مقدم الحلقة:

يسري فودة

ضيوف الحلقة:

زاهي حواس مدير منطقة الجيزة للآثار - مصر
سعد الله خان إمام مسجد القدس في كيب تاون
غوين روبرتس محقق في وجود الزئبق الأحمر
جيمس كيدجر شقيق القتيل ألان كيدجر
فرانك بارنابي عالم ذرة بريطاني

تاريخ الحلقة:

06/08/1998

- الزئبق الأحمر وصراع المخابرات الدولية في جنوب أفريقيا
- صراع الموساد وحزب الله في جنوب أفريقيا حول الزئبق الأحمر

- علاقة حزب الله اللبناني بالزئبق الأحمر

- جهاز الاستخبارات الروسي وتسريب الزئبق الأحمر للشرق الأوسط

- غموض الزئبق الأحمر بين أعمال الدجل وأساطير الفراعنة

زاهي حواس
سعد الله خان
غوين روبرتس
جيمس كيدجر
فرانك بارنابي
يسري فودة
يسري فوده: ماذا يمكن أن يجمع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد بعيون حزب الله في أقصى نقطة في جنوب أفريقيا.

هنا في هذا المكان من العالم تفوح رائحة غير مريحة.

بطلها الزئبق الأحمر.

أحداثها وراء الكواليس.

شخوصها بين جواسيس وعلماء وأفاقين وقتلة ومقتولين.

أساليبها في معظم الأحيان قذرة، وضربها تحت الحزام.

ومن لا يراد له أن يعرف أنا وأنت وآخرون.

أهلاً بكم إلى موضوع غير عادي، بدأت أحداثه في سيبيريا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، ثم انتقلت أحداثه من هناك إلى جوهانسبرج، هنا في جنوب أفريقيا، ومن هنا ومن هناك بدأت تتسلل إلى منطقة الشرق الأوسط، أهلاً بكم إلى الزئبق الأحمر.

الزئبق الأحمر وصراع المخابرات الدولية في جنوب أفريقيا

جوهانسبرج نوفمبر/تشرين الثاني عام 91، كانت سيارة B.M.W بيضاء اللون مركونة في أحد شوارع العاصمة، لفتت السيارة المهجورة نظر اثنين من الصبية السود، اقتربا منها، اقتحماها، ثم أجبراها بمهارة على مغادرة مكانها، كانا لصين محترفين يقتاتان على بيع مكونات السيارات المسروقة، لكنهما لم يكونا يعلمان أنَّ الأقدار كانت تخبئ لهما مفاجأة، قد يؤدي الإفصاح عن ملابساتها في يوم ما إلى تغيير موازين القوى في العالم، عندما وصل اللصان بالسيارة إلى ضاحية سويتو السوداء، لم يضيعا وقتاً قبل نهب محتوياتها، لكنهما حين شرعا في فتح بابها الخلفي، كانت المفاجأة، جثة هذا الرجل ممزقة إرباً إرباً، بطريقة هندسية، مدهونة أوصالها بطلاء أسود، كشف الاختبار المعملي الذي أجرته الشرطة فيما بعد، أنه يحتوي على مادة الزئبق.

وقع هذا الحادث الغامض في أقصى الجنوب الأفريقي، لكنني وجدت نفسي فجأة في أقصى الشمال الغربي الأوروبي، تراوحت أمامي التخمينات في مقتل مهندس الكيماويات البريطاني (ألان كيدجر) بين حقد عنصري من السود تارة، وغيرة مهنية من منافسيه تارة، وأجواء من الأساطير الأفريقية تارة أخرى، تقول إنَّ من تقطع أوصاله يحرم من البعث يوم القيامة، لكن أكثر التحليلات انطلاقاً من أساس منطقي كما يبدو هو ارتباط مقتل ألان كيدجر بمادة تعرف باسم الزئبق الأحمر 20/20.

من بين هؤلاء الذي ألقوا بأنفسهم بين قنينات الزئبق الأحمر، ومساومات تجار السلاح، وما يقبع وراء ذلك كله من مؤامرات سياسية، باحث بريطاني اسمه (بيتر هونان)، سعياً وراء الحقيقة قضى بيتر هونان شهوراً متصلة في روسيا، وأكثر من عام في جنوب أفريقيا، حتى نصل إليه كان علينا أن نصل أولاً جواً ببر ببحر، الآن يعيش بيتر هونان، في جزيرة شبه منعزلة على الشاطئ الغربي لاسكتلندا.

كان موضوع الزئبق الأحمر كافياً لاستدراجنا، لكن ما أشعل اهتمامنا اتهام رئيس فريق التحقيقات في جنوب أفريقيا (شارلز لانجمان) جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد بتدبير الحادث، الذي لم يكن حادثاً ولا أريد له أن يبدو على أنه حادث، ينصحنا بيتر هونان بالنظر جيداً في استنتاجات عميد الشرطة.

بيتر هونان: عليك أن تأخذ ما قاله لانجمان بجدية، لأن رجلاً في خبرته لم يكن لينشر زعمه أن الموساد وراء مقتل ألان كيدجر دون الاستناد على معلومات حقيقية، من واقع بحثي في جنوب أفريقيا لا أشك في تورط الموساد في محاولات للتعامل مع السوق السوداء للزئبق الأحمر هناك، فلقد كانوا نشطين، بل أننا التقينا بأناس كان من الواضح ارتباطهم بالموساد.

يسري فوده: تواترت التقارير في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي السابق عن تهريب مواد مشعة من روسيا عبر النمسا وسويسرا، إحدى هذه المواد الزئبق الأحمر، في ظلام الحدود الفاصلة من الذي يمكن أن يكون مهتماً بالحصول على هذه المادة؟

مداخل 1: ليبيا وإسرائيل والعراق وإيران وجنوب أفريقيا، وبقية العالم، حتى الدول الغربية مثل أميركا مهتمة بالزئبق الأحمر.

يسري فوده: موسكو، نوفمبر/تشرين الثاني عام 92، (يلتسين) في شهره الخامس عشر على قمة السلطة، البلاد في فوضى والمافيا تعيث فساداً، لكن أقوى دليل حتى ذلك الوقت على وجود الزئبق الأحمر يخرج من أروقة الكرملين.

مداخل 2: أقوى دليل هو تقرير أعده المدير الأعلى لجهاز الاستخبارات K.G.B، خصيصاً لعناية (بوريس يلتسين) استخلص التقرير أنه ما من شك في وجود الزئبق الأحمر.

يسري فوده: قال هذا المصدر كذلك: إن التقرير الرسمي سجل التطبيقات العسكرية للزئبق الأحمر كما يلي: إنتاج الصمامات الكهربية فائقة الدقة للقنابل التقليدية، إنتاج الصمامات الكهربية للقنابل النووية، إنتاج شفرة للمعدات العسكرية تتغلب بها على الرادار، وإنتاج رؤوس حربية للصواريخ الموجهة.

مركز (دوجنا) للأبحاث النووية، يقول عالم روسي -يخشى الإفصاح عن شخصيته- إن هذا الموقع شهد التجارب الأولى لتصنيع الزئبق الأحمر، هنا تمكن الزئبق الأحمر زعماً من التحول إلى مادة لتطوير القنبلة النووية.

أطلَّ في شوارع موسكو عام 93 وجه عالم الذرة البريطاني (فرانك بورنابي) الذي كان شارك في الخمسينات في صنع القنبلة النووية البريطانية، استدعاه إلى هنا المحقق الصحفي البريطاني (جوين روبرتس) لمقارعة العالم الروسي.

(نص إنجليزي)

في هذا الرأس النووي الذي رسمه العالم الروسي يقوم الفتيل بإشعال المتفجرات حول بؤرة البلوتونيوم المركزية، يؤدي هذا الانفجار إلى ضغط البلوتونيوم، ومن ثم يتجمع الزئبق الأحمر حول البؤرة المتضاغطة، في الوقت نفسه تنطلق إليها نيوترونات إضافية لبدء عملية الانشطار النووي، يؤدي ذلك بدوره إلى تصعيد رد الفعل، تنفجر القنبلة.

(نص إنجليزي)

عاد العالم البريطاني الكبير إلى بلاده مشغول البال، زرته في منزله في جنوب إنجلترا، بعد خمس سنوات الموقف بالنسبة له: أن ثمة وجوداً لمسحوق أبيض اسمه أكسيد الزئبق الإثمدي، هذا المسحوق الذي رآه بعينه يذاب بطريقة ما، لا يعرفها حتى الآن، فيتحول إلى سائل كثيف يعرف باسم الزئبق الأحمر 20/20.

فرانك بورنابي: لو صح ما قالوه لنا، فإن الزئبق الأحمر يجعل ممكناً تصنيع أسلحة صغيرة، لأنك تستخدم كمية أقل من البلوتونيوم، ومن ثم ينكمش الحجم الفعلي، وهذه مسألة مهمة، لأنك إذا أردت تركيب أسلحة نووية في رؤوس صواريخ -على سبيل المثال- فإن الحجم والوزن مسألتان حاسمتان، ولهذا ربما يوفر الزئبق الأحمر ميزة.

يسري فوده: جوهانسبرج عام 98، مضت على انهيار العنصرية رسمياً سنوات، لكن شيئاً ما يبقى في الصدور، لا تزال هذه المدينة سوقاً رائجة للجريمة بكل أنواعها، المدنية والعرقية، وأيضاً السياسية والاستراتيجية إن صح التعبير، وسط هذا الزحام كان موعدي في وضح النهار مع أحد المصادر السرية، انتظرت ثم انتظرت، ثم في النهاية لم أجد داخلي باعثاً قوياً على لومه، أن يضرب لك أحدهم موعداً في مثل هذا المكان ثم لا يأتي، أفضل قليلاً على أية حال من أن يتركك في العراء، لكنَّ ذلك على الأقل يعطيك فكرة عن مدى خطورة هذا الموضوع، كما يعطيك فكرة عن مدى الإحساس بالأمان في مثل هذا القطاع من العالم، أو بالأحرى عدم الإحساس بالأمان.

يلقي الليل بأستاره على جوهانسبرج، أخرج إلى المدينة وأنا أعرف أنني أخاطر بالكثير، لكنني أعرف كذلك أن كثيراً بانتظاري لدى نهاية النفق، أحاول هذه المرة في الظلام أن أضع يدي على مسؤول سابق في كبرى شركات السلاح في جنوب أفريقيا (آرم سكور)، حين كان محرماً على بقية العالم التعامل مع النظام العنصري في هذه البلاد، كان هذا المسؤول مكلفاً ليس فقط باختراق هذا الحظر، بل أيضاً باختراقه لاستيراد مواد محرمة أصلاً في الظروف العادية، أخيراً كان حدسي في محله، لكنه اشترط إخفاء اسمه وصورته وصوته، لغرض التبسيط منحته هذا الاسم (فرانكو).

فرانكو: في أواسط الثمانينات طلب مني البحث عن مادة الزئبق الأحمر 20/20، ومادة الأوزيوم 187، ومادة الروبيديوم، ومادة الكاليفورنيوم، تم ذلك من خلال عملاء عسكريين في أوروبا، وعندما بدأت اتصالاتي في ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، حذرني جنرال إسرائيلي من التمادي في ذلك، قال إنها معجنة كبرى، وأنَّ عليَّ أن أبتعد، أخذت هذا التحذير الإسرائيلي على محمل الجدَّ.

يسري فوده: سألته: هل كنت على علم بما يختبئ وراء الزئبق الأحمر؟

فرانكو: كنت على علمٍ بأن الاسم الحركي لعمليات الاستحواذ على الزئبق الأحمر 20/20 وتطويره هو العملية (شامبو)، كان مخططاً لهذه المادة أن تستخدم في إنتاج قنبلة نظيفة، ومن ثمَّ سميت شامبو، وكنت على علم بأن المعلومات التقنية أتت من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا، أما الإسرائيليون فقد أمدونا بالخبراء، جاءوا إلى هنا على هيئة باحثين زراعيين ومتخصصين في الأحياء البحرية، تحت غطاء تأشيرات دراسية.

يسري فوده: سألته في اعتقادك لماذا قتل ألان كيدجر؟

فرانكو: كانت شركة (تور) البريطانية للكيماويات التي كان يدير فرعاً لها هنا، مهتمة بالزئبق الأحمر، وكان ألان كيدجر نفسه متورطاً في ذلك، كان أيضاً يقوم بالبحث في مسألة الأسلحة الكيماوية بالتعاون مع شركة السلاح (آرم سكور) في جنوب أفريقيا لحساب العراق، لم تكن المسألة تتعلق بغاز مثل غاز الخردل، لقد كانت أعقد من ذلك بكثير.

يسري فوده: ما تقوله لي في الواقع إذن أن كلاً من العراقيين والإسرائيليين كانوا متورطين في ذلك، فعلى أي مستوى إذن كان العراقيون متورطين؟

فرانكو: على أعلى مستوى كان العراقيون وغيرهم في الشرق الأوسط متورطين معنا على أعلى مستوى.

يسري فوده: أضطر إلى السفر من جوهانسبرج أميالاً طويلة، قبل العثور على شقيق القتيل ألان كيدجر، يريني (جيمس كيدجر) خطاباً من شخص يدعى (جون ألان) من ليفربول بإنجلترا، يقول فيه: إن صفقة مع القتيل لم تكن قد اكتملت، وأن لديه مبلغاً كبيراً من المال أصبح من حق ورثته.

جيمس كيدجر: استغرقني وقت قبل مقابلته، وعندما قابلته قال لي: إنَّ ألان كان يعمل لحساب هذا الشخص في اختبار الكيماويات، إذ أن هذا الشخص من ليفربول جون ألان كان يقوم بنقل الكيماويات من زامبيا عبر جنوب أفريقيا إلى إنجلترا، حيث يتم تكريرها قبل نقلها إلى الشرق الأوسط.

سألته أي نوع من الكيماويات؟ قال كيماويات على أعلى درجات النقاوة، ويمكن استخدامها لأغراض مختلفة، من بينها صناعة العقاقير، التي كان الشرق الأوسط في أمس الحاجة إليها بعد حرب الكويت، وسألته ماذا عن لغط التسلح والأسلحة؟ قال نعم يمكن أن تستخدم لهذا الغرض كذلك.

يسري فوده: أعود مرة أخرى إلى مطار جوهانسبرج، هذه المرة قررت أن أقوم بتجربة صحفية نادرة، كان عليَّ أولاً أن أقنع رئيسي في العمل، فلما اقتنع أرسلت في طلب المحقق الصحفي البريطاني، الذي كان فجَّر القضية أولاً، بعد أكثر من ثلاث سنوات عاد جوين روبرتس إلى جنوب أفريقيا، بناءً على رغبة (الجزيرة) كي يجد نفسه هذه المرة معي في آتون الزئبق الأحمر، ما الذي يمكن أن تضيفه هذه التوليفة؟ وجه بريطاني تتهمه إيران بالعمالة لجهاز الاستخبارات البريطاني M.I.6، ووجه شرق أوسطي مثل وجهي في بلاد يقال أنها مسرح للموساد.

صراع الموساد وحزب الله في جنوب أفريقيا حول الزئبق الأحمر

كان جوين لا يزال يستوعب بعد هذه السنوات كلها ما أصاب الموضوع من تطورات، هو نفسه كان التقى من قبل بمن اصطلحنا في تلك الليلة على تسميته صديقنا فرانكو، وصديقنا هذا كان ألقى إليَّ قبل يوم واحد بقنبلة يقول فيها: إن ثمة تقريراً سرياً لجهاز الاستخبارات الوطني في جنوب أفريقيا NIE، يزعم أن لدى حزب الله معسكرات للتدريب العسكري في كيب تاون، فيما كان جوين يستعجل التقرير المزعوم، كنت أحاول البحث عن منطق وراء ذلك، وكان فرانكو -كما يبدو- قد غسل يديه تماماً من المسألة.

(نص إنجليزي)

منذ تلك المكالمة الهاتفية، اختلف إحساسنا بالشوارع واللافتات والوجوه، سرت في جسدينا قشعريرة، ونحن نحاول استيعاب أن أحداً قد يكون في ذيلنا في هذه اللحظة، في هذا المكان، كان جوين يحاول معي فتح ملفات تحاول يدٌ خفية دفنها، لكنه كان -على الأقل- قد استمع إلى المحقق والعالم والعميل ورجل الاستخبارات.

جوين روبرتس: وأيضاً إلى شخص بعينه، زعم أنه يعمل بشكل مباشر مع الموساد، في محاولة شراء هذه المادة، ذهبنا بناءً على طلبه إلى ناميبيا، لمحاولة اختبار عينة من الزئبق الأحمر، ولكن حياتنا تعرضت هناك لخطر حقيقي، عندما أبرز أناس مسدساتهم في وجوهنا، وأمرونا بمغادرة البلاد، فغادرنا هرباً بحياتنا، كنا مجموعة وكان أحدنا الذي كان يقوم بالتفاوض، قد تلقى تحذيراً بمغادرة ناميبيا على أول طائرة، بلغ بنا القلق مبلغه، فتجمعنا في غرفته لتعطيله، وبينما كنا هناك زارنا شخص زعم أنه يعمل للاستخبارات العسكرية لجنوب أفريقيا، خلع مسدسه أمامنا كي نطمئن، ثم قال إن مبلغاً من المال تم رصده في مقابل رأس زميلنا، وأن الذي رصد المبلغ هو حزب الله.

علاقة حزب الله اللبناني بالزئبق الأحمر

يسري فوده: عودة إلى اسكتلندا، لم يكن هذا الزميل الذي تهددت حياته زعماً من قِبل حزب الله سوى المحقق الصحفي الآخر بيتر هونان.

بيتر هونان: تشير التقارير أساساً إلى أن كلَّ الدول تقريباً التي تريد امتلاك سلاح نووي، مهتمة بالزئبق الأحمر، ويشمل ذلك ليبيا والعراق وحتى حزب الله، لقد كنت أتعقب بعض الزئبق الأحمر في ناميبيا، عندما تلقينا تهديدات بالموت، وقيل لي إن حزب الله مهتم بعينة الزئبق الأحمر المعروضة من قاعدة في كيب تاون.

يسري فوده: كيب تاون، كان لابد بعد هذه القصة أن نكون هنا، إذا صدقت جوين وبيتر، كيف تصدق تطوعاً بريئاً بزعم خطير كهذا، لعميل استخبارات جنوب أفريقيا؟ ثم أليس لدى حزب الله في جنوب لبنان قضية تكفيه العمر كله؟ أم ترى أن يداً أخرى خفية تريد النيل من المسلمين هنا، ولا بأس من النيل من حزب الله في الطريق.

خليط من الأعراق المسلمة في كيب تاون يفوق ربع المليون، هو في الوقت نفسه ربع عدد سكان في واحدٍ من أعرق موانئ العالم، به أكثر من مائة مسجد، يؤكد إمام هذا المسجد حقيقة أن من بين هؤلاء من تلقى تدريبات عسكرية في إيران وليبيا، وغيرها من الدول غير المرضي عنها من وجهة نظر الغرب.

إمام مسجد كيب تاون: حدث هذا في الماضي أيام التفرقة العنصرية، أما بعد الانتخابات فلا أعرف إن كانوا لا يزالوا يذهبون إلى هناك، إذ أنني أعرف أن لكل من ليبيا وإيران علاقات طيبة بالحكومة هنا في جنوب أفريقيا، طيبة للغاية، ولكن إذا ضُخِّمت فكرة الأصولية والمسلمين، الذين يحابون إيران وليبيا ويعادون الغرب، هنا تنشأ المشكلة كيف يمكن لشخص هنا أن ينتمي لحزب الله؟ أنا لست أدري، ثمة أناس يقولون أنهم ينتمون إلى حزب الله، بغض النظر عمَّا يعنيه ذلك، حزب لله أو حركة لله، ولكن ربما عاطفياً أو لأنهم يحاربون القمع أو الظلم أو الصهيونية أو غيرها، أما مسألة الانتماء فعليا لحزب الله الموجود في لبنان، فهي في رأيي على الأقل مسألة مبالغٌ فيها.

يسري فوده: عندما بدأت الجريمة في الانتشار في جنوب أفريقيا، شكَّل المسلمون قبل سنوات قليلة، جماعة مسلحة سموها (باجد)، مهمتها المعلنة على الأقل حماية المجتمع المسلم من تحرشات العصابات وتجار المخدرات، بقوة السلاح إذا لزم الأمر.

إذن لديكم برنامج، لديكم أسلحة ومتطوعون، فهل لديكم معسكرات للتدريب؟

مسلم جنوب أفريقي في حركة باجد: كلا، ليس لدينا معسكرات للتدريب، نحن نبدأ بتعليم المجتمع المهارات الأساسية لاستخدام بندقية اليد، هذا صحيح، ولكن الدولة والسلطات ألقت في طريقنا بكل شيء، كي يبدو الأمر وكأن لدينا برنامجاً مختلفاً، ولكن هناك قيادات رفيعة المستوى في الحركة انشقت، وعمدت إلى محاولة إعادة توجيه برنامج باجد، ونحن نعتقد أن للموساد يداً في ذلك، كما أن للموساد يداً في مراقبة باجد، فقد كان لدينا اجتماع وطني، وكانت سيارة تجسس بالقرب منَّا.

نعم، لا يصعب علينا فهم وتصديق أن للموساد بالقطع يداً في تشكيل مستقبل الأمور، وإذا كنا نتساءل عمن عساه أن يكون وراء هذه الشائعات، فإننا نقول القوة الثالثة، ونضع الموساد ضمن هذه القوة.

يسري فوده: ما إذا كان صحيحاً أم لا، تورط حزب الله في أنشطة عسكرية أو استخباراتية مع باجد، فإن من الواضح أن في هذه المدينة حضوراً إسلامياً قوياً، يمكن -كما يفترض البعض- أن يغري دولاً في منطقة الشرق الأوسط على استغلال عضلة إسلامية نمت من تلقاء ذاتها، كما يمكن أن يجبر جهازاً كجهاز الموساد الإسرائيلي على تقليص ساعات نومه في هذا القطاع من العالم.

كان لهذه المدينة من ناحية أخرى أن تكون مسرحاً لجريمة أخرى جرت وقائعها في هذه الفندق، وجمعت الزئبق الأحمر بالشرق الأوسط.

فندق (ريتز) في كيب تاون، الغرفة الثالثة من الطابق الثامن عشر، إليها صعد وجه أسود باسم مستعار ظهر أحد أيام أبريل/نيسان عام 93، طلب من خدمة الغرف كأسين من الويسكي وثلاث زجاجات من الجعة، ووجبتين خفيفتين، قليلاً ثم استدرج إليه هذا الرجل (فيناند فانفيك) واهماً إياه بسراب صفقة تجارية، بعد قليل سمع نزلاء الغرفة المقابلة جدلاً أعقبه ما بدا لهم اصطداماً خشناً، ثم في ثقة غادر الرجل الأسود مخلفاً ورائه جثة مهندس الكيماويات العسكرية، الذي يحمل جواز سفره تأشيرات للسعودية والكويت وليبيا واليمن وإسرائيل، بعدما لاذ من دعا نفسه (بريرز) بالفرار، اتهم محقق الشرطة جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد بقتل فيناند فانفيك، وربط مقتله بالزئبق الأحمر وبمقتل ألان كيدجر.

مداخل 3: نعم لقد قال لي محقق الشرطة، إنه يعتقد من مصدر انشق عن الموساد ويثق فيه تماماً، يعتقد أن الإسرائيليين استأصلوا ألان لمنع نقل الكيماويات إلى الشرق الأوسط، خاصة العراق وإيران، وبمساعدة بعض الصحف أبرز ذلك في العناوين الرئيسية، وهو الأمر الذي استغربته، فقد كان ذلك عام 94، وكان هو يتكتم ذلك للسنوات الثلاث الماضية، ولم أكن أعتقد أنه سيصل إلى نتيجة، ثم فجأة يأتي بهذه المزاعم القوية، أن للحكومة الإسرائيلية دوراً في مقتل أخيه، وهو ما أثار اهتمامي بالطبع، كان دليله -كما قلت- مرتبطاً بهذا العميل، الذي كان يثق به، لم يعطني دليلاً آخر، لكنه ظل على موقفه حتى النهاية من أن للإسرائيليين دوراً في مقتله.

بيتر هونان: أكثر الاحتمالات رجحاناً لشرح ما حدث، أنه كان يعمل في خفاء في السوق السوداء، وأنه أغضب طرفاً ما، فقرر هذا الطرف التخلص منه، يعتقد (تشارلز..)، أنّ هذا الطرف هو الموساد، الذي لم يكن يريد للزئبق الأحمر أن يباع مثلاً إلى العراق أو الدول المشابهة، وأنه قُتِلَ بأبشع صورة تحذيراً للآخرين من التورط في مثل هذا النوع من التجارة.

جهاز الاستخبارات الروسي وتسريب الزئبق الأحمر للشرق الأوسط

يسري فوده: يعلم جهاز الاستخبارات الروسي، حقيقة الزئبق الأحمر، فيم يمكن أن يستخدم؟ ومن الذي يتعقبه؟ يرتب جوين لقاءً في إحدى محطات مترو الأنفاق مع كيماوي نووي سابق، يقول إنه يبيع أكسيد الزئبق الإثمدي لمن يدفع، لا يريد الإفصاح عن شخصيته خوفاً -على حد قوله- من المافيا التي تتسيد سوقه السوداء، في شقة في وسط موسكو، يشرح الكيماوي النووي، لماذا تتكتم الأوساط الرسمية حقيقة الزئبق الأحمر؟

(نص إنجليزي)

يأتي الكيماوي النووي الروسي بصورٍ يقول إنها لزئبق أحمر مسروق من مفاعل سرّي، بهذه المادة -كما يقول- يمكن تصنيع قنبلة نووية تنقل في حقيبة يد.

(نص إنجليزي)

إذا عزَّ علينا تصديق هذه المزاعم، فقد وقعت أمام البرلمان الروسي وثيقة لا تثبت وجود الزئبق الأحمر وحسب، بل تثبت أيضاً أنه يمكن تصديره للخارج، بتاريخ فبراير/شباط عام 92، حمل هذا الخطاب توقيع (بوريس يلتسين)، مانحاً شركة بعينها حقاً منفرداً في تصدير الزئبق الأحمر، اسم الشركة (بروماكولوجي) رئيسها (أولكسادكوف) يقول: إن بالإمكان تصنيع قنبلة نووية في حجم غطاء قلم جاف، هذه -كما يقول- المادة الخام لما يسمى الزئبق الأحمر 20 /20، ثمن الكيلو جرام الواحد منها مائة ألف دولار لكنه يرفض أن يقول كيف يتم تركيبها؟

خبير نووي روسي: بعد خمس سنوات كل ما أستطيع قوله إن عبء الإثبات الملقى على عاتقنا أمر غير عادي فمثلاً لو قال لك شخصٌ ما إنه لا يعتقد في وجود بولوتونيوم الأسلحة، وأنه لا يرضى منك بأقل من عينة دامغة، وأنت كصحفي عليك أن تأتي بها، وبصراحة ستجد ذلك مستحيلاً، إذ من الخطورة بمكان تناولها باليد، ثم سيكون عليك أولاً إقناع عالماً بإحضارها لك، وبصراحة أعتقد أنك ستفشل، لقد عدت لتوي من منطقة الشرق الأوسط، كنت في شمال العراق، أعرف هناك معظم الشخصيات السياسية، وبعض القيادات، الزئبق الأحمر هو مادة أساسية، ولكن الحقيقة هي غير ذلك، كثيرٌ من الناس يستغلونه لكسب المال، ولكن إذا عرض الزئبق الأحمر من قبل بعض القيادات الكردية، فإن السوق الإيرانية ستشتري، وبالمقابل تعيده إلى العراق، هناك عينات من هذه المادة، كما أخبرت، من الواضح أنها كانت حقيقية.

غموض الزئبق الأحمر بين أعمال الدجل وأساطير الفراعنة

يسري فوده: الشرق الأوسط، يأخذنا بحثنا عن الزئبق الأحمر إلى أم الدنيا كما يحلو لكثير من المصريين أن يصفوا بلادهم، هنا يتوحد غموض الزئبق الأحمر بغموض أساطير الفراعنة، وتشتبك أحلامه النووية بأحلام الفقراء، وبعض الدجالين والمشعوذين، جرام واحد منه يكفي لإفناء دولة إسرائيل، عنوان عريض لإحدى الصحف المصرية، لكن للموضوع هنا أكثر من زاوية.

رغم أن موضوع الزئبق الأحمر يرتبط الآن بالمستقبل أكثر من ارتباطه بالماضي، فقد وجدتني أولاً في صحبة واحد من أهم علماء الآثار في مصر، كنت أريد أن أعرف منه إن كان ثمة أساس علمي تاريخي لما يقوله البعض، من أن الزئبق الأحمر في الواقع ليس سوى عصارة دم المومياوات، هل يمكن حقاً أن تكون له علاقة بالتحنيط أو بلعنة الفراعنة؟

د.زاهي حواس: إحنا في حضارتنا المصرية من سنة 332 قبل الميلاد احتلت مصر عن طريق اليونان والرومان مدة 600 سنة، وبالتالي ما عادش الوازع الديني عند المصري القديم لا للتحنيط ولا أيضاً اللي هو.. اللي هو يقول عن هذا السر، وبالتالي المواد اللي بتتحط بالضبط لم يكتب في بردية هذه الموضوعات إطلاقاً، إحنا عارفين كل المراحل وكل الخطوات الخاصة بالتحنيط، وهناك 11 خطوة متصلة لكن المادة اللي بيتم وضعها داخل الجسم، اللي بتحافظ على هذا غير موجودة، بالدليل دلوقتي حتى في أريزونا عاملين إعلانات يقول لك إحنا اكتشفنا سر التحنيط، اللي عايز يحنط الجثة بتاعته يقول لنا، ويدفع 200 دولار، بيحنطوا الجثث، لكن لا يمكن إنه يصل إلى إبداع المصري القديم.

يسري فوده: لم يستطع أعتى العلماء حتى الآن أن يفك لنا طلاسم التحنيط الفرعوني، ولا استطاع أحدٌ حتى الآن أن يطرح علينا نظرية تقنعنا تماماً بمعقولية أو لا معقولية هذا الذي يسمى لعنة الفراعنة.

استثنى الدكتور زاهي حواس قناة (الجزيرة) من قرار يحظر دخول الهرم، ناهيك عن التصوير داخل الهرم، الأجواء هنا رطبة حارة، وهي على أقل تقدير أجواء مقبضة، خلا الهرم إلا قليلاً من جميع محتوياته التي كنا نعرفها من قبل، المومياوات -على وجه التحديد- نقلت إلى المتاحف، لم يبقَ هنا إلا قليل من عمليات الترميم تمهيداً لإعادة افتتاح الهرم، وبالطبع الكثير من عبق التاريخ والتراث، لكن بصراحة مسألة أن للزئبق الأحمر علاقة بما يدعيه البعض من عصارة دم المومياوات، هي مسألة في الواقع لا تدخل عقلي مباشرة بشكل منطقي، على أية حال نترك ذلك للمختصين ولغير المختصين.

حتى في الدوائر العلمية الرسمية هنا، لا تجد لموضوع الزئبق الأحمر صدىً كبيراً.

مداخل مصري: يعني كل ما توافر لي مقالات صحفيين يكتبوا عن هذه المادة، الموضوع بتاع الزئبق الأحمر غامض تماماً، لدرجة أنا بأسأل الناس.. حتى عملت اضطريت لما لقيت الناس بتسأل فترة من الفترات عملنا تقرير يعني جمعنا كل اللي اتكتب، وكل.. والمواقف الرسمية حتى لبعض الحكومات، إنه دي مادة هي للنصب أكثر منها مادة حقيقية، إلا إنه بتلاقي برضو فيه ناس كاتبين، بتكتب في النواحي الأخرى إنه المادة دي لها استخدامات حربية، المراجع حقيقة، لما أنا كنت أنا مهتم بالموضوع ده من حوالي يمكن 5 سنين أو 6 سنين، حتى الناس اللي تكلمت معاهم يعني اللي هم ممكن يكونوا على دراية في هذا الموضوع، لقيت ما فيش عندهم الحقيقة معلومات واضحة عن استخدامات حقيقية له، وإنما يمكن دا مجال بقى اللي هو.. مجال غامض، مجال يمكن في أجهزة المخابرات أو عدد معين من العلماء، الحقيقة أنا قعدت فترة أتتبع الموضوع عشان.. لأنه كانت الناس بتسألني باستمرار، هو أيه الموضوع؟ في الآخر طلعنا كُتيِّب صغير، قلنا لهم دي الأقوال اللي هي موجودة عن هذا الموضوع، بس هناك مراجع يعتد بها بالنسبة لهذا الموضوع، وبالتالي هو بالنسبة لي مادة غامضة، وكنت بأعتقد باستمرار إنه هي مادة من أدوات النصب الحقيقة، أكثر من منها من أدوات التكنولوجيا، ما لم تظهر معلومات علمية غير كده.

يسري فوده: إذا كان هذا رد فعل المختصين، وغير المختصين في واحدة من كبريات الدول العربية كمصر، فما عساه يكون رد فعل رجل الشارع، يقول لنا مسؤول مصري كبير إن جهاز الاستخبارات المصري مهتم بالموضوع، لكنه يدور مثلنا في حلقة مفرغة.

هل ثمة يد خفية لا تريد لرائحة الزئبق الأحمر أن تنتشر كلية ولا أن تتلاشى كلية؟ ولماذا؟

والسؤال الكبير: ما مستقبل الشرق الأوسط بعدما بات ما كان في حكم المستحيل في حكم الممكن؟

حتى حلقة قادمة.. طيب الله أوقاتكم.