- صورة وعوامل تدهور الوضع الإنساني في جنوب السودان
- حجم المساعدات والصعوبات التي تواجه إيصالها

صورة وعوامل تدهور الوضع الإنساني في جنوب السودان

الطاهر المرضي
 ليز قراندلي
الطاهر المرضي: مشاهدي الأعزاء السلام عليكم ورحمة الله. قالت بعثة الأمم المتحدة في السودان إن 40% من سكان جنوب السودان يواجهون خطر المجاعة بشكل كبير في ظل تضافر عدد من العوامل منها الصراعات القبلية والأوضاع الأمنية ونقص الغذاء وقلة المساعدات الإنسانية والمال، لتسليط الضوء على هذه الأزمة بشكل أكبر يسعدنا في هذا اللقاء أن نستضيف السيدة ليز قراندلي منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة بجنوب السودان، أهلا ومرحبا بك السيدة ليز. كيف تصفين لنا الأوضاع الإنسانية في جنوب السودان؟

ليز قراندلي: أعتقد أن أفضل وصف للوضع الإنساني في جنوب السودان هو القول بأنه عاصفة إنسانية كاملة، أعني بهذا أن هناك عوامل تضافرت مجتمعة لتخلق مجموعة ضخمة من المشاكل. هناك ثلاثة عوامل، العامل الأول هو الفجوة الغذائية الهائلة والعامل الثاني هو العنف القبلي المتبادل الذي تسبب في نزوح المواطنين والعامل الثالث هو أزمة الميزانية التي تواجهها حكومة الجنوب، حين تنظر إلى هذه العوامل مجتمعة سترى ما يمكن أن نسميه بالعاصفة الإنسانية، لقد رأينا عاصفة إنسانية حقيقية والنتيجة هي أن 40% من مواطني الجنوب يواجهون خطرا حقيقيا وهذا وضع تهتم به الأمم المتحدة اهتماما عظيما. دعني أولا أتناول العوامل الثلاثة، دعني أولا أتناول الفجوة الغذائية، هناك ثلاثة أسباب لوجود فجوة غذائية هائلة، السبب الأول هو تأخر سقوط الأمطار فالأمطار لم تهطل في مايو أو يونيو كما كان متوقعا وهذا يعني أن أول حصاد في الموسم الزراعي سيفشل وذلك في تقديرنا يعني أن ما يقارب 250 ألف مواطن سيتعرضون لخطر الجوع مما يستلزم توفير 22 ألف طن متري من الغذاء في أسرع ما يمكن لنتمكن من إغاثتهم، بالإضافة إلى هذا تسبب العنف القبلي المتبادل منذ بداية هذه السنة في نزوح 230 ألف مواطن من مساكنهم، هناك نوعان من العنف أولهما العنف المصاحب لهجمات جيش الرب، هذه حركة تمرد جاءت غالبا من أوغندا وتتمركز حاليا في جمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية، لكنها تتواجد باستمرار في جنوب السودان وتنشر الدمار في ولاية غرب الاستوائية المجاورة لهذين البلدين، الصراعات القبلية المتبادلة أيضا أدت إلى نزوح أعداد كبيرة من المواطنين، الناس يهجرون مساكنهم ويتركون كل شيء وراءهم طلبا للنجاة وحين يصلون إلى القرى والمدن التي من المفترض أن تكون ملاذات آمنة لهم يكونون عرضة للمخاطر لأنهم لا يملكون شيئا والوسيلة الوحيدة لمساعدتهم هي أن توفر لهم حكومة الجنوب ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية ما يعني على إنقاذ أرواحهم، هذا هو العامل الثاني الذي يتقدم على الفجوة الغذائية في الترتيب.

الطاهر المرضي: تتحدثين عن أوضاع سودانية في السودان متدهورة بعد مرور أربع سنوات على اتفاق السلام والجنوب أخذ نصيبه من الثروة.

ليز قراندلي: ربما لا توجد حكومة في الإقليم تأثرت سلبا بالأزمة المالية العالمية كحكومة الجنوب، ميزانية حكومة الجنوب تعتمد اعتمادا كليا على إيرادات النفط وحينما هبطت أسعار البترول عالميا هبط أيضا نصيب حكومة الجنوب من عائدات النفط، حكومة الجنوب ظلت تقوم بعمل مدهش خلال الأعوام الأربعة الماضية لتوفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، وحينما تفقد 40% من إيراداتها لعام كامل فإن حجم ومستوى تلك الخدمات سيتقلص تلقائيا.

الطاهر المرضي: ترسمين صورة قاتمة للأوضاع في جنوب السودان، هل لديك من إحصاءات تؤيد ما ذهبت إليه؟

ليز قراندلي: نحن كثيرا ما نرجع إلى الإحصاءات المروعة حينما نتحدث عن التهميش في الجنوب وأعتقد أن هذه الإحصاءات تحكي عن القصة الحقيقية وفي كثير من الأحيان فهي قصة مأساوية، على سبيل المثال فإن 90% من النساء في الجنوب لا يعرفن القراءة والكتابة، الإنسان العادي يقيم بعيدا عن المراكز الصحية لمسافة قد تزيد عن اليوم، نحن نقدر أن ما بين 20% إلى 25% فقط من سكان الجنوب يحصلون على أي نوع من الرعاية الصحية، في كل جنوب السودان هناك مائتي طبيب و1035 قابلة، جنوب السودان يمثل أعلى معدل لوفيات الأمومة على نطاق العالم وذلك يعني أن الكثيرات من نساء الجنوب يتوفين أثناء الحمل أكثر من أي مكان آخر وبنفس الوقت فإن جنوب السودان يمثل أدنى نسب تغطية للتحصين ضد الأمراض وذلك يعني أن عددا قليلا من الأطفال تم تحصينهم. من هذه القاعدة الضعيفة يحاول جنوب السودان أن ينطلق وهو مثقل بكل تلك المشاكل الناجمة عن التهميش، هناك إحصائيتان وفي الحقيقة إحصائية واحدة بالنسبة لي تلخص الموضوع، فتاة في جنوب السودان تبلغ من العمر 15 عاما تقل فرصتها في البقاء على قيد الحياة أثناء فترة الحمل دع عنك فرصتها في التعليم المدرسي. لا أظن أن هناك أناسا فعلوا الكثير بالقليل من الموارد المتاحة كما فعلت حكومة الجنوب ولكن المهام والتحديات التي يجب على حكومة الجنوب عظيمة ثم تجيء العاصفة الإنسانية في هذا الوقت واتفاقية السلام تدخل مرحلتها الحرجة لتمثل تحديا عظيما لحكومة الجنوب، حين نضيف إلى ذلك أزمة الميزانية والصراعات القبلية والفجوة الغذائية وهجمات جيش الرب فالوضع يبدو صعبا.

الطاهر المرضي: ما هي تفاصيل تلك العوامل التي أدت إلى تدهور الأوضاع الإنسانية إلى حد وصفها بالعاصفة؟

ليز قراندلي: مرة كل عام تقوم حكومة الجنوب بمساعدة من برنامج الغذاء العالمي واليونيسف ومنظمة الزراعة والأغذية العالمية بإجراء تقييم لاحتياجات الفجوة الغذائية، في أكتوبر 2008 قمنا بتقدير احتياجات عام 2009 وحينما تمت عملية التقييم قدرنا عدد المواطنين المحتاجين إلى العون الغذائي في الجنوب بمليون ومائتي ألف مواطن، في شهري مايو ويونيو تبين لنا أن الحصاد الأول سيفشل لأن الأمطار لم تهطل فأعدنا تقييم الوضع على الأرض واتضح لنا أن هناك 250 ألف مواطن سيواجهون خطرا حقيقيا. إن كان لي أن أسهب في الشرح أقول إن الزراعة في حنوب السودان تتم في مايو ويونيو وهناك ثلاثة مواسم للحصاد الأول في منتصف أغسطس والثاني في أكتوبر ونوفمبر والأخير في ديسمبر، الحصاد الأول هو الأكثر حرجا لأنه يحد مما نسميه فجوة الجوع وخلال الفترة بعد الزراعة تنتظر العائلات فترة ستة أسابيع وهي فترة جوع حقيقي وكثيرا ما تعيش العائلات على وجبة غذائية واحدة في اليوم ولسوء الحظ على وجبة واحدة كل يومين، تلك هي فجوة الجوع التي يحد منها الحصاد الأول مما يعني أن فجوة الجوع لن تسد في منتصف أغسطس ويعني أيضا أنها لن تسد الآن وحتى أكتوبر أو نوفمبر ولهذا سيكون كل المواطنين في ولايات الجنوب العشر وبخاصة في الولايات الخمس الأكثر تأثرا بالفجوة عرضة للجوع من يونيو وحتى أكتوبر ونوفمبر وهذا وضع خطير. بالنسبة للموارد التي نحتاج إليها فنحن نقدر أننا نحتاج إلى 22 ألف طن متري من الغذاء فورا لنغيث 250 ألف مواطن في الولايات الخمس الأكثر تأثرا، وتبلغ التكلفة الكلية للغذاء فقط 44 مليون دولار، ولكي نتمكن من إيصال الغذاء إلى العديد من تلك المناطق علينا أن ننقله ونسقطه جوا وهذا مكلف، علينا -على الأقل- أن ننقل الغذاء إلى تلك المناطق عن طريق الجو ولهذا فنحن ننظر إلى الأمول الضخمة التي نحتاج إليها، ننظر إلى تكلفة النقل، ولماذا نقوم بإسقاط الغذاء من الجو؟ في جنوب السودان يتعذر الوصول إلى كثير من المناطق عبر الطريق البري خلال موسم الأمطار وكما قلت الأمطار قد تأخرت ولكنها بدأت تهطل الآن ولأننا لا نستطيع الوصول إلى تلك المناطق عن طريق البر فإن الإسقاط الجوي يبقى وسيلتنا الوحيدة لتوصيل المساعدات المنقذة للحياة.

الطاهر المرضي: هل لديكم أرقام محددة بالنسبة للصراعات القبلية وضحايا هذه الصراعات؟

ليز قراندلي: منذ يناير 2009 وخلال الشهور السبعة الماضية نزح أكثر من 230 ألف مواطن من مساكنهم إما نتيجة لهجمات جيش الرب أو نتيجة للصراعات القبلية المتبادلة وتأثر بذلك عدد من الولايات بنسب متفاوتة، جونغلي على سبيل المثال كانت مسرحا لثلاث مجازر كبيرة خلال الأشهر العديدة الماضية وشهدت نزوح أعداد كبيرة من المواطنين، ولاية غرب الاستوائية التي تجاور جمهورية الكونغو الديمقراطية تمثل أعلى نسبة نزوح للسكان نتيجة لهجمات جيش الرب، وفي الأشهر الأخيرة فر أكثر من 165 ألفا من سكان الولاية من مساكنهم والوسيلة الوحيدة لإنقاذ أرواحهم هي المساعدات التي توفرها حكومة الجنوب وأسرة الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، في جونغلي على سبيل المثال قتل أكثر من مائتي مواطن منذ يناير 2009 والحكومة أكدت صحة هذا الرقم، في بعض المجازر التي حدثت كان عدد الضحايا من المدنيين كبيرا بصورة لا يمكن تصديقها، في منتصف مارس وفي ولاية جونغلي وفي منطقة تسمى كوانغولي قتل 450 مواطنا بحسب تقديرات الحكومة في حادثة منفردة، بعد ذلك بأسابيع قليلة وفي هجوم انتقامي ربما بلغ عدد الذين قتلوا 250 مواطنا وفي هجوم ثالث في ولاية أعالي النيل قتل تقريبا ما بين سبعين إلى ثمانين مواطنا، وقبل حوالي أسبوع ونصف تقريبا حدثت مجزرة أخرى في جونغلي خارج مدينة أكوبو حيث قتل 180 مواطنا. لقد كنت أحد أعضاء الوفد الحكومي الذي زار منطقة المجزرة، ليس هناك خلاف حول أن عدد المواطنين الذين قتلوا جراء المعارك القبلية كان كبيرا حقا، والمواطنون الذين نجوا صاروا نازحين واستطاعوا البقاء على قيد الحياة لأن حكومة الجنوب والأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية وفرت لهم المعونات اللازمة.

الطاهر المرضي: هذه الصراعات القبلية، بسبب انتشار السلاح أم بسبب عوامل سياسية، إلى أي شيء يمكن أن تعود هذه الصراعات القبلية؟

ليز قراندلي: أعتقد أن ما نشاهده في الجنوب هو صراعات قبلية تتكرر على فترات وهي ذات صلة على الموارد الشحيحة، الصراع حول البقاء غالبا ما يحدث نتيجة للتنافس حول المراعي المحدودة وموارد المياه، هذه هي الأسباب التقليدية التي أدت إلى العنف القبلي، ولكن ما يقلقنا حقيقة أننا رأينا منذ يناير 2009 كما نرى الآن أن الصراع يستهدف المدنيين الأبرياء من النساء والأطفال، هذا أمر مقلق حقا.



حجم المساعدات والصعوبات التي تواجه إيصالها

الطاهر المرضي: كان هنالك مؤتمر للمانحين في جوبا لبحث الأوضاع الإنسانية وكيفية تقديم مساعدات للمحتاجين، عن ماذا أسفر ذلك المؤتمر؟

ليز قراندلي: نائب رئيس حكومة جنوب السودان الدكتور رياك مشار عقد اجتماع المانحين وقد حضره وزير الشؤون الإنسانية في حكومة الوحدة الوطنية وعدد من السفراء الذين جاؤوا من الخرطوم وبالطبع ممثلو المجتمع الدولي في جوبا، الهدف من ذلك الاحتماع هو لفت الانتباه إلى الأزمة في الجنوب وطلب العون من المجتمع الدولي لتوفير الغذاء ودعم التغذية ودعم الزراعة للمواطنين الذين سيواجهون وضعا صعبا إذا لم يتم توفيرها، ما فعلناه في المؤتمر أننا عرضنا نتائج التقييم واستطعنا أن نوضح النتائج التي ستنجم عن تأخر الأمطار وأن نحدد المناطق التي يتعرض فيها المواطنون إلى المصاعب وأن نقدر كمية الغذاء الذي نحتاج إليه وتكلفته، وضعنا كل تلك الحزمة أمام نائب حكومة الجنوب ليبحث الأمر مع المانحين، الاستجابة كانت طيبة، المجتمع الدولي يعلم أن هناك مشكلة في الجنوب وهم ملتزمون بمساعدة حكومة الجنوب ولدينا كل الثقة في أن الاستجابة ستكون سخية، أعتقد أن ما يقلق الأمم المتحدة هو التأكد من أن لدينا ما يكفي من المال وثانيا أن هذا المال سيصل في موعده، وكما قلت فإننا لن نستطيع سد فجوة الجوع التي من المفترض أن تسد في أغسطس نتيجة لفشل الحصاد لهذا فنحن نحتاج إلى الغذاء الآن وإلا فإن كثيرا من المواطنين سيعانون لمدة طويلة.

الطاهر المرضي: أنت تتحدثين عن عمليات طارئة الآن بالنسبة لأوضاع سكان جنوب السودان المتأثرين بنقص الغذاء، الآن هل لديكم مال كافي لإنقاذ الموقف أم تنتظرون المانحين حتى الآن؟

ليز قراندلي: في كل عام تقوم الأمم المتحدة بإعداد خطة عمل ومناشدة لكل السودان، نحن نحدد كم من الأموال تحتاج الأمم المتحدة وشركاؤها من أجل مواجهة جميع المشاكل، بالنسبة لعام 2009 طلبنا أربعمائة مليون دولار للجنوب ومن هذا المبلغ حصلنا حتى الآن على ستين مليون دولار فقط، هناك فجوة كبيرة بين ما طلبناه وما حصلنا عليه وذلك بالطبع يحد من عملنا، في إمكاننا أن نفعل الكثير إذا كانت لدينا موارد كثيرة، المانحون كانوا أسخياء وأرجو ألا يساء فهمي في هذا الجانب، الكثير من المانحين قدموا الكثير من الدعم للسودان وبصفة خاصة للجنوب خلال سنوات الحرب الطويلة، أعتقد أننا نريد لفت الانتباه إلى أننا نحتاج إلى الموارد خلال هذه الفترة، نحن نجتاز المرحلة الأخيرة من اتفاقية السلام الشامل وها قد حان الوقت لمساعدة مواطني الجنوب ومنحهم الفرصة للانتقال إلى المرحلة التاريخية وممارسة حقهم في تقرير المصير، نريد التأكد من أن مواطني الجنوب سينتقلون إلى هذه المرحلة في الوقت المحدد.

الطاهر المرضي: بالنسبة للمساعدات الإنسانية قلت إنكم ستسخدمون الطائرات لإيصال المساعدات الإنسانية، هل في إمكانية لاستخدام الطرق البرية؟

ليز قراندلي: الأمم المتحدة دائما تبحث عن أكثر الوسائل فعالية لإيصال المساعدات الإنسانية، حين يكون في مقدورنا استخدام الممرات النهرية والطرق البرية فإننا نفعل ذلك، المشكلة أن الطرق البرية في الجنوب تكون غير صالحة للاستخدام خلال موسم الأمطار وكثير من المواطنين الذين يحتاجون إلى الغذاء يقيمون في مناطق يتعذر الوصول إليها، علينا أن نتذكر أنه خلال سنوات التهميش لم تكن هناك طرق برية معبدة، كان هناك مائتي كيلو متر فقط في كل جنوب السودان وحتى خلال موسم الجفاف لم يكن متاحا لنا من الطرق سوى 40% نفقدها خلال موسم الأمطار ولهذا نحن نلجأ إلى الإسقاط الجوي كي نصل إلى تلك المناطق، إذا كان في مقدورنا أن نستخدم مجاري الأنهار فإننا نفعل ذلك، على سبيل المثال بينما نحن نتحدث الآن فإن الأمم المتحدة تعمل مع السطات الحكومية لفتح مجرى نهر السوباط، هذا نهر كبير يخترق ولايتي أعالي النيل وجونغلي وعلى طول مجرى النهر هناك مواطنون يحتاجون إلى الكثير من الغذاء بما في ذلك أكوبو الموقع الذي كان مسرحا لأحدث مجزرة وقعت مؤخرا، هناك ما يزيد عن 250 ألف مواطن بحاجة إلى الغذاء، نحن نحاول فتح مجرى النهر لتتمكن المراكب من العبور، المجرى ظل مغلقا منذ منتصف شهر يونيو وخلال شهر يونيو كانت المراكب التابعة لبرنامج الغذاء العالمي تعبر النهر فتعرضت لهجوم وفقدنا سبعمائة طن من الأغذية، منذ ذلك الحين توقفت حركة التجارة والعمليات الإنسانية ولكن كما قلت بينما نتحدث الآن أبحرت المراكب أدنى النهر وقطعت نصف الطريق واقتربت من الناصر ونتوقع وصولها إلى أكوبو خلال يوم أو يومين وحينما يحدث ذلك فسنواصل إرسال المزيد من المراكب لإنقاذ المواطنين في أكوبو.

الطاهر المرضي: في كثير من المرات يتحدث البعض بأن المنظمات الإنسانية التي تحاول أن تقدم المساعدات للمحتاجين تستهلك النسبة الأكبر من المال لتوصيل تلك المساعدات.

ليز قراندلي: بالنسبة للعمليات الإنسانية علينا أن نعترف أنها في بعض الأحيان تكون مكلفة لأن التركيز على عامل السرعة لتوصيل الإغاثة إلى المناطق المحتاجة عنصر مهم، في منطقة مثل جنوب السودان ونتيجة لمحدودية شبكة الإمداد حيث لا توجد طرق معبدة لانعدام التنمية فإن العمليات الإنسانية قد تكون ملكفة، ذلك قد يبدو أحيانا أمرا لا مفر منه إذا كنا نتحدث عن توصيل الإغاثة إلى منطقة تعاني من انعدام التنمية لوقت طويل، كلما كان ممكنا أن نحقق إنجازا فسنفعل، على سبيل المثال قامت الأمم المتحدة في جنوب السودان بدمج العديد من الأنابيب المنقذة للحياة في أنبوب واحد، نحن نفعل ذلك لنقلل من تكلفة الترحيل وكلما كانت هناك صعوبات في شبكة الإمداد فإن التكلفة ستعكس تلك الصعوبات.

الطاهر المرضي: هل من نسبة محددة يعني يكلفها الترحيل وتسيير الأمور وشراء السيارات ووسائل المساعدة مقارنة بما يصل إلى السكان؟

ليز قراندلي: الأمر يتوقف على نوع المساعدة، على سبيل المثال إذا كان علينا أن ننقل المساعدات جوا إلى المنطقة الأكثر تأثرا كما حدث في أكوبو فإن التكلفة ستكون عالية جدا لأن مجرى نهر السوباط كان مغلقا، في تلك الحالة كما ترى فإن التكلفة غير المباشرة للنقل تبدو كبيرة مقارنة بتكلفة المساعدة الغذائية التي نقدمها للمواطنين في المناطق التي نلجأ فيها إلى استخدام الطرق البرية حيث التكلفة تبدو أقل، إن المتغير الحاسم هو المدخل إلى الناس فإذا كان علينا أن ننقل المساعدات الإنسانية جوا فإن التكلفة ستكون عالية وإذا كان علينا أن ننقلها برا فسوف تقل التكلفة.

الطاهر المرضي: بالنسبة للواقع الآن في جنوب السودان هل لديك أي أرقام بالنسبة لتكلفة الترحيل وتسيير العملية بصفة عامة مقارنة بما يتلقاه المحتاج؟

ليز قراندلي: الأمر يختلف، ذلك يعتمد على نوع المساعدة والموقع ولذا من الصعوبة بمكان أن أعطيك أرقاما شاملة لأن هناك اختلافات كبيرة، في المناطق البعيدة تكون التكاليف غير المباشرة عالية أما في المناطق الأقل بعدا تكون التكاليف غير المباشرة أقل، يصعب علي أن أعطيك أرقاما أو نسبا إجمالية ولكن علينا أن نعترف بأن العمليات الإنسانية في جنوب السودان تبدو مكلفة وذلك نتيجة لضعف شبكة الإمداد، هذا أمر لا خلاف عليه.

الطاهر المرضي: في ختام هذا اللقاء هل من رسالة محددة تشعر الأمم المتحدة بالقلق إزاءها في الأوضاع الإنسانية في جنوب السودان؟

ليز قراندلي: أعتقد أن رسالتنا الرئيسة هي أن الوضع في الجنوب صعب وقاس، لقد أمكن القيام بعمل كبير، الحكومة تبذل جهدا خارقا، المنظمات غير الحكومية تقوم بعمل رائع ووكالات الأمم المتحدة تعمل على مدار الساعة لكن إمكاناتنا جميعا محدودة ولكي يتسنى لنا مواجهة هذا الوضع الطارئ فنحن نحتاج إلى المساعدة، نحتاج إلى وصول الموارد، إذا وصلت فأنا على ثقة بأننا سنتصدى لأسوأ جوانب الأزمة، دون ذلك سيكون الوضع صعبا.

الطاهر المرضي: وإذا لم تأت الموارد يعني كيف يكون الوضع يعني؟

ليز قراندلي: يعني ذلك أن عددا كبيرا من المواطنين سيعانون، مواطنو جنوب السودان يستحقون أكثر من ذلك، إنهم الآن في المرحلة النهائية لاتفاقية السلام الشامل وسينتقلون لممارسة حقهم في تقرير المصير، نريد أن نطمئن إلى أنهم سيمارسون هذا الحق لهذا فنحن نحتاج إلى المساعدات لنعينهم على تجاوز هذا الوضع الطارئ.

الطاهر المرضي: في ختام هذا اللقاء نتقدم بالشكر الجزيل للسيدة ليز قراندلي على هذه المعلومات، وشكرا جزيلا لك عزيزي المشاهد والسلام عليكم ورحمة الله.