قال الأمين العام لـمنظمة العفو الدولية سليل شاتي، إن العام المنصرم 2014 كان عاما مروعا في مجالات حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وأضاف شاتي في حلقة الجمعة (9/1/2015) من برنامج (لقاء اليوم) إن غالبية المواطنين العرب يرون أن قياداتهم المحلية خذلتهم، وكذلك على مستوى العالم، مبررا حالات انتهاكات حقوق الإنسان بـ"القيادات التي لا تحاسب في المنطقة.. والإفلات من العقاب".

وضع قاتم
وتحدث الأمين العام للمنظمة عن وضع حقوق الإنسان في العالم العربي، وأعرب عن شعوره بالإحباط العميق مما يجرى في مصر.

وقال إن آفاق الوضع الحقوقي في مصر "تبدو قاتمة للغاية"، مشيرا إلى صدور أحكام بالإعدام على ما يقرب من مائتي شخص بتهمة الهجوم على رجال الشرطة، في حين يحصل الرئيس المخلوع حسني مبارك على البراءة من جرائم قتل المتظاهرين، ويقبع العديد من الصحفيين في السجن، ومن بينهم صحفيي الجزيرة- لا لشيء إلا لممارستهم عملهم.

وأضاف "في مصر مشكلة عويصة" مدللا على ما في شبه جزيرة سيناء من تهجير للسكان في المنطقة المعزولة في مدينة رفح، معتبرا أن التحدي في مصر هو وجود نظام عسكري يبدو مستخف كل الاستخفاف بحقوق الإنسان ولا يقبل أي معارضة "في حين بلغت وسائل الإعلام درجة متقدمة من قصقصة ألسنتها بنفسها"، وفق تعبيره.

تونس والخليج
وبشأن الوضع الحقوقي في تونس، أشاد الأمين العام لمنظمة العفو الدولية بالنموذج الديمقراطي الذي حققته بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بشكل جيد، لكنه تحدث عن تقارير بشأن استخدام التعذيب من جانب قوات الأمن، معربا عن أمله في أن يتخذ الرئيس الجديد إجراءات في هذا الأمر.

أما دول الخليج العربي فأكد شاتي أنه لا يمكن التعميم بشأنها ككتلة واحدة، وقال "لو أخذنا على سبيل المثال المملكة العربي السعودية سنجد أن سجل حقوق الإنسان فيها محزن، وفي الإمارات تتعرض حرية التعبير لتضييق شديد، أما قطر فقد أنجزنا الكثير فيما يتعلق بالعمالة الوافدة وقالت الدوحة إنها ستجري بعض التغييرات والتدابير التي حظيت بتقديرنا".

وبشأن الصراع في سوريا، انتقد شاتي ما وصفه بالفشل الذريع في تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة التي شارفت على إكمال عامها الرابع، معتبرا أن سوريا أصبحت ساحة حرب بين قوى إقليمية، كل منهما مدعوم بالقوى الغربية من ناحية وروسيا والصين من ناحية أخرى.

اسم البرنامج: لقاء اليوم

عنوان الحلقة: شاتي: الوضع قاتم بمصر وفشل دولي بسوريا

مقدم الحلقة: ناصر البدري

ضيف الحلقة: سليل شاتي/ الأمين العام لمنظمة العفو الدولية

تاريخ الحلقة: 9/1/2015

المحاور:

-   تجارة السلاح وارتباطها بحقوق الإنسان

-   موقف روسي صيني متشابه

-   الوضع في سوريا الأكثر خطورة

-   ازدواجية المعايير الغربية

-   حكومة مصرية ضيقة الأفق

-   معايير العنف في مواجهة العنف

ناصر البدري: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج لقاء اليوم، ضيفنا في هذه الحلقة هو الأمين العام لمنظمة العفو الدولية السيد سليل شاتي، سيد سليل شاتي أهلاً بكم مرةً أخرى إلى قناة الجزيرة Welcome to Aljazeera.

سليل شاتي: شكراً.

ناصر البدري: سيد سليل شاتي، عام تقريباً انقضى، عام 2014 ما هو تقييمكم لوضعية حقوق الإنسان في العالم خلال هذا العام؟

سليل شاتي: أعتقد أنه ما من سبيل لتلميع الوضع أو تجميله فقد كانت سنة 2014 مُروعة على الأقل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أما إذا نظرت إلى ما وراء ذلك فسترى نقاطاً مضيئةً وأخرى مظلمة، لكنني أريد التركيز على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كان الوضع بلاءاً على الكثير من الناس العاديين الذين يعيشون في المنطقة، وأعتقد أن معظم العرب هناك يرون أن قياداتهم خذلتهم أقصد القيادات المحلية وعلى مستوى العالم كله كذلك، نحن نعرف ما يجري في سوريا والدول التي تحتل أخبارها والنزاعات فيها والأزمات شاشات التلفزيون، لكنني أريد التحدث في عُجالةٍ عن العوامل الكامنة وراء هذه التحديات في المنطقة وعلى رأسها الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني لاسيما في غزة والعقوبات الجماعية المُسلطة عليهم ذلك سببٌ ينجر عنه الكثير من التوتر على صعيد حقوق الإنسان، والعامل الثاني هو الحرب على الإرهاب الذي تشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها أساساً مُنتهكة معايير حقوق الإنسان كافة ونجمت عنها العديد من النتائج والآثار، والسبب الثالث هو الشرخ العميق  والتوتر داخل المجموعات السكانية من شيعةٍ وسُنة وضد النساء والأقليات وهو أمرٌ تتوالى فصوله، العامل الرابع ربما يكون الأهم هو أنظمة الحكم والقيادات التي لا تُحاسَب في المنطقة حيث منظومات العدالة الجنائية مُختلة والحصانة من العقاب تامة لمُرتكبي الانتهاكات ولذلك وللأسف ليس بوسعي تقديم صورة إيجابية عن وضع حقوق الإنسان خلال 2014.

تجارة السلاح وارتباطها بحقوق الإنسان

ناصر البدري: محطة فارقة اعتبرتها منظمة العفو الدولية بربما لحظة تاريخية وهي اتفاقية حظر السلاح، لماذا اعتبرتم هذه الاتفاقية التي ربطت لأول مرة مسألة حقوق الإنسان مع التجارة بالسلاح بالحدث الهام؟

سليل شاتي: إن النظرة الشاملة تفيد بأن مُعاهدة الأمم المتحدة لتجارة السلاح التي دخلت حيز التنفيذ في 24 من ديسمبر 2014 نصرٌ مُؤزرٌ لحقوق الإنسان بفضل الحملة التي قادتها مُنظمة العفو الدولية مع شركائها على مدى 20 سنة، من الأهمية بمكان الإشارة إلى علاقة ذلك بحقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في سوريا مثلا بدأت مُظاهرات الاحتجاج سلمية على العموم لكن نظام الأسد شرع في سحقها ومن الأمور التي كنا ندعو إليها فرض حظرٍ على تصدير السلاح إلى سوريا وهذه المعاهدة الوليدة تهدف إلى منع وصول السلاح إلى أيدي من سيرتكبون انتهاكات لحقوق الإنسان، لو أن المجموعة الدولية ضربت على يد نظام الأسد ورؤوس زُمرته واقتادتهم إلى محكمة الجنايات الدولية لما شهدنا وضعاً كهذا فيه 3 ملايين و800 ألف لاجئ يستقبلهم عددٌ قليلٌ من الدول والبعض منها فقير لبنان والأردن وتركيا، المجموعة الدولية لم تكد تُحرك ساكناً فخلال مؤتمر المانحين الذي نظمته الأمم المتحدة منذ فترة قصيرة قبلت الدول المشاركة بشق الأنفس استضافة أقل من 6 آلاف لاجئ سوري لا غير، إنها مسألةٌ مُحبطة.

موقف روسي صيني متشابه

ناصر البدري: لكن هذه الاتفاقية تحتوي على استثناءات كثيرةٍ كما أن دولاً مهمة في تجارة السلاح لم تُوقع عليها؟

سليل شاتي: صحيحٌ أن دولاً لم تُوقع حتى الآن لكن جنوب أفريقيا انضمت إلى المعاهدة في الفترة الأخيرة، روسيا والصين لم توقعا عليها لكن ما يُلفت النظر هو أن موسكو تحب الاستشهاد بمعاهدة تجارة الأسلحة عندما يتعلق الأمر بما تسميه العدوان الأوكراني، وقع على المعاهدة عدد كافٍ من البلدان وشيء لافتٌ للانتباه في معاهدة تجارة الأسلحة هو أن الضغط الهائل الذي مارسه ناشطو منظمة العفو الدولية يُضاف إليه ضغط الدول النامية في إفريقيا وأميركا اللاتينية تعاني الأمرين من سباق التسلح وعندما يرفع الأفارقة وسكان أميركا اللاتينية أصواتهم سيصبح من الصعب على روسيا والصين عدم قبول المعاهدة، أما الولايات المتحدة وهي أكبر الملومين على تزويد العديد من البلدان كالسعودية بالسلاح، صحيحٌ أنها لم توقع المعاهدة ولم تُصادق عليها وهي لم تُوقع أصلاً أو تُصادق على أي اتفاقية دولية تقريباً لكن في الواقع أنظمة ضبط التسلح في الولايات المتحدة ليست سيئة وإذا ما طُبقت فقد تكون انطلاقة لا بأس بها.

ناصر البدري: المتابع لتقارير منظمة العفو الدولية خلال العام 2014 يلاحظ أن منطقة الشرق الأوسط استحوذت على حيزٍ كبير ربما حيز كبير جداً من عملكم وبياناتكم ودعواتكم وغيرها، هل يمكن أن تعطونا وصفاً لماذا استحوذت هذه المنطقة على هذا الحيز الكبير؟

سليل شاتي: الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحتلان حيزاً كبيراً من نشاط منظمة العفو الدولية والمدافعين عن حقوق الإنسان، لقد أشرتُ إلى سوريا والتحديات العامة التي تُواجه المنطقة وفي العراق الذي ظل تحت المجهر شهوراً وأسابيع، من المسائل التي فضحناها هناك هجوم تنظيم الدولة الإسلامية وأعوانه على أقلية اليزيديين لاسيما في النساء فقد بيعت فتيات في سن 14 أو 15 أو أجبرن على الزواج من مقاتلي التنظيم وهذا نموذج عن واحد من أكثر الانتهاكات قُبحاً ومنها كذلك إجبارٌ على اعتناق الإسلام وترويعهم مع تسجيل حالات انتحار وثقناها توثيقاً، أنا أشير إلى هذا كمثالٍ على الحصانة من العقاب التي تُؤدي إلى الانتهاكات، ليس بالإمكان تبرير ما يقترفه تنظيم الدولة الإسلامية بأي حال من الأحوال لكن ينبغي ألا ننسى حقيقةً هي أن ميليشياتٍ شيعية أطلقت يدها شهوراً كثيرة قبل ذلك لكي تمارس التعذيب والاختطاف وقتل مُسلحين سُنة وحتى مدنيين سُنة، ولأن الفاعلين يفلتون من العقاب فإن ذلك يُديم دائرة العنف هذا عن العراق، ولكن بوسعي أن أعدد لك أمثلةً بلداً بلدا، أقصد أن السبب الحقيقي الكامن وراء تركز هذه التحديات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا رغم الآمال التي وُلدت بعد الربيع العربي السبب هو وجود فورة غضب يعتمل ضد قادةٍ ليس عليهم حسيبٌ ولا رقيب مع عدم وجود قنوات يُصرف عبرها هذا السخط  لذلك فإن الشباب في حنقٍ شديد من هؤلاء القادة والملوك الذين لا يُحاسبون على ما يفعلون في تلك المنطقة من العالم، تونس مثالٌ تنبغي الإشادة به وبالنماذج الناجحة الأخرى، في تونس رئيسٌ جديد وشارك الناس في الانتخابات لكن توجد تقاريرُ موثوقٌ فيها عن التعذيب والتعسف في استخدام السُلطة من جانب قوات الأمن التي تحتاج إلى إصلاح كامل، وآمل أن يتخذ الرئيس الجديد وحكومته إجراءاتٍ في هذا المضمار.

ناصر البدري: تحدثتم عن تونس هل تعتقدون أن المسؤولين السياسيين الجُدد في تونس سيتخذون هذه الإجراءات؟

سليل شاتي: مُنطلق الأمر كله هو الإرادة السياسية وقد  صدع الشعب التونسي بصوته وما على القادة والحكومة بتونس إلا أن يستجيبوا، أنا متفائل كثيراً بالوضع في تونس على أمل أن يكون له انعكاسات متعددة على عددٍ من جيرانها، نحن نعرف الوضع في ليبيا ومصر وهي في حالةٍ يُرثى لها ونأمل أن يكون للتغيير الإيجابي في تونس أثر مُخلصٌ يعبر إلى مصر رغم أن الآفاق تبدو قاتمةً هناك الآن.

الوضع في سوريا الأكثر  خطورة

ناصر البدري: ربما الوضع في سوريا يظل ربما الأكثر خطورة بالنظر إلى المعاناة التي يجدها مئات الألوف من المدنيين، كيف تُقيمون تعاطي المجموعة الدولية مع الوضعية في سوريا؟

سليل شاتي: ذلك فشل ذريع ووصمةٌ على ضمير كل واحد من جيلنا نعم يمكن تحميل نظام الأسد والثوار المسؤولية الأساسية عن ذلك الوضع، لكن ينبغي ألا ننسى أن سوريا أصبحت ساحة حرب بين قوى إقليمية كالسعودية وحلفائها من جهة وإيران وأنصارها من جهة أخرى وكلٌ منهما مدعوم بالكتلةٍ الغربية من ناحية وكلٍ من روسيا والصين من ناحيةٍ أخرى، الناس في عذابٍ شديدٍ في سوريا لاسيما المدنيين منهم من نساء وأطفال لكنني أقول أيضاً إنه تجب الإشارة إلى تهالك منظومة الحكم الدولية فمجلس الأمن الدولي انتكس إلى سياسات الحرب الباردة، ومن النقاط التي تشغل بالنا في منظمة العفو الدولية، ما دور الدول الصاعدة في هذا السياق الجديد الذي أنكفى إلى أجواء الحرب الباردة حيث تنقض الولايات المتحدة كل قرارٍ مُتعلق بإسرائيل في مجلس الأمن وفي الجهة المقابلة تنقض روسيا والصين قراراتٍ أخرى لكن ما دور البرازيل والهند والمكسيك ونيجيريا وجنوب أفريقيا أين أصواتها في هذا التجاذب، ذلك سؤالٌ غايةً في الأهمية تطرحه منظمة العفو الدولية باعتبارها حركةً للجماهير.

ازدواجية المعايير الغربية

ناصر البدري: كثيرون علقوا آمالاً عريضة على الربيع العربي والتغيرات التي كانوا يأملون في تحقيقها في دول العالم في كثير من دول العالم العربي التي شهدت هذه الثورات، لكن الوضع في تلك الدول شهد انتكاسات وبشكل خاص في مصر الذي وصفتموه أنتم بأنه تراجع عن كثير من المُكتسبات في مجال حقوق الإنسان؟

سليل شاتي: أتفق كليةً مع هذا الطرح فقد عرفت مصر جيداً وزارها الكثير من زملائي في المنظمة، في نفسي إحباطٌ عميق لا جدال في ذلك من أكثر الأمثلة إثارة للتهكم في الأسابيع الماضية صدور حكمٍ قضائي على 188 شخصاً بالإعدام بتهمة الهجوم على رجال الشرطة ومن سخرية القدر في الوقت نفسه تبرئة مبارك ووزير داخليته من تهمة قتل متظاهرين، تلك واقعةٌ صارخة عن الأحكام القضائية الظالمة، كما نذكر صحافيي الجزيرة الذين أمضوا في السجن سنةً لا لشيء إلا لأدائهم عملهم الصحفي ولست أدري ما الذي ستقوله محكمة النقض المصرية بشأنهم لكن في مصر مشكلةٌ عويصة، خُذ مثلاً القمع في منطقة سيناء حيث أُجبرت 1000 أسرة على إخلاء بيوتها لأن السلطات تريد إنشاء منطقة عازلة بين غزة والتراب المصري، إن التحدي في مصر هو وجود نظامٍ عسكري يبدو مُستخفاً كل الاستخفاف بحقوق الإنسان ولا يقبل أي نوعٍ من الاعتراض وكذلك طبقة وسطى ونخبةٌ ضاقت ذرعاً بالاضطرابات وغياب التقدم الاقتصادي وترحب بحكم القبضة الحديدية ولذلك فهي تُساند النظام، أما وسائل الإعلام فقد بلغت درجةً متقدمة من قصقصة ألسنتها بنفسها لكن الهجمات التي يتعرض لها الناشطون في مجال حقوق الإنسان وعلى الإخوان المسلمين وكل من يُعتبر مُعارضة سياسية هي اعتداءات مُخزية، إذا سألتني ماذا حل بأحلام العرب في الربيع العربي؟ أقول إنه واحدةً من المسائل المُقلقة في نظر مؤسسة العفو الدولية وجود غضبٍ يموج بنفوس الشباب، لكن كيف ينبغي تصريف هذه الطاقة وهذا الغضب، هنا نحتاج إلى عملٍ طويل النفس ومن الأشياء التي نجحنا في أدائها في عدة أماكن التدريب على مفاهيم حقوق الإنسان لا يكفي الغضب من الحكومات بل يجب الفهم العميق لما يعنيه احترام الآخر والتسامح والإنصاف، إنك تستطيع احترام الآخرين في المجتمع باعتبارهم سواسية كالأقباط في حالة مصر بحيث لا يتعرضون للتمييز لكن ماذا عساك تقول ضد النظام العسكري، إن ما نحتاج إليه هو تفهمٌ للمجتمع ككل، منظمة العفو الدولية حركةٌ تعتمد على نظام العضوية بتقوية العمل الشعبي وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان وبناء حركةٍ جماهيرية، نحن حريصون على التحدث عن هذا في المنطقة العربية أيضاً.

ناصر البدري: هل المجموعة الدولية تقوم بدورها خاصة الدول الغربية نتحدث عن بريطانيا فرنسا الولايات المتحدة وغيرها في تشجيع ونشر قِيم الحرية والديمقراطية في هذه الدول العربية التي شهدت انتكاسات في مجال حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية مثل مصر مثلاً؟

سليل شاتي: أنا هندي الأصل وقد عايشنا ازدواجية المعايير الغربية على مدى عشرات السنين أي أنه أمرٌ معروفٌ لدينا إن استخدام الديمقراطية وحقوق الإنسان شديد الانتقائية، مثلاً مُجريات الانتخابات العامة في فلسطين لا تصبغ عليها المصداقية ذاتها التي تُضفى على اقتراع في بلدٍ مُوالي للغرب، رأينا مثل ذلك في الجزائر وغيرها حيث اتضحت الدعم الانتقائي للديمقراطية المسألة في نظر منظمة العفو الدولية ليست هي الديمقراطية وإنما الصوت والقدرة على التحرر ومشاركة الناس الكاملة في الحكم واتخاذ القرار، ما كنت لأعتمد على الدعم الغربي لتحقيق احترام حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو غيرهما، إن توسيع مصر المنطقة التي تعزلها عن إسرائيل في سيناء بموافقة أميركية يُعد تطبيقاً  انتقائياً للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لن أتردد قبل الإجابة عن ذلك السؤال لكن ما تنبغي الإجابة عنه هو كيف تعامل القادة العرب والناس عموماً مع هذه المسألة؟ كيف نتأكد أن كل مدرسة وجامعة فيها نوادٍ لحقوق الإنسان، إن الاعتقاد بأن حقوق الإنسان شيءٌ غربي فكرةٌ دارجةٌ وهُراء، تعرض سيدةٍ للضرب في بيتها مثلاً لا يتعلق بكون ذلك غربياً والفكرةٌ الأخرى التي نتحداها هي تجافي الإسلام وحقوق الإنسان وسننظر في هذه النقطة بدقة أكبر في السنوات المقبلة لنرَ كيف حدث هذا التحريف باستخدام الإسلام لانتهاك حقوق الإنسان من حكومات وأطرافٍ غير حكومية.

حكومة مصرية ضيقة الأفق

ناصر البدري: إلى أين تتجه مصر في نظركم في مجال حقوق الإنسان؟

سليل شاتي: أعتقد أن الآفاق إلى هذه المرحلة ليست مشرقةً جداً إذ توجد حكومةٌ تدعمها جزئياً طبقةٌ وسطى أصبحت ضيقة الأفق تحتقر كل رأي آخر عدا النظرة العسكرتارية بشأن كيفية تطور المجتمع لكن منظمة العفو الدولية ليست مهووسة بكيفية سلوك الحكومات أو سلوك نخبة قليلة العدد وإنما بكيفية استجابة الجماهير لذلك وإذا ما سألتني عن ذلك فأنا تملئني الآمال بمصر والمنطقة ككل، أعتقد أن شعوب المنطقة كالشعب المصري عانت ما يكفي من القيادات الفاشلة ونجح المصريون في تصحيح الوضع بما يخص مبارك، لست هنا أُلمح ولو من بعيد إلى أن الرئيس السابق مرسي والإخوان المسلمين كانوا أنصاراً لحقوق الإنسان فقد كان لهم نصيبهم من التجاوزات لكن توجد في مصر حكومةٌ تريد جعل البلد منطقة حظرٍ على حقوق الإنسان، إن أمامنا تحديات جِساما.

ناصر البدري: في تقرير أخير لمنظمة العفو الدولية وصفتم الحرب الإسرائيلية الأخيرة وما قامت به إسرائيل في غزة بأنه قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب لماذا؟

سليل شاتي: مثلما قلت في بداية البرنامج المسألة كلها تتعلق بالكيفية التي عُوملت بها القضية الفلسطينية خلال عشرات سنين وهو العامل الذي يقف وراء اللا استقرار وانتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة وكانت لها انعكاسات متعددة الوجوه تتجاوز الإقليم، دعنا نركز أكثر على الأراضي المحتلة وعدوان إسرائيل المتكرر عليها، نحن مقبلون على إصدار سلسلة من التقارير لتقييم ما حدث خلال النزاع الماضي وقد كنا صريحين جداً بشأن استخدام حماس القذائف بطريقة عشوائية ضد المدنيين الإسرائيليين ولن ندافع بأي شكل من الأشكال عن أفعال حماس أو أي طرفٍ آخر داخل غزة، أما التقريران اللذان أعددناهما منذ فترة قصيرة فيعطيان أدلة عن سبب اعتقادنا بوجود دواعٍ لإجراء تحقيق منهجي في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من الجانبين لاسيما إسرائيل خصوصاً، الأول بحثٌ طبيٌ عدلي عن هجمات القوات العسكرية الإسرائيلية على البيوت المأهولة كجزءٍ من النزاع وقد وثقنا أكثر من مئة وفاة منها أكثر من ستين طفلاً وهي حالةٌ واضحةٌ عن الاستخدام المُفرط للقوة الذي يجب التحقيق فيه باعتباره جريمة حرب، والعمل الثاني وهو أحدث من الأول يُوثق المزيد عن هجماتٍ وقعت خلال الأيام الأربعة الأخيرة من النزاع على أيدي القوات الإسرائيلية ضد المعالم العمرانية في فلسطين، وأنا أعتقد أنها كان تدميراً مُتعمدا والحالتان كلتاهما انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني نحتاج إلى الإذن لدخول لجنة استقصاء ومراقبين مستقلين كمنظمتنا العفو الدولية للتعرف على الحقيقة وقد كاتبنا السلطات الإسرائيلية التي لم ترد على أسئلتنا وأجابنا مراقب الدولة لديهم لكن من دون الرد على أسئلتنا المحددة بشأن تلك الهجمات.

ناصر البدري: ولكن هل من الممكن محاسبة إسرائيل، هل من الممكن متابعة الجُناة في إسرائيل قضائياً ودولياً؟

سليل شاتي: ذلك ما يجب فعله ولهذا السبب توجد معايير دولية متعلقة بحقوق الإنسان وكما تعلمون فإن فلسطين تدرس الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية ونظام روما الأساسي وهو أمرٌ محمودٌ تأخر كثيراً، لسوء الحظ فإن حكومات أوروبية ناهيك عن الولايات المتحدة تضغط على فلسطين حتى لا تنضم إلى نظام روما الأساسي الذي أسس محكمة الجنايات الدولية، إذاً ذلك واحد من السُبل وقد دعونا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى أن يتحرك ولم يحدث شيء ذو بالٍ حتى الآن لكن أيوجد أمل؟  خاضت منظمة العفو الدولية العديد من الحملات على مدى سنين وبدا لنا أن الأمل سرابٌ بعيد لكن الأمور عُرضةٌ للتغير ونحن نعيش على مثل تلك الآمال.

ناصر البدري: واحدة من الحملات التي قمتم بها هي عن انتهاكات حقوق الإنسان المتواصلة في بعض دول الخليج العربي، ما هو تقييمكم لوضعية حقوق الإنسان بالتحديد في دول الخليج العربي؟

سليل شاتي: ليس بوسعنا التعميم بطبيعة الحال ففي الخليج العديد من الدول لكن إذا أخذنا السعودية مثلاً وهي أكبر دولة في المنطقة والأكثر غِنىً ونفوذاً فإن سجل حقوق الإنسان فيها محزن، الأردن كذلك رفعت التجميد عن تنفيذ أحكام الإعدام بشنق 11 شخصاً مُداناً، الأردن موضوعٌ فيه مُفارقة لأنه لم يكن ينفذ أحكام الإعدام على مدى 8 سنين وملك للأردن قال بكل فخر في 2005 إن بلاده ستكون أول بلادٍ في الشرق الأوسط لا تعتمد العقوبة القصوى، ولنذكر هنا الإمارات العربية المتحدة حيث تتعرض حرية التعبير لتضييقٍ شديد وفي قطر أنجزنا الكثير من العمل عن العمال المغتربين فدول الخليج ضعيفةُ الكثافة السكانية المحلية وفيها أعدادٌ كبيرة من العمالة المُهاجرة، زرت أماكن إقامة العمال في قطر ظروف العمل مُزرية والمعيشة كذلك الأجور يتأخر دفعها والمنشآت الصحية ضعيفة، أعلنت حكومة قطر في إطار التحضير لكأس العالم أنها ستجري بعض التغييرات ومنذ شهور أصدرنا تقريراً يُقيم ما أنجزوه خلال سنةٍ من إعلانهم تلك الالتزامات، لقد اتخذوا تدابير تحظى بتقديرنا لكنهم للأسف ما يزالون بعيدين جداً عما وعدوا به، دائماً ما أقول للقادة والناس في الإمارات وممالك الخليج إنهم إن لم يتخذوا خطوات استباقية فسيجدون أنفسهم بلا أدنى شك في وضعٍ يُبادر فيه الناس بالتحرك بأنفسهم، إذاً عليهم إجراء إصلاحات استباقية ولديهم من الموارد المالية ما يسمح لهم بفعل ذلك وينبغي عليهم أن لا يتباطئوا أكثر من هذا.

معايير العنف في مواجهة العنف

ناصر البدري: البعض يُبررون ما يقوم به مثلا تنظيم الدولة الإسلامية وغيرها من التنظيمات الأخرى من انتهاكات لحقوق الإنسان على حد وصف الكثير من تقاريركم وما قامت به الولايات المتحدة الأميركية مثلاً في أبو غريب وفي قاعدة باغرام وغيرها على اعتبار أن الولايات المتحدة الأميركية مثلاً ارتكبت خروقات جسيمة في مجال حقوق الإنسان، هل تعتقدون أن هناك مثل هذا الربط ويمكن إيجاد مثل هذا الربط؟

سليل شاتي: لا شك في ذلك ولطالما قلناه وكررناه إن العنف الذي أطلقت له الولايات المتحدة والغرب العنان بعد 11 من سبتمبر 2001 مع الاستهتار التام للمعايير الدولية ذلك العنف فيه الوصفة اللازمة لحدوث كارثة من ذلك التاريخ، ثم أصبح الأمر دورةً يُبرر فيها كل طرفٍ عنفه مُتهماً الطرف الآخر لكن الضحايا هم الناس العاديون وأغلبهم نساء وأطفال ومدنيون أبرياء كل يوم، إن منظمة العفو الدولية هي مؤسسة مستقلة لا صلات لها بالحكومات ولا تقبض أموالاً منها ومن الشركات أو المؤسسات لإجراء أبحاثها وخوض حملاتها، نحن حركةٌ شعبيةٌ نحظى بمساندة أكثر من 7 ملايين شخص يُسهم كل واحد منهم بما استطاع مالياً ويسمح ذلك لمنظمتنا بإنجاز ما تُنجزه، إننا طُلقاء الألسن في الحديث مع الولايات المتحدة وعن تجاوزاتها بقدر ما نستطيع التحدث عن تجاوزات تنظيم الدولة.

ناصر البدري: سيد سليل شاتي شكراً جزيلاً، شكراً جزيلاً لكم Thank you very much indeed for joining us. مشاهدينا الكرام على أمل اللقاء بكم في حلقة أخرى من برنامج لقاء اليوم، هذا ناصر البدري يُحييكم من لندن وإلى اللقاء.