مقدم الحلقة:

يسري فودة

ضيوف الحلقة:

عدة ضيوف

تاريخ الحلقة:

02/12/1999

- وسائل الرقابة الحديثة
- وسائل الرقابة الإلكترونية فوائدها وأضرارها

- سهولة الحصول على وسائل التجسس

- هل يجوز لرئيس عمل ما مراقبة موظفيه دون علمهم؟

- سهولة اختراق نظم المعلومات الإلكترونية

- بطاقات الائتمان نفعها وضررها

- المحمول أحد وسائل مراقبة الأشخاص

هشام شريف
محمد عبد الفتاح
جون وودام
توبي ماندل
ديفيد شايلر
أدريان كول
سيبتين فيرسي
علي هداوي
كاسبار باودن
كاثرين إيرد
طوني رينولز
يسري فودة
يسري فودة: كما هي الحال في ثقافتنا، وفي ثقافات أخرى كثيرة، للأخ الكبير صورة ليست دائماً محببة، صورة الرقيب، صورة السلطة، يستمدها من الأب ربما دون أن يستمد معها الإحساس بالمسؤولية، صورة السلطة يستمدها من الأم، ربما دون أن يستمد معها الإحساس بالحنان، ماذا عليك أن تفعل إذا أردت حقاً أن تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين؟ سلم نفسك بنفسك إلى جميع أجهزة الاستخبارات في العالم، وإلى وسطاء الشركات الكبرى والصغرى، وإلى كل من هب ودب، هذه هي الضريبة، وهذا البرنامج يحاول أن يكشف أمامك قليلاً من أسرار اللعبة كي لا تزيد عليك الضريبة.

وسائل الرقابة الحديثة

مرة أخرى يجد العرب أنفسهم في صراع مع الغرب، لكن ثمة جديد هذه المرة، الجديد أن هذا الصراع لا يتعلق بالدين أو بالفكر بقدر ما يتعلق بالعلم والتقنية، هذان في الدنيا هما الرقباء، إن كان لأحمد شوقي أن يعود اليوم، إن كنت متفائلاً فامدحهما، إن كنت متشائماً فالعنهما، وإن كنت واقعياً تعال معنا إلى قليل من الخبز، والشك وغيرهما وأم كلثوم.

أم كلثوم والطريق الزراعي بين القاهرة والإسكندرية، عصب الشعب المصري المغرم بالدعابة، قبل حوالي عشرين عاماً بدأ سائقو السيارات يتزينون ملبساً ومظهراً قبل رحلاتهم، لماذا؟ لأن ثمة اختراعاً جديداً في وقتها اسمه الرادار يلتقط لك صورة إذا تجاوزت السرعة، شكل من الرقابة له هدف وجيه، اليوم تبنت مصر أشكالاً أخرى مختلفة في ظل تدعمّ فلسفة السوق، الغرب راضي عن مصر، وأحد أوجه هذا الرضا أن هذا المركز الذي يراقب ويجمع المعلومات وينظمها ويحللها، ومن ثم يرفعها في كبسولة إلى مجلس الوزراء حصل علي جائزة (تحدي بنجامين) من الحكومة السويدية واختارته مؤسسة (جلوبال ورلد) من بين أفضل ستة مراكز لجمع المعلومات على مستوى العالم، جنباً إلى جنب مع وزارة الخارجية الأميركية و(اسكوتلانديارد) ووزارة الصناعة والتجارة اليابانية.

إذا كنت مواطناً مصرياً، أهلاً بك إلى هذا المكان الذي يطوع تقنية الغرب لاقتفاء أثر الصعيدي والفلاح بدءاً بالاعتماد على الحاسبات الصغيرة.

د. هشام شريف (مدير مركز المعلومات ودعم القرار سابقاً): ثم انتقلنا بعد ذلك إلى تنفيذ ما يسمي مشروعات المعلومات العملاقة زي الرقم القومي، الرقم القومي دا قاعدة بيانات بتضم 150 مليون سجل، كل المواطنين اللي ولدوا على أرض مصر من عام 1900 حتى الآن، كل حالات الوفاة، كل حالات الزواج، كل حالات الطلاق، الكم الضخم ده ما كنش يقدر يتم صياغته على الحاسبات الصغيرة، علشان كده في الوقت دوت كانت التكنولوجيا المناسبة الحاسبات الكبيرة أو ما سميت اللي هي بيطلق عليها الـ main frame.

د. محمد عبد الفتاح (خبير الحاسبات الآلية): النهارده الرقم القومي مثلاً هيساعد الواحد المواطن العادي إنه هو ما حدش يقدر يزور أي حاجة باسمه، بس في نفس الوقت هتخلي المجتمع ياخد واجباته منه، شخصياً هو مش هيعرف يزوغ من المجتمع، والنهارده المجتمع علشان الأفراد بتوعه يقوموا بواجباتهم مظبوطة لازم الأفراد دي تكون متسجلة مظبوط، لازم تكون متراقبة مظبوط، لازم تكون واجباتها معروفة للمجتمع علشان المجتمع يقدر يلبي لها طلباتها.

بالنسبة للكاميرات مثلاً، الكاميرات المراقبة النهاردة ما نقدرش نعتبرها.. ما دام بتراقب في الحياة العامة، في محطات السكك الحديد أو في الطرق العامة أو خلافه... فهي لحماية المواطن وليست لمطاردته، إنما لو كانت الكاميرات حتستخدم استخدام للتجسس على حياة الأفراد، فهنا نقدر نقول إن ده محظور، لأن حياة الأفراد دي حقوق ما حدش يقدر إنه يمسها.

يسري فوده: هذه الحقوق التي باتت- بشكل متزايد- تحت رحمة التقنية الحديثة من ناحية، وحسن النوايا أو سوئها من ناحية أخرى، هل لا يستطيع أحد حقاً أن يمسها، نشأت في الغرب علي أية حال واستوردناها، فماذا يحدث الآن في الغرب؟!

الأخ الكبير (الجزء الأول)

يسري فوده: شارع (أكسفورد) في قلب (لندن) تحت الرقابة الصارمة، في كل زواية، في كل وقت، هذه الكاميرات التي تراها وتراك في كل مكان أينما التفتت ينتمي بعضها للمجلس البلدي في كل منطقة على حدة، وينتمي بعضها الآخر لأصحاب المحال والمكاتب والشركات، والمنازل بطبيعة الحال، تكون مخطئاً إذا ظننت أن أهمية شارع اكسفورد تفرض هذا الاتجاه استثناءً.

فعلى سبيل المثال- لا الحصر- يغطي شبكة المواصلات النفقية في جنوب لندن فقط أكثر من ثلاثة آلاف كاميرات، إذا اهتم بك أحد، وأراد أن يرسم لك سيناريو خروجك من المنزل إلى مقر عملك، وسيناريو عودتك، سيقدم لك هذا كله وغيره على شريط ابتسم أنت على كاميرا أو أخرى، دول بعينها مثل (الدانمارك) –مثلاً- تعتبر ذلك انتهاكاً سافراً للحرية الشخصية، لكن (بريطانيا) أم الديمقراطيات الحديثة ليست من بين هذه الدول حماتها لم يعودوا يستطيعون حمايتها دون الاعتماد على مثل هذه الأدوات الرقابية كالدوائر التلفزيونية المغلقة.

فيل تريندول (شرطة المواصلات البريطانية): الدوائر التلفزيونية المغلقة موجودة في كل أنحاء العالم تتيح لنا هيئة المواصلات حرية التحكم في هذه الدوائر، لغرض تطبيق القانون وبالمثل يمكن لنا أيضاً الوصول للدوائر التليفزيونية الأخرى.

وسائل الرقابة الإلكترونية فوائدها وأضرارها

يسري فوده: يعترف ضباط اسكوتلانديارد وغيرها بأن هذه وغيرها أصبحت عيونهم التي لا تنام، هذا مثال صغيرة قدمته شرطة المواصلات البريطانية هدية لقناة (الجزيرة)، عملية سطو مسلح على ركاب أحد القطارات، هرب على أثرها الفاعلان، بالبحث في شرائط كاميرات المراقبة توفر بين يدي الادعاء سيناريو تحركاتهما، قدمه دليلاً فاعترفت به المحكمة، يقول المدافعون عن الحريات المدينة إن هذا فقط ما يبدو وجهاً حسناً لكاميرات المراقبة، لكن لها في رأيهم وجهاً قبيحاً، لا يبرر الوجه الحسن.

جون وودام (مؤسسة ليبيرتي للدفاع عن الحريات المدنية): لدينا قضية تنظرها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن مواد مصورة بثتها قناة تليفزيونية، نقلاً عن دائرة تليفزيونية مغلقة تبين شخصاً يحاول الانتحار دون إخفاء ملامح وجهه، وقد شاهد أهله وأصدقاؤه هذه الصور رغم أنه عندئذ كان يقترب من الشفاء، هناك قضاياً هامة، وأفضل حل أمامنا هو المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

يسري فوده: المكان نفسه الذي يجاهد في الدفاع عن الحريات المدينة تعرض هو نفسه لانتهاك هذه الحريات.

جون وودام (مؤسسة ليبيرتى للدفاع عن الحريات المدنية): في السبعينيات خضعت ليبيرتى لرقابة جهاز الاستخبارات 5M .i.- ، نعلم ذلك لأن أحد موظفي الجهاز كشف الحقيقة على شاشة التليفزيون وأمام المحكمة، ونتيجة لذلك تغيرت القوانين قليلاً، ولكنها مجرد بداية.

توبي ماندل (مؤسسة "البند 19" للدفاع عن حرية التعبير):هناك عدد كبير من القضايا أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عن بريطانياً مثلاً، حيث وضعت هواتف الناس تحت الرقابة دون وجود شك معقول في وقوع جريمة، ودون الاستناد إلى قواعد سليمة، ووجدت المحكمة أن ذلك ينتهك حقوق الإنسان.

يسري فوده: نعرف نحن الآن من حديثنا المنفرد مع ضابط الاستخبارات البريطانية المنشق (ديفيد شيلر) أن اتصالات المعارض السعودي محمد المسعري كانت قد وضعت دون إذن مسبق تحت الرقابة المباشرة، كيف إذن يفعلون ذلك فنياً؟

ديفيد شيلر (ضابط المخابرات البريطاني المنشق): ما يحدث عادة أن أحد الأقسام في الجهاز يرسل كتاباً إلى وزارة الداخلية، حيث ينظروا في أمر الحالة، ومن ثم يرفعونها إلى وزير الداخلية، كي يوقع بنفسه على إذن الرقابة، وبناءً على ذلك يبعث جهاز الاستخبارات بنسخة من الإذن الموقع إلى شركة الاتصالات البريطانية، أو شركة الهاتف المحمول مع طلب بالقيام بالترتيبات الفنية لعملية الرقابة، وبالطبع يمكن إساءة استعمال هذا النظام بتضخيم معلومات بعينها.

كان هناك مثلاً قلق من المسعري وكان السعوديون يحاولون الضغط على جهاز الاستخبارات البريطاني كي يراقب المسعري بحجة تورطه في الإرهاب، ولكنه في الواقع لم يكن كذلك، وكل ما فعله هو القيام بحملة ديمقراطية في بريطانيا، ورغم الضغط السعودي، ورغم خضوعه للرقابة لم يجدوا عليه شيئاً، وأقلعوا عن ذلك.

يسري فوده: تكلف رقابة شخص واحد في اليوم الواحد أكثر من 10آلاف جنيه (إسترليني)، عند الذين يفهمون ثمنك غال عند السلطات، لكنه في الواقع ولا شيء حين تتذكر أنك أنت الذي يدفع الضرائب، هل أنت منزعج؟ إن لم تكن تعال بنا إلى الجانب التجاري لأدوات التجسس، متاح لكل من هب ودب بأسعار في متناول الجميع، بإرشادات في منتهى السهولة.

نيوكلاس بيتال (مدير متجر لأدوات التجسس): الأمر في منتهى السهولة، فهذه مثلاً أداة رائعة في حجم بطاقة ائتمان، إذا كان الجو حاراً يمكنك أن تضعها في جيب السترة، وتترك السترة على أحد المقاعد، ثم إذا قررت مغادرة الاجتماع يكون هذا في جيبك، والسماعة في أذنك، تستمع مباشرة لما يحدث في غرفة الاجتماع.

سهولة الحصول على وسائل التجسس

يسري فوده: صوتاً وصورة وبصمة يمكنك أن تتجسس على من تشاء باستخدام إحدى هذه الأدوات التي تأتي علي كل شكل، وكل لون، وكل حجم، بما يناسب ظروفك، وظروف عملية التجسس، متوسط أسعارها لا يزيد على بضعة مئات من الدولارات، كثير من العرب يترددون على محال بيع أدوات التجسس، بعضهم لأغراض بريئة كأدوات الاتصال عن بعد في سباقات الخيل والهجن، وبعضهم لأغراض ليست تماماً كذلك، حين تأتي إلى هنا على أية حال لا أحد يسألك عن اسمك، أو جنسيتك، ولا الغرض الذي من أجله تبحث عن أداة للتجسس أو مكافحة التجسس، باختصار هي مسألة قانونية، لا تحتاج فيها إلى تصريح من أحد ومحكها الوحيد هو الأخلاقيات، والاختيار لك.

نيوكلاس بيتال (مدير متجر لأدوات التجسس): معظم الزبائن من رجال الأعمال، وهذه الأدوات أدوات دفاعية، البعض يخشى تسرب أسرار مؤسسته، فقديماً كان الناس يسرقون البضائع، اليوم يسرقون المعلومات.

يسري فوده: أهلاً بكم إلى بلادنا، دبي مجرد مثال، هذه سوق رائجة لمستحدثات الغرب، من باب الشغف أو من أبواب أخري يتسلل الأخ الكبير إلى شوارعنا، مقار أعمالنا، وحتى إلى منازلنا، اسمح لي أن أسألك: لماذا تثق بزوجتك إلى هذا الحد؟! ربما لأنك لم تر منها ما يسوءك، ولكن ماذا عما قد لا تكون الفرصة أتيحت لك كي تراه؟ سؤال خبيث، أتفق، ولكن من ذا الذي يلقي بالاً بالأخلاقيات في تجارة تقوم في أساسها على افتراض عدم الثقة؟

حقيقة أن إحدى شركات الأمن الغريبة تتخذ من المدينة العربية دبي المقر الرئيس لأنشطتها، تقول على الأقل إن هناك مشترين للبضاعة في هذه المنطقة، والبضاعة تتراوح من الحماية الشخصية، إلى تأمين الأحداث والفعاليات إلى توظيف أدوات التصنت والرقابة إلى غيرها، والله أعلم.

إدريان كول (خدمات الأمن الأوروبية): لا أؤمن بوجود مجتمع الأخ الكبير، فذلك يعتمد على رؤية الفرد لنفسه في بلده وفي الخارج، ونحن لا نعتقد أن تجارة الأمن تزدهر في العالم العربي وحسب، بل أيضاً في كل أنحاء العالم، في (أميركا) وأوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، ولهذا تطلب خدماتنا للسفر مع رجل الأعمال وأسرته.

يسري فوده: يسارع المسؤولون في شركة الأمن هذه إلى نشر خبر بثته إحدى وكالات الأنباء العالمية عن أن حراسها من الرجال يستأجرون لمصاحبة نساء الخليج في رحلاتهن إلى عواصم الغرب، فيماً ينشغل أزواجهن بأمور أخرى، إذا ذكرت هذا لأحد هؤلاء الغربيين سيقول لك: وماذا في ذلك وربما يتهمك بالتخلف، ولكن إذا كانت الدوائر التليفزيونية المغلقة والمفتوحة تتبعك في الشوارع، والمحال، والأماكن العامة، وإذا كان لعملاء الاستخبارات أن يتبعوك حتى في منزلك، وفي أماكن أخرى، فإن ثمة ظاهرة أخرى تطفو على السطح تطرح التساؤل هل يجوز لصاحب العمل، أو لرئيسك في العمل، أن يتجسس عليك أثناء العمل؟! وإذا جاز له، هل يجوز له ذلك دون علم منك؟!

هل يجوز لرئيس عمل ما مراقبة موظفيه دون علمهم؟

لم يكن الأمر يستدعي خروجنا من لندن كي نقدم لكم مثالاً على ذلك، لكن حساسية الأمر ألقت بنا -على أية حال- أميالاً خارج العاصمة البريطانية، قبل أن نجد شركة وافق صاحبها على مواجهة كاميراً (الجزيرة)، كان السيد (فيرسي) على موعد مع مهندس الكمبيوتر على هداوي كي يشرح له هذا، كيف يمكن له وهو جالس في مكتبه الخاص أن يراقب موظفيه، يتيح له برنامج خاص أن يخترق برامج الموظفين، فيرى على شاشة الكمبيوتر ما يفعله موظفوه في لحظة ما، يعتقد أنها مسألة تتوقف على وجهة نظرك.

سيبتين فيرسي (فيرسي وشركاه للمحاسبة): ولكن نتجنب دائماً القيام بالمراقبة، إن هناك شركات تراقب المكالمات الهاتفية التي يجريها الموظفون، لكننا لا نفعل ذلك رغم إن من المهم التأكد من إنجاز العمل، ولهذا لدينا هذا النظام، إن الأمر يتوقف على كيفية المراقبة، فمثلاً إذا كنت أبحث عن خطاب كلفت أحد الموظفين كتابته أو مذكرة خاصة بأحد العملاء، فإنني أكون أراقب عملي أنا، لأنهم يعملون لحسابي، وبهذا المعنى لا توجد مشكلة أخلاقيات.

توبي ماندل: فيما يخص الإدارة ترى المحاكم عادة أنه إذا كان الأمر يتعلق بالبريد الإلكتروني مثلاً إذا كان يخص العمل، فالرقابة عندئذ مقبولة، وبالطبع علينا هنا أن نفرق بين تصرفات الكيانات الخاصة من ناحية وكيانات الدولة، كالشرطة مثلاً من ناحية أخرى، إذا إن من المعروف أن سلطات الدولة كبيرة، ومن ثم تنشأ الحاجة لاحترام الأفراد، في حين أن سلطات الكيانات الخاصة ليست بهذه الضخامة، الرقابة هنا مقبولة، لكنها غير مقبولة إذا قامت بها الحكومة.

يسري فوده: في بلدة صغيرة، بالقرب من العاصمة الألمانية، أقام بعض الهواة مخيماً للفوضى، هكذا أطلقواً على مهرجانهم السري الذي أقاموه في الهواء الطلق "مخيم الفوضى" لكنها فوضى في منتهى النظام والعبقرية وإن شئت، يتحدون بها الحكومات وأجهزة الأمن، والمصارف، والمؤسسات الكبرى، ومصممي برامج الكمبيوتر، والسيد (بل جيتس) نفسه، هم بمعنى من المعاني بهلوانات، لكن استعراضاتهم ليست تماماً مضحكة، هي في معظم الأحيان محرجة وفى بعض الأحيان مدمرة.

وهم بهلوانات فقط، لأنهم يستطيعون اختطاف الإشارة من الفضاء دون أن يغادروا مقاعدهم، يصطادون في الفضاء العكر، ولهذا يسمون Hackers الدخلاء، واحد مثل هؤلاء، لكنه كان روسياً عاطلاً عن العمل، استطاع قبل سنوات قليلة أن يخترق شبكة الكمبيوتر لأحد أكبر المصارف على مستوى العالمCity Bank عن طريق جهازه البدائي التقط إشارة كلمة سر، ودخل إلى الشبكة، وقام في غزوات متفرقة بتمويل ما إجماليه عشرة ملايين دولار أميركي إلى حسابات وهمية، في دول مختلفة.

سهولة اختراق نظم المعلومات الإلكترونية

علي هداوي (خبير الحاسبات الآلية) الفكرة بسيطة، الفكرة إنه هو تعرف تحصل شون توصل للشبكة المعينة، والباقي اللي وراها بس مسألة وقت، تبقى تجرب أسماء، والأسماء عموماً بسيطة، كلمة السر هي اللي صعبة، فتبقى تجرب، يعني هذه يمكن تاخد من عندك ½ ساعة، يمكن تاخد من عندك شهر، بس إنت إذا عندك التصميم إنه تدخل في شبكة معينة تدخل، ما إكو أي احتمال إنه ما تقدر تدخل، إلا في أسلوب واحد، إنه هذه الـ Mode تكون مطفية في الليل مثلاً، بحيث أسلوب الاتصال مقطوع.

كاسبار باودن (خبير الاتصالات الإلكترونية): أعتقد أنه أوضح حل في أنظمة الحاسبات أنك حين تحاول اختراقها من الخارج تسأل عن كلمة السر واسم المتعامل، أما اسم المتعامل فيمكنك عادة تخمينه بسهولة، وأما كلمة السر، فإن الناس عادة مهملون في اختيار كلمات السر، فكثير منهم يختار اسم صديقته أو حيوانه الأليف ومن الممكن شن ما يسمى هجوماً قاموسياً علي كلمات السر الشائعة فتقوم بإعداد قائمة تضم ملايين الكلمات والعبارات، ثم تقوم بسرقة ملف كلمات السر المشفرة، باستخدام اسم أي موظف صغير، وتضع قائمتك القاموسية في حوار مع هذا الملف المشفر.

وما يحدث عندئذ أن قاموسك يقوم بتشفير نفسه على هذا الأساس، فإذا وجد المقابل متطابقاً بين كلمات السر المشفرة يمكنك عندئذ أن تعود إلى الشبكة، وتكتب كلمة السر، وأهلاً بك.

يسري فوده: يفرق الخبراء بين الكمبيوتر المستقل المنفصل من ناحية، وهذا المرتبط بشبكة أو بأخرى من ناحية ثانية، سواء كانت هذه شبكة العمل أو شبكة الإنترنت أو كلتيهما أو غيرهما، حتى الكمبيوتر المستقل الذي لا تعدو قدراته عندئذ كثيراً قدرات آلة كاتبة أو منظم لجدول الأعمال، حتى هذا الكمبيوتر المنفصل يمكن التجسس عليه من خلال الأشعة الصادرة عن الشاشة.

كاسبار باودن: هناك أسلوب يسمى (تامبست) تقوم من خلاله بتجميع هذا الإشعاع عن طريق مجموعة هوائيات مرتبطة بمجموعة حاسيات داخل شاحنة أمام المبني المستهدف ويمكن توجيه الهوائيات نحو حاسب بعينه، فتلتقط المعلومات الصادرة عن الشاشة أو الهابطة في الأسلاك.

علي هداوي: بعض الأحيان بالنسبة للشركات مثل وزارة الدفاع والشيء، هادول عموماً عندهم برامج خاصة تسوي ما يسمىEncapsulation مثل الكبسولة تحط حول الذبذبة، حتى ما تنقرا، بس بالظبط نفس الأسلوب إكو برامج خاصة تقدر تشتريها، اللي هي تشيل هذه الكبسولة، بحيث تقدر تشوف شو المعلومة اللي داخلها.

يسري فوده: إذا كان ذلك فيما يخص الكمبيوتر المنفصل عن أي شبكة، فقل في ذلك المتصل بشبكة أو بأخرى ما قاله مالك في الخمر.

كاسبار باودن: أخشى أنه من الصحيح أن غالبية مواقع الإنترنت غير آمنة، والسبب أن أياً من الأنظمة العاملة لم يأخذ في حسبانه لدى عملية التصميم احتياطات الأمن ضد الدخلاء، على سبيل المثال حين ترسل بريداً إلكترونياً تمر رسالتك عبر شبكة من الحاسبات لا تستطيع توقعها، ومن ثم يمكن للقائمين علي الشبكة أو للدخلاء أو للحكومات بالطبع أن يتجسسوا على ما ترسله عبر الإنترنت.

بطاقات الائتمان نفعها وضررها

يسري فوده: من هذا المنظور نفسه إذا قدمت بيانات بطاقة ائتمانك credit card في سياق شراء شيء ما على الإنترنت يمكنك أن تتوقع أن أحداً قد يلتقطها، ثم يشتري ما طاب له ولذ على حسابك الخاص دون أن تدري، فقط لأنها توفر عليهم كثيراً من التكاليف الإدارية، تشجع الشركات، والمصارف، والمؤسسات عملية الشراء عن طريق الإنترنت.

علي هداوي: يوحون للناس إنه عملية الإنترنت وطريقة استعمال الكمبيوتر بالخارج، يعني خارج المؤسسة بيكون طريقة أمينة دائماً، بس هي في واقع الحال لأ، هي مو أمينة وعملية عدم أمانها، بأريد أمثل لك إياها بمثال، مثل ما تشيل كيس مليء بالفلوس، بس شفاف، وتمشي في وسط مدينة، مو أمنية مثل لندن،يعني... مفتوح هذا، أي واحد يجي يقدر ياخد من عندك.

كاسبار باودن: أكثر الأسئلة شيوعاً هل من الآمن إدخال رقم بطاقة الائتمان والإجابة ربما؟ ولكن إذا أردت التأكد من أنك وموقع الإنترنت وحدكما الذي يعلم ذلك، فإن عليك أن تبحث إذن عن تلك المواقع المشفرة، ويمكنك أن تعرف ذلك، عندما ترى طفلاً صغيراً أصفر اللون في أسفل يمين الشاشة، وهو ما يعني أن جهازك مرتبط بالموقع عن طريق نفق آمن.

يسري فوده: يكاد يقترب من المستحيل أن ينتمي المواطن في دولة غربية إلى العصر الحديث دون أن تكون في جيبه بطاقة ائتمان، راتبك يحول مباشرة إلى البنك، لك رقم لديهم مرتبط بهذه البطاقة الممغنطة التي في جيبك، فلماذا إذن لا تستخدمها في سداد فاتورة الغداء؟ لا تستخدمها لأنك تعرف الآن أن احتمالات الخطأ، واحتمالات التلاعب أكبر من قدرتك على الاحتياط في مواقف تمر بك كل يوم، وتبدو تافهة، لكنها في الواقع ليست كذلك.

من أدراك مثلاً أن هذا النادل له يحتفظ ببيانات البطاقة؟! حدث ذلك من قبل، من أدراك أنه لم يستنسخ صورة طبق الأصل منها؟ حدث ذلك من قبل، من أدراك أن بياناتك التي ترسلها هذه الآلة إلى مركز الائتمان للتأكد من حسابك لم تمر على أحد؟ ثم من أدراك أن توقيعك هذا الذي تركته وراءك لن يكون غنيمة لأحد، قناة (الجزيرة) تنصحك ألا تستخدم بطاقة الائتمان إلا في أشد الظروف قهراً، فقط في تعاملاتك مع فنادق، أو مصارف، أو مؤسسات كبرى، تهمها سمعتها أكثر مما تهمك سمعتك أنت، سوى احتمالات التلاعب توفر بطاقة الائتمان رافداً مهما لأجهزة الاستخبارات، حتى لو قصرت استعمالها على مجرد سحب الأوراق المالية.

فإنك رغم احتفاظك وحدك ببيانات البطاقة تتخلى في الوقت نفسه عن معلومات أخرى، قد يهمك الاحتفاظ بها، وعلى رأسها المكان الذي أنت فيه الآن، والرقم الشفري الذي من المفترض أنك أنت الوحيد الذي يعرفه، وبالطبع كم من المال سحبت! إن لم يكن هذا يهمك، ولا ذاك، ولا ذاك، أنت حر، إذن في أن تسلم نفسك بنفسك حتى لأصحاب ما يُعرف باسم السوبر ماركت Super Market بعض هذه المحال يغري زبائنه باستحداث ما يطلقون عليه بطاقات الولاء، حين تطلب منهم إحدى هذه البطاقات يتعهدون بمنحك تخفيضاً في سعر كل سلعة تشتريها، ومن منا يكره ذلك؟

لكنك إذا توقفت برهة للتساؤل، وما المقابل إذن؟ ستعلم أنك عندئذ أصبحت رقماً في دفاترهم، قواعد معلوماتهم تضم هذه بياناتك الخاصة، وأحياناً الخاصة جداً، اسمك، عنوانك، رقم هاتفك، حسابك في البنك، إضافة إلى كل ما تشتريه، وكم رغيفاً من الخبز تأكله كل أسبوع، وكم شريطاً لمنع الحمل.

كاشرين إيرد (مستهلكة تحمل بطاقة ولاء): لست أدري، فلقد علمت بذلك حديثاً، ولم أكن أعرف أنهم يحتفظون بكل هذه المعلومات عني، ولكنني لا أمانع في حدود معينة،فأنا لا أغالي في الشراء على أية حال، ولا يضايقني ذلك.

يسري فودة: إذا كنت لا تمانع كثيراً-مثل هذه الإنجليزية-في أن تكون لك خانة في قواعد المعلومات التجارية، فإن من واجبك على نفسك أن تعرف على الأقل فيما تستخدم معلوماتك الشخصية، باختصار تتحول أنت نفسك إلى سلعة، تُباع وتشترى التخفيضات في أسعار السلع التي اشتريتها،وتحملها صاحب المحل لم تكن من أجل سواد عيونك،بل إنه يستخدمها –أولاً- لمصلحته في مزيد من عمليات الإغراء، ويقوم بعضهم في الوقت نفسه ببيع بياناتك الشخصية، وعاداتك الشرائية، ونوع ما تشتريه، وحجمه، وقدراتك المالية لمن يدفع!!

هل سألت نفسك مرة، خاصة إن كنت تعيش في الغرب، كيف يصل إلى بابك ما يسمى بريد القمامة؟ هل تساءلت مرة كيف علمت شركة التأمين هذه بأنك اشتريت سيارة جديدة؟ أو كيف علم بيت الأزياء، والعطور، والجواهر ذلك بأنك متزوج؟ ببساطة لأنك تشتري من أرغفة الخبز كل أسبوع ما من الواضح أنه يزيد على حاجة فرد واحد، هكذا بهذه البساطة، أو ربما لأنك اشتريت مرة زجاجة عطر نسائي مرتفع الثمن.

هذه وغيرها تشكل قواعد معلومات جاهزة لمن يريد، سواء على المستوى السياسي والأمني، أو على المستوى التجاري، عملاء الاستخبارات يعلمون نمط حياتك بمجرد الضغط على زر، والزر نفسه يفتح باب الجنة للوسطاء وتجار المعلومات.

طوني رينولز (إكوبنوكس بطاقات الولاء): هناك طرق متنوعة للتعرف على الزبائن، فهذه مثلاً بطاقة الخطوط الأميركية عليها شفرة تعرف من خلالها الشركة، كم مرة سافرت فى رحلة، أما هذه البطاقة فعليها مستطيل شفري يعلم من خلاله البائع أنك اشتريت من متجره من قبل، وأما هذه فهي بطاقة ولاء جماعية يمكنك استخدامها في أكثر من متجر بريطاني، وعليها خط ممغنط يخزن عدد الجوائز المستحقة، وهي ليست بطاقة شخصية، ولهذا تتمتع بميزة الأمن، أعتقد أن احتمالات التلاعب ضئيلة للغاية خاصة في وجود قاعدة معلومات تدعم هذا النظام، وقد اتخذت هذه المشاريع من قضية الأمن أولوية رئيسية للتأكد من حماية الزبائن.

يسري فوده: كي نجسد لك مخاطر التعامل بالبطاقات الممغنطة وغيرها، التي تزيد خطورتها كلما قلت قدرتك على الاحتياط، نقدم لك هذا المثال (ماثيولين) كاتب روائي ومحقق صحفي في جريدة "صنداي تايمز"، ويمكن لك في هذه الحالة أن تعتبره مواطناً عادياً اتفق مع بعض عمال البناء على ترميم بيته، دفع لهم عن طريق بطاقة الائتمان نصف المبلغ مقدماً، ضمن اتفاق على أن النصف الآخر يُدفع لدى الانتهاء من العمل، حصلوا على النصف الأول، ولم يكملوا العمل، ثم اختفوا.

ماثيولين (محقق صحفي صنداي تايمز): أثناء قيامي بمراجعة بيان الحساب المصرفي الذي يأتيني كل شهر اكتشفت فجأة اختفاء 1500 جنيه إسترليني من بطاقة الائتمان، سحبها عمال البناء الذين لم يكملوا العمل، وبالطبع اتصلت بهم، ثم اتصلت بالبنك شاكياً، لكن العجيب أن البنك لا يستطيع التصرف إلا إذا أثبتّ بالدليل القاطع أن هناك تلاعباً، ولحسن الحظ – على أي حال – عاد العمال وأكملوا العمل.

لكن ذلك يبين لك أنه بمجرد أن عرف هؤلاء رقم البطاقة لم يضطروا حتى للاتصال بي مقدماً قبل سحب المبلغ، كما أن الشركة الضامنة لبطاقة الائتمان لا تتصل بك للتأكد، كل ما يحتاجونه هو رقمك واسمك، وأي أحد يعرف ذلك يستطيع أن يسحب أموالك، وهو ما يعد مفاجأة كبرى.

المحمول أحد وسائل مراقبة الأشخاص

يسري فوده: بعثت إحدى الشركات الضامنة لبطاقات الائتمان إلى قناة (الجزيرة) بكتاب تعترف فيه بإشكالية التعامل بين البائع والمشتري من خلال بطاقة الائتمان، ورغم أن المسؤولين يزعمون إحراز تقدم في تأمين التعامل فإنهم يعترفون –في الوقت نفسه– بأن الطريق لا تزال طويلة.

تتفاقم في الغرب إشكالية الموازنة بين حرية الوصول إلى المعلومة من ناحية، والحفاظ على خصوصية الناس من ناحية ثانية، على سبيل المثال يمكنك أن تتوجه إلى أي مجلس بلدي في لندن، تدفع رسماً لا يتجاوز 20 جنيهاً إسترلينياً، وتحصل بحكم القانون على قائمة بأسماء سكان المنطقة، متى انتقلوا إليها، أو منها، وعنوانيهم، إلى آخره من البيانات الشخصية، بل إن أي مؤسسة تتعامل معها تحتفظ لنفسها ربما دون كثير من الوعي من جانبك بحرية تمرير بياناتك الشخصية إلى أي طرف ثالث تراه مناسباً.

الهاتف المحمول انتشر -أيضاً- في بلادنا له فائدة لك، لكن له لعميل الاستخبارات فائدتين، لماذا يُضطر هذا إلى أن يمشي وراءك برجليه، إذا كنت أنت نفسك تتبرع بشراء جهاز للتعقب، يرسل إشارة تقول للأعمى أين أنت الآن؟!

كاسبار باودن: حين يكون الهاتف مفتوحاً على وضع الاستعداد، ويتصادف أنك تستمع إلى المسجل المحمول فإنك تسمع عادة هذه الضوضاء المتقطعة، هذه الضوضاء هي الإشارة التي يبعثها الهاتف إلى محطات الإرسال كي يخبرها أنه مستعد للاستقبال، وهناك تقنية حديثة يمكنها حساب قوة الإشارة، واتجاهها، ومن ثم يمكنها تحديد موقع الهاتف بدرجة عالية من الدقة، إننا نفرض على أنفسنا هذا النوع من تقنية الرقابة، لايتعلق الأمر بدولة شمولية، بل بحقيقة أنك تحب أن ترى هاتفاً صغيراً أينما ذهبت، لأنك ترى في ذلك فائدة، وحين تفعل ذلك لا تفكر في الرقابة لأسباب قانونية أو غير قانونية.

ولهذا من الصعب جداً تحقيق التوازن بين الاستفادة من التقنية الحديثة التي نحبها والحفاظ على خصوصياتنا، إذ أننا نحب حقيقة أن كاميرات الدوائر التليفزيونية المغلقة تجعل الشوارع أكثر أمناً، ولكن ربما لا نحبها إذا علمنا أن أناساً يراقبوننا من خلالها، في حين أننا نحب أن نمشي في الشوارع دون أن يلاحظنا أحد.

يسرى فوده: إذا كانت هذه التفاصيل الصغيرة -في موضوع كبير- تعطيك فكرة ولو صغيرة عن الأخ الكبير فكن معنا بعد أسبوع، في الحلقة القادمة تفتح قناة (الجزيرة) أبواب أكبر أخ كبير في العالم، هي قاعدة للتنصت الإلكتروني، تضع عليها السلطات البريطانية لافتة القوات الجوية الملكية، لكن وكالة الأمن القومي الأميركية تعتبرها فخرها الأول، داخلها من يتحدث العربية أفضل مني ومنك، وخارجها أهداف كان على رأسها الرئيس العراقي صدام حسين، وصفقات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية. حتى موعدنا في الأسبوع القادم طيب الله أوقاتكم.