- أوجه الشبه والاختلاف بين الثورة البولندية والثورات العربية
- التباطؤ في محاكمات رموز النظام السابق

- الحركات الإسلامية ودورها السياسي في شمال أفريقيا

- حركة التضامن وامتحان الديمقراطية


أمجد المالكي
ليخ فاوينسا

أمجد المالكي: أعزائي المشاهدين أهلاً وسهلاً بكم في هذا لقاء اليوم الذي نستضيف فيه شخصية محورية في تاريخ بولندا المعاصر، كان الأب الروحي للثورة السلمية التي أطاحت بالحكم الشيوعي في بولندا نهاية الثمانينيات القرن المنصرم ودقت المسمار الأول في نعش الاتحاد السوفيتي بدأ ضيفنا حياته العملية ككهربائي بسيط عام 1970 في مصنع لينين للسفن كما كان يعرف حينها شمالي بولندا، في نفس الفترة تقريباً نظم ضيفنا إضرابات العمال في المصنع والتي قادت إلى مصادمات دامية مع الأمن ذهب ضحيتها العشرات بين قتيل وجريح، عام 1976 طرد من عمله لأنه واصل نشاطاته النقابية وضع تحت الرقابة كما اعتقل مراراً في الرابع عشر من أغسطس في العام 1980 تسلل إلى مصنع السفن الواقع في غدانسك شمال البلاد حيث كان العمال قد بدأوا إضراباً سيستمر أسبوعين وسيفضي في الحادي والثلاثين في الشهر ذاته إلى اتفاق تاريخي مع الحكومة الشيوعية أجاز الاتفاق للعمال تشكيل نقابات لهم ما اعتبر اعترافاً ضمنياً من النظام الشيوعي بفشله في إنصاف العمال، من نتائج الاتفاق أيضاً ميلاد حركة تضامن أو Polish   Solidarity التي يتزعمها ضيفنا والتي كان لها الدور الأبرز في نقل البلاد فيما بعد إلى الديمقراطية، لكن اتفاق أغسطس/ آب لم يصمد طويلاً ففي ديسمبر من عام 1981 فرض الجنرال فويسيتش ياروزلسكي الأحكام العرفية في البلاد، اعتقل ضيفنا والعشرات من قيادات حركة تضامن وأودعوا السجون، منح جائزة نوبل للسلام عام 1983، في عام 1988 وبعد سلسلة إضرابات عمالية اضطرت الحكومة للجلوس مع ضيفنا وأصحابه لتبرم معهم أخيراً عام 1989 اتفاق المائدة المستديرة وهو ما اعتبر الاتفاق التمهيدي للتحول إلى الديمقراطية، عام 1990 انتخب ضيفنا رئيساً لبولندا في أول انتخابات ديمقراطية بعد العهد الشيوعي لكنه لم يحكم سوى لدورة رئاسية واحدة، سيد الرئيس ليخا فاوينسا أهلاً وسهلاً بك، سأبدأ الأسئلة بالحديث عن الربيع العربي بصفتكم عراب الثورة البولندية وعند انطلاق الأحداث في تونس هل توقعتم أن ثورة قد ولدت؟

ليخ فاوينسا: حاولت رصد تلك الثورة وهي تولد ولكنني لم أكن متأكداً تماما من ذلك، حالة الربيع العربي مختلفة في نظري بعض الشيء عن حالة بولندا حيث كان الأمر مختلفاً فقد كان لدينا عدو خارجي بينما أنتم في العالم العربي لديكم مشاكل داخلية ولا يبدو أن لديكم عدواً خارجياً مثلنا، نحن ما زلنا نواجه مشاكل داخلية محلية أيضاً ومن ثم فإنني أراقب عن قرب تطورات الأحداث في العالم العربي فنحن علينا أن نعمل في وقت قريب على تنقية أجوائنا الداخلية خلال المرحلة الثانية من ثورتنا.

أمجد المالكي: كيف كان شعوركم عند انهيار نظام بن علي في تونس؟

ليخ فاوينسا: فيما يتعلق بما يجري في بلدان العالم العربي بشكل عام فقد حدث ما كنت أكدت عليه منذ وقت طويل جداً فقد قلت انه بعد تلاشي الخوف من الشيوعية وعندما ينعدم خوف البلدان من مواجهتها من قبل دول الجوار فإن القوى العمالية ستنتفض بأعداد كبيرة للمطالبة بالعدالة والنزاهة وتكافح من أجل الحصول على فرص متساوية ويؤكد النمو في العالم العربي توقعاتهم وآمالهم.

أمجد المالكي: هل توقعتم أن تتوالى الثورات في عالمنا العربي كما جرى في أوروبا الشرقية نهاية الثمانينات؟

ليخ فاوينسا: نعم، بالتأكيد لقد توقعت ما حدث بالضبط وكنت متأكداً من تطور الأحداث على هذا النحو وأن تستمر تلك التفاعلات في التطور، لقد توقعت كما قلت تواصل عهد الاحتجاجات المطالبة بالعدالة والمساواة وفي مرحلة أولى فإن الأغلبية الممثلة في الطبقات الكادحة ستكون سعيدة بنتائج ذلك الكفاح من أجل العدالة ولكن في المنظور البعيد فإن هذا التوجه وهذه الشعوبية سيقتلان أي مبادرة استثمارية ويدفعان رجال الأعمال والمستثمرين للخشية على رؤوس أموالهم وهذا من شأنه أن يؤثر سلبياً على نظامنا الاقتصادي، ولذلك حاولت شخصياً إقناع رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال باستباق ذلك التطور وفعل شيء تجاه فوراً.

أوجه الشبه والاختلاف بين الثورة البولندية والثورات العربية

أمجد المالكي: أين تكمن في نظركم طريقة التشابه والاختلاف بين الثورة البولندية ونظيراتها العربية؟

ليخ فاوينسا: كما قلت لكم من قبل فطبيعة القضايا التي عانيت منها أنتم هي غياب العدالة والمساواة وانعدام تساوي الفرص المتاحة للجميع وهو ما كنا نعانيه نحن أيضاً لكن ربما زخم تلك المشاكل وحدتها كانت أوضح عندكم وأكثر عنفاً منها في دول العالم، أما في منطقتنا نحن فربما لم تكن مشكلة العدالة واضحة تماماً ولكن على العالم كما قلت أن يعالج هذه المعضلة نحن سنظل نراقب ما يجري لكم ونتابع كيفية تعاطيكم معها وسنعمل على استيعاب الدروس والاستفادة من تجربتكم في مواجهة تلك التحديات ونحن مستمرون في متابعة ثورة حركة التضامن لأنها تهم منطقتنا.

أمجد المالكي: أظن أننا سنتطلع أكثر على التجربة البولندية التي طبعت بسمة التسامح مع العديد من رجالات النظام السابق فهل كان ذلك عن القصد منكم؟

ليخ فاوينسا: بالطبع، فالثورات القديمة وتطورات الأحداث فيها شهدت بالضرورة بعض التفاعلات والأحداث الكبرى التي كان يجب أن تحدث لكن إذا ما تحدثنا عن الماضي ورجعنا إلى جذور المسألة فعلينا أن نكون حذرين جداً عندما يتعلق الأمر بتقديم الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم بحق الشعب خلال حقبة النظام السابق. إذن علينا الحذر الشديد فعندما ندفع بعدونا في وجه الحائط وأضغط عليه بشدة فإن ذلك العدو سيرد الفعل فعلى العكس من ذلك علينا أن نكون حذرين عندما نفعل هذا ومن الأفضل أن نحاول استيعاب أعدائنا الأقل تشدداً من أتباع النظام القديم في رويتنا وجعلهم ينخرطون في عملية التغيير، بالتأكيد علينا في الجهة المقابلة أيضاً أن نقدم كبار المجرمين إلى العدالة وكذلك علينا الحذر هنا أيضاً إذ لا بد من تنظيم حملات دعائية توضح فيها للرأي العام، لماذا أقدمنا على ذلك؟ وكما قلت الحذر مطلوب لاستقطاب سيناريو العداوة لكسبهم في صف الثورة عليما أن نضع في أذهاننا أن النظام السابق بتشريعاته السيئة وتوجهاته الخاطئة هو الذي دفع بهؤلاء إلى إتباع خطواته الضالة وعلينا العمل على تنقية مشروعاتنا من تلك الشوائب لتجنيب أمثال هؤلاء إعادة ارتكاب ما فعلوه سابقاً.

التباطؤ في محاكمات رموز النظام السابق

أمجد المالكي: لماذا برأيكم لا تزال محاكمات رموز النظام السابق معلقة إلى حد اليوم، هل هو بسبب ما ذكرتموه الآن؟

ليخ فاوينسا: أولاً نحن بدأنا هذه المحاكمات وقد كنا في حالة ضعف وما زلنا ضعفاء إلى الآن، فنحن نواصل عملنا في ظل تشريعات ناقصة ولا يجب أن ننسى أن إرساء ديمقراطية صلبة يتطلب وقتاً، بالطبع كان بإمكاننا الإسراع أكثر في هذا الأمر لكن ما كان ذلك ليتم بالشكل الصحيح فإذا أردنا سن قوانين سليمة فإن ذلك يتطلب وقتاً، بالتأكيد أنا لست مرتاحاً ولا يمكنني ذلك عندما يكون أزلام النظام السابق الذين ارتكبوا جرائم ما يزالون طلقاء ولم يقدموا إلى العدالة، ما زلنا نرى بعض أولئك ينعمون بالحرية بدلاً أن يكونوا وراء القضبان، لكن وكما قلت علينا أن نتبع الطريق الصحيح وعلينا أحياناً أن نختار ما هو أقل شراً وكما قلت أيضاً لا يمكننا فعل ذلك بشكل سليم واقتياد أولئك المجرمين إلى العدالة في ظروف قانونية غير سليمة وإذا فعلنا هذا فسنكون متهمين من الغد بأننا خنا مبادئنا وسيوجه لنا النقد، هذا ما حدث ويحدث في هذه الجهة من عالمنا  وهو ما سيحدث إليكم أيضاً.

أمجد المالكي: بعض القوى من بينها شخصيات في حركة التضامن تقول إن الجنرال ياروزلسكي حمى البلاد من حمام الدم كان يتهددها عندما فرض الأحكام العرفية لأن المدرعات الروسية كانت مستعدة لاجتياح البلاد هل تتفقون مع ذلك؟

ليخ فاوينسا: لا نعرف بكل تأكيد تفاصيل حقيقة ما حدث ولا كيف تطورت الأمور كل ما يمكنني قوله هو أنني ما كنت لأتصرف على هذا النحو الذي اتبعه الجنرال ياروزلسكي هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنني الجزم به، لا يجب أن ننسى أن لا أحد في بولندا أو خارجها كان نتوقع أن ننتفض في وجه الشيوعية وأن نسقطها، وبالتالي فهؤلاء الجنرالات الذين هم في طليعة القيادة العسكرية والشرطية من الذين تدربوا في موسكو وعندما كانوا هناك تم إطلاعهم على خرائط لبولندا ورأوا أنها كانت تظهر بطاريات صواريخ وقد تم توجيهها إلى كل المدن البولندية الكبرى تقريباً، وكان بإمكان موسكو وببساطة أن تضغط على زر واحد حتى تدمر كل تلك المدن وقد كان هؤلاء الجنرالات البولنديون واعون بخطورة الوضع كما كانوا واعين أيضاً بأن كبسة زر في موسكو كانت كفيلة بأن تمسح من على وجه الأرض ثلثي بولندا وكانوا يعتقدون على غرار الكثيرين في العالم بأنه لا يمكن إسقاط الشيوعية، إذن فكل الأخصائيين العسكريين وقادة النخبة كانوا واعين بذلك الأمر بينما كنا نحن الثوريين من غير المختصين نتحدى وتحركنا مع جهلنا بذلك الأمر وكان يمكن أن ننجح كما كان بالإمكان أن نفشل وقد نجحنا، وكما ترى فإنه من الصعب الآن أن أقول كيف علينا أن نحكم على أولئك الناس الذين كانوا على علم بحقائق الأمور وكانوا خائفين من أن يتسببوا في حمام دم لبلدهم، أنا شخصياً أشعر بالارتياح والسرور لأنني وببساطة قد فزت، وأترك الحكم على أولئك الأشخاص للمؤسسات المختصة مثل المحاكم وبالطبع لله، إذا أردت دليلاً أوضح على ذلك فقد كانت هناك بعثة رسمية ترأسها المستشار كول والسكرتير غينشر في بولندا، في تلك المناسبة عندما زارت تلك البعثة بلادنا لم أكن رئيس بولندا حينها ولكنني اجتمعت بهم وسألتهم ما إذا كانوا مستعدين لرؤية جدار برلين يسقط وبإمكانك التثبت من روايتي هذه والتي وردت في كتب بولندية وألمانية عديدة، وقد أجابني غينشر أنها ستكون ثمة أشجار عالية قد نبتت على قبورنا عندما يحدث ذلك بعدها بقليل كان على تلك البعثة أن تقطع زيارتها وتعود على عجل إلى ألمانيا لأنه في تلك الليلة كان جدار برلين يدك فعلاً بهذا نوضح لكم أن أعضاء البعثة كانوا من المختصين وسياسيين أكفاء ومع ذلك لم يتمكنوا من توقع الأحداث، هل علينا وضعهم في السجن لأنهم لم يكونوا مستعدين لذلك! فقط أريد أن أقول إن الوضع كان صعباً جداً ومعقداً للغاية، السيد غينشر هو أحد أفضل المثقفين وأحد ألمع السياسيين في ذلك الوقت ومع أنه كان مختصاً إلا أنه لم يتوقع مآلات الأحداث، الهواة أخذوا المبادرة ونجحوا.

الحركات الإسلامية ودورها السياسي في شمال أفريقيا

أمجد المالكي: العامل الديني كان واضح الحضور في الثورة البولندية وقد لعب البابا السابق يوحنا بولص الثاني دوراً بارزاً وأعطى دفعاً قوياً لحركتكم في الجهة المقابلة هل لديكم بعض الخشية من بروز الدور السياسي للحركات الإسلامية في شمال إفريقيا؟

ليخ فاوينسا: كان لدي تعليق طويل هنا عندما قمت بزيارة إلى شمال إفريقيا حاولت أن أحذر الناس هناك من ارتكاب نفس الأخطاء التي ارتكبناها نحن هنا وفي أوروبا والعالم، حذرته من ضرورة عدم الخلط بين الدين والسياسية لقد ارتكبنا نحن هذا الخطأ في أوروبا والآن لدينا كنائس خاوية من المصلين، على العكس من ذلك فإنه على رجال الدين ورجال السياسة العمل وفقاً لنفس المبادئ لكن عليهم الاهتمام بتحقيق أهداف مختلفة، فالكنائس عليها مساعدتنا في تحقيق مصلحتنا وسعادتنا في الآخرة، بينما على الساسة العمل على تحقيق ذلك لنا في الدنيا، الآن هذان الأمران لا بد من التفريق بينهما وعدم خلطهما، أما بالنسبة للبابا يوحنا بولص الثاني فدعني أوضح الأمر بالتأكيد لقد لعب البابا دوراً مهماً لكنه لم يكن يدعو لثورة كالتي حدثت ومساهمته كانت كالآتي: النظام الشيوعي كان يتبع إستراتيجيةً وفلسفةً بسيطة، وهي انه ما كان يسمح للمعارضة بالالتقاء أو التنظم، وإذا ما حدث هذا فهم سيمنعون تلك التجمعات والمظاهرات، وفي نفس الوقت يقومون بتنظيم مظاهرات مضادة ليظهروا كما حدث في اليوم الأول من مايو وهو عيد الشغل إنهم هنا الأكثرية، لكن عندما زارنا البابا فقد جمعنا وسمح لنا بالالتقاء فيما بيننا جمعنا للصلاة وليس للثورة ولكنه وفر لنا الفرصة لننظر حولنا وندرك ضخامة حجمنا، وكانت هذه مساعدة كبيرة من جانبه، البابا لم يكن منخرطاً في الثورة ولكن بدون مساعدته تلك ما كان لنا أن نلتقي وأن نتوحد ولكان النظام السابق سيظل قائماً لوقت أطول بكثير، ولكانت نهايته قد تأخرت أكثر فأكثر وكذلك حمامات الدم.

أمجد المالكي: بعض الناس قبل قيام الثورة البولندية كانوا يعتقدون أن قيام ديمقراطية كاثوليكية أمر غير ممكن لكنكم حققتموه هل تظنون أن قيام ديمقراطية إسلامية أمر ممكن؟

ليخ فاوينسا: إذا لم تظهر قوى أخرى لتقود العملية الديمقراطية فإنه من المؤكد أن القوى الإسلامية المنظمة ستفعل ذلك، لكني أظن أن الإسلام تماماً كغيره من الديانات يجب أن يخدم الناس كمؤسسة دينية، أما العلمانيون والسياسيون فهم من تقع عليهم مسؤولية العمل على هذه الأرض، لا يجب أن تكون ثمة صراعات بين الدين والسياسية أو أن يلعب أحدهما دور الآخر، على الدين أن لا يحشر نفسه في حل المعضلات الاقتصادية مثلاً، الدين مفهوم أوسع من السياسة والاقتصاد ولا يجب عليه أن يدخل في هذه المسائل لأن ذلك سيكون في غير صالح الدين والسياسة معاً، وبالتالي لا يمكن حرمان الناس من الدين لأنه في حال إقحام الدين في السياسة فإن الدين سيفقد نصاعته ونقاءه في علاقته بالاقتصاد والحكم ولن يكون بعد ذلك في مقدرة الناس أن يعتنقوه، إذن دعنا نحافظ عليه من أجل الناس إن المشاكل التي تواجهها أوروبا اليوم مع ما يحدث في اليونان والدول الأخرى ناجمة تحديداً بسبب أننا حرمنا الشعوب من القيم، الدين تشوه بسبب اختلاطه بالسياسة وبالتالي فإن الناس لا يملكون أسساً دينية قوية لمستقبلهم، هذه هي دواعي قلقي كما أنني قلق على مستقبل أوروبا، لذلك فأنا أحذركم مرة أخرى هنا من الوقوع في نفس تلك الأخطاء التي وقعت فيها أوروبا من قبل.

أمجد المالكي: في أية لحظة من ثورتكم تأكدتم أن النظام الشيوعي آيل إلى السقوط؟

ليخ فاوينسا: لم أؤمن قط أن للنظام الشيوعي أسساً تجعله يستمر في الوجود، لقد كان وجوده بفضل قوة البوليس والمليشيات والمخابرات السرية لكنه لم يكن قابلاً للصمود على المستوى البعيد لأنه كان غير فعال وغير صالح، أولاً: بالطبع كان هناك فقر مدقع في المنطقة وكان يبدو أن أسلوب النظام الشيوعي في مكافحة الفقر ناجع، لكن مع تطور النمو كان يتضح شيئاً فشيئاً أن ذلك النظام غير قادر على الاستمرار، دعني أكون أكثر وضوحاً فالنظام الرأسمالي ليس هو الخيار الأفضل، لكننا لم نجد طريقاً ثالثة أو أني لم أره بعد.

حركة التضامن وامتحان الديمقراطية

أمجد المالكي: حركة التضامن كانت فعالة في إلغاء الشيوعية لكنها لم تعرف النجاح ذاته خلال فترة حكمها برأيكم لماذا فشلتم في امتحان الديمقراطية؟

ليخ فاوينسا: لأنه وبكل بساطة ما كان يجب لحركة تضامن أن تحكم البلاد لقد أردنا أن نتجنب الأخطاء التي وقع فيها لينين وستالين وكاسترو وكيمسن عندما حلوا هم محل مؤسسات الحكم فكانوا ديكتاتوريين نحن لم نرد أن نكرر نفس الخطأ مع حركة تضامن، ربما كان على الشيوعية كأيديولوجية أن تضع الضابط لهذا العالم وأن تمارس ضغطها على الرأسمالية لتؤدي حقوق العمال ولكن لم يكن لها أن تقبض على مقاليد الحكم وهذا هو عين ما حدث ففشلت، والأمر نفسه يصح على حركة تضامن عندما استلمت الحكم ففشلت بدورها وقد كنت معارضاً لذلك، حركة تضامن وأنا شخصياً وضعنا نصب أعيننا مقارعة الشيوعية وإنهائها ومن ثم تسليم الديمقراطية للشعب والمؤسسات، تلك كانت مهمتي وقد أنجزتها، في تلك المرحلة رأيت أنه  علينا إنزال أعلام حركة تضامن وطيها حتى لا تتسخ بأدران السياسة لكنهم للأسف لم يستمعوا إلي.

أمجد المالكي: سؤالي الأخير لكم سيدي الرئيس بعض رجال الأقوياء الذين كانوا في النظام الشيوعي وجدوا مواقع مرموقة لهم في المجتمع البولندي وجمعوا ثروات طائلة، ما هو شعوركم إزاء ذلك؟

ليخ فاوينسا: أنا أنظر إلى الناس على أنهم صنفان عمليون وجامدون، العمليون هم يتحركون بقطع النظر عن اللون الذين يحملونه ويعملون تحته ولكن هناك أغلبية جامدة تمثل حوالي 90% من الناس لا يعملون شيئاً، لكنهم دائماً ما يشتكون ولا ينخرطون في أية تحركات، عندما نتحدث عن الشيوعية أو الاشتراكية وهو مصطلح واسع يمكننا أن نقسمها إلى أربعة أنواع، الأولى: هي السوفيتية والثانية هي الغربية والتي هي مختلفة تماماً عن الأولى وهناك اشتراكية تسعى فقط إلى السلطة وأنصارها يرفعون شعارات رنانة وهناك أخيراً اشتراكيون عندما يصلون إلى الحكم فإنهم يفشلون ويخسرون مواقعهم، فإذا قمت بهذا التمييز بين الاشتراكيات فستكون أكثر وضوحاً لأن بعض الناس قد يقولون انظروا إلى الاشتراكية الغربية فهي لم تكن بذلك السوء، وعندها سننسى الاشتراكيات الأخرى ولدي ملاحظة أخرى فالاشتراكية الشيوعية لم تطبق في أي بلد على الإطلاق، في حين أن الرأسمالية وبقطع النظر عن كمالها من عدمه فقد أظهرت أنها فعالة في أكثر من بلد.

أمجد المالكي: إذن سيدي الرئيس شكراً جزيلاً لك على هذا اللقاء، إلى هنا سيداتي وسادتي نأتي إلى نهاية لقاء اليوم شكراً لحسن المتابعة وإلى اللقاء.