- جوانب ملف الأقباط وموقف الحكومة والرئيس المصري منه
- العوامل المؤثرة في الملف وانعكاساته على صورة مصر

حسين عبد الغني
مصطفى الفقي
حسين عبد الغني: يبدأ الرئيس المصري حسني مبارك زيارة إلى الولايات المتحدة هي الأولى له في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما وسط توقعات بأن هذه الزيارة ستشهد تركيزا على ملف الأقباط في مصر، لجنة الحريات الدينية الأميركية طالبت الرئيس أوباما بإثارة ملف الأقباط في مصر. الدكتور مصطفى الفقي وهو مفكر قومي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب وهو مستشار سابق للرئيس مبارك كان على رأس وفد برلماني استبق هذه الزيارة وكان الملف القبطي هو الملف الرئيسي لهذه الزيارة، فهل ستصبح قضية الأقباط عنصرا شائكا في العلاقات المصرية الأميركية بعد أن كانت فقط العلاقات مع إسرائيل والتطبيع مع إسرائيل هو الملف الشائك؟ لهذا نلتقي اليوم مع الدكتور مصطفى الفقي في هذا الحوار. أهلا بك دكتور مصطفى.

مصطفى الفقي: أهلا وسهلا.

جوانب ملف الأقباط وموقف الحكومة والرئيس المصري منه

حسين عبد الغني: دكتور مصطفى لجنة الحريات الدينية تطالب الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن يناقش قضية الأقباط مع الرئيس مبارك وسط الكلام على أن الأقباط يتعرضون لعنف مستمر من جماعات مسلحة وأن سلطات التحقيق المصرية لا تبذل ما فيه الكفاية، الأقباط المصريون في الولايات المتحدة أعلنوا أنهم سينظمون مظاهرة أمام البيت الأبيض، هل هذا معناه أن الملف القبطي أصبح متغيرا من متغيرات العلاقات الأميركية المصرية؟

مصطفى الفقي: مسألة الأقباط بالذات تختلف عن أي مسألة أخرى لأنها قضية وطنية بالدرجة الأولى وقضية كل المصريين لأن الأقباط ليسوا جالية هم أبناء هذا الوطن وشركاء الحياة فيه، وأنا شخصيا متخصص في هذا الموضوع -كما تعلم- في الأربعين عاما الماضية. الذي أريد أن أقوله والذي شعرت به أن هناك محاولة لطرح بعض القضايا بنفس الدرجة من المساواة وهذا برضه تفكير غير سليم، ومنها الأقباط والبهائيين وأحيانا يتطرقون إلى النوبيين وبدو سيناء والمعونة وغيره وغيره، كل هذه الأمور المقصود بها شغل المفاوض المصري أثناء زيارته عن القضايا الأساسية، لأن قضية الأقباط قضية مصرية بالدرجة الأولى تحل داخل مصر، أنا لا أعتقد أن هناك اضطهادا ضد الأقباط ولكن هناك تمييزا ضدهم في بعض شرائح الوظائف خصوصا الوظائف العليا والمتوسطة.

حسين عبد الغني: طيب دكتور مصطفى في هذا الصدد هل كان الهدف فقط من زيارتك على رأس وفد برلماني ضم عضوا من أعضاء المعارضة أنكم كنتم تحاولون التأكد من أنه لن يحدث إحراج حقيقي للرئيس مبارك في هذه الزيارة وبالتالي يصير ما يمكن وصفه بتشويه سمعة مصر وسمعة الرئيس في الولايات المتحدة؟

مصطفى الفقي: أكون صريحا، لم يكن الأمر كذلك فلم نكلف، ذهبنا لحضور مؤتمر في الكونغرس تنظمه مجموعة هلسنكي ورأينا كوفد أن نستغل هذا الوقت في طرح عدد من القضايا والقيام بعدد من المقابلات مع بعض قيادات الكونغرس، وأنا طلبت شخصيا -بحكم أن الدكتوراه هي في نفس الموضوع- أن ألتقي بأشقاء من الأقباط الذين نتحدث عنهم دائما بكلمة أقباط المهجر وهم لا يحبون هذا التعبير لأنهم المسيحيون المصريون في الخارج بتعبير أدق، وطبعا فوجئت هناك أن الأغلب والأعم وطني متفهم.

حسين عبد الغني: دكتور مصطفى في الحقيقة إنه بغض النظر عن وجود متطرفين أو وجود معتدلين في المسيحيين المصريين في الخارج -وهو تعبير أفضل من أقباط المهجر كما أشرت- أن هناك بالفعل حوادث للفتنة الطائفية، أنت نفسك اعترفت في إحدى المقالات التي كتبت أنه لا يمر يوم دون أن يكون هناك حادث طائفي وتحدثت أن عدم وجود قانون موحد لدور العبادة يؤدي إلى انفجارات متوالية. نحن  نتحدث هنا عن حالة، لدي أحد رجال الكنيسة القبطية -وهذا المقال معي- يقول إن الفتنة تحرق مصر، وهو رجل من رجال الكنسية الرسمية، لدينا أكبر عدد يسجل من الحوادث الطائفية في عام 2009 حسب تقرير حقوق الإنسان، نحن أمام حالة فتنة طائفية حقيقية.

مصطفى الفقي: هذا صحيح ولكن جزء منها يتوقف أو يرجع إلى الانفتاح وانتشار الأخبار، يعني ربما كانت لدينا أشياء شبيهة من قبل ولكن أريد أن أقول لك إنني لا أتصور أن تأتي مجموعة لتصلي في منزل -نظرا لعدم وجود كنيسة- فيقذفهم الناس بالحجارة ويقوموا ضدهم بعد صلاة الجمعة، هذا أمر غير مقبول وغير أخلاقي وغير مصري وغير إنساني.

حسين عبد الغني: هل تعرف حضرتك أن هذا السبب بالتحديد، قيام بعض المتشددين الإسلاميين بمهاجمة بعض الأقباط لأنهم صلوا في بيت أحدهم، هو تقريبا ما يمثل نصف أسباب الأحداث الطائفية..

مصطفى الفقي: هذا صحيح.

حسين عبد الغني: ثم تسكت الدولة. أنت والدكتورة ليلى تكلا والدكتور بطرس غالي والمجلس القومي لحقوق الإنسان أنجز منذ تقريبا أكثر من ثلاث سنوات قانونا موحدا لدور العبادة ولكنه يتعثر في مجلس الشعب، تستطيع الحكومة وتستطيع الدولة في ليلة واحدة أن تصدر قانونا للضرائب العقارية يخرب بيوت فئات من الناس لكنها لا تستطيع في أربع سنين أن تخرج قانونا يمكن أن يمنع هذه الفتنة الطائفية.

مصطفى الفقي: لكي أكون صريحا معك، أنا أعتقد أنه لا بد أن يمر هذا الموضوع في أقرب وقت ولدينا taboo يعني مجموعة محاذير مخيفة اسمها المواءمة، إذا أردت أن تتحدث عن قانون للبناء الموحد لدور العبادة يرد عليك أحيانا بأن الظروف غير مناسبة، التيار الإسلامي المتشدد، المتطرفون من هنا وهناك، وطبعا الاستسلام لمثل هذه التفسيرات لن يؤدي إلى حل في النهاية، القانون الموحد لدور العبادرة سوف يكون فاتحة خير على الوحدة الوطنية المصرية وسوف يغلق إلى الأبد ملفا شائكا للغاية منذ الخط الهميوني حتى الآن.

حسين عبد الغني: يا دكتور مصطفى، الدولة أحدثت في السنوات الأخيرة تغييرات في صلب الدستور المصري لم تحدث في تاريخه غير قادرة على أنها تمرر مشروعا وهي لديها أغلبية تزيد عن 90% في البرلمان!

مصطفى الفقي: ما أنا قلت لك إن العذر بحديث المواءمة عذر في رأيي غير مقبول ويعطل عملية الإصلاح في النهاية ولهذا فأنا أتصور أن يدخل هذا القانون إن شاء الله في الدورة القادمة.

حسين عبد الغني: لكن فسر لي هذا، لماذا لم يتم إنجاز القانون حتى الآن رغم أنه في كل فصل تشريعي يتحدث الناس عن أن هذا القانون سيدرس فيه وسيقر فيه؟ المشكلة كما قال أحد أقباط المهجر -وليام ويصا- إن الرئيس مبارك، الدولة المصرية ليست لديها إرادة سياسية حازمة لحل هذا الملف.

مصطفى الفقي: أنا أختلف مع أخونا وليام. أنا أعتقد أن الرئيس الذي عملت بجواره ثماني، تسع سنوات يختلف في التفكير تماما عن هذا، هو أكثر رؤساء مصر تحديدا إيمانا بأهمية حل مشكلات الشأن القبطي وإيمانا بالوحدة الوطنية ولأن حتى تربيته مع زملاء أقباط -كان يحكي لي دائما- جعلته لا يفرق بين مسلم ومسيحي، ويمكن علاقته بالكنيسة القبطية في مصر وبقداسة البابا شنودة في مناسبات كثيرة ورغبته في حل المشكلات عندما تصل إليه تؤكد هذا. أما سبب تعطيل القانون فليس هو الرئيس إنما هو الروتين في الأجندة التشريعية إلى جانب المخاوف التي أشرت إليها والتي تتحدث عن المواءمة السياسية وهو تعبير قاتل عطل مسيرة الإصلاح في مصر في كل النواحي.

حسين عبد الغني: وسيقال عن المواءمة هي فقط تتعلق بالإخوان المسلمين بالسلفيين المتشددين أم أن في الحقيقة أن هناك أعدادا كبيرة من نواب الحزب الوطني لديهم ميول دينية متشددة بدليل أنهم في موضوع الحجاب الخاص بفاروق حسني -ونحن لن نعلق عن صحته أو عدمها- انحازوا ضد الوزير بل طالبوا بمحاكمته بينما اقتصر الإخوان المسلمون على المطالبة بأن يتم مناقشته في البرلمان؟

مصطفى الفقي: قد يكون هذا صحيحا، ليست المشكلة بين الإخوان المسلمين والأقباط بالعكس أعتقد أن العلاقة طيبة نسبيا، إنما المشكلة الحقيقية هي في أن مساحة التدين الإسلامي في مصر وأيضا التدين المسيحي كبيرة، بلد الدين فيها متجذر، فكل ينظر إلى كل قضية سياسية من وجهة نظر دينية وبالتالي أصبح القانون الموحد لبناء دور العبادة ضحية لهذه النظرة. يعني أنا متأكد أن هناك عناصر سوف تقاومه في البرلمان وليست من الإخوان المسلمين إنما عناصر مصرية عادية لا تستطيع أن تتفهم أن إجراءات بناء الكنيسة يمكن تكون هي نفس إجراءات بناء المسجد، وأنا أريد أن أطمئن هؤلاء وهؤلاء لقضية النسب في البناء وفقا لمعايير تحددها وزارة الإسكان لأن حد قال لي طيب الأقباط حيجوا على رأس كل شارع ويعملوا كنيسة بقى فدانين، إمكانياتهم المادية كبيرة. لا، حيبقى في رسومات للمساجد وللكنائس محددة المساحات بأماكن معينة وفقا لنسبة الواحد إلى عشرة التي نعرفها من أيام محمد علي حتى الآن، إذاً لا توجد مخاوف ويجب أن يصدر هذا القانون في أقرب وقت وأنا أتوقع ذلك.

حسين عبد الغني: هل معقول دكتور مصطفى أن يظل الإخوة الأقباط كما يقولون يحكمون بقرار صدر سنة 1856 من الباب العالي يسمى الخط الهميوني أو لائحة صدرت منذ 75 سنة لوكيل وزارة في حكومة أقلية هو العزبي باشا بعشرة شروط تكاد تكون مستحيلة التطبيق؟ هل من المعقول أن يكون في سلطة الأمن منع بناء كنيسة حتى لو صدر قرار من رئيس الجمهورية؟

مصطفى الفقي: أعتقد أن هذا الأمر انتهى، أنت عارف أصبحت سلطة المحليات ولكن كثيرا من المحافظين يتوقفون أحيانا وأنا أتحدث معهم حتى تلفونيا معبرا عن مطالب أشقائنا الأقباط في بناء كنيسة معينة فيقولون الظروف غير مناسبة الآن في هذه المنطقة يوجد عدد من المساجد سيحدث تداخل إلى آخر هذه النقاط، هي ليست قضية الرئيس أيضا في النهاية إنما قضية الخط الهميوني لم يعد لها وجود.

حسين عبد الغني: ما هو المحافظ لا ينفذ قرار الرئيس لسنة 2005 بتفويض سلطاته إلى المحافظين لأن المحافظ والمحليات يخضعون في ذلك لتوصيات الأمن، أي أن ملفا سياسيا يتعلق بجوهر الأمن المصري وجوهر الأمن القومي المصري أهم حتى من أي تهديد خارجي يترك في يد الأمن ولا يترك في يد السياسيين.

مصطفى الفقي: أعتقد أنه بينتقل إلى أيادي السياسيين كثيرا، عندما حدثت مشكلة دير البحر الأحمر وضع الأمر في يد السياسيين وحل الأمر بتوجيهات من الرئيس شخصيا على نحو فيه مجاملة كبيرة لأشقائنا الأقباط في المساحات التي طلبوها.

حسين عبد الغني: عندما تقول إن الرئيس مبارك هو أحد أكثر أو ربما أكثر الرؤساء الثلاثة عبد الناصر، السادات، قربا من حل المشكلة القبطية، كيف تفسر إذاً أن في عهده أكبر عدد للحوادث الطائفية، أقل تمثيل للأقباط في البرلمان تعيينا وانتخابا، هناك نائب واحد في البرلمان منتخب وهو منتخب لأنه وزير في الحزب الوطني وليس لأن هذا هو ما كان يمكن أن يقدم عليه مسلمون كما كان يحدث قبل الثورة من انتخاب قبطي لأنه يتمتع بالكفاءة ومشهود له بالوطنية؟

مصطفى الفقي: هذه قضية التحول الذي طرأ على المجتمع المصري، كان مكرم عبيد باشا القبطي الوفدي يكتسح ياسين أحمد باشا نقيب الأشراف في قنا ذات الأغلبية المسلمة لأن ياسين أحمد باشا ينتمي إلى حزب الأقلية، كان الناس يختارون حسين لأنه من حزب الأغلبية ويرفضون مصطفى لأنه من حزب لا يقبلونه ولم يفكروا أبدا في مسلم أو قبطي، حتى في العصر الناصري عندما كنت طالبا في الجامعة لم أسمع أبدا عن أن هذا مسلم أو هذا قبطي ولم نكن نعرف ذلك إلا في المناسبات الدينية إذا حدثت، إنما حدث طوفان وافد على مصر من خارجها مع العمالة في الخارج خصوصا في عدد من الدول العربية هو الذي أدى إلى ما نراه الآن.

حسين عبد الغني: هل هو ذلك أم أنه لأول مرة تبدو الدولة المصرية على الأقل الدولة الحديثة بعد دستور 23 وهي قد فقدت الحياد بين مواطنيها، الرئيس السادات لأول مرة يستخدم عبارات دينية في الخطاب السياسي تحدث أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة، عندما فقدت الدولة حيادها لماذا لا يقطع الرئيس مبارك صلته بهذا التراث للرئيس السادات؟

مصطفى الفقي: الرئيس السادات وقع في مشكلة كبيرة كما تعلم عندما أعلن أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة، هذا صحيح ولكن ليس بهذا المعنى، إنه رئيس لكل المصريين وانتهت المواجهة بينه وبين البابا على النحو الذي نراه. الرئيس مبارك ليس لديه هذا الإرث..

حسين عبد الغني (مقاطعا): الرئيس السادات أطلق الدين من الجامع والمسجد ونقله إلى الشارع ولم يعد مرة أخرى من وقتها.

مصطفى الفقي: نحن نطالب بدولة مدنية في مصر، عندما يحتج الأقباط لا يذهبون إلى الكنيسة إلى قداسة البابا وعندما يحتج المسلمون لا يذهبون إلى صحن الأزهر بعد صلاة الجمعة إنما يلجؤون إلى البرلمان أو إلى السلطة القضائية.



[فاصل إعلاني]

العوامل المؤثرة في الملف وانعكاساته على صورة مصر

حسين عبد الغني: عظيم. لكن في الحقيقة ما يحدث دكتور مصطفى، ما تقوله هو ما يجب أن يكون، لكن ما يحدث فعلا أن الدولة نفسها هي التي تلجأ إلى الكنيسة وليس الأقباط، الأقباط يلجؤون ولكن الدولة أيضا، القضية الشهيرة الخاصة بوفاء قسطنطين الدولة لجأت فيها إلى قداسة البابا.

مصطفى الفقي: هذا أمر معمول به حتى الآن ولكن هذا ما لا نريده. دعني أكن صريحا معك..

حسين عبد الغني (مقاطعا): الدولة هي التي كرست أن تتحول الكنيسة للعب دور سياسي عندما تجعلها وسيطا بينها وبين جزء من مواطنيها.

مصطفى الفقي: مظبوط، هذا يحدث في بعض المناسبات ولكن يجب أن يتوقف هذا الفعل من الجانبين من جانب الدولة والكنيسة لأن الكل مواطنون مصريون، لا توجد زعامات دينية تحكم مصر ولكن يوجد نظام قائم على دستور يجب أن يحترم في البلاد. ولذلك شوف..

حسين عبد الغني (مقاطعا): كيف تفسر دكتور مصطفى لجوء الدولة، لجوء الحزب الوطني الحاكم إلى قداسة البابا إلى الكنيسة لدعمها عندما يتعلق الأمر بانتخابات رئاسية أو بانتخابات تشريعية فتصدر أوامر للأقباط ويتم تحميل سيارات بأكملها تنطلق من الكنائس للتصويت لصالح الحزب الوطني الحاكم؟

مصطفى الفقي: لا، على الرغم من أن الأغلبية القبطية مؤيدة للرئيس مبارك وعهده بنسبة أكثر من الأغلبية المسلمة إلا أن هناك أقباطا كثيرين لا يوافقون على ما يقوله البابا ولا يستجيبون لما يملي عليهم. إنما أنا عايز أقول تستطيع الدولة أن تكون دولة وطنية مدنية محادية إذا أعطت للأقباط مثلا منصب رئيس جامعة، كيف لا تجد قبطيا يكون رئيس جامعة؟ يجب أن تزيد النسب في القوات المسلحة، في الأجهزة الأمنية المختلفة، إما أن تعترف بالجميع مواطنين درجة أولى بشيء من المساواة أو لا تفعل لأنهم ليسوا جالية.

حسين عبد الغني: هل توافق على ما يقوله بعض أقباط المهجر من أن المشكلة أن الدولة عندما يتعلق الأمر بأحداث طائفية عادة ما تتخلى عن الدولة المدنية وتتخلى عن دولة القانون ولا تحول من يقوم بقتل أقباط أو بالاعتداء على محالهم أو على الكنائس أو على الأديرة إلى القانون ليقتص منهم وتؤمن تعويضا للضحايا إنما ما تفعله هو مجالس أو مصاطب عرفية بدوية تهدر فكرة القانون وتهدر فكرة الدولة؟

مصطفى الفقي: أنا معك في هذا، هذا أمر سخيف للغاية أنت تتحول حلول القضايا الشائكة بهذه الصورة إلى مجالس عرفية شأنها شأن موائد الإفطار في رمضان وشأنها شأن تبويس اللحى بين المشايخ والقساوسة، هذه لن تحل شيئا، هذه ترحل المشكلة وتسكنها والإخوة الأقباط يستاؤون من هذا. سيف القانون يجب أن يكون باترا ولعل نموذج الكشح يعطي هذا الإحساس حتى الآن، أنه يقتل عدد يصل إلى العشرين ولا نجد من يقدم للمحاكمة بشكل حاسم وينال جزاءه، وعندك مجموعة سطو على أراض فيهم 24 حكم إعدام! أنا مع الأقباط في هذا وأنا كمصري مسلم متدين أؤمن بحقهم في هذا المعنى.

حسين عبد الغني: هل نحن في هذا الصدد أمام دولة ضعيفة أو نظام سياسي ضعيف غير قادر على أن يتخلص من ضغط شارع -كما قلت- أصبح فيه تدين متشدد بشكل كبير وكنيسة أيضا أصبحت خاضعة لقدر من التطرف أو التدين المتشدد خاصة في الأديرة والمناطق البعيدة؟

مصطفى الفقي: قد يكون منطق الدولة هي أنها لا تريد أن تفتح بابا لا يغلق وأنها تريد أن تتجاوز أحيانا عن بعض المشاكل أملا في إصلاحها مع الوقت، ولكن مثل هذا المنطق الترحيلي للمشكلات لا يؤدي إلى حسم في النهاية. إنما توجد بعض القضايا لازم أقول لك عليها بصراحة، واحد مسلم يحب قبطية ويهربوا دي مش قضية دينية إطلاقا، دي قضية إنسانية وتحدث أيضا على الجانب الآخر، هناك شباب مسيحي تتعلق بهم بنات مسلمات ويهربن إلى الخارج.

حسين عبد الغني: كل قضية حب بين شاب مسلم وفتاة قبطية أو بين فتاة مسلمة وشاب قبطي إلى أزمة طائفية.

مصطفى الفقي: جزء كبير جدا هو مخاوف لدى الأقباط، عندهم إحساس أن هناك محاولة لأسلمة الفتيات وأن هناك جماعات دينية تقف وراء ذلك، وليس هذا صحيحا في كل الأحوال، قد يكون صحيحا في بعض الأحوال ولكن لا يمكن أن تكون القضية أمنية على المدى الطويل.

حسين عبد الغني: عندما تتحدث عن عصر ذهبي للأقباط في عهد الرئيس مبارك البعض يقول إنك تتحدث عن عهد ذهبي بين رأس الدولة ورأس الكنيسة القبطية، لكن المشكلة القبطية في جوهرها المطالب القبطية في جوهرها سواء تعلق الأمر ببناء الكنائس تعلق الأمر بوظائف قيادية أكثر تعلق الأمر بتعديل جوهري في مناهج التعليم وفي تناول الإعلام التحقيق الجاد في قضايا الاعتداء على الأقباط، كل هذه القضايا لم يحدث فيها تحرك جاد لكن الدولة والحزب الوطني مطمئنون إلى أن البابا يدعم الرئيس ويدعم حتى مشروع ما يقال إنه توريث لنجل الرئيس السيد جمال مبارك.

مصطفى الفقي: العلاقة بين الرئيس والكنيسة علاقة طيبة للغاية ولعلك تعلم أن البابا هو الذي أرسل بعض مندوبيه ليوقف الحملات والتظاهرات ضد الرئيس لأنه يعلم سلامة فكر الرئيس شخصيا في هذه النقطة بالذات. أنا مرة كنت أعمل مع الرئيس وأبلغته أن رئيس محكمة استئناف القاهرة سوف يكون قبطيا وأن البعض طلب مني التفكير في هذا الموضوع لأنه سيكون الآمر بتشكيل الدوائر التي تحاكم المتطرفين الإسلاميين، فقال لي الرئيس هل هو مكسيكي ولا يوناني؟ دعه يمر ويأخذ حقه، وعين رئيس مجلس الدولة قبطي وعين رئيس هيئة قضايا الحكومة قبطي ورئيس أركان حرب القوات الجوية قبطي، يعني أريد أن أقول لك لا يجب أن ننظر إلى الجزء الفارغ فقط.

حسين عبد الغني: كيف تفسر هذا الطموح المبالغ فيه لدى رأس الكنيسة الحالية الذي يعتبر لأسباب تتعلق بكاريزميته الشخصية ولطول فترة بقائه ولثقافته العامة، هذا الطموح السياسي الزائد لديه في لعب الدور السياسي تمثيلا للأقباط وكأنه زعيم سياسي وليس زعيما دينيا وأن البعض يرى أن حتى مسألة علاقته بأقباط المهجر هي نوع من أنواع توزيع الأدوار يجعلهم هم يتشددون وهو يتحدث عن التهدئة، هم يضغطون وهو يحصد المكاسب من الرئيس مبارك؟

مصطفى الفقي: البابا شنودة شخصية تاريخية قوية لها كاريزما كبيرة وجاء ظهوره بعد رحيل الرئيس عبد الناصر مباشرة، والبابا كيرولوس اللي قبله كان رجلا عابدا ناسكا زاهدا لا علاقة له بالحياة السياسية. ولكن دعني أقل لك إن الهوية السياسية الحديثة للأقباط مرتبطة باسم البابا شنودة، هو الذي فتح الكنائس في الخارج، أنا لما رحت لندن في سنة 1970 كان في كنيسة واحدة مستأجرة، الآن انظر كم كنيسة في بريطانيا، كم في الولايات المتحدة الأميركية في كندا في أستراليا في أفريقيا في أوروبا في كل مكان. أيضا يسمى بطرك العرب لأنه حل المعادلة الصعبة بين الأصول القبطية والهوية العربية، مكرم عبيد حاول وراح عكا ويافا وحيفا وخطب وقال نحن أخوال العرب إلى غير ذلك، لكنه استطاع بمنع الأقباط مثلا -بغض النظر عن رأينا في هذا الموقف- من الذهاب إلى القدس إلا مع أشقائهم المسلمين؟ ما كان يأتي عرفات إلى القاهرة إلا ويمر بالعباسية ليزور قداسة البابا. فحل الإشكالية العربية القبطية ولذلك سوف يذكر في التاريخ بعد كيرولوس الخامس أبو الإصلاح مباشرة.

حسين عبد الغني: هو موقف ممتاز لكن يبدو أنه لا يتجاوز آباء الكنيسة على السطح لكن يبدو أن هوية وعروبة مصر غير محسومة لدى كثير من الأقباط على الأقل في ظل مناخ التشدد الحالي.

مصطفى الفقي: ولا المسلمين، قضية عروبة المصريين من الناحية السياسية قضية بدأت مع العصر الناصري، كانت عروبة ثقافية إنسانية، تقول لي الجامعة العربية، دي عملها البريطانيون واختاروا أكبر دولة علشان تلم شمل العرب، إنما يرجع الفضل لجمال عبد الناصر في أنه جعل العروبة السياسية جزء من الشخصية المصرية.

حسين عبد الغني: هل توافق على أن لعبة توزيع الأدوار تتمثل في قيام حتى عدد من نواب البابا شنودة في كنائس الخارج بالتظاهر في مظاهرات ضد الرئيس مبارك وضد الدولة المصرية في أكثر من مناسبة منها مظاهرة سيدني الشهيرة وصار فيها نائب..

مصطفى الفقي: (مقاطعا): لا، لا أستطيع أن أقول ذلك لسبب بسيط أنهم ينتقدون البابا بنفس الشدة والحدة التي ينتقدون بها الرئيس والنظام في مصر، وبعضهم -وسمعته بأذني في أميركا- أن البابا موالي للنظام ويجامله ولا يعبر عنا في هذا الشأن.

حسين عبد الغني: ما إحنا قلنا إن دي لعبة توزيع أدوار.

مصطفى الفقي: يعني لا أستطيع أن أجزم بذلك، وإذا كانت قد حدثت ففي النهاية المطالب معروفة ومنها مطالب عادلة ومنها ما يدخل في باب الابتزاز.

حسين عبد الغني: إلى أي حد ستؤثر هذه القضية وتركيز أقباط المهجر على أن مطالبهم لم تتحقق على زيارة الرئيس مبارك للولايات المتحدة؟

مصطفى الفقي: هي طبعا أن أعتقد برضه أنها تعمل تأثيرا سلبيا على أي زيارة ليست في الولايات المتحدة الأميركية ولكن كلما أثير هذا الموضوع -يعني العيار اللي مايصبش يدوش- بيعمل نوعا من الشوشرة على صورة مصر في الخارج، وإذا كانت مصر تتبنى أجندة إصلاح فينبغي أن يكون الشأن القبطي على أولويات هذه الأجندة، وأنا سعيد أن الدستور نص في مادته الأولى على مبدأ المواطنة سابقة على مبدأ الشريعة، على مبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع اللي هي المادة الثانية، كأنما أراد واضع الدستور أو معدله أن يقول إن قضية الأقباط محل رعاية واهتمام، لكن التوقيت هو اللي متأخر إلى حد كبير.

حسين عبد الغني: الأميركيون الذين يضغطون على مصر باستمرار من جهة العلاقات مع إسرائيل وأصبحت أحيانا كثيرة العلاقات الأميركية المصرية..

مصطفى الفقي: (مقاطعا): تمر بإسرائيل.

حسين عبد الغني: تمر عبر إسرائيل ومختطفة من قبل إسرائيل واللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، هل ستتحول أيضا القضية القبطية إلى أحد عناصر الضغط على مصر؟ سمعت مسؤولا أميركيا يقول خلاص قضية الديمقراطية والحريات لن تصبح مشكلة بيننا، يبدو أن إدارة أوباما لن تضغط على الرئيس مبارك ولا على الدول العربية في مسألة الحريات ومسألة السجل الديمقراطي، هل سيتحول موضوع الأقباط إلى ورقة ضغط؟

مصطفى الفقي: يعني لا أتصور أن الدولة سوف تسمح بهذا على المدى الطويل، عليها أن تعالج الشأن بشفافية وأن يكون الأمر بيدي لا بيد عمرو، لأن المسألة إرجاؤها بهذه الصورة يؤدي إلى تراكم المشكلات وتزايد الإعلام المضاد، وأنا شفت بعض الأقباط المعبئين عموما -مش قضية الأقباط- المعبئين بشدة ضد النظام ويستخدمون قضية الأقباط كإحدى القضايا التي يثيرونها في هذا الشأن. يجب أن يتوقف هذا، مثلما أقول لا يجب أن تمر علاقاتنا بالولايات المتحدة الأميركية من خلال إسرائيل، دي قضية أخرى أيضا، إنما مشكلتنا نحن بنضع أحيانا بعض الشروط وبعض القضايا في سبيل العلاقة مع الآخر، الشأن القبطي ملف حساس وملف وطني وقضية لها أولوية على أجندة صاحب القرار في مصر ويجب أن تأخذ طريقها إلى الإصلاح السريع.

حسين عبد الغني: تعطي الأولوية لمن في المشكلة، التحريض من الخارج والتعبئة التي تحدثت عنها الموجودة والفهم المغلوط الموجود لدى بعض الأقباط في الخارج أم لسياسة التسكين والترحيل وإطفاء الحرائق وعدم إنفاذ إرادة سياسية من قبل الدولة لحل الملف؟

مصطفى الفقي: أحل الجانبين، عملية التسكين والإرجاء والتعلق بمنطق المواءمة من أجل الإرجاء، الأمر الثاني إنني أرى أن هناك كثيرا من المبالغة أحيانا والمعلومات بتصل مغلوطة يعني سألني مرة أحد الأقباط المسيحيين الموجودين في الخارج هل يوجد مأمور شرطة في مصر مسيحي؟ قلت له لحسن الحظ مأمور الشرطة بتاعي في جامعة الشروق -كنت رئيس الجامعة البريطانية- إبراهيم بقطر قبطي. هذا تصور مش صحيح، والبعض يقول هل تستطيع المسيحية أن تلبس صليبا في الشارع؟ يعني بيصل لهم أمور أحيانا مبالغ فيها. فالأمر يتحمله الجانبان، تسكين من جانب الدولة ومزايدة من جانب الأخوة في الخارج.

حسين عبد الغني: متى تقف هذه المزايدة؟

مصطفى الفقي: لما تتقدم بحل موضوعي للشأن القبطي، عندما نفعل شيئا طيبا فإن الكل يستجيب، موضوع البهائيين على سبيل المثال، لما قبلت أن تترك خانة الديانة بلا اسم وتستصدر له الوثائق تلقينا شكرا من الأجهزة المعنية والمنظمات المسؤولة عن الجوانب الإنسانية في الولايات المتحدة الأميركية، وشعرت بذلك عندما كنت في واشنطن مؤخرا.

حسين عبد الغني: إذاً هي مثل كثير من المشكلات، مشكلات الفساد -وأنت تحدثت كثيرا عن فكرة ازدواج الثروة بالسلطة- هي المشكلة الأساسية، مرة أخرى أنه على الدولة المصرية أن تتقدم لعلاج المشكلات بشكل حقيقي حتى لا تعطي الآخرين فرصة للضغط عليها وللانتقاص من هيبتها ودورها.

مصطفى الفقي: اقتحام المشكلات أفضل من الدوران حولها، وإرجاؤها يؤدي إلى تفاقمها. وأيضا أناشد إخواننا المسيحيين في الخارج بقدر من التفهم لظروف مصر الحالية وأنها ظروف صعبة وشديدة الحساسية وليس يعني هذا أنني أعطيهم مسكنا ولكن أقول لهم إن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وأطالب الدولة بالإسراع في إصدار القانون الموحد لدور العبادة لأنه -كما قلت أنت- ينزع من الملف 50% من صفحاته.

حسين عبد الغني: إذاً فالمسؤولية هي مسؤولية الدولة، على أي حال هذه الدولة لا يبدو أنها تبذل ما فيه الكفاية لإنفاذ إرادة سياسية حازمة سواء للقضاء على ملف الفتنة الطائفية أو على ملف الفساد أو انهيار الخدمات العامة. على أي حال..

مصطفى الفقي: (مقاطعا): هذه وجهة نظر الجزيرة وليست وجهة نظري.

حسين عبد الغني: على أي حال أنت حضرتك تحدثت عن مسألة الترحيل والتسكين لفترات طويلة. أشكرك الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب والمفكر القومي وأيضا أحد المهتمين باستمرار بقضية الأقباط والوحدة الوطنية في مصر. أما أنتم مشاهدينا الأعزاء فحتى لقاء آخر هذا حسين عبد الغني يحييكم من القاهرة.