الرصاص من هنا وخرج من هنا، لم يصب شريانه بالرصاص ولكن عند دخول الرصاصات في جسده أخذ ينزف، كانت الضمادات معي في حقيبتي فأخرجتها وضمدت عنقه وتركناه وواصلنا، تراجعنا من هنا وكانت هناك سيارتا إسعاف تتبعاننا وحضر الممرضون من هذه الجهة وأخذوا صاحبي ووضعوه على النقالة واتجهوا إلى سيارة الإسعاف، سيارة الإسعاف كانت هناك، من المحتمل أنها كانت نحو الأمام أو الوراء قليلا ورأيت الحادثة من هنا وكنا منتشرين في هذه المنطقة ووطأ أحد حاملي النقالة لغما أرضيا ورأيت النقالة قد اندفعت إلى الأعلى ورأيته من هنا، فكرت أن صاحبي هذا قد استشهد أيضا ولكنني رأيته حيا يرزق حينما زرت مدينة باتمان، رغم أن بطاقته كانت قد أرسلت إلى بيته كشهيد واستمرت العملية على ما كانت عليه نحن في وسط تبادل إطلاق النار ورأيت العريف لطفي أوزكن وهو صاحبي من سيواس.. رأيته ممددا على الأرض على هذه الحالة ووجهه نحو الأرض، شعرت أن جسمه ساخن ولم أر عليه أثار جروح، نظرت إلى رأسه وكان هكذا ورأيت دما هنا وحين رفعت خوذته رأيت دماغه متناثرا، طبعا واصلنا العملية، استشهد ثلاث من مجموعتي.. من أصحابي ومات منهم جنديان وهما على ذراعي وواصلنا المشي من هنا إلى.. نسيت اسم القرية، سأتذكره الآن، في هذه المنطقة استشهد ولي ألطان وهو من أصحابي وكان يعمل في ألمانيا وعاد في إجازة لأداء الخدمة العسكرية لمدة سنتين وكان له ثلاثة أولاد، كان هنا.. هنا بالضبط وهو يئن، رفعت رأسه هكذا ووضعته هنا ورأيت دمه يسيل ورفعت معطفه ورأيت أن أحشاءه خرجت حينما أصابته قذيفة مضادة للطائرات، تناثر هذا الجزء من جسمه وكان يردد أسماء أولاده الثلاثة ومات على ذراعي، وصلنا إلى هذا التل وحينما وصلنا إليه استلقينا على الأرض وكان معي العريف نجيب، كان إطلاق الرصاص باتجاهنا كثيفا لدرجة عجزنا معها عن رفع رؤوسنا، كنت أدعو الله وأرجوه أن يمكنني من حفر الأرض بأظافري كي أختبئ فيها ولا يصيبني الرصاص، أردت أن أختبئ في حفرة أو وراء صخرة وفي اتجاهنا انهالت قذائف الهاون مع الرصاصات وكانوا يستخدمون المدافع المضادة للطائرات في تلك الفترة.. أي في 20 يوليو تموز من عام 1974، سمعنا أنه ضمن القواعد العسكرية المتبعة يمنع استخدام القذائف المضادة للطائرات لقتل أي كائن حي أما القوات الرومية فكانت تستخدم هذا السلاح ضدنا، حجم القذيفة بهذا الحجم، نعم حجمها هكذا، حينما تدخل القذيفة إلى الجسم تفتح فتحة بهذا القدر، أما حينما تخرج من الجسم فأنها تمزقه بهذا الشكل وماذا يعني هذا؟ يعني أن الأتراك شجعان للغاية، ينفذون كل أمر دون امتعاض أو اعتراض، الشيء الأهم في الجيش التركي هو تنفيذ الأوامر، لو أمر الجندي التركي باقتحام مكان ما وفيه 100 شخص وفي المبنى مائة شخص فإنه يدخل دون تردد، هكذا الأتراك ولا يمكنني أن أقول هذا على قوم آخرين مثلا الأوروبيين، أما الأناضول فإن وضعها مختلف، من هنا حتى نهاية جزيرة العرب كل الناس شجعان بهذا الشكل، لا أتحدث عن الحكام بل أعني الشعوب، سيهرب الحكام حينما يرون الخطر أما الشعوب فلا تهرب أبدا بل بالعكس ونحن هكذا تربينا وهكذا تعلمنا وسنستمر على هذا المنوال حتى الموت، كانت الساعة الثالثة أو الرابعة وغلبني النوم، استيقظت من نومي مرتعبا بسبب إنذار حريق.. كان حريقا في مخزن التبن، حينما كنت راكضا باتجاه الطريق وقعت على الأرض وفي يدي بندقية وقعت هكذا وتدحرجت وشعرت بألم خفيف في إصبعي ولم يكن وجعا شديدا ولكت إصبعي ما كان يتحرك.. ما كان يتحرك، بدأ إصبعي يتورم بعد نصف ساعة وكان معي العريف نجيب، عرض علي أن يأخذني إلى المستوصف العسكري، كان هناك مستوصف متحرك يشبه المستشفى وذهبنا إلى المستوصف وكان هناك ضابطان برتبة ملازم ولا أتذكر اسميهما لأنه هذا كان منذ ثلاثين سنة.



شاني شانلي.. الشهيد الحي

زوجة شاني شانلي: عاشت العائلة أياما صعبة، أياما صعبة وكنا نفكر في مصيره وكانت فعلا أياما صعبة.

شاني شانلي: أيام إطفاء الأنوار.

زوجة شاني شانلي: أي نعم هي أيام سادت فيها العتمة، كانت أم زوجي حزينة وتبكي ليلا ونهارا طبعا فابنها ذهب إلى قبرص وجاء إلينا خبر استشهاده في قبرص وحاولنا الاتصال بقبرص.

شاني شانلي: لنتحدث عن شيء أكثر إدهاشا، فهنا وقع صاحبي مسعود شانلي شهيد، كان مسعود شانلي من محافظة مانيسا، حينما كنت في مستشفي أدانا العسكرية ما كنت أستطيع الاتصال بأهلي وكان يسكن عسكري برتبة رقيب أول مقابل بيتنا وكان اسمه بكر وذهبت أمي إلى بيته وقالت له يا ابني لم يأتني أي خبر عن ابني ولا أعرف ما الذي حصل، أنت في الجيش.. من المؤكد تعرف الناس في الجيش ويمنك الوصول إلى ابني ومعرفة أخباره وكان هذا الشخص موظفا للاسلكي في معسكر خاصدال وكان على رسائلنا رقم رمزي لكتيبتنا فقام بالاتصال بكتيبتنا مستخدما ذلك الرقم وكان ذلك بعد 14 أغسطس/أب بيومين أو ثلاثة، كما ذكرت لم نتمكن من إرسال الرسائل في تلك الفترة وحينما اتصل باللاسلكي كانت كتيبتنا منتشرة في المنطقة، لا أحد يعلم مكان أفراد الكتيبة والرقيب الأول يسأل " ما هو وضع شاني شانلي؟ أظن أن الموظف خلط بين اسم شاني واسم عائلة شانلي التي استشهد ابنها لأن اسم العائلتين شانلي.

زوجة شاني شانلي: وكانت أخته تعمل في الاتصالات في تلك الفترة وعن طريقها أنه في مستشفى أدانا العسكرية وكان أخوه قد استعد للسفر إلى أنقره ليتأكد من استشهاده وجاءنا اتصال آخر يفيد بأنه مجروح ولم يمت ووصلنا خبر آخر أنه مجروح وسيأتي إلى البيت في أجازه، كنا نود أن يأتي إلى البيت ولكنه مجروح، هل هو مجروح في إصبعه فقط أم أن هناك شيئا آخر لا نعرفه؟ كانت أمه المرحومة تتوقع جنازة ابنها، رأته جارتنا.

شاني شانلي: كانت أخت حمدية، أليس كذلك؟

زوجة شاني شانلي: جارتنا بشرتنا بقدومه وبدأت أمه تبكي، دخل شاني إلى البيت وكان ملفوف اليد بضماد، كان الإصبع مكسور مع ذلك ذراعه كلها مضمدة وعندما دخل المنزل فاضت عيوننا بالدموع.

شاني شانلي: كانت ليلتي الأولى في مستشفى أدانا العسكري وكنت متأثرا برحلتي بالسفينة، أشعر بالاهتزاز على فراشي كأنني بين الأمواج، بعد مرور يومين انقطعت الرسائل عن أمي المرحومة خلال ثلاثة اشهر ونصف الشهر، كانت هناك رسالتان يا ليتني أستطيع عرضهما عليكم، عشنا فيضانات عام 87 ودخل الماء إلى الدور الأرضي واضطرت إلى رمي أشيائي ورميتها، ليتني قدمت الرسالتين كدليل، على كل حال أخي يعرف كل ذلك، استلمت رسالة من مكتب التجنيد للجيش وبموجب تلك الرسالة فلابد أن يرجع الجنود إلى معسكراتهم وقد كان، انتهت فترة الإجازة ومدتها شهر ونصف الشهر، ركبت الباص ورجعت إلى مدينة باتمان وإلى المعسكر جسمي في تركيا ولكن أفكاري في قبرص وفي قبرص أصحابي المقربون، أصدقائي الذين جمعني بهم القدر، كنت أفكر فيما حدث هناك وفي من سيستشهد اليوم ومن سيصيبه جرح وهل هم جائعون أم ماذا؟ لم أكن أستطيع التفكير في شيء آخر والناس من أهلي ومن الجيران يتحدثون إلي ولكنني لا أفهمهم أبدا لأن جسمي هنا وعقلي هناك، يخاطبني الواحد منهم وأنا أنظر إليه نظرات فارغة كأن دماغي لا يوجد فيه شيء وعقلي هناك فقط وهكذا مرت الأيام طوال شهر ونصف الشهر، كنت أستيقظ من النوم صارخا، كنت متأثرا بما يحدث، كنت متأثرا للغاية والأمر ليس سهلا فصاحبك يموت بين يديك وهو يصرخ وأنت قليل الحيلة ولا يمكنك مساعدته، أسوأ ما في الأمر حقا هو عجزك عن مساعدته، ليتني كنت قادرا على مساعدتهم لأصبح الحال الآن مختلفا، صاحبك يستشهد وأنت لا يمكنك عمل شيء وتفكر في أنه لديه عائلة وأولاد وهم ينتظرونه حيا.. مع الأسف لا يذهب إليهم إلا هويته كشهيد وكيف يعيش الإنسان مع هذا الشعور؟ وماذا يعمل؟ لا شيء، خلال إجازتي التي امتدت شهر ونصف الشهر كنت أفهم ما يقال لي فهما خاطئا مثلا إذا قال لي أحدهم هذا دخان، كنت أقول له لا هذا ليس دخانا هذه قنبلة، انظر كم كنت متأثرا، كم كنت متأثرا، أهلي في البيت يقولون لي شيئا وأنا أفهم شيئا آخر، مر علي شهر ونصف الشهر وأنا على تلك الحالة، يمكننا القول إنني أعرف هؤلاء من أصحابي مثلا علي عثمان دال، كان من السرية الثانية وهذا ساطيلميش تيكة كان من السرية الثانية، مصطفى كول كان من السرية الثانية وما كان في سريتي هذا وهذا وهذا، كمال دريرة كان من السرية الثانية أيضا، على كل حال كنت قد أخذت قائمة الأسماء من باتمان وهي مطابقة لهذه، كانت الرصاصات وقذائف الهاون والقذائف المضادة للطائرات تمطرنا، قبل قليل سمعنا هنا أصوات إطلاق النار وعلى ما أعتقد كان الصوت ناتجا عن 20 بندقية، إن الصوت المسموع وقت الحرب مختلف تماما، مختلف تماما، كان الوضع يشبه جهنم هنا وكل شيء يحترق وأول شيء خطر ببالي هو القيام بما أمرت به دون أن أصاب.. نعم دون أن أصاب، كانت أحاسيسنا مضطربة في تلك الفترة كأننا رجال آليون، كأنهم ضبطونا.. ضبطونا على موجة هدف معين، لا يمكنك التفكير في أنك ستموت أو ستخرج أو ستبتر رجلك، لا يمكنك التفكير في هذا، لا يمكنك التفكير في هذا، أول ما فكرت فيه أنني لا أريد أن أفقد أحد من أصحابي وأريد ألا يصيبهم أذى، هذا هو أول ما فكرت فيه مع ذلك لا يمكن أن تتحقق تلك الأمنيات لأننا في حرب، الروم يفكرون مثلما نفكر والرومي يفكر مثلك وهم يتمنون أيضا ألا يصاب أحد من أصحابهم بأذى، أفكر في صاحبي الذي أصابته الرصاصات الأولى حينما أصابه الرصاص شعرت أن الرصاص اخترق جسمي أنا وشعرت بصراخه يدوي في بدني، حينما أصابته الرصاصات وشعرت بسخونة في داخلي وقلت لصاحبي لو أدرت نفسك مرة يمكنك تفادي الرصاصات، حاول أن يستدير مرة أخرى إلى هذه الجبهة وصرخ فقد أصابته رصاصات أخرى من تلك الناحية واستدار مرة أخرى ثم توقف عن الحركة وكان هدفي من المجيء أن أنقذ شعبي مما هم فيه، لو لم يطلق هؤلاء النار علي لما أطلقت عليهم النار، لو لم يطلق هؤلاء النار علي لما أطلقت عليهم النار، مادام هؤلاء يطلقون علي النار فسأطلقها عليهم لأنهم حينما يطلقون النار لا يطلقونها ترحيبا بي بل يطلقون النار لقتلي.

ملاحظة: لم يرفق ملف الصوت لأن الحديث باللغة التركية