- إطلاق الحملة الدولية لمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين
- مواقف الحكومات العربية والغربية وتهمة العداء للسامية

- سبل مواجهة الأزمة المالية والعلاقة بين الغرب والإسلام

إطلاق الحملة الدولية لمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين

ناصر البدري
مهاتير محمد
ناصر البدري: مشاهدينا الكرام أهلا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج لقاء اليوم، ضيفنا في هذه الحلقة هو رئيس وزراء ماليزيا السابق السيد مهاتير محمد. فخامة الرئيس أنتم قمتم بتنظيم مؤتمر لإطلاق حملة دولية تهدف إلى محاكمة المسؤولين الإسرائيليين الذين يشتبه تورطهم في جرائم الحرب الأخيرة في قطاع غزة، كيف تريدون تحقيق ذلك؟

مهاتير محمد: من خلال الاهتمام المتواصل بما حدث في غزة وحث أكبر عدد ممكن من الناس للحديث عما جرى هناك ومن خلال الاتصال بأعضاء البرلمانات الذين سيثيرون ما حدث في برلمانات بلادهم، وفي النهاية أعتقد أن الحكومات ستنصت لما يقال وستتخذ الإجراءات المناسبة.

ناصر البدري: تقصدون أن الحكومات الغربية ستعلم بهذه الجرائم الإسرائيلية ثم يتحركون من خلال الضغط على الدولة العبرية، كيف يتحقق ذلك في نطاق المنظومة القانونية الدولية؟

مهاتير محمد: لن يحدث شيء في هذا المضمار حتى توافق على ذلك الولايات المتحدة لذلك من المهم أن تصل رسالتنا واضحة للحكومة الأميركية ويتعين علينا أن نفضح حكومة الولايات المتحدة وما تقوم به من انتهاكات لحقوق الإنسان، ليست لديهم سلطة أخلاقية لانتقاد الآخرين لأنهم هم أنفسهم متورطون في انتهاك حقوق الإنسان.

ناصر البدري: رأينا اهتماما رسميا كبيرا من ماليزيا بهذا الموضوع، وزير خارجية ماليزيا تحدث بلهجة قوية ضد ما تقوم به إسرائيل من انتهاكات على امتداد العقود الأخيرة في فلسطين وبشكل خاص خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية، كيف استقبل الماليزيون على المستوى الرسمي والشعبي صور معاناة الفلسطينيين الأخيرة خاصة تلك التي تتعلق بمعاناة الأطفال ومشاهد الدمار التي تعرضوا لها والعائلات التي أبيدت عن بكرة أبيها وهي الأعمال التي انتقدتها وأدانتها العديد من المنظمات الأممية كالأمم المتحدة؟

مهاتير محمد: ما لاحظناه هو أنه في كل مرة تحدث فيها جرائم كهذه يكون هناك اهتمام مفاجئ وتعاطف لكنه لا يلبث أن يختفي لذلك نحن نشعر أن إشراك حكومتنا والقيام بحملة متواصلة تؤجج مشاعر الناس تجاه هذه الفظائع سيجعل جهة ما تنتبه لما يحدث وتتخذ الإجراء المناسب.

ناصر البدري: ولكن كيف استقبل الشعب الماليزي مشاهد القتل والدمار التي تعرض لها الفلسطينيون؟ بكل تأكيد أنهم شاهدوا تلك الصور من خلال وسائل الإعلام المحلية والدولية، كيف تفاعلوا مع تلك المشاهد؟ لقد رأينا العديد من المظاهرات في شوارع كوالالامبور.

مهاتير محمد: مشاعر الناس في ماليزيا قوية جدا ليس فقط بين المسلمين وإنما أيضا في أوساط غير المسلمين وكلهم نشطون في هذه القضية لأن اهتمامهم يتركز على حقوق الإنسان ونحن لا نعتبر هذه الحرب حربا دينية وإنما نعدها انتهاكا لحقوق الإنسان وحربا حول رقعة جغرافية أكثر منها حربا دينية.

ناصر البدري: ما الذي دفعكم أساسا إلى القيام بإطلاق هذه المبادرة التي وصفت بالشجاعة من قبلكم ومن قبل ماليزيا كدولة؟ حسب علمنا ماليزيا هي الدولة الوحيدة التي تسعى إلى إطلاق مبادرة لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين الذين يشتبه تورطهم في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في قطاع غزة، حتى هذه اللحظة كانت هناك العديد من المنظمات غير الحكومية التي قامت بمبادرات شبيهة لمقاضاة المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في أحداث غزة.

مهاتير محمد: ليست هذه المرة الأولى، عندما واجهت البوسنة جرائم حرب قمنا بدور نشط على المستوى الدولي لإنهاء الجرائم التي كانت ترتكب هناك وكنا أيضا نشطين فيما يخص دولا أخرى وساهمنا دائما بقوة وعرضنا أحيانا إرسال قواتنا للقيام بمهام حفظ السلام في دول كثيرة، أما مع قضية فلسطين فهناك تعاطف إضافي لأننا نحن كمسلمين نشعر أن هؤلاء أخوة لنا يضطهدون من قبل دولة غير مسلمة.



مواقف الحكومات العربية والغربية وتهمة العداء للسامية

ناصر البدري: أليست مفارقة عجيبة وغريبة أن تأتي هذه المبادرة من ماليزيا الدولة المسلمة التي ليست لديها أية حدود مباشرة مع فلسطين فيما دول المواجهة العربية في حالة شلل شبه كامل، وحتى رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية لا يريد توقيع طلب رفع قضية ضد مسؤولين إسرائيليين، أليست هذه مفارقة؟

مهاتير محمد: في الواقع هي مفارقة لكن الواقع هو أنهم يبالغون في الخوف مما قد يحدث لهم وهو خوف غير مبرر لأنك إن رتبت بيتك الداخلي بشكل جيد فستستطيع الصمود أمام الضغوطات الخارجية بسبب مواقفك.

ناصر البدري: لماذا تعتقدون أنكم أنتم كدولة في ماليزيا لديكم الشجاعة الكافية للقيام بهذه المبادرة فيما دول أخرى عربية والتي لديها مصالح مباشرة في متابعة المسؤولين الإسرائيليين تقف شبه عاجزة، هل سبب شجاعتكم في أنكم تستمدون قوتكم من الشعب الذي انتخبكم؟

مهاتير محمد: أعتقد أن هذا بسبب طبيعة الشعب الذي نمثله، نحن نعارض بقوة الاضطهاد ونعارض قتل الناس كوسيلة لحل المشاكل بين الأمم.

ناصر البدري: ألستم خائفين من اللوبي الإسرائيلي القوي والمتواجد في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وفي دول أخرى من العالم وهم الذين قاموا بهجمات وحملات معادية ضد كل شخصية تنتقدهم وأنتم كنتم هدفا لتلك الحملات من قبل المتعاطفين مع إسرائيل من اليمين الجديد.

مهاتير محمد: إذا كنت تريد اتخاذ مواقف شجاعة فلا بد أن تقبل ببعض المخاطر والناس أحيانا يبالغون في المخاطر بشكل كبير، لقد شعرت شخصيا بقوة حملات اللوبي الصهيوني ضدي ولكننا صمدنا، عندما كنت رئيس وزراء ماليزيا وصفوني بالشيطان في وسائل الإعلام ووجهوا إلي تهما كثيرة لكن المهم في ذلك كله هو هل تحظى بدعم شعبك أم لا؟ ما يقوله الغربيون لا يهم لأنهم ليسوا مصدر سلطتنا، مصدر سلطتنا ودعمنا هو الشعب الماليزي.

ناصر البدري: وهذا في رأيكم أي تمثيلكم للشعب هو الفرق بينكم وبين حالة العجز التي تعانيها العديد من الحكومات العربية؟

مهاتير محمد: أعتقد أنهم لا يدركون حقيقة مشاعر شعوبهم.

ناصر البدري: بم تنصحونهم؟

مهاتير محمد: على المدى البعيد يتعين عليهم الإنصات إلى أصوات شعوبهم بدل الرضوخ لضغوطات خارجية.

ناصر البدري: ما هي رسالتكم للغربيين بشكل عام الأميركيين أو الأوربيين أو غيرهم الذين يعطون إسرائيل الضوء الأخضر ويبررون ما تقوم به في قطاع غزة على اعتبار أنه دفاع عن النفس؟

مهاتير محمد: أعتقد أن المشكلة مع الدول الغربية هي أنها تبالغ في الخوف من النفوذ المالي والإعلامي الذي تمارسه إسرائيل، حتى في هوليوود إنهم يخافون كثيرا من ذلك ويشعرون أنهم لا يستطيعون تجاوزه ويحتاجون إلى دعم إسرائيلي حتى داخل بلدانهم وسلوكهم هذا مبني على خوف غير مبرر ومبالغ فيه من قوة الإسرائيليين.

ناصر البدري: هناك أيضا مسألة العداء للسامية، تهمة جاهزة يقول كثيرون إنها معدة سلفا لكي تطلق على كل شخص ينتقد إسرائيل حتى ولو كان انتقادا بناء خفيفا، شاهدنا كيف شرعت بعض الدول الأوروبية قوانينا تجرم كل انتقاد لإسرائيل، هل هذا مبرر؟

مهاتير محمد: أعلم ذلك، هكذا يعمل الإسرائيليون إنهم يقومون بالترويج لفكرة ما حتى يقبل بها الجميع، يروجون مثلا لحقوق الإنسان والديمقراطية كما يرونها هم، لكن لو طبقنا تلك القيم بمعناها الحقيقي لما حصلت مشاكل لأحد حتى اليهود، إنهم يزرعون في عقول الغربيين فكرة عقدة الذنب من مسألة الهولوكوست وهو ما يجعل الغربيين يقبلون بكل شيء تقوله إسرائيل بما في ذلك تجريم كل انتقاد لها.

ناصر البدري: شاهدنا كثيرين في المؤتمر الذي نظمتموه ينتقدون إسرائيل وما تقوم به في قطاع غزة وكان من بين المنتقدين يهود لكنهم واجهوا تهما بالعداء للسامية، هل تعتقدون أن تهمة العداء للسامية يساء استخدامها بشكل سيؤثر سلبا على اليهود جميعا على المدى البعيد؟

مهاتير محمد: على المدى البعيد نعم، لكن كثيرين سيفطنون إلى الظلم الحاصل، فيما الإسرائيليون يحق لهم وصف المسلمين بالإرهاب ونبينا عليه الصلاة والسلام بالإرهابي لا شيء يحدث لهم، هذا ظلم وإجحاف، فيما أي شخص ينتقد إسرائيل بعبارات فإن الأمر يفهم على أنه معاداة للسامية ويجرم قائله، لكن الناس لن يقبلوا بذلك إلى الأبد.

ناصر البدري: لكن في المقابل إسرائيل تقول إنها تواجه تهديدات خطيرة من قبل دول مجاورة تكن لها العداء وتسعى لإبادتها، حماس مثلا تقول إنها تطلق الصواريخ وتستهدف إسرائيل بالانتحاريين، هم يقولون إنهم يواجهون معركة حياة أو موت أو هكذا يزعمون.

مهاتير محمد: يقولون ذلك دائما لكن هل هذا صحيح؟ لنقيم ذلك، كم شخصا قتلت صواريخ حماس؟ كم مدرسة دمرت تلك الصواريخ؟ كم مستشفى؟ ولنقارن ذلك مع ما حدث لأهالي غزة الذين قصفت مدارسهم ومستشفياتهم وبيوتهم، إذاً من هو الضحية هنا؟

ناصر البدري: لماذا لندن لإطلاق حملتكم؟

مهاتير محمد: لأن في لندن كل شيء بدأ، هنا أطلق وعد بلفور.



سبل مواجهة الأزمة المالية والعلاقة بين الغرب والإسلام

ناصر البدري: أنتم شغلتم منصب رئيس وزراء ماليزيا لأكثر من عشرين عاما وأدخلتم إصلاحات جذرية غيرت ملامح البلاد وحولتها إلى قوة إقليمية اقتصادية، كيف فعلتم ذلك؟

مهاتير محمد: من خلال شرح الحلول الأفضل للشعب، رغم أنك لا تحظى دائما بدعمهم لكن إذا برهنت لهم دائما من خلال النتائج الجيدة فإن الناس سيقبلون بأن التغييرات التي تقترحها لصالحهم.

ناصر البدري: وما هي في نظركم المعالم الأساسية للإصلاح الاقتصادي والرقي بالدول خاصة وأننا الآن في خضم أزمة اقتصادية خانقة يعاني منها الجميع بدون استثناء؟

مهاتير محمد: ما اقترحناه هو أن العالم أجمع لا بد أن يسهم في صياغة نظام مالي واقتصادي عالمي جديد لأن من الواضح أن الأنظمة القديمة فشلت بسبب إساءة استخدامها، ليس من المفيد أن ننقذ بنوكا فاشلة لأنها مضيعة للمال فقط.

ناصر البدري: أنتم في ماليزيا من الرواد في اعتماد النظام المصرفي الإسلامي، الآن لدينا أكاديميين وسياسيين غربيين ينادون باعتماد بعض أدوات الشريعة الإسلامية في الاقتصاد لكن أليس الوقت متأخرا؟

مهاتير محمد: أن نكون متأخرين أفضل من عدم الإقرار بأهلية الصيرفة الإسلامية، ليس النظام المالي الإسلامي فقط وإنما المهم هو أن يكون نظاما مصرفيا غير ربوي وهو موجود أيضا عند اليهود والمسيحيين.

ناصر البدري: هذه المنظومة المالية العالمية التي تطالبون بها هل يمكن الجمع فيها بين القيم الإسلامية والقيم الغربية خاصة وأن الكثير من الغربيين يؤكدون على أن ذلك لا يمكن وأنه لا بد من الاختيار إما بين النظام الإسلامي أو الغربي؟

مهاتير محمد: لا أعتقد ذلك لأن هناك عناصر في النظام المصرفي التقليدي موجودة في النظام المصرفي الإسلامي عدا فكرة تجنب الربا، نعم يمكننا الجمع بين المنظومتين لكي يكون ذلك مرضيا للجميع.

ناصر البدري: أنتم من الأوائل الذين عارضوا فكرة صراع الحضارات وبعض المصطلحات التي روج إليها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة حول حتمية الصدام بين الإسلام والغرب، هل أنتم لا زلتم تعتقدون أنه يمكن تجنب الصراع والصدام بين الإسلام والغرب؟ هل يمكن أن يتعايش العالم الإسلامي والغربي بسلام؟

مهاتير محمد: الغرب أو لنقل العرق الأوروبي كان دائما يتحفز للقيام بالحروب، يريدون حربا لتغذية مشاعر الكراهية لديهم والسيطرة وقتل الآخرين، عندما انتهت الحرب العالمية الأخيرة ولم ينخرطوا في حرب لمدة طويلة بدؤوا يبحثون عن عدو جديد والمسلمون عدو مناسب.

ناصر البدري: وهل سيظل عدوا أبد الدهر؟

مهاتير محمد: أعتقد أنهم في يوم ما سيقتنعون أننا لا نشكل تهديدا لأحد.

ناصر البدري: كيف يمكن تطوير تفاهم وثقة بين الغرب والإسلام؟ وهل أنتم في ماليزيا لديكم ما تقدمونه في هذا المضمار لتحقيق تعايش سلمي بين الطرفين؟

مهاتير محمد: لدينا بعض الأفكار، القادة في العالم الإسلامي يعرفون ما يجب فعله لكن تنقصهم الإرادة.

ناصر البدري: شكرا جزيلا.