- أبعاد الخلاف والمفاوضات الدائرة حوله
- مسار الاتفاقية الجديدة والبعد الدولي لقضية مياه النيل


 
محمد تولا
أسفاو دينغامو

أبعاد الخلاف
والمفاوضات الدائرة حوله

محمد تولا: مشاهدينا الكرام أهلا بكم إلى هذه الحلقة من هذا البرنامج، ضيفنا اليوم هو وزير الموارد المائية الإثيوبي السيد أسفاو دينغامو. أهلا بك سعادة الوزير، ما هي اعتراضاتكم على اتفاقية عام 1929 التي وقعت مع مصر بين مصر والاستعمار البريطاني؟ وما هي اعتراضات دول المنبع على هذه الاتفاقية؟

أسفاو دينغامو: أولا إن اتفاقية 1929 وقعت بين حكومة مصر المستقلة حديثا وبين الحكومة البريطانية نيابة عن مستعمراتها في الشرق الإفريقي بما في ذلك السودان وكينيا وأوغندا وتنزانيا وفي هذه الاتفاقية أعطيت مصر حق النقض لمنع بناء السدود بما يغير تدفق المياه ولم يكن هذا عادلا، ثانيا وقعت هذه الاتفاقية دون تفاوض من قبل بريطانيا نيابة عن هذه المستعمرات وبعد الاستقلال رفضت جميع هذه الدول هذه الاتفاقية غير العادلة. فيما يخص إثيوبيا لم تكن جزءا من تلك الاتفاقية لأنها لم تكن مستعمرة من قبل أحد وبعدما وقعت بريطانيا ومصر تلك الاتفاقية لم تستشر إثيوبيا.

محمد تولا: ما الذي تطلبه إثيوبيا ودول منبع النيل؟

أسفاو دينغامو: أولا لقد تغيرت الظروف في الوقت الحالي ، هناك الضغط السكاني والتغير المناخي الذي يؤثر على بلدانها ولم تعد الزراعة المعتمدة على المطر مصدرا للأمن الغذائي في هذه البلدان وفي هذه الحالة تحتاج هذه الدول إلى تنمية ثرواتها المائية للاستخدامات الزراعية وهذه الدول بدأت تنمو اقتصاديا ومدنيا وهناك حاجة ماسة للطاقة لذا فنحن بحاجة لتنمية مصادرنا لتوليد الطاقة الكهرمائية وهناك قضية الإدارة فهذه الثروات المائية تمر في بلداننا وهذه الدول بحاجة إلى تنميتها عندما تريد دون أن يمنعها أحد بالاعتماد على مبدأ الربح لجميع الأطراف ، إن الوضع الحالي ليس كما كنا نتصوره ولتنمية دول المنبع فإننا بحاجة إلى تمويل دولي وهو ما تعترض عليه دول المصب.

محمد تولا: فيما يتعلق بالمشاريع التي أقامتها أو تقيمها إثيوبيا ما هي هذه المشاريع وكم عددها وهل تتوقعون أنها ستؤثر على حصة مصر أو السودان في منسوب المياه؟

أسفاو دينغامو: أطلقنا مبادرة دول حوض النيل لتطوير المشاريع على مبدأ أن يكسب الجميع دون التأثير على دول المصب وكان مما قمنا به إحصاء الأنهار وكانت هناك دراسة أولية شاملة قامت بها مؤسسة استشارية دولية مشهورة وكان هناك دراسات لمشاريع متعددة الأغراض على المستوى الإقليمي وخاصة بين دول حوض النيل الشرقية وكل هذه الدراسات أثبتت أن هناك عددا كبيرا من المشاريع التنموية التي يستفيد منها سكان النيل وخاصة في مجال الطاقة الكهرمائية، هذه الدراسات أثبتت أنه فيما لو تم إنشاء سدود عالية في الوديان السحيقة في إثيوبيا فإن الاستفادة الاقتصادية بالنسبة للسودان ومصر ستكون ضخمة وقد أوضحت مؤشرات الجدوى الاقتصادية أن السودان سيستفيد كثيرا من هذه المشاريع الإقليمية، هذه المشاريع تقام في إثيوبيا بسبب الطبيعة الجغرافية وعليه أجرينا دراسات جدوى لإقامة مشاريع كهرمائية وأثبتت أنه يمكن توليد نحو ستة آلاف ميغاواط من الطاقة الكهربائية من النيل، كما يمكن توليد طاقة ضخمة من أنهر مثل تاكازي وباراكوب وفيما لو تم توصيل شبكة توزيع لشرق وشمال إفريقيا فإن ذلك سيكون في الحقيقة مرتكزا للتنمية.

محمد تولا: يقول عدد من المختصين من بينهم الدكتور رشدي السعيد إن مياه النيل هي مياه كبيرة الحجم جدا ويرى أن هناك مشكلة إدارة ربما وليست مشكلة سياسية، حاليا أن المشكلة الموجودة هي مشكلة سياسية ولكن مشكلة الإدارة أن كثيرا من المياه تتبخر في الهواء وبعضها ينشط قريبا من جنوب السودان وفي هذه المناطق، فهل هذه المشكلة الحالية هي مشكلة سياسية وهل هناك مشكلة إدارة لهذه المياه؟

أسفاو دينغامو: لا أعتقد، قد تكون كذلك لمن يعتقدون أنها مشكلة سياسية وقد أوضحنا للإخوة المصريين إحدى المسائل الأساسية هنا وهي الجلوس معا لحل الخلافات على أساس مبدأ الربح للجميع. إن هناك إمكانيات ضخمة في الإقليم ولأخبرك بصراحة فإن الدراسة التي أجريناها بعد أن أظهرت الإمكانيات الضخمة اختتمت بالاستنتاج التالي : استغلوها أو افقدوها، فإذا لم نتعاون ونعمل سويا وسرنا في التنمية بشكل أحادي فإننا سنفقد ما كان يمكننا استغلاله. إذاً هناك البعض في مصر وبعض الكتاب في المجلات الدولية يقولون إنها مشكلة سياسية ، إنها ليست مشكلة سياسية ، نحن بحاجة إلى إرادة للعمل سويا ولا أرى مخرجا غير ذلك لأنني لا أستطيع أن أترك شعبي يموت هنا دون الحصول على كأس ماء للشرب أو الغذاء، إن 85% من مياه إثيوبيا أي المياه التي يدعي الآخرون ملكيتها حاليا ترفد نهر النيل ويعيش في تلك المنطقة فقط ما بين 32 إلى 40% من سكان هذا البلد وحتى الآن تواجه إثيوبيا أوقاتا صعبة في المناطق التي تندر فيها المياه وهذه الحقيقة لم يتفهمها البعض في مصر والسودان، يدعون أن إثيوبيا لديها الكثير من الأنهار ولكن كل أنظمة الأنهر لدينا مرتبطة بنهر النيل وهي ثروة لهذا البلد ومن حق الناس الاستفادة منها، ويجب ألا يرتبط استخدام هذا الحق بوجود مشكلة سياسية ولكن ربما هو نقص الإرادة لحل هذه المشكلة عبر النقاش بطريقة ودية لدى الأطراف الأخرى والدول التي هي في ناد واحد ولذلك نقول لنجلس معا ولنحل هذه المشكلة . فيما يتعلق بنقاشنا حول نهر النيل والاتفاق الأخير أقول كيف يعقل أن يعتقد إخوتنا الذين ناقشوا واتفقوا دون الرجوع إلى الحكومات الشرعية التي كانت تحت الاستعمار؟ هذا ليس عدلا كما أنه ليس من العدل أن توضع إثيوبيا التي تساهم بنحو 85% من مياه نهر النيل أن توضع جانبا ، ويقال إنكم لا تستطيعون أن تستخدموا هذا أو ذاك بدون رضانا، من يستطيع أن يملي علي في منزلي أن استخدم هذا أو ذاك؟ إنه حقي الشرعي أن أتحكم فيما في فنائي الخلفي وهذا هو ما نقوله. على أية حال هؤلاء هم أصدقاؤنا وإخوتنا إننا نقول لهم إنها ليست مشكلة سياسية والمطلوب أن تكون هناك إرادة تعاون مشتركة وتفكير وعمل جماعي شجاع لتعظيم الاستفادة مما لدينا من موارد.

مسار الاتفاقية الجديدة والبعد الدولي لقضية مياه النيل

محمد تولا: هلا تحدثنا عن الاتفاقية الجديدة، الاتفاقية الإطارية التي وقعت في 14 مايو، هلا تحدثنا عنها وعن الدول التي حضرت، هناك دول حضرت ولم توقع وهناك دول لم تحضر مثل مصر والسودان، هلا تحدثنا عنها وما هي مشكلة مصر مع هذه الاتفاقية؟

أسفاو دينغامو: إن اتفاقية التعاون الإطارية الجديدة انطلقت للمفاوضات عام 1999 وكنا نتفاوض منذ ذلك التاريخ، وهي وثيقة إطارية جيدة تتضمن 39 مادة و66 مادة فرعية وقد اتفقنا على 65 مادة فرعية منها لكن هناك فقط مادة فرعية واحدة تتعلق بالأمن المائي وهي المادة 14ب وفي ذلك اتفقت الدول السبع على صيغة تقول بعدم التسبب بأضرار معتبرة لأي دولة من دول النيل لكن أصدقاءنا من السودان ومصر أرادوا أن تكون الصيغة الحرفية للمادة ألا يكون هناك تأثير بشكل عكسي على الاستخدامات والحقوق المتعلقة بالأمن المائي لأي من بلاد حوض النيل وهنا كان الاختلاف بيننا ، إذاً أي استخداما وأي حقوق؟ وكأنك تنهى عن لمس أو النظر إلى ذلك النهر! وكانت تلك نقطة الخلاف بيننا لأننا كنا جميعا متفقين على مبدأ دولي ينص على استخدام عادل ومعقول لمياه النيل كما أن هناك جزءا ملزما وهو المادة الخامسة التي تنص على عدم التسبب بضرر معتبر لدول المصب ، إذاً اتفق كلانا على ذلك وليست هناك طريقة أخرى سوى الاتفاق على هذه الصيغة المتعلقة بالأمن المائي لأنني لا أرغب في أن تتأثر حاجتي لأمني المائي كما أنني لا أريد أن يتأثر الأمن المائي لأصدقائي في دول المصب وهذا وضع يربح فيه جميع الأطراف وذلك ما ظللنا نتحدث إليهم بشأنه أن يأتوا ويوقعوا تلك الاتفاقية وفي النهاية لم نتمكن من الوصول إلى الاتفاق على أساس الإجماع فاتجهنا إلى التصويت لأن الأمر وصل إلى طريق مسدود، لا يمكن أن تتفاوض حول نفس القضية لسنين بين الفينة والأخرى ولذلك صوتنا وقبلت سبع دول الصيغة الأولى ودولتان الصيغة الثانية وبعد ذلك حاولنا أيضا أن نلين الأمر معهم ولم يكن ذلك ممكنا فبدؤوا يطرحون المواد المتفق عليها مسبقا فقلنا لهم مبدئيا إنكم لا تتفاوضون بثقة معنا ولو كنتم كذلك لما استدعيتم المواد المتفق عليها في السابق فكانت تلك منطقة الخلاف بيننا.

محمد تولا: كان هناك اجتماع عقد بين الرئاسة المصرية وبين الرئيس الكونغولي وبين الرئيس الكيني أيضا حول مياه النيل وكان هذا الاجتماع قريبا، نريد تعليقكم على هذا الاجتماع وهل تتوقعون أن مصر قد تقنع بعض الدول بالتراجع عن هذه الاتفاقية؟

أسفاو دينغامو: كينيا وقعت على ذلك الاتفاق وقد قررت سبع دول من حوض النيل المضي قدما ، في الصيغة النهائية للاتفاقية قررنا إرفاق ملحق بالقضايا التي لم تحل وذلك يعني عدم استثناء أحد فقد وافقنا على 99% من المكتوب إذاً ليست هناك أي طريقة أخرى غير التوقيع على الاتفاقية وهذا هو الخيار الذي اتخذناه أما الكونغو فهي إحدى الدول السبع التي وافقت على أن تكون جزءا من الدول الموقعة، إن 14 مايو يوم توقيع الاتفاقية لم يكون موعدا نهائيا بل هو البداية والموعد النهائي بعد عام ولذلك فإن التوقيع على الاتفاقية أمر مفتوح وأملي أن توقع الدولتان الباقيتان على الاتفاقية قريبا كما أننا لا زلنا نحث دولتي المصب مصر والسودان على التوقيع لأنه لا يوجد أي أذى أو خطر عليهم من توقيع هذه الاتفاقية لأنها وثيقة متفاوض عليها يربح فيها الجميع.

محمد تولا: من سيمول مشاريعكم على مياه النيل؟ نعرف أن البنك الدولي لا يمول المشروعات التي فيها هذا النوع من الجدل فهل لديكم تمويل من جهات مختلفة أم أنكم تمولون هذه المشاريع بأنفسكم، وهل لديكم القدرة على تمويل هذه المشاريع؟

أسفاو دينغامو: نعرف أن البنك الدولي لديه سياسات تتعلق باستخدام المياه الدولية لأغراض محلية وبالاعتراض على مشاريع من هذا النوع ولذلك ما زالت مصر تعترض على كافة هذه المشاريع ليس فقط مشاريع توليد الكهرباء والري ولكن حتى مشاريع توفير المياه كانت مركز اعتراض ولذلك فقد تركنا البنك الدولي وبدأنا تمويل المشاريع بأنفسنا لأننا لا نريد أن يموت شعبنا بسبب العطش والجوع ونحن ننمي ذلك بأموالنا ، بالطبع إذا كان هناك مساعدة من قبل المانحين فنحن نرحب بهم.

محمد تولا: كما نعرف أن النيل هو نهر دولي يتعدى حدود بلاد المنبع فهل الاعتراضات التي قدمتموها أو الاتفاقية التي وقعتموها تأتي في إطار القانون الدولي في التعامل مع الموارد المائية؟

أسفاو دينغامو: نعم نعلم ذلك، إن الاتفاقية التعاونية الإطارية تستند إلى المبادئ الدولية على الرغم من عدم تصديقها على مستوى دولي ولكن معاهدة عام 1997 الدولية المتعلقة باستخدمات المياه ومبادئ استخدامها دون التسبب بأضرار معتبرة وللاستخدام العادل والمنطقي للمياه الدولية موجودة في إطار اتفاقيتنا ، يجدر ذكر أن معظم أنهارنا تتعدى حدودنا ونعلم أن الاستفادة منها تخضع للقوانين الدولية وهذه القوانين لا تعارض استخدام المياه داخل أراضينا فهي من مواردنا الطبيعية وحين نستفيد منها فإننا نستخدمها ضمن تلك القوانين الدولية دون التسبب بأضرار معتبرة، هذا ما نقوم به ليس فقط فيما يخص نهر النيل وإنما الأنهار الأخرى أيضا التي تتجاوز حدودنا.

محمد تولا: وزير الموارد المائية السيد أسفاو دينغامو أشكركم على هذا اللقاء كما أشكركم مشاهدينا على هذه المتابعة وإلى اللقاء.