مقدم الحلقة يسري فودة
ضيف الحلقة ديفيد شيلر: عميل مخابرات بريطاني منشق
تاريخ الحلقة 06/05/1999




 

ديفيد شيلر
يسري فودة
يسرى فودة:

حينما يقرر ضابط أن ينشق عن أحد أجهزة الاستخبارات لابد أن يثير ذلك اهتمامنا، حين ينشق هذا الضابط البريطاني MIS لابد حقاً أن يثير ذلك اهتمامنا، حين يكون هذا الضابط المنشق مسؤولاً عن شؤون دولة عربية داخل جهاز الاستخبارات البريطاني لابد أن يكون لديه ما يستحقه الشراء، حين يتعلق ما لديه من معلومات بأمور مثل محاولة اغتيال العقيد الليبي معمر القذافي، وقضية لوكيربي وانفجار السفارة الإسرائيلية في لندن، والأسرار الداخلية لجهاز الاستخبارات البريطاني لابد أن يكون العميل البريطاني المنشق (ديفيد شيلر) على قناة الجزيرة في حديث خاص سري للغاية.

كانت الشمس على غير العادة ساطعة في صيف لندن في ذلك الأسبوع الأخير من شهر أغسطس (آب) عام 1997م كان هو ودَّع الخدمة السرية قبل شهور وألقى بنفس في زحام الحياة المدينة لكنه لم يكن يعلم أنه سيعود إليها من الباب الخلفي هذه المرة منشقاً عن جهاز الاستخبارات الداخلي البريطانيMI5 ، هنا عمل المواطن البريطاني (ديفيد شيلر) لأكثر من خمس سنوات بدءاً من عام 1992م ترأس أثنائها القسم الليبي في واحد من أعرق أجهزة الاستخبارات في العالم حين علم من كانوا يوماً رؤساءه بأنه يفكر في إصدار كتاب اتصلوا به.

وكانت هذه أول بطاقة صفراء يحصل عليها ضابط الاستخبارات السابق عاشق كرة القدم، بُعيد ذلك ضاعت في البريد معلومات هامة أراد أن يبعث بها إلى صديق، ثم استوقفته الشعبة الخاصة في أحد المطارات المحلية، استجمع العميل البريطاني كل ما أوتي من خبرة ودخل في لعبة سينمائية مع زملائه السابقين يكتب في يومياته كيف كان يشعر أنه شخصية خارجة من إحدى راويات الجاسوسية السيئة، وهو ينتقل من سيارة إلى ثانية إلى ثالثة في عملية تمويه مدروسة في طريقه إلى سلسلة من الاجتماعات السرية هنا في شارع (high street kensington) كانت لقاءاته بممثلين عن إحدى الصحف الشعبية البريطانية the mail on Sunday قرر أن يمنحها قصته مع ما تيسر له من الأسرار شرط أن تساعده الصحيفة في الخروج من البلاد قبل أن تنشر كلمة واحدة.

نيكولاس فيلدينج (محقق صحفي بجريدة "ذي ميل أون صنداي"):

لدينا وسائل آمنة للاتصال بديفيد، وعندما التقينا استمرت لقاءاتنا خارج هذا المبنى، وهذا كان احتمال أن يظهر شيء على تسجيلاته الهاتفية أو شابه، ويثبت وجود علاقة بيننا احتمالاً ضئيلة كان عمله في الاستخبارات لبضعة أشهر، وكان منغمساً في عمل ما كنا نعرف بدون شك أنه لدي القيام بنشر المقال سيقوم أحد فروع الأمن الخاصة باعتقاله واستجوابه بخصوص ما فعل، لذا كان علينا القيام بالترتيبات اللازمة لإخراجه من البلاد، وهو ما قمنا به قبل يوم من نشر المقال حيث رتبنا أمر خروجه برفقة صديقته التي كانت بدورها عضواً سابقاً في الاستخبارات وقد تمت مساعدتهما بالتوجه إلى هولندا في البداية حتى لا يتم اعتقالهما، كان ذلك الوقت بين أصعب اللحظات إذ شعرنا بالقلق من أنهما سيعتقلان، وأن عملية النشر لن تتم أبداً.

يسرى فودة:

لم تكتف الصحيفة بذلك بل ساعدته أيضاً في الحصول على استشارات قانونية من مؤسسة (ليبرتي) للدفاع عن الحريات المدنية،كان الضابط السابق يعلم أنه يكسر عمداً ما يسمى قانون الأسرار الرسمية التي وقع عليه لدى التحاقه بجهاز الاستخبارات.

جون رودام (مؤسسة ليبرتي للدفاع عن الحقوق المدنية):

قانون الأسرار الرسمية في هذا البلد يعني أن الأشخاص الذين يعملون في جهاز الاستخبارات محذور عليهم أن يبوحوا بأي شيء مهما كانت الظروف، فلو قلنا انهم مثلاً يكشفون عن لون البساط في المكتب فهم بذلك ينتهكون القانون، ما نحتاجه هو قانون يسمح للناس بالكشف عن الإساءة أو التصرف غير السليم ليكون بالإمكان استخدام تلك المصلحة العامة إذا تمت مقاضاتهم وحسب قانون الأسرار الرسمية حالياً لا يمكنهم استخدام تلك المصلحة العامة في حال مقاضاتهم.

نيكولاس فيلدينج:

من الواضح أن الاهتمام الشعبي كان عظيماً عندما نشرنا القصة، وقد عرفت ذلك من مئات المكالمات والرسائل وردود الفعل التي لا تزال تتفاعل،القصة لم تنته بعد وديفيد لم يعد لبريطانيا وهو لا يستطيع العودة إلى هنا، وهو مازال معرضا للمفاوضات،لذا فالقضية ستستمر إلى أن يتم حل كل هذه الأمور.

[لندن – فبراير (شباط) 1999م].

يسرى فودة:

ليس لأنه قصة العميل البريطاني مستمرة وحسب،بل أيضاً لأن من الصعب إغفال توابعها العربية، قررت قناة الجزيرة أن تلتقط الخيط من الصحيفة البريطانية منذ ذلك اليوم 23 أغسطس (آب) عام 1997م غادر ديفيد شيلر بلاد هارباً إلى غير رجعة حتى الآن على الأقلـ لأول مرة بعد أربعة أشهر بدأ يلتقط أنفاسه، ولكن فقط لساعات معدودة، ففي اليوم التالي بعدما تأكدت صحيفة "ذي ميل أون صنداي" من أنه عبر الحدود بدأت مطابعها تدور، كان كل ما يهم ديفيد أن يسمع العالم صوته في خضم ذلك كله.

عندما أصدرت الحكومة البريطانية قراراً بمنع الصحيفة من النشر قرر عميل استخباراتها الهارب إنشاء موقع باسمه على شبكة المعلومات الدولية إنترنت، كنت أنا الزائر رقم 59068 فيما كان جهاز الاستخبارات البريطانيMI5 في محاولة لإقناع الشركة المسؤولة عن إنشاء الموقع في كاليفورنيا لأن ذلك لا يتفق والقانون البريطاني، والأمريكيون بالطبع لا يأبهون.

وصلت إلى باريس في فبراير (شباط) من عام 1999م بدعوة ممن أصبح لسانه مطلوباً من قبل جهاز الاستخبارات البريطاني،حدد لي الزمان والمكان وأسلوب اللقاء لكنه بعد طول انتظار لم يظهر ولم يعتذر لأسباب أمنية لم تكن لديَّ وسيلة للاتصال المباشر بالرجل الهارب، كان هو قد استقر به المقام في فرنسا، في البدء مختاراً والآن مضطراً، في البدء ساعده صديق على الاختفاء في هدوء الريف الفرنسي بالقرب من (Bordeaux) حيث فقد جهاز الاستخبارات البريطاني آثاره لكنه قبل هذا كان في سباق مع قدميه تنقل خلال ذلك الأسبوع مع صديقه بين ستة فنادق في هولندا و فرنسا بقيت ثلاث ليال على أملي في أن ديفيد سيتصل بي في أي لحظة.

كان هو معتاداً أن يختطف اتصالاً سريعاً بنا من أحد صناديق الهواتف العامة المنتشرة في شوارع باريس، فكرتي عن هذا المواطن غير التقليدي الذي ولد في بلد متحضر مثل بريطانيا أنه ربما كان أولى به أن يولد في بلد تثقيف مثل فرنسا، أقداره ألقت به في نهاية المطاف إلى هنا على أية حال، فهل تكون هذه حقاً نهاية المطاف للعميل الأسبق؟ يصف نفسه بأنه منذر سيئ الحظ، في الليلة التي دخلت عند منتصفها سيارة الأميرة ديانا إلى هذا النفق مرتطمة بالعمود رقم ثلاث عشر كان ديفيد شيلر مختبئاً في أحد فنادق هذه المدينة.

أيتها الأميرة ديانا لم يعد لك وجود، كلمات أصرت مجموعة.. انشغلت بتغطية هذا الحدث مع بقية الصحفيين وانشغل المشاهدون، من وجهة النظر الإعلامية في ذلك الوقت ماتت قصة جهاز الاستخبارات البريطاني MI5 مع العقيد الليبي معمر القذافي أمام موت أميرة ويلز ديانا مع صديقها المصري عماد الفايد، في اليوم نفسه استصدر جهاز الاستخبارات البريطاني قراراً من المحكمة العليا بمنع صحيفة ذي ميل أون صنداي من نشر مزيد من اعترافات عميلة السابق، ومن بينها معلومات هامة عن انفجار السفارة الإسرائيلية في لندن عام 1994م.

علق أحد كبار خبراء القانون في بريطانيا على ذلك بأنه رقابة فاضحة لم يؤخذ فيها رأي الشعب ولا رأي ممثليه، وحتى عام على ديفيد وهو في العراء، لكن العراء حتى لم يدم، ففي أغسطس (آب) من عام 98 بينما دفع الإحباط رجل الاستخبارات الهارب إلى التلميح بأن لديه معلومات عن ضلوع جهاز الاستخبارات البريطاني في محاولة لاغتيال العقيد الليبي معمر القذافي بينما بدأ يفتح فمه بعثت لندن إلى باريس لطلب عاجل لترحيله.

هؤلاء الضباط الفرنسيون الذين كانوا ينسقون معه للقبض على الإرهابيين قبضوا عليه في هذا المكان من بهو الفندق، كانت صديقته وهي أيضا ضابطة استخبارات سابقة في غرفتها، انتهى به الحال وراء جدران هذا السجن (لاسونتيه) في باريس مع المجرمين، استغرق الأمر أكثر من ثلاثة أشهر، وفي السجن وقضيته يبت في أمرها داخل قصر العدالة.

في نوفمبر تشرين الثاني من 1998م قالت القاضية الفرنسية إن أساس القضية سياسياً ديفيد شيلر برئ ويحق له البقاء في فرنسا. كانت أول كلماته: ياله من يوم عظيم لي وللحريات المدنية وياله من يوم مخجل للحكومة البريطانية وجهاز استخباراتها، عندما عدت من باريس إلى لندن انقطع أملي في لقاء ديفيد، لكنه فاجأني باتصال هاتفي ودعوة أخرى إلى لقاء، هذه المرة كنت أشعر حقاً أنه سيفي بوعده، قال لي أول ما قال: إنه خشي من لقائي أول مرة لأن دولة عربية تقمصت شخصية قناة الجزيرة وعرضت عليه نصف مليون جنيه إسترليني مقابل ما لديه من معلومات، قلت له: ليس لدي مثل هذا المبلغ، كل ما لدي هو نصف مليون سؤال، قال: لا بأس فلنبدأ إذن.

يسرى فودة:

شكراً لحديثك الخاص لقناة الجزيرة، هلا أعطتني أولاً فكرة عنك وعن عملك السابق في جهاز الاستخبارات البريطاني.

ديفيد شيلر:

لقد كنت دائما مهتما بأجهزة الاستخبارات فعندما كنت طالباً في الجامعة كتبت في إحدى صحف الجامعة مقتطفات من كتاب صائد الجواسيس، الذي كان محظوراً نشره في بريطانيا، فعلت ذلك لاعتقادي أن أجهزة الاستخبارات لاينبغي أن تجعل من وظائفها زعزعة استقرار حكومة منتخبة ديمقراطياً، وعندما تخرجت وجدت نفسي مشدوداً نحو جهاز الاستخبارات البريطاني الداخليMI5 فأخبرتهم بما كنت أقوم به في الجامعة، وبأن لي ميولاً يسارية قوية، وبأنني قد لا أتوافق مع المزاج العام لهم.

ولكنهم كانوا في مرحلة من التغيير في أوائل التسعينات، لقد فوجئت، فلم أكن إطلاقاً أخطط للعمل مع جهاز الاستخبارات الداخلي MI5، وما حدث أنني رأيت إعلاناً في إحدى الصحف يقول: جودو لن يعود، لفت هذا الإعلان نظري، لأنني كنت قد درست المسرحية التي تحمل الاسم نفسه، وقد أجروا معي مقابلات، وفي المقابلة الثالثة توقف الحديث فجأة في منتصفه عندما سألني ذلك الرجل: ماذا تظن أنك تفعل هنا؟

وفي سياق ما تبقى من المقابلة استنتجت أنني كنت في عقر دار جهاز الاستخبارات الداخليM I 5 ثم قال لي: إذا كنت تريد الاستمرار فعليك أولاً أن توقع على قانون الأسرار الرسمية، كان الأمر في غاية الغرابة المضحكة، إذ إنهم لم يعطوني أي فكرة عن طبيعة الوظيفة إلا فكرة بسيطة عن الراتب ونظام الترقية، إنهم يعتقدون أن الأمر من السرية بحيث لا ينبغي عليهم أن يخبروك بواجباتك الوظيفية قبل الالتحاق بالعمل، ولكن ذلك زاد شرهي فقد كان لي اهتمام مبدئي بجهاز الاستخبارات الداخلي دفعني إلى الاستمرار.

يسرى فودة:

متى خبرت بواجباتك وسلطاتك وما إلى ذلك؟

ديفيد شيلر:

لم أعرف شيئاً عن ذلك إلا بعد صرت رسمياً واحد منهم، بدأت الوظيفة بدورة تدريبية لمدة أسبوعين للتعرف على جهاز الاستخبارات الداخلي وما إلى ذلك كانوا في غاية البلاغة استطاعوا أن يعبروا عبر وجهات نظرهم بصورة تبعث على الإعجاب لكنه هذا النوع من الإعجاب الذي يصيبك حين ترى إعلاناً جذاباً يأتيك من منظور واحد، كنت في المرحلة الأولى تحت تأثير أن كل شيء على ما يرام رغم وجود ما كان يسمى النشاطات الهدامة، وعندما التحقت أولاً بقسم مكافحة النشاطات الهدامة لم يكن ثمة أحد في الواقع مقتنعاً بأن هذه النشاطات تشكل خطراً على الدولة البريطانية، بل إن العاملين بهذا القسم جميعاً كانوا يرون ضرورة إغلاقه فوراً، لكن القسم استمر.

يسرى فودة:

قبل انضمامك لجهاز الاستخبارات لابد ان فكرة كانت في ذهنك عن هذا العالم فهل تدعمت أم اختلفت؟ وإلى أي مدى؟

ديفيد شيلر:

كانت فكرتي عن جهاز الاستخبارات الداخلي MI5 مبنية على ما سمعناه عن الجهاز أثناء الثمانينيات، بعض هذه القصص لم يكن صحيحاً، ولكن الحكومة عندما لم تقم بتكذيب ما كان يقال اكتسب مصداقية من نوع ما، لقد قرأت بعض هذه القصص وصدقت ما جاء بها ماذا تفعل لو كنت مكاني؟ ولهذا عندما التحقت بالعمل كنت أتوقع صورة أكثر سلبية مما رأيت، لم يكن الوضع بهذا السوء، ورغم ذلك وجدت أدلة على صحة بعض هذه القصص التي كان يتداولها الناس مثل الاختراق غير الضروري للحريات الشخصية لما كانوا يحملون أفكاراً يسارية، فقد كان رد فعل جهاز الاستخبارات الداخلي على الحزب الشيوعي مبالغاً فيه.

يسرى فودة:

نعلم أن وراء جهاز الاستخبارات البريطاني تاريخياً طويلاً فقد تأسس عام 1909م ما هو تقييمك العام؟ كيف تقارن هذا الجهاز بأجهزة استخبارات أخرى عالمية؟

ديفيد شيلر:

دوره مختلف عن دور غيره من تلك الأجهزة فهو في الواقع جهاز داخلي للاستخبارات، وهو ما يجعله أقرب إلى جهاز الاستخبارات الفرنسي وأشبه قليلاً بمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ويختلف جهاز الاستخبارات الداخلي MI5 عن جهاز الاستخبارات الخارجي MI6 إذ إن من اختصاص هذا الأخير جمع المعلومات من كل أنحاء العالم رغم أنه لا تقوم بتقويمها بنفسه، إن المشكلة الكبرى لدى الـMI5 من وجهة نظري هي أن ضباطه وموظفيه لا يتعلمون بصورة منهجية أساليب إدارة العملاء.

إن العميل هو العمود الفقري للوصول إلى أي معلومة، وأفضل وسيلة للوصول إلى أي معلومة هي الحديث إلى الناس، ورغم أن لدى الـ M I5 إمكانيات فنية متقدمة فإن أداة التنصت تفقد قيمتها تماماً إذا انتقل الشخص الخاضع للمراقبة إلى الغرفة المجاورة، أما لو كان لديك عميل جيد فيمكنك أن تتابعه أينما ذهب، ويمكنك أن تعتمد على العميل في مهام خاصة صحيح أن هناك مشاكل في تشكيلهم.

فالعملاء بشر على أي حال يخطئون ويأتون أحياناً بتصرفات سخيفة إضافة إلى أن العملاء لا يكلفون الكثير من المال، فلو كنت مثلاً تدير عميلاً في (بلفاست) الغربية لمراقبة أحد أعضاء الجيش الجمهوري الأيرلندي فكل ما تدفعه لهذا الشخص عادة هو 10 جنيهات إسترلينية في الأسبوع، لأنك لو دفعت له أكثر من ذلك فسيكون محل شك.

يسرى فودة:

حين تقول: إن جهاز الاستخبارات الخارجي MI6 لا يقوِّم معلوماته التي يجمعها فمن إذن يقوم بذلك؟ وإلى أي مدى كنت تنسق يوميّاً أو غير ذلك مع زملائك في ذلك الجهاز؟

ديفيد شيلر:

لو كانت المعلومات التي بحوزة الـ MI6 تتعلق بالأمور الأمنية مثل: ماذا يحدث داخل النظام الليبي ما هي مراكز القوى داخله؟ فإن مهمة تقويم هذه المعلومات تقع على عاتق الـMI5 أما إذا كانت مجرد معلومة سياسية مثل ماذا يحدث داخل شركة النفط الليبية؟ وهل يمكن أن يستفيد وزراؤنا من ذلك في مفاوضاتهم مع العالم، فإن مهمة تقويم ذلك تقع على عاتق وزارة الخارجية، أما فيما يتعلق بالتنسيق بين الـMI5 والـ MI6 فتلك مشكلة كبرى.

إن الأقسام والوازرات المختلفة في بريطانيا في غاية السوء حين يتعلق الأمر بالتنسيق فيما بينها، تزيد المشكلة تعقيداً بين الـMI5 والـ MI6 فعندما التحقت بالعمل لأول مرة فوجئت بأنه لا يوجد نظام لتبادل المعلومات وتنسيق الاستراتيجيات، والتأكد من عدم تداخل الاختصاصات خاصة أن هناك مساحة كبيرة يتداخل فيها عمل الجهازين حين يتعلق الأمر بأمن البلاد، فتجد نفسك مثلاً في موقف لا تملك فيه أي عميل، وعليك أن تتصرف .. لا بأس تلك مسألة صعبة ولكن بشكل ما يتغلب عليها.

أما حين يتعلق الأمر بالتخطيط فلم يكن هناك شخص يقوم بذلك،لم يكن هناك شخص يقول لنا: نحن الآن عند النقطة (أ) وعلينا اتباع هذه الخطوات كي نصل إلى النقطة (ب)لم يكن ذلك يحدث على الإطلاق، حتى عام 1989م كان الهاجس الأول داخل الجهاز الحزب الشيوعي والسوفيت، أساليب العمل نفسها لم تختلف، فلديك ظل مقر الحزب الشيوعي تحت المراقبة عاماً، وخارجها عاماً آخر، كما هي الحال مع السفارة الإسرائيلية مثلا.

ومع بداية التسعينات حدث تغيير كبير عندما بدأ جهاز الاستخبارات الداخلي الـMI5 ينشغل بأمور أخرى مثل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، حسناً إن الإرهابيين لا يبقون جالسين في مكان واحد إنهم ينتقلون من البلاد وإليها، وفي مثل هذه الحال يكون عليك أن تمتلك القدرة على الحركة السريعة، ويكون عليك أن تستعين بمن يكون لديه معرفة جيدة بالحالة، ويستطيعون اتخاذ قرار سريع، والمشكلة أن جهاز الاستخبارات الداخلي MI5 ليس مهيئاً لمثل ذلك، إنه مثال للبيروقراطية التي تميل إلى التفكير الطويل قبل اتخاذ القرار، وإذن كان هذا مناسباً في أي قسم آخر من الأقسام الحكومية التي تشتغل برسم السياسات والقوانين فإنه ليس مناسباً في بيئة ديناميكية من المفترض أنه تقوم في سياقها بتعقب الإرهابيين.

يسرى فودة:

مَنْ –بالمناسبة- يحدد الأولويات؟ مَنْ يقرر أن هذا لم يعد يشكل خطراً، وأن علينا تغيير استراتيجيتنا للتركيز على هذا أو ذاك؟

ديفيد شيلر:

جهاز الاستخبارات الداخلي الـMI5 هو الذي يحدد ما هي الأخطار، ويحدد أيضاً كيفية التعامل معها، ورغم أن هناك لجنة برلمانية من المفترض أنها تشرف على أنشطة أجهزة الاستخبارات فإن سلطاتها محدودة.

يسرى فودة:

فقط للتأكد مَنْ الذي دفعك إلى الانضمام إلى الخدمة السرية في المقام الأول؟

ديفيد شيلر:

كما ذكرت لك قرأت الإعلان عن الوظيفة ودهشت بطريقة كتابتها،وقد قلت لهم إنني يساري الهوى والميول،فقالوا لي:إن ما تتحدث عنه أضحى تاريخياً ولم يعد هناك اتحاداً سوفيتي ولا ما يسمى نشاطات هدامة، ومجالنا الآن هو الإرهاب، ويسألني الناس: كيف يمكن أن تزاوج بين اهتمامك بالحريات المدنية من ناحية وعملك مع جهات الاستخبارات الداخلي من ناحية أخرى؟ لكنك حين تتعقب الإرهابيين الذين يضعون القنابل في الشوارع لقتل الأبرياء، فلن تكون لديك مشكلة أخلاقية على الإطلاق، وعندما بدأت أعلم عن حالات الاختراق غير الضروري للحريات المدنية للناس، الحالة التي أضرب بها المثل هنا هي حالة (فكتوريا بريتن) الصحفية في جريدة (الجارديان) التي اتهموها خطأ بغسيل الأموال لصالح الليبيين، فلو أن جهاز الاستخبارات الداخلي MI5 أخذ على عاتقه مراجعة سجلات العامة المتاحة حتى لعامة الشعب لكان أدرك أنها كانت تتلقى مالاً من الليبيين للمساعدة في تمويل قضية كانت تنظرها المحاكم البريطانية لقد بقيت الصحيفة البريئة تحت الرقابة لمدة عام كامل.

يسرى فودة:

ديفيد .. قبل الدخول في تفاصيل حالات بعينها، هل اخترت القسم الليبي بنفسك أم أنهم عينوك هناك؟

ديفيد شيلر:

لا، لقد كلفوني، إن هناك دعابة في جهاز الاستخبارات الداخلي MI5 تقول إنك أردت أن تذهب إلى مكان بعينه، فيبعثون بك إلى أي مكان آخر، لم أكن في الواقع أعلم أي شيء عن ليبيا أو الشؤون العربية قبل التحقي بالقسم الليبي، اسم ليبيا كان يتردد كثيراً في الأخبار خلال الثمانينات إضافة إلى قضية لوكيربي.

يسرى فودة:

كنت إذن في القسم الليبي فما هو هذا الذي كان يشغلك في أيامك الأولى هناك؟

ديفيد شيلر:

كنا ننظر في أمر القائم بالأعمال (خليفة بازليا) وكان ضابطاً في جهاز الاستخبارات الليبي، وكان من المفترض أن يقوم جهاز الاستخبارات البريطاني الخارجي MI6بتجنيده إذ إنه لم يسمح له بدخول بريطانيا أصلاً إلا على هذا الأساس، في الظروف العادية كنا سنطلب منحه التأشيرة، كان (بازليا) متورطاً قبل قدومه في أمور استخبارية مختلفة، من بينها التعامل مع ميليشيات إفريقية، وكان هذا كافياً لرفض منحه تأشيرة دخول إلى بلادنا، غير أن جهاز الاستخبارات الخارجي MI6تحدث معه قبل قدومه، ثم قال للحكومة: إن من مصلحتنا أن نمنح هذا الرجل تأشيرة دخول، لأنه قد ينفعنا في الحصول على معلومات عن الإرهاب الليبي، ومسألة لوكيربي.

وعلى هذا الأساس سمح له بالدخول، احتل ذلك إذن مساحة كبيرة من اهتمامنا في بداية عملي بالمكتب الليبي، ولكن كانت هناك أيضاً حالة الصحيفة (فكتوريا بريتن) التي أشرت إليها سابقاً، كما كان هناك كثيراً من ضباط المخابرات الليبية في بريطانيا إما أفلتوا من بين أيدينا، أو أن المعلومات بشأنهم لم تكن في ذلك الوقت متوفرة كانت فترة مشوقة من حياتي إذ أنني التحقت بالمكتب الليبي

عام 1994م.

وكان العام السابق 1993م قد شهد محاولة انقلاب فاشلة في ليبيا جعلت العقيد القذافي يعيش على أعصابه تحسباً من نفوذ المنشقين، وفي الواقع خططت للانقلاب مجموعة من ضباط الجيش الساخطين، ولكن المعارضة الليبية انتشرت في أوروبا وخاصة في بريطانيا تعلن مسؤوليتها عن محاولة الانقلاب أو أن لها -على الأقل- يداً فيها، وفي الواقع لم يكن لها يد فيها.

يسرى فودة:

أتفهم حقيقة أن وضعك ربما لا يسمح لك بالدخول في تفاصيل حساسة، ولكن هلاَّ رسمت لنا صورة بسيطة للتنظيم الداخلي لجهاز الاستخباراتMI5 ، هل يحتوي الجهاز مثلاً على قسم خاص لكل دول عربية على حدة؟ حدثنا قليلاً عن الأمور الداخلية في الجهاز.

ديفيد شيلر:

ينقسم جهاز الاستخبارات الداخلي MI5 إلى ستة أفرع، ومن بين الأفرع فرع اسمه (G.Brench ) مهمته مواجهة الإرهاب الدولي، وبه قسم اسمه (G 9) ينظر في الأمور المتعلقة بدول الشرق الأوسط، فمثلاً إيران شكلت تقليدياً خطراً كبيراً على المملكة المتحدة، كالخطر الذي كانت تشكله ليبيا قبل عشر سنوات أو 15 سنة،ولهذا هناك قسم كبير ينظر في الأخبار التي يشكلها النظام الإيراني، وكذلك المنشقون الإيرانيون الذين يؤمنون بالعنف، على عكس المعارضة الليبية، نعم يتوقف الأمر على مدى الخطر الذي يشكله بلد ما في فترة ما غير أن هناك قسماً كبيراً لإيران، وثلاثة مكاتب لليبيا، ومثلها للعراق، إضافة إلى بعض الاهتمام بدول مثل سوريا والأردن.

يسرى فودة:

مصر، الخليج، السودان؟

ديفيد شيلر:

لا يوجد لدينا الوقت، إلا أن جدلاً نشأ حول (المسعري) إذ كان السعوديون يمارسون ضغوطاً على جهاز الاستخبارات الداخلي البريطانيMI5 لمراقبته عن قرب بحجة أنه كان متورطاً في أعمال إرهابية، وفي الواقع لم يكن، ولكن السعوديين مارسوا مزيداً من الضغوط لوضع هاتفه تحت الرقابة المباشرة، ولم يسجل عليه أي مخالفة في الواقع.

يسرى فودة:

ديفيد .. سنعود إلى أمور بعينها تخص الدول العربية وتناول جهاز الاستخبارات البريطاني قضايا عربية ولكن..

ديفيد شيلر [مقاطعاً]:

الشيء الآخر بالطبع هو ما يعتبرونه تصاعداً لحظر المتطرفين الإسلاميين، فكما تعلم هناك أناس في بريطانيا لهم علاقات خارجية، ولكن بشكل عام ليس لدى بريطانيا مشكلة إسلامية كبرى، إذ أن المسلمين في بريطانيا عموماً لا يلجئون إلى العنف كما يفعل بعض الجزائريين في فرنسا مثلاً.

يسرى فودة:

كم عاماً قضيت؟

ديفيد شيلر:

خمسة أعوام ونصف.

يسرى فودة:

خمس سنوات ونصف سنة، ما الذي دفعك إذن إلى الإحساس بالكفاية، ومن ثم إلى الخروج؟

ديفيد شيلر:

بعد عامي الأول تقريباً من العمل بدأت أرى واقعياً كيف كانت الأمور تدار داخل الـMI5 أجدني هنا مضطراً إلى الاعتراف بأني أصبت بصدمة من جراء ما لامسته من غطرسة وعجز عن التأقلم مع متطلبات الواقع واحتياجات المستقبل، الأسلوب القديم أثبت فشله، على سبيل المثال وقعت انفجارات في لندن غالباً كان وراءها الأيرلنديون، كان باستطاعة جهاز الاستخبارات الداخلي أن يمنع وقوعها، ولكنها وقعت، لأنهم لم يتحركوا بسرعة، إن لسان حالهم دائماً يقول دعونا نضع ذلك جانباً، دعونا نأمل أن تتبخر المشكلة، وذلك لأن البيروقراطيين تقليدياً لا يهمهم حل المشاكل من جذورها، لسان حالهم يقول: لقد ورثت هذه الوظيفة، لقد كانت على هذه الحال حين تسلمتها، إنها ليست غلطتي، إنها غلطة الحكومة، ومع مرور الوقت رأيت أشياء أخرى، لديك مثلاً انفجار السفارة الإسرائيلية، وصلت إلى إحداهن معلومات تحذيرية مسبقة، ورغم ذلك وقع الانفجار، فقامت الموظفة بإخفاء التقرير في خزانة إحدى زميلاتها، ثم جاءت مؤامرة اغتيال العقيد القذافي التي دبرها جهاز الاستخبارات الخارجي MI6 فملأني إحساس بأنني لا أريد أن أكون جزءاً من ذلك بعد الآن.

يسرى فودة:

قبل أن نركز على هذه الحالات بعينها لا نريد مغادرة الشؤون الداخلية دون الوقوف على بعض الأساسيات، ذكرت مثلاً أن الميزانية السنوية لجهاز الاستخبارات مائة وخمسون مليون جنيه إسترليني، مَنْ يقرر توزيعها على هذه العملية أو تلك؟

ديفيد شيلر:

إن التخطيط لذلك في منتهى السوء، فهناك حالات داخل جهاز الاستخبارات الداخلي MI5 تجد فيها تحديداً لميزانية ضخمة لقسم بأكمله لمجرد أن على رأسه مديراً يرى أنه من الأهمية بحيث ينبغي أن يكون لديه أكبر عدد من الموظفين، ومن أوضح الأمثلة على ذلك وجود القسم الكردي، فالأكراد في الواقع لا يمثلون خطراً على بريطانيا،ورغم ذلك ولسبب ما كان به من الضباط والموظفين أكثر بكثير مما كان في القسم الليبي مثلاً، فأنا لا أعتقد أنهم يعرفون على الإطلاق ما ينبغي عليهم أن يخصصوا مواردهم.

يسرى فودة:

مَنْ الذي يحاسب المدير العام؟

ديفيد شيلر:

وزير الداخلية غير أن شكل المساءلة في غاية التساهل، فكل ما يفعله المدير العام هو أنه يكتب تقريراً سنوياً يقول فيه: جهاز الاستخبارات الداخلي MI5يعتقد أن هذه هي الأخطار، وهذه هي الطريقة التي واجهنا بها هذه الأخطار، وقد قمنا بذلك على أكمل وجه، أعتقد أن العلاقة الآن بين وزير الداخلية والمدير العام للـ MI5 أقوى مما كانت عليه من قبل، فلو كان لك أن تتحدث إلى وزير الداخلية من السبعينات حتى الآن فستكتشف أنهم لا يعرفون شيئاً عما كان يدور في جهاز الاستخبارات.

يسرى فودة:

كنت تعلم قبل انضمامك إلى الجهاز أن ثمة أسراراً كبرى ستكون عليك أن تكتمها حتى لو تركت الوظيفة، وكنت تعلم حين قررت الحديث أنك تخاطر بالكثير، لابد أن قوة كبيرة دفعتك، فهل هي اعتقادك أن بريطانيا تستحق أفضل من ذلك؟

ديفيد شيلر:

لقد كنت أتوقع عندما قررت الكشف عما في صدري، أنني سأحصل على تأييد حكومة حزب العمال، فقد كان (تونى بلير) و(جاك سترو) والمدعى العام قد صوتوا جميعاً ضد إزالة الفقرة الخاصة بالصالح العام من قانون الأسرار الرسمية عندما تم تغييره عام 1989م، ولكن يبدو أن وصولهم اليوم إلى السلطة جعلهم يغيرون آرائهم، وبالمثل عندما تم اعتقالي حين علموا أنني على وشك الكشف عن مؤامرة اغتيال العقيد القذافي، كنت أعتقد أن (روبين كوك) سيلتفت ويقول: انظروا إن علينا أن نفعل شيئاً إزاء ذلك، ولكنهم لم يفعلوا.

يسرى فودة:

لقد كشفت عن الكثير، بعض المسؤولين يقول: إنها مزاعم لا أساس لها، إلى أي مدى تؤمن الآن بموقفك؟ وإذا اختبرنا بعضاً مما تقول على الجبهة الداخلية مثلاً تقول: إن تعلم عن مسؤولين كبار وضعوا تحت الرقابة المباشرة مثل (بيتر ماندلسون) و(جاك سترو) وآخرون فهل لديك من مزيد؟

ديفيد شيلر:

(بيتر ماندلسون) كان عضواً في الحزب الشيوعي، وهو نفسه يعترف بذلك الآن، وفي ذلك الوقت كان جهاز الاستخبارات الداخلي MI5 يعتبر أن أعضاء الحزب الشيوعي يعملون على هدم المجتمع البريطاني من الداخل، وهكذا كان هناك سبب وجيه لوضع هاتف ماندلسون تحت الرقابة، خاصة أنه قام بزيارة إلى كوبا للمشاركة في المهرجان الديمقراطي العالمي للشباب، لكن ما حدث أنه أثار الشكوك عندما غادر المهرجان فجأة بعدما قال له أحدهم: إن جهاز الاستخبارات الداخلي MI5 قد أخترق الحزب الشيوعي.

لقد رأيت الملفات بنفسي، ولكنني بالطبع لا أستطيع الآن إخراجها للناس، وأنا أعلم أن بيتر ماندلسون نفسه طلب رؤية الخاص به، ولكن المدير العام لجهاز الاستخبارات الداخلي (ستيفن لاندر) قال له: لا، لا يمكنك ذلك، أما الملف الخاص بوزير الداخلية الحالي (جاك سترو) فقد رأيته بعيني، وهو واحد من أسوأ الأمثلة، إذ أنهم فتحوا ملفاً عن جاك سترو لمجرد أنه كان رئيساً لاتحاد الطلبة من جامعة (ليدز) ثم رئيساً للاتحادات الوطنية للطلاب.

كل ما كان يفعله هو تنظيم حملات سياسية ديمقراطية شرعية، ورغم ذلك انتهى به الحال بين ملفات جهاز الاستخبارات كمتعاطفٍ مع الشيوعيين، وما أجده غريباً أن جاك سترو اليوم لا يخطر هذا بباله، انتظر لحظة.. إنني لم أحاول هدم المجتمع البريطاني من الداخل، ورغم ذلك كان لي ملف في جهاز الاستخبارات، ولديك أيضاً حالة (هاريت هارمن) وزيرة الشؤون الاجتماعية سابقاً، وهي حالة موثقة تقدم دليل آخر على الانتهاك غير الضروري للحريات المدنية للناس.

يسرى فودة:

حين نتحدث عن وضع هاتف تحت الرقابة المباشرة .. رقابة دائمة، مَنْ بيده السلطة؟ أعطنا مثالاً نمطياً لسلسلة تمرير المعلومات واتخاذ القرار لرقابة شخص ما.

ديفيد شيلر:

القانون الخاص بفرض الرقابة على وسائل الاتصال في بريطانيا تلزم جهاز الاستخبارات الداخلي MI5 نظرياً استنفاذ كل السبل الأخرى قبل اتخاذ قرار بفرض الرقابة على هاتف ما مثلاً، ولكن ذلك لا يحدث على أرض الواقع، فكما ذكرت سابقاً لو كانوا يتحملون مشقة مراجعة أي سجل مدني مفتوح لعامة الشعب لكانوا أدركوا أن الحالة لا قيمة لها من الناحية الاستخبارية، ولكان التحقيق سقط على الفور، ولكن بالطبع يتخذون دائماً الطريقة السهلة.

يسرى فودة:

مَنْ يصرح بذلك؟

ديفيد شيلر:

حسناً .. عندما يصل الأمر إلى قمة الجهاز يقوم أحد أقسام الجهاز بإرسال خطاب إلى وزارة الداخلية التي تقوم عندئذ بالنظر في أمر الحالة، ثم يضعونها أمام وزير الداخلية الذي يقوم بنفسه بتوقيع الإذن بفرض الرقابة، وبمجرد التوقيع يقوم جهاز الاستخبارات الداخلي MI5بإرسال نسخة من الإذن إلى شركة الاتصالات البريطانية أو إلى شركات هاتف محمول، ومن الواضح أن من السهل إساءة استغلال هذا النظام.

لقد كان هناك مثال عظيم لذلك في أوائل التسعينات في قسم مكافحة النشاطات الهدامة عندما اعترفت ضابطة المكتب نفسها، وكانت وقتها تقوم بدراسة الاتجاه المتشدد بأنه لم تعد هناك حالة بين حزب العمال والجماعات التي تسعى إلى هدم المجتمع البريطاني من الداخل، ولم يعد هناك سبب يدعونا إلى الاعتقاد بأنهم يسعون إلى تقويض الدولة أو الديمقراطية البرلمانية، وقد اتفق معها آخرون حول هذا الرأي، لكن رئيس القسم التفت وقال لها: لا إن عليك أن تجدي حالة، عليك في الواقع أن تختاري بعض المعلومات، وعليك أن تضخمينها كي تبدو مهمة، وبالفعل تم إرسال ذلك إلى وزير الداخلية الذي قام بالتوقيع، ذلك أنه لم يكن يعلم قبل أن يقوم بالتوقيع بأن شخصاً ما كان يشكو.

يسرى فودة:

كم عادة تكلف رقابة شخص ما؟

ديفيد شيلر:

مجرد اقتفاء شخص ما يكلف جهاز الـ MI5 حوالي عشرة آلاف جنيه إسترليني في اليوم الواحد، الرقابة مكلفة.

يسرى فودة:

إلى أي مستوى من القذارة يمكن أن يصل جهاز الاستخبارات؟

ديفيد شيلر:

إلى أي مستوى يراه ضرورياً ليس فقط جهاز الاستخبارات الداخلي MI5، بل أيضاً وعلى نطاق أوسع جهاز الاستخبارات الخارجي MI6 إذ أن قانون العمل الاستخباري المعتمد عام 1994م يمنح قانون العاملين في جهاز MI6حصانة ضد الجرائم التي يرتكبونها في الخارج، وبشرط حصولهم على إذن مسبق من وزير الداخلية أو وزير الخارجية، يمكن نظرياً أن يرتكبوا جريمة قتل دون محاكمة أو محاسبة، فيما تتظاهر الحكومة البريطانية أن شيئاً لم يكن، باختصار إن لديهم سلطة بلا حدود، ورخصة للقتل لمن يريدون متى يشاءون.

أنا في الواقع أعيش في هذا المنفى مع الشكوك والهواجس، أمشي في الشوارع ورأسي يلتفت يميناً ويساراً كلما دق الهاتف يتملكني إحساساً بالخوف والرجاء.

يسرى فودة:

ما يقول ديفيد شيلر: إنه نفاق بريطاني على أعلى مستوى يبعث فيه بعض الأمل في أن الحكومة البريطانية التي تتعقب اليوم آثاره ليل نهار ربما تأتي في يوم من الأيام وتعقد معه صفقة من نوع ما، صفقة قد يكون ثمنها من وجهة نظره صمت حتى يقضى الله أمراً كان مفعولاً، لكنه لن يكون صمتاً عن حق يحتاج إليه مظلوم كما يؤكد العميل البريطاني المنشق.

في الواقع هناك أكثر من شخص قد يكون مظلوماً هو في أشد الحاجة إلى شهادة ديفيد من بينهم فلسطينيان حكم عليهما بالسجن لمدة عشرين عاماً بتهمة التآمر بتفجير السفارة الإسرائيلية في لندن عام 1994م، في الجزء التالي من هذا الحديث المطول يخص العميل البريطاني المنشق قناة الجزيرة بتفاصيل سرية لو كان أخذ بها أثناء المحاكمة ربما تغير كثير من التفاصيل، حتى ذلك طيب الله أوقاتكم.