- خلفيات التصويت وجوانبه القانونية
- تأثير نتيجة الاستفتاء على العلاقات السياسية والاقتصادية لسويسرا

خلفيات التصويت وجوانبه القانونية

 خديجة بن قنة
 ميشلين كالميراي
خديجة بن قنة
: مشاهدينا أهلا وسهلا بكم إلى لقاء اليوم الذي نستضيف فيه اليوم وزيرة الخارجية السويسرية السيدة ميشلين كالميراي للحديث عن الاستفتاء حول منع المآذن في سويسرا والذي صوت عليه الشعب السويسري بأغلبية 57%، سيدة ميشلين كالميراي أهلا وسهلا بك إلى لقاء اليوم، قبل سنة بالضبط التقيتك في الدوحة وسألتك إن كان الشعب السويسري سيصوت بالإيجاب على مبادرة منع المآذن في سويسرا، كان جوابك أنا على ثقة تامة بأن الشعب السويسري لن يصوت على هذه المبادرة لأنه ناضج وعاقل سياسيا، هل فاجأك الشعب السويسري؟ هل صدمك؟ خذلك؟

ميشلين كالميراي: بالفعل لقد فوجئت بالنتيجة، أعتقد أننا لم نعر الاهتمام الكافي للمخاوف التي تعيشها سويسرا، وكما تعلمون فإن هذا البلد متطور، ما حصل مرتبط بآثار العولمة لقد أحس الناس بذلك وتملكهم الخوف من أن يفقدوا وظائفهم، لقد عشنا أيضا مسألة أخرى وهي الأزمة مع ليبيا التي تحتجز اثنين من الرعايا السويسريين منذ ما يزيد عن 16 شهرا ولعل هذا أيضا قد أثر على نتيجة الاستفتاء.

خديجة بن قنة: أفهم سيدة كالميراي أن لديكم مشكلة مع ليبيا ولكن السويسريين في هذا الاستفتاء لم يعاقبوا ليبيا بل عاقبوا المسلمين في سويسرا والمسلمين في العالم.

ميشلين كالميراي: أعتقد أن ذلك يرتبط بالأساس بالصورة المنقولة عن الإسلام فما تعرضه الفضائيات عن الدين الإسلامي يقتصر على التفجيرات وأشياء أخرى في غاية الصعوبة، وكل ذلك المنقول إلينا يرتبط بإسلام متطرف، وفي بعض المحافظات السويسرية ذات الأغلبية المسلمة صوت الناخبون ضد المبادرة والدعوة لوقف بناء المآذن مما يعني وجود تعاط وتبادل في وجهات النظر مع الجالية المسلمة ولم يكن الاستفتاء يستهدف الجالية المسلمة في سويسرا التي يبلغ عدد أفرادها نحو أربعمائة شخص بعضهم مواطنون سويسريون مندمجون في المجتمع السويسري كما أن التصويت لم يكن عقابيا بقدر ما شكل رسالة موجهة إلى الحكومة السويسرية، وقد أظهرت الحكومة السويسرية من جهتها التزامها بعدم اقصاء الجالية المسلمة أو تهميشها، وكما أسلفت فإن أفراد هذه الجالية مندمجون في المجتمع ويؤدون صلواتهم في المساجد، وللتذكير فإننا لم نمنع تشييد المساجد ولم نحرم مسلمي سويسرا من العبادة فهؤلاء يعيشون بيننا حياة طبيعية.

خديجة بن قنة: المنع بالطبع لا يطال المساجد ولكنه يطال المآذن، لكن كم مئذنة لديكم في سويسرا كلها؟

ميشلين كالميراي: لدينا نحو أربعة.

خديجة بن قنة: أربعة مآذن لكم من المسلمين؟

ميشلين كالميراي: ما بين 350 ألفا إلى 400 ألف مسلم.

خديجة بن قنة: إذاً عدد هذه المآذن قليل جدا، أربع مآذن لحوالي نصف مليون مسلم هذا قليل جدا.

ميشلين كالميراي: هناك أربع مآذن وهناك مائتا مسجد ومحل عبادة عبر أرجاء سويسرا كما أننا رخصنا ببناء مساجد جديدة.

خديجة بن قنة: لكن سيدة ميشلين كالميراي هذا الاستفتاء يعتبر خرقا فاضحا للقوانين الأساسية لحقوق الإنسان، للقانون الدولي، للميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان وسويسرا دولة موقعة على هذا الميثاق، أنا أتساءل كيف لسويسرا أن توقع على مواثيق لا تحترم تطبيقها؟

ميشلين كالميراي: هذا ليس مسا بالحقوق الدينية ما دام المسلمون يواصلون أداء الصلوات وقد يكون ذلك تمييزا ضد ديانة يتعامل معها بخصوصية أكثر من بقية الديانات. أتفق معك حين تقولين إن ذلك مناف للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وأنت تعلمين أن لدينا في سويسرا دستورا قابلا للإثراء والتعديل عبر إخضاعه لتصويت شعبي وهذا أمر في منتهى السهولة، وهذا الأمر يتوقف على مدى المطابقة والتطابق مع قواعد القانون الدولي الملزمة كما أن كل القوانين الدولية تخلو من قواعد معنية بحماية الحقوق التي تتضمنها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وحقيقي أيضا أنه في حال الطعن يمكن لمحكمة حقوق الإنسان في ستراسبورغ أن تبين مخالفة تلك القرارات الناتجة عن تصويت شعبي وعدم مطابقتها للاتفاقية الأوروبية.

خديجة بن قنة: لكن أنت تعلمين أن هذه النتيجة، نتيجة هذا الاستفتاء تم الطعن فيها لدى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، لماذا لا يعاد النظر داخل سويسرا بين السويسريين لتصليح ما قاموا به قبل أن تبت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في هذا الطعن؟

ميشلين كالميراي: لهذا السبب عارض كل من البرلمان والحكومة السويسريين المبادرة بل وأوصيا بعدم التصويت لصالحها مما أفرز نقاشا عاما تشهده سويسرا حاليا ويطرح سؤالا واضحا هو هل نسمح بتصويت شعبي على مبادرات يتضح فيما بعد أنها معارضة لقواعد القانون الدولي ويستحيل دخولها مجال التطبيق؟ كما أن نقاشا هاما يجري اليوم في سويسرا حول مطابقة أسباب الإلغاء مع كل المواثيق التي وقعت علهيا سويسرا في السابق وتتعلق تحديدا بالحقوق الأساسية وهو نقاش يستمر في الظرف الراهن.

خديجة بن قنة: البرلمان لم يتحل بالشجاعة الكافية ليقول هذه المبادرة تشكل خرقا لحقوق الإنسان وللدستور السويسري نفسه، هل هو نقص في الشجاعة؟ هل هو برأيك ثقة زائدة عن اللزوم في الشعب السويسري الذي تصفونه دائما بالناضج وبالعاقل سياسيا؟ لماذا البرلمان السويسري لم يتحرك منذ البداية ليجهض هذه المبادرة؟

ميشلين كالميراي: لقد دعا البرلمان والحكومة السويسريان إلى التصويت السلبي على تلك المبادرة للأسباب التي أسلفتها ومنها عدم مطابقة النتيجة للوضع الدولي وتعلمين أن لدينا في سويسرا أفضل نظام ديمقراطي تشاركي من خلاله يتمتع المواطنون بقدرة التأثير في كافة القرارات التي تمس حياتهم، لكننا نقف في النهاية عاجزين أمام حقيقة مفادها أن كل ما يمسه حياة الناس يقرر خارج حدودنا ولهذا السبب أيضا ينبغي أن نضع في الاعتبار خلال تقويم نتيجة الاستفتاء المخاوف المرتبطة بالوضع القائم وهي مخاوف ترجمت عبر سلوك انعزالي ليس فقط داخل سويسرا ولكن أيضا خارجها، لقد أصبحت بعض الدول تشدد من إجراءاتها الحمائية التي يلخصها قول البعض علينا أن نترك جانبا كل ما يأتي من الخارج وعلينا أن نقبع في بيوتنا ونرفض كل ما نجهله، نعم هذا نموذج لسلوك سائد.

خديجة بن قنة: أفهم سيدة ميشلين كالميراي دفاعك عن هذه المبادرة على أنها نابعة من إرادة الشعب ولكن عندما يمس نظام الديمقراطية المباشرة في سويسرا بالحقوق الأساسية للناس ألا يكون من الأجدر بسويسرا وبالسويسريين مراجعة هذا النظام الديمقراطي، مراجعة وإعادة النظر في النظام الديمقراطي مباشرة؟

ميشلين كالميراي: أعتقد أنه ينبغي الحفاظ على الديمقراطية فهي بطبيعتها قيمة من القيم يتمسك بها السويسريون والسويسريات إذ أن من مميزات الديمقراطية سماحها بإطلاق النقاش العام ولعلك تسألين هنا عن مسألة المطابقة بين ضوابط ومقاييس حماية الإنسان والحريات العامة ومرة أخرى أؤكد أن هذا المستوى من النقاش موجود حاليا في سويسرا، فعقب التصويت في الاستفتاء الأخير طرح السؤال حول جدوى تنظيم استفتاء لا تطبق نتائجه على أرض الواقع بسبب عدم مطابقتها للقانون الدولي وعلى سبيل المثال إذا ما توصلت محكمة حقوق الإنسان بستراسبورغ بنقض أو شكوى حول مسألة المطابقة هذه فمن المحتمل جدا أن تحكم بعدم المطابقة، أي مطابقة القاعدة الدستورية المستفتى حولها للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وبطبيعة الحال فإن النتيجة الحتمية ستكون رفض تطبيق نتيجة الاستفتاء.

خديجة بن قنة: طبعا حتى يفهم المشاهد العربي نظام الديمقراطية المباشرة يجب أن نقول إن نظام الديمقراطية المباشرة يسمح لمواطنين عاديين جدا أن يغيروا قوانين، أن يلغوا قوانين عبر استفتاءات، ما العمل سيدة كالميراي إذا كانت هذه الاستفتاءات تتعارض بشكل كامل مع الحقوق الأساسية للمواطنين؟ هل يجوز مثلا الاستفتاء حول طرد الأجانب من سويسرا؟ حول منع ارتداء الحجاب في سويسرا؟ أو منع المقابر للمسلمين في سويسرا؟

ميشلين كالميراي: بوسع المواطنين السويسريين أن يقدموا على العكس بمعنى يمكنهم اقتراح سن قوانين تدعو إلى مزيد من التسامح، أعتقد أن النقاش العام هو في غاية الأهمية ويتلخص المشكل في التفسير المقيد نسبيا لإلغاء كل دعوة أو مبادرة شعبية ترتبط بمسألة المطابقة لنصوص قوانين ملزمة، مما يعني وبكلمات أخرى استحالة المصادقة على أية مبادرة شعبية إلا في الحالات القصوى كأن تعني تلك المبادرة تطهيرا عرقيا أو ممارسة التعذيب، وضمن هذا النقاش يتم بحث إمكانية توسيع الحالات القصوى لتشمل الحقوق الأساسية وهذا نقاش مفتوح في الوقت الراهن.

[فاصل إعلاني]

تأثير نتيجة الاستفتاء على العلاقات السياسية والاقتصادية لسويسرا

 

خديجة بن قنة: سيدة كالميراي هل تتفهمين غضب الدول والشعوب العربية والإسلامية على نتيجة هذا الاستفتاء؟

ميشلين كالميراي: أتفهم انشغالات الجالية المسلمة وانشغالها بنتيجة التصويت ولكنني أؤكد أن التصويت لم يكن موجها ضد الجالية المسلمة بسويسرا فتلك الجالية تشكل جزءا من سويسرا المتعددة الثقافات، أما على المستوى الدولي فإن سويسرا وكما تعلمون بلد محايد وهذا وضع دائم نسعى من خلاله إلى تطوير علاقاتنا مع الدول الإسلامية كما أننا بلد سعى دوما إلى لعب دور الجسر الذي يربط الدول المصنعة بغير المصنعة وبين دول الشمال والجنوب وبين الدول المسلمة وغير المسلمة وهو ما يشكل أيضا أحد دعائم سياستنا الخارجية ويعطينا المصداقية اللازمة. ما أريد قوله هنا هو إن الحكومة السويسرية التزمت بتعزيز الحوار الداخلي بشكل يضمن عدم إقصاء الجالية المسلمة أو تهميشها، هذا جهد عظيم نقوم به ونواصل القيام به لتحقيق اندماج حقيقي لكل الجاليات الأجنبية التي تعيش في سويسرا ونعتزم المضي قدما في هذا التوجه، وبهذا الخصوص تستقبل زميلتي الجالية المسلمة قبل أعياد الميلاد. لقد وصلتني ردود فعل عربية، كما قمت من جانبي يوم التصويت باتصالات مع الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي والأمين العام لجامعة الدول العربية والتقيت ببعض نظرائي ومنهم نظيري التركي الذي تجمعني به علاقات وطيدة بحكم اشتغالنا معا حين كنت وسيطا في عملية التطبيع بين أرمينيا وتركيا، إذاً التواصل مع الدول الإسلامية نوليه كامل العناية ويشكل الحوار وهو تقليد نتبعه منذ القرن 16 الميلادي ولن نحيد عنه، يشكل إحدى ثوابت سياستنا الخارجية.

خديجة بن قنة: بما أنك سيدة ميشلين كالميراي تتحدثين عن وساطة سويسرا بين تركيا وأرمينيا، هل تعتقدين اليوم بعد هذا الاستفتاء أنه يمكن لسويسرا أن تواصل مساعيها ووساطاتها بين الدول في النزاعات خصوصا وأن سمعة سويسرا قد اهتزت بعد هذا الاستفتاء؟

ميشلين كالميراي: بكامل صراحتي أقول إن ما حصل لن يسهل الأمر ولكننا سنواصل العمل على تطبيق مبادئ سياساتنا الخارجية التي لن نزيغ عنها لأننا بلد معروف بحياده بلد لا يعمل وفق أجندة غير معلنة، سنعتمد مبدأ الحوار مع كل الفاعلين السياسيين الدوليين ومع كل البلدان، لقد اهتزت صورتنا بالفعل لكننا صممنا العزم على الإقناع بأن السياسة الخارجية لسويسرا لم تتغير ونحرص دوما على الحوار وخصوصا في الظرف الراهن وتلك هي الصورة التي عرفت بها سويسرا على مر السنين فنحن بلد غير عدواني بلد يحب إقامة علاقات مع الآخرين ويصر على الاستمرار في بناء الجسور وهذه الأفكار سأطرحها مرة أخرى أثناء مشاركتي في اجتماعات تحالف الحضارات في سراييفو، نحن نرتبط بعلاقات مع الجميع نرتبط مع منطقة البلقان بعلاقات وطيدة بحكم الجوار كما تجمعنا بها روابط إنسانية قوية أيضا بحكم وجود جاليات من هذه المنطقة ببلادنا، سنقوم بتعزيز جهودنا في هذا الصدد.

خديجة بن قنة: لكن سيدة ميشلين كالميراي الغضب ليس فقط غضبا عربيا إسلاميا، في أوروبا أيضا صدم كثيرون، على سبيل المثال داينال كوبنديتس النائب الأوروبي عن حزب الخضر المعروف دعا صراحة الدول الإسلامية إلى إفراغ البنوك السويسرية وسحب الأموال، قال بالضبط هذا سيكون أجمل رد على نتيجة الاستفتاء، ما رأيك بهذا الكلام؟

ميشلين كالميراي: على المستوى الشخصي أكره ردود الفعل المعادية، ردود الفعل المتطرفة، لأن هذا النوع من ردود الأفعال يولد ردودا مماثلة في البلدان المسلمة وأعتقد أن مثل هذا السلوك لن يخدم أي من الأطراف لذلك يجب الاهتمام بما يجمعونه واعتماد الحوار وأن نتعرف بعضنا على بعض عن قرب وأن نتفاهم، ومما سبق يتضح أننا لا نعرف بعضنا معرفة جيدة، ففي سويسرا وبالعودة إلى الاستفتاء صوت معظم الناخبين في المحافظات التي تقطنها جاليات مسلمة بـ "لا" بسبب معرفة هؤلاء الناخبين بجيرانهم الذين يعتنقون ديانة أخرى ولأن الناخب بكل بساطة يعرف تلك الجالية المسلمة ويتعاطى معها في أمور شتى ويعرفها عن قرب، أما المحافظات التي صوت سكانها بنعم فهؤلاء لا يعرفون شيئا عن المسلمين ولا تربطهم بهم صلات وليس بينهم حوار، وفي الختام أذكر بالمقولة التي مفادها أنه كلما تعمق التعارف بيننا زاد تقدير بعضنا لبعض، ومرة أخرى نقف على الحاجة الماسة إلى توظيف ما يجمعنا ونبذ ما يفرقنا وتجنب ردود الفعل المتحاملة، باختصار علينا أن نركز في العلاقة على الحوار.

خديجة بن قنة: طبعا أنا أفهم هذا الكلام ولكن سيدة ميشلين كالميراي الإسلام الذي تتحدثين عنه -إسلام سويسرا- هو إسلام أوروبي متفتح وغالبية المسلمين في سويسرا هم من أصول بلقانية من كوسوفو، من البوسنة، ومن أصول تركية، إذاً كيف تفسرين هذا الأمر؟

ميشلين كالميراي: إنه إسلام معتدل من دون شك، وجل معتنقيه مواطنون سويسريون وأولئك الذين يتعايشون مع المسلمين ويجاورونهم صوتوا بـ "لا" هذا تفسيري لما حدث، ما يتوجب فعله الآن هو مزيد من العمل من أجل تكثيف التبادل داخليا بشكل يحمي الجالية المسلمة من التهميش، أما على مستوى علاقاتنا بالدول الإسلامية فأعتقد بضرورة ربط الأواصر وتكثيفها أكثر بغية الوصول إلى تعارف عميق.

خديجة بن قنة: إذاً لديكم الكثير من العمل لشرح هذه الأمور؟

ميشلين كالميراي: نعم نعم.

خديجة بن قنة: إذاً بلا شك سويسرا ستواجه الكثير من الانعكاسات والتداعيات الاقتصادية والمالية عليها إذا سحبت الأموال العربية والإسلامية من بنوك سويسرا ماذا بيد الحكومة أن تفعل في هذه الحالة؟

ميشلين كالميراي: العلاقات التجارية بين سويسرا وبقية البلدان العربية والإسلامية يمكن أن تتأثر نتيجة للتصويت وهذا أمر ممكن لأن الحكومة السويسرية لن ترغم الناس على استهلاك منتجاتنا، لكن في استطاعتنا في المقابل أن نعمق التعارف فيما بيننا ونسعى لأن تكون نشاطاتنا أكبر مع البلدان الإسلامية بشكل يقينا مستقبلا تكرار ما حصل، ومرة أخرى أقول إنني لا أتفهم ميل البعض إلى زرع الحقد وتعميق الخلافات فالظرف الراهن يحتم علينا التمسك بما يجمعنا.

خديجة بن قنة: دعيني أسرد عليك ما يقوله وزير خارجية السويد كارل بيلدت يقول -وطبعا بلاده ترأس الاتحاد الأوروبي- يقول إن الأمم المتحدة قد تنقل بعض مقراتها من جنيف، ألا تخشى سويسرا من فقدان بعض مكاسبها السياسية بفعل هذا الاستفتاء؟

ميشلين كالميراي: أتمنى ألا يحصل ذلك لأن سويسرا بلد متفتح ومضياف، بلد يستضيف فوق أراضيه بجنيف منظمة الأمم المتحدة ونحن سعداء بذلك.

خديجة بن قنة: هل تعتقدين أنه من حق المعارضين لنتيجة هذا الاستفتاء من حقهم أن يعرضوا هم أيضا، أن يطرحوا مبادرة مضادة لهذه المبادرة؟

ميشلين كالميراي: هذه مسألة ممكنة ما دام نظامنا الديمقراطي يكفل الحق لكل مجموعة تتمكن من جمع تواقيع مائة ألف مواطن بأن تقترح على الحكومة والبرلمان إجراء استفتاء على نص قانون، ولو اختلفنا على مضمون ذلك القانون ودستورنا قابل للتعديل عبر نهج هذا الأسلوب والأمر لا يعد مستبعدا فكل شيء ممكن.

خديجة بن قنة: إذاً أنت سيدة كالميراي تقرين بأن هذا الاستفتاء فتح الباب أمام دول أوروبية كثيرة لتحذوا حذو سويسرا.

ميشلين كالميراي: لا، لا، لم أقل ذلك، أعتقد أن المخاوف التي ظهرت في سويسرا موجودة أيضا في بقية البلدان الأوروبية لأننا نعيش جميعا في نفس أجواء العولمة الممزوجة بنفس المخاوف، والحقيقة إن مثل هذا النقاش لا يقتصر على سويسرا بل يشمل بلدانا أوروبية أخرى، هذا ما وددت قوله وتفسيره، أعتقد أن لدينا الإمكانيات اللازمة لمواجهة مثل هذه الصعاب وهذا يدخل ضمن التزاماتنا التي من بينها الإدماج والحد من الفوارق داخل نظام سياسي وجماعي وهو ما نصبو إليه جاهدين.

خديجة بن قنة: ما هي برأيك الدروس المستخلصة من هذا الاستفتاء ومن هذه التجربة بشكل عام؟

ميشلين كالميراي: لم تكن تجربة ما دام التصويت الشعبي أفضى إلى المصادقة على ما أصبح قانونا، إن العبرة التي أخذناها تمثلت في عدم منحنا الاهتمام الكافي لدراسة المخاوف التي كان يعيشها الشعب السويسري أما اليوم فهناك عزم على المضي قدما في مسلسل الإدماج الذي يقوم عليه أمننا وتقوم عليه رفاهيتنا، ويمنحنا القدرة على التعايش داخل مجتمع متفتح وكريم.

خديجة بن قنة: لكن لو كانت فعلا الحكومة السويسرية جادة حقيقة في معارضة هذه المبادرة وهذا الاستفتاء لماذا لم تساعد المعارضين لهذه المبادرة في تنظيم حملات توعية حملات دعم مثلا لمواجهة الحملة المناهضة لبناء المآذن في سويسرا والتي استخدمت فيها لافتات ومنشورات تصور المآذن كرؤوس لصواريخ وأمامها العلم السويسري وأمام العلم السويسري امرأة تلبس البرقع أو النقاب، هذه المنشورات وهذه الإعلانات التي تحمل الكثير من التحريض على العداء والكراهية لماذا لم تمنع الحكومة السويسرية نشرها؟

ميشلين كالميراي: خلال الحملة التس سبقت عملية التصويت عبرت الحكومة عن موقفها علانية، لم نكتف بالدعوة إلى التصويت بـ "لا" بل شارك الوزراء في الحملة التي سبقت الاستفتاء وفسروا أسباب دعوتنا الناخبين للتصويت بـ "لا" وكنا نعتقد أن مسوغاتنا مقنعة ولكن وللأسف حدث عكس ما تمنيناه، لم نقدر الانشغالات والمخاوف حق التقدير، كما نأسف أيضا لكون الحملة ساهمت في تكريس مفاهيم خاطئة بحيث قيل خلالها إنه توجد بسويسرا مئات المآذن بينما لا يتعدى عددها الأربع، طرحت مغالطات تعلقت بإلصاق العنف بالإسلام وحاولنا تفنيد ذلك لكن لم نؤثر على نتيجة الاستفتاء.

خديجة بن قنة: نعم لكن سؤالي كان بالتحديد لماذا لم تمنع الحكومة السويسرية نشر هذه الإعلانات العنصرية والتي تحرض على الكراهية؟

ميشلين كالميراي: تم ذلك في بعض المدن لست متأكدة إن كانت النتيجة في تلك المدن مختلفة عما كانت عليه في مدن أخرى لم تقم بذلك.

خديجة بن قنة: ألا تعتقدين أن نتيجة هذا الاستفتاء ستعقد أكثر ربما الأزمة القائمة بينكم وبين سويسرا وليبيا؟

ميشلين كالميراي: لا توجد علاقة بين مشكلنا مع ليبيا ونتيجة الاستفتاء لأن المشكل مع ليبيا لا يرتبط بالدين لكن الأزمة مع ليبيا قد تكون أثرت بشكل أو بآخر على نتيجة الاستفتاء في سويسرا.

خديجة بن قنة: لكن أين تسير علاقاتكم مع ليبيا حاليا؟

ميشلين كالميراي: الحقيقة إن علاقتنا مع ليبيا تمر بظرف صعب وليبيا تحتجز مواطنين سويسريين منذ 16 شهرا وضعتهما في البداية في معتقل سري ومنعتهما من المغادرة، نحن في غاية التأثر إزاء وضعية مواطنينا ونسعى للقيام بما يفرضه الظرف وهذا شيء يمس مشاعر الجانبين الليبي والسويسري لأن المسألة عائلية.

خديجة بن قنة: هل هناك أي وساطات عربية بينكم وبين ليبيا؟

ميشلين كالميراي: لا يمكنني في الظرف الراهن الكشف عن المزيد، أؤكد أن بلدانا اقترحت وساطتها أو تدخلت ومنها دول إسلامية كدولة الإمارات التي سهلت بعض الأمور وكذلك فعلت دول أخرى لكن ومع الأسف لم يسفر ذلك عن نتيجة حتى الآن.

خديجة بن قنة: أشكرك جزيل الشكر السيدة ميشلين كالميراي وزيرة الخارجية السويسرية على هذا اللقاء. ونشكركم أنتم أيضا مشاهدينا على متابعتكم لنا، لكم منا أطيب المنى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.