مقدم الحلقة:

يسري فودة

ضيوف الحلقة:

د. عصمت عبد المجيد: مندوب مصر الدائم في الأمم المتحدة سابقا
شمعون بيريز: وزير الاتصالات الإسرائيلي
فلاديمير كيربتشينكو: المخابرات السوفياتية في القاهرة
اللواء عبد الرزاق الدردري: رئيس شعبة العمليات السورية
هاني الشمعة: رئيس تحرير صحيفة جيش الشعب السورية
وآخرون

تاريخ الحلقة:

02/10/2003

- هزيمة 67 واستعدادات عبد الناصر لاسترداد سيناء
- الاستعدادات المصرية والسورية وتوجهات السادات السلمية

- تنشيط الاتصالات بين السادات وأميركا وطرد الخبراء الروس

- استعدادات السادات للحرب بعد يأسه من أميركا

- اللمسات الأخيرة في الإعداد لحرب أكتوبر

محمود عوض (مؤلف كتاب "اليوم السابع"): والله زي ما بأقول لكم، إحنا في الخندق، في الوحدة بتاعتنا، على.. في الجبهة، لقينا طب علينا الريس جمال قميص بنص كم وبنطلون، ومعاه سكرتيره والحارس الشخصي، وعربية جيب تانية فقط، ودخل جوه القيادات بتاعة الوحدة كذا كذا بتاع، وقال أنا جاي يا رجَّاله النهارده، أنا جعان وعايز أتغدى معاكم، فواحد راجع البيت لقى طابور على الجمعية التعاونية وقف سأل أيه الطابور ده قالوا له أصل النهاردة فيه سمك، الجمعية النهاردة فيها سمك، وقف في الطابور، بعد ما وقف ساعتين اشترى 2 كيلو سمك، فرحان جداً بيهم، روح على البيت بيقول لمراته جبت لك النهارده سمك، يللا بقى اقليه لنا، وتبقى غدوة جميلة، قالت له طب فين الزيت؟ قال لها طب ما تعمليهاش مشكلة يعني، أي حد من جيرانا، جارة وبتاع استلفي منها الزيت، راحت للجارة دي والجارة دي والجارة دي، كله ما عندوش زيت، قال لها برضو مش مشكلة، خد الاثنين سمك في إيده، ونزل قال لك أشوف أقرب مطعم بتاع سمك، وأخليه يقلي لي السمك ده بالفلوس، لقى أقرب مطعم دا قافل، والمطعم اللي بعده قافل واللي بعده قافل، وآخر ما زهق قام رامي الاثنين كيلو دول في النيل، في نهر النيل، ففي اللحظة اللي بعدها فوجئ بأن السمك ده بعد ما نزل غطس في المية، طلع من الميه يقول يعيش جمال عبد الناصر، فإحنا كلنا ضحكنا، إنما برضو متغاظين من إنه هو اللي جاي يحكي لنا النكتة دي وجديدة علينا.

يسري فوده: مين بقى اللي حكى النكتة دي؟

محمود عوض: قال استنوا دا النكتة مش هنا، أمال أيه النكتة؟ قال دا النكتة هتعرفوا مين اللي.. مين اللي قال لنا النكتة دي؟ قلنا له مين؟ قال جمال عبد الناصر، قلنا له الريس، طب وأنت شفته فين؟

[… في 5 يونيو/ حزيران 1967 اعتدت إسرائيل على أراضي ثلاث دول عربية فيما سُمِّي "حرب الأيام الستة" أعقب ذلك سنوات طويلة أعادت فيها الدول العربية بناء قواتها استعداداً لخوض ما يمكن تسميته...]

[اليوم السابع]

يسري فوده (منشأة جنزور - مصر): كنت يومها طفلاً صغيراً، وُلِدَ في هذه القرية الصغيرة في أعماق الريف المصري، وكان عددٌ من رجالها المخلصين قد عادوا إليها من خطوط النار، يحكون للصغار كيف ألهمهم الله أن يردوا إليها، إلى مصر، إلى الأمة العربية بعضاً من أرضها وكثيراً من الكرامة.

اليوم بعد ثلاثين سنة لا تزال روح أكتوبر/ تشرين الأول من عام 73 تسكن ملفوفة بالدم في صدور هؤلاء الرجال، لكنها تتلاشى يوماً بعد يوم وسط سحابات ما يوصف بالسلام وراء ظهور أجيال متعاقبة.

من أجل هؤلاء وهؤلاء نقدم هذا التحقيق، تقديراً للكبار، وتحذيراً للصغار، كيف يمكن أن نحتفل فقط بما يستحق أن يحتفل به؟

وكيف يمكن أن نتعلم من الأخطاء؟

كيف يمكن أن ندرك أنه ليس فقط الأرض الذي يمكن أن يحتل؟

وكيف يمكن حين يكون علينا أن نستمع من أجل هؤلاء وهؤلاء أن نكف لحظةً عن الغناء؟

هزيمة 67 واستعدادات عبد الناصر لاسترداد سيناء

رغم ثقل الهزيمة وضياع الأرض واهتزاز الكرامة عام 67، لم يكن الزعيم العربي الذي وُلِدَ في صعيد مصر يؤمن إلا بأن ما أُخِذَ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، هكذا لا مساومة ولا ابتزاز، ولا ذلك الذي يصفونه بفن الممكن.

جمال عبد الناصر: النكسات ليست مثل نوبات البرد أو الأنفلونزا، يمكن أن يتعرض لها الإنسان بين فترة وأخرى، والمسألة أو صميم المسألة أنه بعد النكسة، ليس هناك بديل أمامنا عندما نقرر ضرورة العمل العسكري غير تحقيق النصر.

يسري فوده: لكن أرضه كانت رهن إسرائيل، وكان عالمه العربي كله رهن الحرب الباردة والظروف الدولية، كان السوفيت في مواجهة الأميركيين قانعين بحالة اللاسلم واللاحرب، وكان الأميركيون يبحثون عن مخرج لهم من معجنة فيتنام، وكان الإسرائيليون في صلفهم في انتظار الراية البيضاء من عبد الناصر.

شيمون بيريز (وزير الاتصالات الإسرائيلي 70 - 1974): حاولنا جدياً عقد سلام مع عبد الناصر ،عرضنا عليه أربع مرات أو خمساً بطرق مختلفة، فلم يكن ثمة ما يدعونا إلى حرب مع مصر، لكن عبد الناصر رفض طول الوقت.

مراد غالب (وزير الخارجية المصرية 70- 1972): لكن طبعاً اللي بيرد على هذه يعني السوفيت برضو وصل لهم هذه المعلومة، وقالوا إن طيب ما هو الفيتناميين حاربوا.. حاربوا بالسلاح بتاعنا، طيب ما الكوريين حاربوا.. حاربوا أيضاً بالسلاح بتاعنا، وبالتالي يعني السلاح بتاعنا سلاح إحنا بنحترمه جداً، وسلاح كويس وكل حاجة، لكن المهم هو من في يده هذا السلاح.

فلاديمير كيريتشينكو (المخابرات السوفيتية في القاهرة): إن الأمر يكمن في أن الإدارة الأميركية التي كان على رأسها (ريتشارد نيكسون) آنذاك، كانت تنظر إلى الاتحاد السوفيتي بصفته الخصم الرئيس، تماماً كما كنا نحن ننظر إلى أميركا في تلك المرحلة، فهذا لا يفترض حتماً ارتباط حرب أكتوبر بموضوع فيتنام، علماً بأن اعتبارات الاستهلاك الداخلي، ورفع هيبة السياسة الخارجية الأميركية في أعين الناخبين الأميركيين، جعلتهم يريدون طبعاً أن يبرزوا كمنتصرين في هذه الحالة.

يسري فوده: بما أتيح له من إمكانات ضيئلة، دخل عبد الناصر في حرب مشرفة لاستنزاف طاقة العدو الإسرائيلي.

جمال حماد (مؤلف "المعارك الحربية على الجبهة المصرية"): اللي خلاه ابتدا ثم توقف ثم.. ثم استأنف، إن العامل الضاغط النفسي، العامل النفسي الضاغط، في كل مكان المظاهرات ودي أرضنا ونسترد أرضنا، والكُتَّاب بيكتبوا، والناس بتكتب وبتتكلم، فهو حصل له عنده ضغط عليه، عمل كده.

جمال عبد الناصر: وبدأت طائرات الفانتوم الأميركية تتساقط على أراضينا، وبدأ طيارو الفانتوم، الصفوة المنتقاة من القوات العسكرية الإسرائيلية العدوانية، يقعون أسرى في أيدي رجالنا.

يسري فوده: في هذه الأثناء كانت أميركا تحتفل برئيس جمهوري جديد، كان في أمس الحاجة إلى أصوات اليهود، ريتشارد نيكسون.

بيني موريس (مؤرخ إسرائيلي): كان معروف أن نيكسون جمهوري، لا يتمتع بدعم اليهود مهما فعل، لكنه كان سيستفيد من بعض الأصوات إذا كان مؤيداً لإسرائيل، إذ إن أصوات اليهود كانت تذهب عادة للديمقراطيين.

جوزيف سيسكو (نائب وزير الخارجية الأميركية 69 - 1974): ما فعله كان أن عينني ممثلاً شخصياً فقمت بمفاوضات لم يكتب عنها الكثير، مفاوضات مع السيد (دوبرنيبو) ثم مع السيد (فينوجرادوم) ثم مع السيد (جروميكو) في موسكو، وكان الهدف من ورائها أساساً هو تلمس ما إذا كان بوسعنا تحقيق اتفاق بين مصر وإسرائيل.

ويليام كوانت (مجلس الأمن القومي الأميركي 72 - 1974): أعرب نيكسون مراراً عن قلقه من احتمال انفجار الشرق الأوسط، وتحوله إلى ما يشبه البلقان، إلى صراع إقليمي، قد يؤدي إلى مواجهة أوسع، إلى أزمة قد تؤثر في العلاقات الأميركية السوفيتية، وقد استنتج -وهذا فصلٌ هام في التاريخ- استنتج أن على الولايات المتحدة أن تمضي في طريق السلام بمفردها كقوة خارجية.

فلاديمير كيريتشينكو: المكون الأساسي لسياستنا في هذه المنطقة تمثل بالنفاذ للخطوط الخلفية لحلف الناتو من خلال تعزيز الصداقة مع مصر وسوريا، ما أثار أعصاب أميركا التي منيت هنا بعدة هزائم، مثل الإطاحة بنظام الشاه الموالي لأميركا في إيران وبعض الأنظمة العربية الموالية للغرب.

جوزيف سيسكو: قال لي نيكسون: يا جو لقد قرفت من الاستماع إلى وجهة نظر المصريين من خلال الروس، أريدك أن تتوجه إلى القاهرة، وتخبر الرئيس عبد الناصر أننا على استعداد لقبول علاقة مع مصر، هذه زيارة لا يعلم بها الكثيرون، ذهبت إلى القاهرة.

يسرى فوده: سعى الأميركيون بأنفسهم إلى رضا عبد الناصر، فقرر هو أن يستغلهم لصالح قضيته دون أن يؤثر ذلك في مبدئه الأساس.

جمال عبد الناصر: نحن جنود حرب إذا كانت الحرب ضرورة، ونحن نستعد لها ولكل احتمالاتها، وإذا استطاع العمل السياسي في الفترة التي يكتمل فيها استعدادنا العسكري، أن يصون مبادئنا، وأن يحرر أراضينا، وأن يستعيد حقوقنا الضائعة، فذلك شيء لا نرفضه.

جوزيف سيسكو: ثم عدت وقلت للرئيس: من الواضح أنه لم يلزم نفسه بشيء، ولا أستطيع أن أؤكد ما سيفعل، بعد شهرين ألقى عبد الناصر خطبة كبرى قال فيها إنه يريد التواصل مع الولايات المتحدة.

يسري فوده: حدد عبد الناصر لمندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة مهمته في كلمات معدودة.

محمود عوض: يقول له، عنوان عريض فقط، مهمتك تروح نيويورك عشان نكسب وقت، فقال لي تعبير نكسب وقت ما فرقش كثير عن اللي أنت بتقوله بنضيع وقت، لأن هي دي الحقيقة، يعني إحنا هنا في نيويورك، مش هي الأمم المتحدة هي اللي هترجع لنا الأرض، اعتماد عبد الناصر كاملاً على الجيش اللي هو بيعيد بناءه، أما الشرعية الدولية دي، الشرعية الدولية قدام واحد ضعيف تبقى سيف على رقبته، وقدام واحد قوي تبقى لصالحه. إذن الأساس أيه؟ القوة الحقيقية على الأرض.

يسري فوده: بهذه الفلسفة مضى عبد الناصر، بمساعدة سوفيتية خجولة، في جهوده للانتقال من البناء الدفاعي للقوات المسلحة، إلى البناء الهجومي.

الفريق أول/ محمد فوزي (وزير الحربية المصري 67 - 1971): كلفت الفريق عبد المنعم رياض بتشكيل لجنة صغرى سري.. تعمل سراً لوضع الخطة التي أطلق عليها الخطة 200.

علي صبري (رئيس وزراء مصر 62 - 1965): قواتنا تعبر القناة ومن ورائها قطاعات من الدفاع الجوي لتنتشر في الضفة الشرقية للقنال، وتصل إلى الممرات على الأقل، ممرات سيناء اللي هي متلا، والجدي وغيرها، وكان يعتبر أن هذا هو أدنى هدف نصل إليه.

يسري فوده: حمل وزير الخارجية الأميركي (وليام روجرز) إلى القاهرة ما بدا تنازلاً إسرائيلياً ضخماً: سيناء كلها في مقابل سلام مصري إسرائيلي.

ويليام كوانت: وقتها كان عبد الناصر لا يزال رئيساً لمصر، لم يكن مستعداً لقبول ما بدا صفقة مصرية إسرائيلية ثنائية، تلخص مفهومه كزعيم قومي عربي، في ضرورة أن يشمل الاتفاق كل الجبهات، الأردن، الفلسطينيين، السوريين ومصر.

يسري فوده: رغم ذلك لم يغلق عبد الناصر الباب تماماً في وجه الأميركيين، كانت خططه العسكرية في حاجة إلى مزيد من الوقت، بدت معه فكرة تنويم الإسرائيليين فكرة جيدة.

مراد غالب: الرئيس جمال عبد الناصر والفريق فوزي وأنا، قال له يا فوزي أنت تحتاج إلى كام عشان تقدم الصواريخ بتاعتك إلى قناة السويس؟ قال.. الفريق فوزي قال له يعني 60 يوم يا أفندم، قال له لأ أنا هأدي لك 3 أشهر، قال له دا يبقى كويس، وطبعاً ما خدش باله الفريق فوزي إنه هو بيتكلم على قبول مبادرة روجرز، اللي هي بتقول إن وقف جميع أنواع القتال لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتفاوض بعد ذلك.

يسري فوده: في خِفية انتقلت قواعد الصواريخ في اتجاه قناة السويس، إلى مواقع تسمح لها بتغطية القناة وجانباً من الضفة الشرقية.

مراد غالب: ليه أنا بأقول هذا الكلام وبأطِّول فيه، لأنه لولا جمال عبد الناصر وتحريك الصواريخ إلى.. إلى قناة السويس ما كانش قدرنا نعبر قناة السويس في حرب 73.

الفريق أول/ محمد فوزي: وعرض الزميل محمود رياض الموقف السياسي، وعرضت أنا الموقف العسكري، وكان الرئيس متتبعه كل 3 أشهر زي ما قلت، وانتهى في الآخر وقال إن يبقى المناسبة في إتمام استعداد القوات المسلحة لمعركة تحرير الأرض، لابد أن يكون في أواخر سنة 70.

يسري فوده: لكن القدر لم يمهل جمال عبد الناصر.

[فاصل إعلاني]

الاستعدادات المصرية والسورية وتوجهات السادات السلمية

يسري فوده: قبيل وفاته بأيام معدودة كان قد بزغ في خضم أحداث أيلول الأسود نجم جديد في سماء السياسة الأميركية كان له بعد ذلك أن يغيِّر واقع الشرق الأوسط كله (هنري كيسنجر)، كان لتهديد إسرائيل بالتصدي عسكرياً لتدخُّلٍ سوري إلى جانب الفصائل الفلسطينية في الأردن وقع السحر على آذانه وآذان السياسة الأميركية الجديدة.

ويليام كوانت: خرج كيسنجر من ذلك الاستنتاج أن إسرائيل لاعبٌ أساس في لعبة السياسة الإقليمية، فتهديدها بالتدخل أنقذ الملك حسين وأحرج الروس والسوريين، ولذا فإن لنا الآن حليفاً لا يمثِّل عبئاً على كاهلنا، بل ذخراً استراتيجياً، هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها أحد كبار الساسة الأميركيين عن إسرائيل باعتبارها ذخراً استراتيجياً.

الرئيس/ محمد أنور السادات: أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصاً على النظام الجمهوري وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه.

يسري فوده: فيما وجد السادات نفسه فجأة رئيساً لكبرى الدول العربية قابعاً لا يزال تحت ظلٍ كثيفٍ لزعيمٍ فذ، كان الفريق حافظ الأسد يقود حركة تصحيحية في سوريا.

إلياس مراد (نائب رئيس تحرير "البعث" السورية): وأستطيع أن أعود بالذاكرة إلى جولات الرئيس على محافظات سوريا كانت بالملايين الجماهير تخرج وراء الرئيس حافظ الأسد وتستقبله بكل المحافظات، وعندما طرح برنامجه أيدت هذا البرنامج، وأول ما في هذا البرنامج هو تحرير الجولان وتحرير الأراضي العربية المحتلة والعمل مع مصر والفلسطينيين من أجل استعادة حقوق الشعب العربي الفلسطيني وتحرير الأرض المصرية المحتلة، فالحالة.. العلاقة بين الرئيسين فرضت أيضاً شكل من أشكال الاحترام للرئيس المصري لأنه ملتزم بالخط الذي كان يتحدث عنه الرئيس الراحل حافظ الأسد.

شيمون بيريز: يصعب عليَّ الحكم فلست متأكداً من أن دوافع الرئيسين السادات والأسد كانت واحدة، أعتقد أن السادات كانت في قلبه رغبة حقيقية لصنع السلام وإنما كان يبحث عن مناسبة.

اللواء/ عبد المنعم خليل (قائد الجيش الثاني المصري): في الأشهر الأولى سنة 71 في اجتماع مجلس أعلى على الضيق يعني، قال لنا: أنا مش عايز منكم حاجة غير 10 سنتي في الضفة الشرقية، وأنا هأحل الموضوع سلمي علشان أحفظ دماء ولادي.

فلاديمير كيريتشينكو: من خلال معرفتي بالسادات في المرحلة السابقة أعلمت قيادة البلاد مباشرة أنه ستواجهنا أزمنة صعبة، وأن السادات سيمارس نهج الابتعاد عن الاتحاد السوفيتي، ويسعى إلى تعزيز العلاقات مع الغرب ومع أميركا في المقام الأول.

جوزيف سيسكو: وأعتقد أنه تحرك من منطلق أنه لو حدث تقدمٌ في اتجاه نوع من اتفاقية شاملة فلن ينجز ذلك سوى أميركا لا الاتحاد السوفيتي.

يسري فوده: لتحقيق ذلك من وجهة نظره كان لابد للسادات من أن يتخلص أولاً ممن سماهم مراكز القوى من بينهم وزير الحربية محمد فوزي.

صوت مذيع مصري: ووجهت للمتهم تهمة الخيانة العظمى.

يسري فوده: بدأت مرحلة جديدة في تاريخ القوات المسلحة المصرية بتعيين الفريق أول/ محمد صادق وزيراً للحربية والفريق سعد الدين الشاذلي رئيساً لهيئة الأركان.

الفريق/ سعد الدين الشاذلي (رئيس هيئة أركان الجيش المصري 71 - 1973): كان هذا نتيجة ثقته بي وبإمكانياتي، لأنني لم أكن الأقدم والمؤهل من الناحية الشكلية لقيادة هذه.. لقيادة هذا المنصب، ولكن ثقته بي وفي قدراتي خلته يستدعيني، وأتخطى حوالي أربعين لواء من اللواءات اللي أقدم مني في هذا المنصب.

يسري فوده: التقت براجماتية السادات مع حِرْفية الشاذلي، إذ كانت الطموحات المصرية قبل ذلك أكبر من الإمكانات الواقعية.

الفريق/ سعد الدين الشاذلي: ودا طبعاً دا يختلف مع إن الخطة اللي هي وضعت للحرب في أغسطس سنة 71 بعد ما توليت أركان حرب هي مجرد العبور وتدمير الخط الأول من خط بارليف، والتوقف عند 10، 15 كيلو شرق القناة، لأن دي حدود إمكانياتنا، أما التقدم شرق هذا الخط فغير ممكن لعدم وجود طيران وعدم وجود دفاع جوي متحرك.

اللواء/ عبد الرزاق الدردي (رئيس شعبة العمليات السورية 1973): يعني كان عندنا 200 دبابة صار عندنا أربعة آلاف دبابة، كنت آجي بالدبابة صار فيها بدل ما يكون فيه ثلاثة أطقم صار فيها أربع أطقم.. أربعة رجال، منهم واحد معه جامعة والثاني معه بكالوريا، والثالث معه الكفاءة، وبقيوا بالحالة هاي خمس سنوات زيادة.

يسري فوده: كما حدث في مصر.

اللواء/ عبد الرزاق الدردري: كما كان.. كما حدث في مصر، والتجربة أخذناها من مصر إحنا الحقيقة، أنا رحت إلى مصر، شفت الفريق الشاذلي وحكى لي عنها، رجعنا وطبقناها في سوريا.

جمال الغيطاني (مراسل حربي 1973): الفريق الشاذلي لم يترك تفصيلة، أنا كنت يعني شغلي بحكم شغلي كنت بأعرف كان بيعمل كتيبات صغيرة كده زي الإمساكية، يعني في حجم الإمساكية كده، أنا كانت معايا أنا شخصياً، بيقول لي إزاي أتصرف لو أنا وقعت في الأسر، بيقول لي إزاي أتصرف لو أنا اتجرحت، بيقول للعسكري إزاي يتصرف في حالة غارة جوية، يعني حتى الغطا بتاع عربيات البنزين ما كان.. بيدي أمر بتجميع الكهنة وقفل غطا.. يعني كانت هو الحقيقة الفريق سعد الشاذلي هو الذي وضع إدارة الحرب.

تنشيط الاتصالات بين السادات وأميركا وطرد الخبراء الروس

يسري فوده: في الوقت نفسه كان السادات قد بدأ في إرسال الإشارة تلو الإشارة إلى الأميركيين.

جوزيف سيسكو: وقال لنا إنه حقاً يريد مفاوضات، وأنه إن لم يحدث ذلك سيعلن الحرب، وأقول لك: لم نصدِّقه، لم نكن نعرف السادات، كانت سمعته آنئذٍ -ولا أقصد إساءة- كسمعة الوطني ساخن الرأس.

د. عصمت عبد المجيد (مندوب مصر الدائم في الأمم المتحدة سابقاً): إنه لقيت قيادة مصرية عندها فكر وعمق ودراسة وحسابات بأسلوب يعني لم نعهده، لمستها دي.

يسري فوده: وهي محاولة استرداد الحق العربي والحق المصري بطريقة هادئة وبطريقة دبلوماسية تتجنب الحرب.

د. عصمت عبد المجيد: بالضبط كده، الفكر جديد، عكس بقى الفكر اللي كان موجود فيه يعني المبالغات اللي هي خطأ في أمور حيوية ومصيرية مثل هذه المسألة.

جوزيف سيسكو: شدني ديان جانباً وقال إنه سيكون جيداً لو عملنا على اتفاق لفض الاشتباك، وكانت هناك إشارات من السادات لم نهتم بها، وعليه قمت عام 71 بالتفاوض بشأن ما سميته "أوقفوا القتال وابدءوا الكلام"، كان هذا اسم المبادرة.

يسري فوده: اختطف السادات الخيط وأعلن عن استعداده لإعادة فتح قناة السويس.

صوت مذيع مصري: فإننا على استعداد أن نبدأ فوراً تطهير قناة السويس وفتحها للملاحة الدولية.

محمود عوض: العملية دي كانت تحوُّل هي(..) في التفكير المصري المعلن ليه؟ لأن القضية لم تكن فتح أو إغلاق قناة السويس، أصل اللي هيفتح قناة السويس دا، دا معناه إنه مش ناوي حاجة، لأنك هتعمر بقى مدن القناة، وهتبقى مدن القناة دي رهينة للمدفعية الإسرائيلية، الأهم من هذا إنه نفس الفكرة دي كان بالفعل موشي ديان (وزير الدفاع الإسرائيلي) هو الذي طرحها علناً قبلها بـ 3 أشهر.

يسري فوده: لكن كيسنجر دون أن يقصد هو الذي أنقذ السادات.

ويليام كوانت: كان رأيه أن تلك مكافأة للسادات سابقة لأوانها، وكان يرى أنه إذا لم يكن السادات مستعداً لدفع ثمن علاقاته بالسوفيت فلا ينبغي علينا الضغط على الإسرائيلين لتقديم تنازلات.

مراد غالب: جاء أحد الأمراء العرب الوثيقي الصلة بالولايات المتحدة الأميركية وقابل الرئيس أنور السادات، وجاء من الولايات المتحدة الأميركية مباشرة على مصر، وقابل الرئيس السادات، وكان في المقابلة ديت كنت أنا موجود وحافظ إسماعيل والفريق صادق.. محمد صادق، اللي حضر المقابلة محمد صادق، وقعدوني أنا وحافظ إسماعيل بره، وخرج محمد صادق يقول خلاص الموضوع انتهى.

الفريق/ سعد الدين الشاذلي: محمد صادق وزير الحربية أقول له اكره الشيوعية زي ما أنت عايز، هو كان ضد الشيوعية، وإحنا بنكره الشيوعية، ولكن لازم نفرق بين الشيوعية وبين الاتحاد السوفيتي، الاتحاد السوفيتي هو الملاذ الوحيد أو القوة الوحيدة التي تستطيع أن تمدنا بسلاح متطور نستطيع أن نقاتل به إسرائيل.

مراد غالب: فلقيت بعد كده اتكلم أنور السادات وقال: أنا طربقتها على دماغهم، الله! أيه يا ريس الحكاية؟ قال: طردت الخبراء السوفيت، استدعيت السفير واستدعيت المستشار العسكري وطردت الخبراء السوفيت.

باتريك سيل (كاتب سيرة الرئيس السوري حافظ الأسد): أعرب لي الأسد عن مدى صدمته، وذلك عندما سمع وهو في موسكو مع (بريجينيف) أن السادات استدعى السفير السوفيتي في مصر ليخبره بأن على حوالي سبعة آلاف خبير روسي وعائلاتهم أن يغادروا مصر في الحال، وقد طلب بريجينيف من الأسد أن يتوجَّه إلى القاهرة للوقوف على ما يحدث.

شيمون بيريز: كان الزعيم الوحيد في القرن العشرين الذي طرد الروس، وأنا أخلع قبعتي له، لم تكن الشجاعة لدى أحد سواه، وبطرد الروس أحدث تغييراً كبيراً في مصير الشرق الأوسط.

ويليام كوانت: أول ما حدث بعد يوليو 72 عندما طرد السادات الروس هو أنه تم تنشيط القنوات السرية، وبدأ نيكسون وكيسنجر في الاتصال مباشرة بالسادات على أساس دوري لأول مرة.

يسري فوده: فيما انشغل الرئيس الأميركي بإعادة انتخابه انشغل مستشاره للأمن القومي بتحليل شخصية السادات التي كانت في عيونهم غريبة الأطوار، كان (سيسكو) فيما بدا تنسيقاً مع السادات قد عرض اقتراحاً أغرب على رئيسة الوزراء الإسرائيلية.

جوزيف سيسكو: قلت لها يا رئيسة الوزراء، إن كل ما يحتاجه هو خمسمائة جندي مصري ومعهم علم مصر وبندقية واحدة على هذا الجانب من القناة كي يستطيع الوصول سياسياً إلى ما نحتاج الوصول إليه للانتقال بعد ذلك إلى التفكير في اتفاق شامل، ورغم ذلك مع نهاية المحادثات التي استمرت يوماً ونصف اليوم لم يكن ذلك مقبولاً.

مراد غالب: وبعدين أنا كنت رايح مؤتمر عدم الانحياز في جيانا في أميركا اللاتينية، فقابلني.. طلب مقابلتي (جرين) اللي هو كان القائم بالأعمال الأميركي، وطلب مقابلتي قبل.. قلت له أنا مسافر بكره، ودلوقتي الساعة 5 بعد الظهر، وأنا مسافر بكره الفجر، قال لي: لا، مهم جداً، فجه جرين، عارف قال لي أيه؟ قال لي أولاً: إنه لا يوجد حل إلا المحادثات المباشرة بينكم وبين إسرائيل.

ثانياً: أن الذي غلب في هذه المعركة لابد وأن يكون له ميزة، وأنتم المهزومين في هذه المعركة، دا الخلاصة اللي قالها لي، وبلغتها في الحال لحافظ إسماعيل كان هو رئيس الديوان عشان يبلغها لأنور السادات.

يسري فوده: بعث السادات بحافظ إسماعيل إلى أميركا للاجتماع سراً بنظيره الأميركي، استخلص هنري كيسنجر من اللقاء أن السادات لم يقدِّم بعد ما يكفي من التنازلات.

ويليام كوانت: ورغم ذلك عُقد اجتماع ثانٍ، إذ التقى كيسنجر مرة أخرى في مايو/آيار عام 73 بحافظ إسماعيل في باريس، وكان هذا الاجتماع أقل نجاحاً استنتج منه الأميركيون أن المصريين بدءوا ييأسون من تلك العلاقة، وأنه لا يوجد حماسٌ حقيقي للاستمرار في ذلك.

فلاديمير كيريتشينكو: لكنه أخطأ الحساب هنا، فقد عاندت إسرائيل وتمسكت بمواقفها، وإذ لاحظ السادات أنه لا يمكن حل المشكلة واستعادة سيناء بدون استخدام السلاح خرج باستنتاج مفاده أن الاحتمال الوحيد هو البدء بالعمليات العسكرية، أي حسب تعبيره تحريك الأزمة من نقطة الصفر.

استعدادات السادات للحرب بعد يأسه من أميركا

د. عصمت عبد المجيد: طبعاً في مايو 73 استدعاني الرئيس الراحل أنور السادات في لقاء في بيته هنا في الجيزة، وبحضور الدكتور محمد حسن الزيات -الله يرحمه- وزير الخارجية، وقال لي إحنا عايزين نروح مجلس الأمن ونشتكي، فقلت له رد يوازي إننا إذا روحنا لمجلس الأمن نشتكي من توقف عملية السلام والتباطؤ اللي فيها سنقابل بفيتو أميركي، فكان رده الفوري أنا عايز فيتو أميركي، إزاي؟ فأنا طلعت وبأقول للدكتور الزيات -الله يرحمه- بأقول له: الله! إحنا هنحارب أو أيه؟

يسري فوده: أخيراً اقتنع السادات بأن الأميركيين لا يأخذونه مأخذ الجد، وبأن الإسرائيليين الذين وسَّطوا طوب الأرض استرضاءً لعبد الناصر لا يعبئون برئيس مصر الجديد، هي الحرب إذن، ولكن أي نوع من الحرب؟

اللواء/ عبد الرزاق الدردري: أنا يعني أقول وبكل صراحة أن التخطيط اللي جرى أن يتم استرداد الجولان وسيناء بكاملها في معركة عسكرية واحدة متناسقة في التوقيت وفي الزمن وفي الأهداف والمهام، وكان الشعار كما يلي: أن نهاجم في وقت واحد، فإذا كان صار الضغط الإسرائيلي على أحد الجيشين زال.. يستفيد الجيش الآخر من هذا الضغط على الجيش الآخر ويقوم بتطوير هجوم أعمق في العمق، لأنه الإسرائيليين لا يمكن ساعتها إنه يوزعوا جيشهم على الجبهتين توزيع فعلاً يعني حقيقي، وأيضاً مستفيداً من نجاح زميله الجيش الآخر، هكذا كان التفكير.

يسري فوده: وتم الاتفاق بين الجانبين وكان الهدف واضح.

اللواء/ عبد الرزاق الدردري: وكان الهدف واضح.

يسري فوده: وهو الذهاب إلى أبعد نقطة.

اللواء/ عبد الرزاق الدردري: إلى أبعد نقطة.

يسري فوده: استعادة الأرض بأكملها.

اللواء/ عبد الرزاق الدردري: استعادة الأرض بأكملها، نعم.

يسري فوده: لكن أشرف حرب في التاريخ العربي الحديث بدأت بعملية نصب ساداتية فرضها وزير حربيته الجديد أحمد إسماعيل على قائد ميداني ذي مبادئ.

الفريق/ سعد الدين الشاذلي: قال لي لأ، دا إحنا عايزين خطة علشان تعرض على السوريين، لأن السوريين إذا ما قلنالهمش إحنا نصل في الخطة بتاعتنا إلى المضايق مش هيخشوا معانا الحرب، قلت له: أنا أفضل إن ما يخشوش معايا الحرب وأخش الحرب لوحدي، بدل من أنا أطلع من الأيه؟ للمضايق، لأن لما اطلع للمضايق هأضرب.. هأضرب ليه كيت وكيت وكيت، أظن يعني بقت محفوظة الطيران والدفاع الجوي المتحرك غير موجودين، وبعدين قال لي: لأ، إحنا هنعرضها بس على الأيه؟ السوريين عشان أيه؟ عشان نقنعهم بأنهم إيه.. إن إحنا جادين في الحرب.

يسري فوده: هو قال ذلك؟

الفريق/سعد الدين الشاذلي: هه؟

يسري فوده: هو قال ذلك؟

الفريق/ سعد الدين الشاذلي: هو قال ذلك طبعاً.

يسري فودة: يعني أن نكذب على السوريين.

الفريق/ سعد الدين الشاذلي: نعم، للأسف الشديد.. للأسف الشديد.

يسري فوده: مضى السوريون على عماهم ينسقون مع إخوتهم المصريين.

اللواء/ عبد الرزاق الدردري: وكنت أنا على اتصال مباشر أنا باللواء..

يسري فوده: محيي الدين نوفل.

اللواء/ عبد الرزاق الدردري: محيي الدين نوفل بخط هاتفي مباشر من البيت ومكتبي يعني أرفع السماعة يطلع نوفل، أقول له كذا كذا هنعمل، فيه طبعاً هناك يعني كانت لوائح سرية نتكلم بموجبها ما مكشوفة.. الخطة اللي وضعناها حتى نحافظ على سريتها في سوريا ومصر أخذنا جملة إجراءات منها مثلاً ألا يبلغ هذا الأمر إلى أحد إلا بتواريخ محددة قادة الفرع بتبلغوهم بالهجوم قبل أربعة وعشرين ساعة، قادة الألوية قبل ثمان ساعات، قادة الكتائب قبل ست ساعات، الجنود صباح يوم الهجوم.

يسري فوده: بينما كان الإسرائيليون يحتفلون بذكرى قيام دولتهم في مايو/آيار عام 73، كانت خيانة أخرى في انتظار السوريين والمصريين في آن معاً أدت إلى تعبئة عامة في إسرائيل.

ويليام كوانت: كانت تلك اللحظة الشهيرة عندما ذهب الملك حسين سراً إلى الإسرائيليين واجتمع بجولدا مائير وقال لها إن الأمر خطير، الحرب آتية، وقد أبلغنا الملك حسين نحن أيضاً بذلك، ثم لم يحدث شيء، وانتهت التعبئة وعاد الجنود إلى ثكناتهم وبدا الأمر كأنه خدعة.

يسري فوده: تطوع العاهل الأردني مرة أخرى قبل أيام معدودة من الموعد الحقيقي للحرب.

باتريك سيل: كان لدى الأردنيين -الملك حسين ورئيس استخباراته- جاسوس في القيادة العليا السورية وقد مرر هذا الجاسوس إلى الأردنيين خطط الحرب السورية المصرية وقد بعث الملك حسين بنسخة منها إلى كيسنجر ونسخة أخرى إلى ديان، وطار الملك بنفسه إلى إسرائيل لتحذير جولدا مائير، رئيسة الوزراء، من الهجوم المحقق لكن الإسرائيليين لم يصدقوه وظنوا أن ذلك تضليل إذ أنهم قبل شهور قليلة وصلتهم تقارير مشابهة عبأوا على أساسها قواتهم الاحتياطية ولم يصدقوا أن العرب سيشنون حرباً لا يمكنهم كسبها.

جوزيف سيسكو: نعم لقد حذرنا قبلها، وجاء أحد تلك التحذيرات قبل أربعة أيام أو خمسة من وقوع الحرب عندما قال لنا إنه يشعر أن ما يجري من أنشطة ما وُصِف بتدريبات عسكرية وراءها خطر حقيقي قد يؤدي إلى حرب.

يسري فوده: معلومة أخرى أتت من مصدر آخر وأن اختلف الدافع، في صيف ذلك العام كان الزعيم السوفيتي (ليونيد بريجينيف) قد أنهى محادثاته في كاليفورينا مع نظيره الأميركي ريتشارد نيكسون ثم استأذن للنوم.

ويليام كوانت: استيقظ بريجينيف فجأة وقال أريد أن أجتمع بالرئيس مرة أخرى وفي ساعة متأخرة من الليل اجتمع الزعيمان في المنزل الخاص بنيكسون وقال بريجينيف ستقع حرب في الشرق الأوسط قبل نهاية هذا العام إذا لم يفعل شيء، وأعتقد أن ذلك لفت انتباه نيكسون وكيسنجر لكنهما اعتقدا أن ذلك من قبيل الابتزاز الدبلوماسي.

اللمسات الأخيرة في الإعداد لحرب أكتوبر

نبيل النشار (سلاح الخدمات في الجيش المصري 1973): نزلنا مشروع في الخطاطبة والمنطقة مشابهة بالضبط للإسماعيلية والسويس والجناين والبحر.. نهر النيل عامل زي قناة السويس وبقينا نعمل نفس تدريبات اللي هي المفروض نعملها إن إحنا.. العربيات تعدي على معبر بالليل ونعدي الناحية.. البر الثاني وكده، قبل هذه الحرب بشهرين المشروع ده سنوي ما هواش جديد أو حاجة متوقعة أنها فيها حرب، وبيتعمل سنوي، رجعنا منه لاقينا فيه طوارئ.

يسري فوده: ذات مساء في سبتمبر/أيلول عام 73 كان وزير الدفاع السوري العماد مصطفى طلاس يلهو في مسبح في اللاذقية مع ستة من كبار مساعديه.

اللواء/ عبد الرزاق الدردي: جمعنا طلاس قال أعرفكم على القبطان فلان اللي هو قائد الباخرة اللي بدها تحملنا إلى مصر، امتى قال اليوم بالليل الساعة 12 نتحرك، ما كان فيه على الباخرة أي راكب باستثناءنا إحنا ما فيه أي راكب، تابعنا التقدم بالباخرة إلى وصلنا مدخل ميناء وإذ شفنا الفريق الشاذلي أنا بأعرفه يمر أمامنا على رصيف الميناء هو ومجموعة من الضباط أعرفهم أيضاً.

الفريق/ سعد الدين الشاذلي: كنا نحن على استعداد للقيام بحرب، ناقص التوقيتات فقلنا نحن فيه حاجات لا نحب أن نعملها إلا على آخر لحظة علشان ما نكشفش أيه.. الخطط بتاعتنا ونحتاج إلى 15 يوم لكي ننجز هذه الحاجات، وبالتالي فنحن نقترح المجموعتين الآتيتين أن في خمسة أيام نختار، إحنا مش عايزين نفرض على القيادة السياسية يوم معين يعني كمان، فيه القيادة العسكرية كمبدأ عام هي خاضعة للقيادة السياسية فبنقول اختاروا لنا أي يوم في حدود المجموعة دي مجموعة سبتمبر ومجموعة أكتوبر.

يسري فوده: لأنها تناسبنا عسكرياً.

الفريق/ سعد الدين الشاذلي: لأنها تناسبنا عسكرياً.. لأنها تناسبنا عسكرياً.

يسري فوده: كانت هيبة الرئيس الأميركي تتمرغ أكثر فأكثر في معجنة (ووترجيت) فيما ترسخت أقدام اليهودي هنري كيسنجر فأضاف لنفسه إلى جانب مجلس الأمن القومي وزارة الخارجية.

د. عصمت عبد المجيد: فسمعته يوميها في الخطبة اللي في الآخر ما بعد الغدا إنه هو أول مرة هيقرأ بإمعان قرار 242، وقالها من باب يعني كده التريأة شوية

(I hardly remember 242

يسري فوده: يعني أنا مش فاكر.

د. عصمت عبد المجيد: يعني كده خدها ببساطة كده.

يسري فوده: قبلها بيوم واحد كان رأي القيادتين السياسيتين في مصر وسوريا قد استقر على اليوم السادس من أكتوبر/ تشرين، العاشر من رمضان لدى المسلمين، يوم عيد الغفران لدى اليهود.

هاني الشمعة (رئيس تحرير "جيش الشعب" السورية): ضابط عرفني على حاله قال لي أنا اللواء عبد الغني الجمسي.

يسري فوده: عبد الغني الجمسي كان أيامها رئيس هيئة العمليات.

هاني الشمعة: كان رئيس شعبة العمليات وضابط ثاني معه عميد معه حقيبة فقعدنا هو، فأنا قاعد أنا وياه عم بأحكي أنا وياه دردشة لاقيت كل ما بأسـأله يبعد عن الجو، والضابط العميد حاطط الشنطة بين رجليه خايف عليها فأنا شو ظنيت يعني هيك خطر لي أول هيك كتبت بالكتاب عندي ظنيت إنه معه مصاري خايف عليها يحطها بالغرفة أو شيء، ما خطر لي الموضوع نهائياً.

يسري فوده: أيه بقي اللي كان في الشنطة؟

هاني الشمعة: الشنطة هاي الخطة، لكن بعدين عرفت..

يسري فوده: كانت خطة.. خطة حرب تشرين.

هاني الشمعة: خطة الحرب كاملة بما فيها التوقيت يعني.

يسري فوده: بقي أن يحدد العسكريون ساعة الصفر أول ضوء في النهار يناسب السوريين بينما يناسب المصريين آخر ضوء فما العمل، ضغط وزير الحربية المصري على السوريين.

الفريق/ سعد الدين الشاذلي: وأنا حتى أذكر إنه جه قال أنا استغليت اسمك هناك كمان قلت لهم أنت عايزين قلنا لهم عايزين في الصباح فقال لهم طب إزاي ما فكرتوش في الفريق الشاذلي في الجبهة هناك دا هيعمل إيه لما يسمع هذا الخبر وكل الحاجات مترتبة على ليلاً وكذا.. وكذا، وبعدين قسموا البحر نصفين راحوا لحافظ الأسد وحافظ الأسد قال نخليها أيه نص هنا ونص هنا خليها 1400، أول مرة في التاريخ تحصل الحرب 1400 يعني العرب بيبتكروا حاجات جديدة يعني.

اللواء/ عبد الرزاق الدردري: وأنا يعني تحقيقاً للرأي هاي ذهبت إلى الجولان يمكن عدة مرات في أسبوع واحد أنزل على الدبابات وأحط المدفع وأدوِّر المنظار.

يسري فوده: ومعاك ستوب ووتش (stop watch) عشان.

اللواء/ عبد الرزاق الدردي: ومعاي ستوب ووتش ومعاي أيضاً الرؤية من شان أشوف.. عم أشوف.. قد إيش عم بأشوف نسبة الرؤية مسافة ألف متر، مسافة 500 متر حتى قررنا إنه الساعة ثلاثة يجب أن نكون قد تجاوزنا خط البدء وانطلق الجنود.

يسري فوده: حتى الخامس من أكتوبر/ تشرين كانت سعاد حسني لا تزال تتألق في أطول الأفلام عرضاً، وكان الأهلي قد فاز على المريخ، وكان الشاذلي على الجبهة سراً، وكان (أليعازر) يحذر الدول العربية علناً، وكان كيسنجر يجس نبض الزيات وعبد المجيد.

د. عصمت عبد المجيد: يوم خمسة أكتوبر بزيارة مجاملة منه للدكتور الزيات في فندق (استوريا) وأنا كنت حاضر دي.

يسري فوده: يوم خمسة أكتوبر ..

د. عصمت عبد المجيد: يوم خمسة أكتوبر.

يسري فوده: قبل الحرب بيوم واحد.

د. عصمت عبد المجيد: بيوم.. قاعد قدامنا شخص عادي جداً ولا كأنه مثلاً فيه حشود أو فيه ما كانتش العمليات بدأت العمليات بدأت في تاني يوم، يوم ستة.

جوزيف سيسكو: بعد اجتماعنا بالزيات أتى (إيبان) وزير الخارجية الإسرائيلي وأكد لنا أن رأيهم هو أن مصر وسوريا لن تشنا حرباً وأنهما لابد تعلمان أنهما ستهزمان.

فلاديمير كيريتشينكو: وفي تلك الأيام زار سفيرنا في القاهرة الرئيس السادات وقال له تتوارد أنباء مقلقة ويتصاعد التوتر، وقد أعلنت بنفسك يا سيادة الرئيس أنكم ستستعيدون أراضيكم، ونحن نرى من الضروري ترحيل أسر خبرائنا فما موقفكم؟ فأجاب الرئيس السادات: هذا أمر طبيعي أنه من حقكم ترحيل مواطنيكم، أي أنه أكد بصورة غير مباشرة احتمال إندلاع الحرب.

ويليام كوانت: ثم بدأنا في التقاط الإشارات مرة أخرى أن مصر وسوريا تحشدان قواتهما، كان نيكسون متورطاً في فضيحة ووترجيت وكان مشلولاً سياسياً، ولكن كيسنجر متذكرا تحذير بريجينيف أمر أجهزة الاستخبارات بجمع كل ما تستطيع الوصول إليه من معلومات يمكن أن توحي بأن الحرب قادمة.

شيمون بيريز: وزير الدفاع وقتها كان (موشي ديان) وقد اتصل بي يسألني رأيي في موقفه وكانت وجهة نظره أنه لو عبأت إسرائيل قواتها الاحتياطية فربما تزعم مصر وسوريا أن إسرائيل تنوي الهجوم، وكان يشعر بأن علينا أن نوضح أن إسرائيل تُهاجَم ولا تُهاجِم.

يسري فوده: في اللحظات الأخيرة استصدر وزير الحربية تكليفاً رسمياً من السادات بإعلان الحرب.

الفريق/ سعد الدين الشاذلي: هيكل بيقول إن هو اللي كاتبه، وإنما اللغة لغة أحمد إسماعيل.. اللغة لغة أحمد إسماعيل، علشان يطمئن ولو إن السادات زوِّد جملة إن تقوم القوات المسلحة بالعمل كذا كذا في.. في، زوِّد هو بقى أيه في حدود إمكانيات القوات المسلحة، دي بخط يد السادات، في حدود إمكانيات القوات المسلحة قمت أنا لما قرأتها، قلت ليه خلاص إبسط يا عم اللي أنت كنت عايزه موجود أهو، قالي لي: إمضي، قمت مطلع أيه.. ده بيوري لك القلق اللي هو عنده، قمت مطلع القلم من جيبي، عُلم وسننتصر إن شاء الله.. سعد الشاذلي. الجواب ده فين ما اتنشرش، السلطة لما تكون أحد أطراف النزاع فيه حاجات كثيرة بتختفي، ابحث عن هذا الجواب.