- الانتقادات حول الجانب الديني من الرواية
- الاتهامات السياسية والنقد الفني للرواية


 
 حسين عبد الغني
 يوسف زيدان

حسين عبد الغني: لقاؤنا اليوم مع الدكتور يوسف زيدان الذي حصلت روايته "عزازيل" على جائزة بوكر العربية التي أصبحت في وقت قصير أهم جائزة للرواية العربية في إطار دولي. رواية باسم غريب في فترة تاريخية غير مطروقة، تدخل مناطق شائكة غير مسبوقة في السياسة والدين والأخلاق، حازت على جدل لم تحصل عليه أي رواية في العصر الحديث منذ أكثر من عشر سنوات، والأهم من ذلك أنها نفدت منها ست طبعات كاملة في إقبال غير مسبوق على فن الرواية في العالم العربي. أهلا بك دكتور زيدان في هذا اللقاء مع قناة الجزيرة. أولا ولتعريف مشاهدينا من لم يقرؤوا النص الروائي، من هو عزازيل وما هي أجواء روايتك باختصار شديد؟

يوسف زيدان: عزازيل هو الاسم العبري لإبليس أو الشيطان اللي هو بيظهر في الرواية في لحظات معينة وبيدفع بطل الرواية اللي هو راهب مصري ولد سنة 391 وارتحل من أسوان إلى أخميم في الصعيد ثم إلى الإسكندرية وشهد هناك وقائع ضخمة ثم خرج هائما على وجهه من الإسكندرية إلى شمال الدلتا مرورا بسيناء والبحر الميت مغارة البحر الميت بيبحث عن أصل الديانة وظل فترة في أورشليم ثم انتقل في المشاهد الأخيرة من الرواية للحياة أو للعيش في دير في شمال حلب وهناك اكتشفت -روائيا طبعا- سيرة حياته اللي كتبها وحكى فيها اللي شافه من سنة 391 إلى سنة 431 اللي هي سنة الصدام الكبير اللي حدث بين الكنائس الكبرى.



الانتقادات حول الجانب الديني من الرواية

حسين عبد الغني: دكتور زيدان، أثارت روايتك نوعين من النقد، النقد الأول يمكن وصفه اختصارا بنقد سياسي وديني وأخلاقي والنوع الثاني من النقد هو نقد يتعلق بالنقد الفني والنقد الأدبي، يتعلق ببنيان الرواية وطريقة صياغة الشخصيات خاصة شخصية هيبا الشخصية الرئيسية التي بني عليها العمل الفني. سأبدأ أولا بالنقد السياسي والديني والأخلاقي ثم ننتقل إلى الجزء الفني، في النقد السياسي والديني يقال إن يوسف زيدان غير المسيحي -باختصار المسلم- إنما هدف إلى هدم العقيدة المسيحية من خلال هذه الرواية بدليل أنه تصدى لموضوع شائك للغاية في العقيدة المسيحية وهو طبيعة السيد المسيح وكان أميل طول الوقت في الرواية إلى الانحياز -اعتبرها- رؤية أكثر انحيازا إلى العقل وإلى الصفاء الروحي وإلى عدم التعصب تميل إلى أنه.. إلى طبيعته البشرية، فهذا اعتبر هدما للعقيدة المسيحية ودخولا في مناطق لا يصح أن يدخلها غير مسيحي.

يوسف زيدان: يعني هذا الكلام طبعا كلام غريب يعني وأظن أن اللي قاله ما قرأش الرواية أصلا لأن كل اللي قرؤوا الرواية عارفين أن هذا النص بينتصر للإنسان، ثم أنه إيه مسألة مسيحي ومسلم؟ أنا يعني عن نفسي أنا مؤمن بكل الديانات وبالتالي المسيحية يعني ليست عدوتي بالعكس أنا عندي جهود كثيرة يعلمها أقطاب الدين المسيحي أنه أنا اللي جمعت مثلا المخطوطات القبطية من سنوات بأجمع فيها وبأرمم مخطوطات المتحف القبطي، وأنا لم أتعرض لتاريخ منسي أنا أتكلم عن تاريخ حي ممتد في واقعنا المعاصر، وأزعم أنه إحنا لن نفهم واقعنا المعاصر في بلادنا دي إلا لما ننظر في هذه المناطق التاريخية المنسية بدون حساسيات.

حسين عبد الغني: دكتور زيدان، في هذا الصدد يبدو أن حديثك عن أحد رموز الكنيسة المرقصية وهو البابا كيرولوس العمود البطرك الرابع عشر للكنيسة اعتبر نوعا من أنواع التهجم على رمز من رموز المسيحية والكنيسة يرفعونه إلى مرتبة التقديس وأنك كنت تقصد بشكل واضح أن تنسب إليه عنفا يقال إنه ليس موجودا أصلا في صلب العقيدة المسيحية.

يوسف زيدان: البابا كيرولوس عمود الدين البابا الرابع والعشرين للكنيسة المرقصية كان شخصا عنيفا وكل من درس التاريخ يعلم هذا وأظن أن آباء الكنائس يعرفون هذا جيدا وكان خاله الأسقف ثيوفيلوس أشد منه عنفا وهو الذي رباه، هذه حقائق تاريخية، أما عن الشواهد فهي كثيرة، هدم السيرابيوم، القضاء على المدارس الفلسفية بشكل تام، مع البابا كيرولوس تم إظلام تام لمدة خمسة قرون ليس إظلاما للإسكندرية فحسب ولا لمصر حتى إنما إظلام للعالم لأنه بعد مقتل هيباتيا العالمة الفيلسوفة لم يظهر اسم واحد في تاريخ العلم الإنساني طيلة خمسة قرون.

حسين عبد الغني: ما هو يمكن هذا المثال بالتحديد يعني نسبت إليه جريمة عنيفة وهي قتل هيباتيا يعني هنا اعتبر..

يوسف زيدان: طيب يعني ونقول إيه على الفعل الأشنع الأشد اللي عمله ثيوفيلوس الأسقف الأسبق الثلاثة وعشرين لما هدم السيرابيوم على رؤوس من فيه من العلماء والفنانين، طرد اليهود من الإسكندرية، محاولات اغتيال حاكم المدينة المسيحي، إلى آخر يعني وقائع يعني يضيق طبعا المقام هنا..

حسين عبد الغني (مقاطعا): قرأت للأنبا بيشوي للراهب بسيط ولغيرهم يقولون إنك تدخلت تدخلا سافرا في أمور لاهوتية في شؤون داخلية في مراحل تاريخية للكنيسة لا يجب أن يتدخل فيها..

يوسف زيدان: في المقابل قال المطران يوحنا غوغوريوس وهو أرثوذوكسي قال ونشر هذا الكلام إن "عزازيل".. إنه لم ير أحدا استطاع أن يغوص في عالم اللاهوت مثل يعني كاتب "عزازيل" وإن الرواية لا تعرض فقط لهذه المشكلات إنما هي تطرح حلولا لها وهي حلول بحسب ما قال يعني تستحق منا أن نفكر فيها طويلا. لأنها مشكلات ظلت 1500 سنة ومن المناسب أن إحنا نعيد النظر فيها لأن العنف مش مرتبط لا بمسيحية ولا بإسلام، العنف مرتبط بآليات معينة منها مسألة القداسة اللي حضرتك أشرت لها، القداسة في المقدسين وليس في الناس ولا في.. يعني المقدسات مقدسات لأن هؤلاء تحديدا قدسوها وإلا فلا يوجد مقدس في ذاته أبدا، اللي إحنا منقدسه في ناس ثانيين لا يمثل عندها أي شيء وهكذا الأمر إذاً علينا أن ننظر بالقاسم المشترك اللي بيننا بصرف النظر عن اختلاف ديانتنا وهو العقل والمنطق.

حسين عبد الغني: دكتور زيدان في هذا الصدد هل أنت كنت مسكونا كمسلم بفكرة نشأت بشكل عام بعد الحادي عشر من سبتمبر بأن المسلمين هم مصدر العنف والإرهاب وأردت أن تثبت أن العنف، جرثومة العنف -كما كتب جابر عصفور في مقال مهم عن روايتك في الحقيقة- أنك تريد أن تقول إن جرثومة العنف موجودة في كل الأديان وفي كل العقائد وأنك أردت ربما أن توازن بين ما يقال عن أهل دينك وبين أهل الأديان الأخرى؟

يوسف زيدان: اللي حضرتك بتقوله ده أنا ذكرته في بحوث لي في التسعينيات يعني بالتالي مش مرتبطة بوقائع دولية معينة، إنما مسألة أن "عزازيل" بتهدم المسيحية يعني إيه؟ ما هو ما كانش حد غلب بقى، يعني كان كل الديانات اتهدمت بالطريقة دي إذا كانت في رواية حتهدم ديانة، ومع هذا التهمة دي لأنها لم تصح يعني أو لم تقنع فبعدها بشوية كان نفس الشخصين بيقدموا تهمة ثانية، فبيقولوا مثلا إن ده اللي هو "عزازيل" يعني هي صورة من "شيفرة دافنشي" وطبعا اللي بيقول كده لا قرأ دي ولا دي فما ظبطتش برضه، بعدها بشهرين..

حسين عبد الغني (مقاطعا): من روائي إنجليزي.

يوسف زيدان: لا، قبلها. بعدها بشهرين قالوا وقال لي كده الأخ العزيز اللي هو القمص ده على الهواء بيقول لي أصل أنت ضمن جماعة دولية بتعبد الأنثى، قلت له إزاي يعني؟ قال لي آه في عبادة الأنثى في.. قلت له إنثى إيه بس؟ ده أنا حتى ما ليش حظ مع الستات! فده وقاله على الهواء، فراح قائل في برنامج بعده، لا، هو في الحقيقة أنت في صلة بينك وبين سلمان رشدي علشان "عزازيل" زي "آيات شيطانية". كلام غريب جدا! آخر حاجة بقى بيقولها اليومين دول إنه، لا، أصل دي متاخدة من قصة بتاعة واعظ إنجليزي قسيس كده اسمه تشارلز كينغزلي. قصة عبيطة يعني، علشان فيها هيباتيا وفيها كيرولوس بس هيباتيا شريرة ساحرة شريرة وكيرولوس رجل طيب مسكين خالص وفي راهب هو اللي بيشوفهم وبالتالي تبقى "عزازيل" مأخوذة من دول..

حسين عبد الغني (مقاطعا): عكست السياق يعني.

يوسف زيدان: سياق إيه؟ ده في 150 رواية في الأدب الإنساني، أنا لما..

حسين عبد الغني (مقاطعا): 150 رواية في الأدب الإنساني فيها إيه؟

يوسف زيدان: فيها هيباتيا وكيرولوس، هو بس اندهش لما لقى أنه في رواية ثانية، إنما آلان نادو مثلا في "عبدة الصفر" بيتكلم عن هيباتيا.

[فاصل إعلاني]

حسين عبد الغني: الغرب الذي يشارك بعض مثقفيه في لجنة الجائزة يريدون أن يعني يغسلوا يدهم من إعطاء الجائزة لسلمان رشدي عن روايته "آيات شيطانية" باعتبارها تهاجم الرسول وتهاجم الإسلام لأن يقولوا إن نحن لسنا متعصبين نحن نعطي الجائزة لمؤلف عربي مسلم ينتقد بشكل واضح مظاهر معينة في تاريخ وفي لاهوت المسيحية.

يوسف زيدان: هذا غير صحيح لأن جائزة البوكر تم منحها لـ"عزازيل" قبل إعلان النتيجة بشهور، الناس منحت الرواية الجائزة وده رسميا يعني هي هيئة البوكر عملت على موقعها تصويتا للقراء فكانت نسبة أن "عزازيل" تفوز 47% لصالح 52% للخمس أعمال الأخرى.

حسين عبد الغني: الأعمال الأخرى اللي كانت في القائمة القصيرة. هو بس في بعض الناس بيفسروا هذا الحماس والإقبال على أنه نوع من أنواع يعني شعور فئات دينية كثيرة من المسلمين بأن الرواية تنتصر بشكل ضمني لتفسير النص المقدس في القرآن لطبيعة المسيح البشرية وبالتالي يعني هذا الحماس يمكن وصفه بأنه حماس ديني في مواجهة الآخر أكثر منه حماس يعني لما يمكن وصفه بحماس أدبي وفني.

يوسف زيدان: "عزازيل" قضيتها الأولى في اللغة التي كتبت بها وفي البنية المركبة وحالة الإيهام العالي اللي بتجعل القارئ جزءا من النص، هذا الكلام يعني كثير يمكن ما يأخذوش بالهم منه فبالتالي يعلنون وصايتهم على القارئ ويقولون لا أصل هي الناس مش فاهمة، يعني أزمة..

حسين عبد الغني (مقاطعا): يعني دكتور زيدان لو كانت هذه الرواية عن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام أو كانت على المسلمين الأوائل كانت حتقابل بهذه الحفاوة من تيار واسع من المسلمين في العالم العربي؟

يوسف زيدان: لا، لا، "عزازيل" لم تقابل بحفاوة من المسلمين، "عزازيل" قوبلت بحفاوة من القراء، القارئ اللي هو تم الترويج لفكرة أن إحنا مجتمعات متدهورة في القراءة وأن ما حدش بيقرأ وكل ده للتنفيس عن فشل كثير من الكتاب مش قادرين يتواصلوا مع الناس، زي مثلا بيقولوا فشل الإعلام العربي عن التواصل لحد ما طلعت القنوات دي فعملت النقلة وكشفت زيف الآخرين.

حسين عبد الغني: في ناس قالوا إنه -وأعتقد برضه هذه وجهة نظر جديرة منك بالتأمل قليلا- إن الروائي لما يكتب الكاتب لما يكتب لا بد أن يراعي ديانة العوام ديانة البسطاء وإنك أنت اعتديت في روايتك على كثير مما يعتقده هؤلاء العوام ويمكن كنت أن تلجأ إلى ذلك بشكل غير مباشر، وعندما فعلت ذلك ربما صببت مزيدا من الزيت على النار في فتنة بدأت منذ تقريبا الرئيس السادات اللي هي فتنة طائفية لم تكن موجودة في مصر بشكلها الحالي لكن ربما أنت تسهم الآن في تأجيج الفتنة الطائفية في مصر.

يوسف زيدان: طيب وليه ما تشوفش المسألة بالعكس؟ أن أنا بأكشف من خلال نص إنساني جدا عن بذور العنف بصرف النظر هي في أي معسكر، ثم أن ما أنا عندي أصدقاء أقباط كثيرون ومرتبط بصلات عميقة مع..

حسين عبد الغني (مقاطعا): بعد الرواية ما زالوا موجودين؟

يوسف زيدان: كثير..

حسين عبد الغني: ما بيتناقصوش؟

يوسف زيدان: لا، لا، بالعكس.



الاتهامات السياسية والنقد الفني للرواية

حسين عبد الغني: لكنك دكتور يوسف لم تكتب إلا نصا روائيا واحدا قبل هذه الرواية اللي هو "ظل الأفعى" ثم كتبت رواية "عزازيل" فالبعض يعتبر يعني قد يكون من المفهوم أن يتلقى بهاء طاهر على 30 سنة، 35 سنة من الكتابة المتصلة والإخلاص المستمر للرواية جائزة البوكر العربية لكن هل معقول أن نصك الثاني.. البعض يعتبرك حتى دخيلا على الروائيين.

يوسف زيدان: أولا البوكر بتمنح للأعمال وليس لأصحابها..

حسين عبد الغني: صحيح علشان كده إحنا قلنا رواية "عزازيل" التي فازت.

يوسف زيدان: بالضبط، ثانيا أنا شغلي في التصوف بس هو الناس يمكن ما بتقرأش، ما هو في الأدب الصوفي ولو شافوا أو لو كانوا بيقرؤوا كانوا عرفوا أن نفس اللغة دي مستخدمة من زمن طويل جدا بس يعني هم.. مش هم، الكام شخص دول هم بس اللي مش واخدين بالهم.

حسين عبد الغني: كان واضحا من.. أي حد يقرأ النص ويعرف الحساسيات الطائفية في مصر أن يتوقع هذا.

يوسف زيدان: الحساسيات الطائفية إحنا اللي بنعملها، هي ليست جاهزة ولا قوالب جاهزة..

حسين عبد الغني (مقاطعا): طيب بأمانة دكتور يوسف ما انطلبش منك من جهة دينية معينة من جهة سياسية معينة أن تكتب هذه الرواية بما لديك من علم في تاريخ اللاهوت وفي تاريخ الصوفية وتاريخ العلوم بحيث يكون نوعا من أنواع ما يبدو أنه تحامل من بعض المتشددين الأقباط على المسلمين ووصفهم باستمرار بالإرهاب؟

يوسف زيدان: هذه يعني ما تذكره حضرتك دي إحدى التهم اللي وجهت لـ"عزازيل" لتفسير أو تبرير نجاحها فقالوا، لا، أصل هو جهات معينة في مصر..

حسين عبد الغني: أمنية سيادية سياسية..

يوسف زيدان: آه طلبت من يوسف، هذا الكلام يعني مش سخيف هو كلام عبيط في الحقيقة، ليه؟ لأنه لا أعلم شخصا يمكن أن يكتب بناء على تكليف من أحد وإذا كتب لا يكتب مثل هذه الرواية، يكتب عن..

حسين عبد الغني (مقاطعا): لما يكون متمكنا زيك ممكن يعني يقدر يحول طلبا معينا..

يوسف زيدان (مقاطعا): ليه؟ أنا لست مرتبطا بمصالح مع أي جهة، وفي مثل في مصر هنا يعني نشأنا عليه وأنا بأطبقه بيقول، يا نحلة لا تقرصيني ولا عايز منك عسل، وهو ده لأنه أنا علشان خلفيتي صوفية قبل كده فأنا مطبق ده، أنا مش محتاج حاجة من أحد علشان يكلفني وعلاقتي حتى بالحكومة المصرية هي علاقة متوازنة جدا لا فيها خير ولا شر.

حسين عبد الغني: هل عندك أي جذور في الحركة الإسلامية لك يعني كنت ناشطا إسلاميا بصورة أو بأخرى وقد يفسر هذا يعني هذا النص الذي يعتبره بعض المسيحيين مسيئا لعقيدتهم؟

يوسف زيدان: أستاذ حسين لما صدرت "عزازيل" كان ده في مارس السنة اللي فاتت في آخر الشهر، في نفس الشهر صدر كتاب لي اسمه "كلمات" وكان كثير من الإسلاميين بيستعدوا وبعضهم كتب يعني ضد كتاب "كلمات" بس من وجهة نظر السلفيين.

حسين عبد الغني: إزاي عملت عملا زي "ظل الأفعى" لم ينتبه إليه بتعبيرك، وهذا العمل.. لا بد من تفسير لماذا حاز هذا، هل تقدمت أدواتك الفنية ولغتك وقدرتك على إحكام البنيان الروائي؟..

يوسف زيدان (مقاطعا): لغة "ظل الأفعى" أعلى من عزازيل..

حسين عبد الغني: طيب ليه تفسر..

يوسف زيدان: أعلى..

حسين عبد الغني: يعني لماذا مرت مرور الكرام دون انتباه يعني؟

يوسف زيدان: لأنه إحنا في واقع فوضوي ويصعب جدا التنبؤ به..

حسين عبد الغني (مقاطعا): يعني تعتقد أنه سيعاد قراءتها في ضوء نجاح "عزازيل"؟

يوسف زيدان: سوف.. طبعا يعني إنما القراءة الحقيقية لـ"عزازيل" حتتم في اللغات الأوروبية وليس في اللغة العربية، ويمكن المترجم بيقول لي من شهرين وهو بيخلص الترجمة فبيقول لي إنه بيفكر إزاي القارئ الأوروبي حيتقبل النص ده باعتبار واحد عربي هو اللي كاتبه، قلت له ليه؟ قال لي مش حيخطر في بال أي واحد أوروبي أن العرب ممكن يقدموا حاجة زي كده. أنا اعتزيت بالكلام ده باعتباري عربي ولما أخذت الجائزة اعتزيت بها باعتباري مصريا ولما طلعت الرواية وأنا قاعد في الإسكندرية ولم يعني أستسلم لإغواء القاهرة -النداهة دي- كنت معتزا بإسكندريتي ولكن دائما هناك من يعني يضرب اعتزازك هذا، يضرب اعتزازي بإسكندريتي لأني أنا مش مصنف في القاهرة ضمن شلل ويضرب اعتزازي بالحصول على الجائزة وينسون إن دي جائزة مصرية فأرجع في الطائرة ألاقي الصحف كلها عمالة تهاجم فيّ بكلام سخيف، وأنا بالمناسبة..

حسين عبد الغني (مقاطعا): بس كان في احتفاء كمان يعني علشان نكون منصفين.

يوسف زيدان: طبعا، طبعا.

حسين عبد الغني: دكتور زيدان، حتى أكثر المتحمسين للرواية في الجزء.. يقولون إنه ليس عملا أدبيا حقيقيا، يعني الدكتور يحيى الجمل كتب إذا كنت تريد في فن القص.. "تعتقد أنك ستكون في فن القص الممتع الذي تعرفه فليولي نظره وجهة أخرى فأنت في عزازيل أمام عمل مختلف تماما، أنت أمام دراسة في علم الأديان المقارن، في دراسة اللاهوت، في رحلة فلسفية عميقة". وكذلك أحد الآباء في الندوة الشهيرة التي عقدت في حلب واحتفي فيها بالرواية على أساس أن حلب كانت مسرحا لجزء مهم فيها أيضا، أحد الآباء الذي تحدث قال أيضا "أنت أمام بحث في اللاهوت وفي الفلسفة ولست أمام عمل أدبي". بعبارة أخرى الأدباء ما زالوا يرون أنك يعني هبطت عليهم بالمظلة وأنك عملت بحثا في التاريخ وفي الفلسفة استخدمت فيه لغة ممتعة وراقية لكن هذه ليست رواية بالمعايير الفنية والحرفية للرواية.

يوسف زيدان: أول ما صدرت "عزازيل" الناقدة الدكتورة شهلا العجيلي في الندوة الأولى في حلب قالت ونشرت هذا الكلام بعد كده "عزازيل غناء خارج السرب"، الناس اللي تعودوا على الأدب بتاع الحواديت حدوتة واحد بيحيكيها، طبعا "عزازيل" مختلفة، ولا يجب أن تقارن أصلا بهذا الكلام إنما قارن "عزازيل" بأعمال إمبرتو إكو مثلا وستعرف أن هذا أدبا مختلفا، ثم أن إذا كان الأدب هو لغة وبنية وتصاعد في الحدث وتشويق وقدرة على اجتذابك لحد الصفحة الأخيرة وده متحقق في "عزازيل" فليه بنخرجها من نطاق الأدب؟

حسين عبد الغني: الدكتور مدحت الجيار إذا صح التعبير قائل إنه أنت بنيت روايتك على مخطوطة عثرت عليها في..

يوسف زيدان (مقاطعا): لا، هو مش واخد باله بس، لا توجد طبعا مخطوطات، وأنا مندهش كيف يمكن لشخص يعني أن يقول هذا؟ أصل ده دليل على أنه ما بيقرأش أدبا يعني اللي يقول هذا هو في مخطوطة ولا ما فيش، معنى كده أنه ما قرأش أشهر رواية مثلا في الأدب الإسباني "دون كيخوت" سربانتس بيبدأها بأن واحد من الماوسيكيين لقى كتابا فإداه لي فهو كتب، ما قرأش مثلا "اسم الوردة" لإمبرتو إيكو اللي هو أول كلمة فيها مخطوطة..

حسين عبد الغني (مقاطعا): بس هذه حيلة روائية قديمة يعني وما فيش حد ما قرأش سربانتس يعني..

يوسف زيدان: إذاً الحيلة ليست جديدة، ما الجديد في "عزازيل"؟ الوصول بالإيهام إلى درجة عالية جدا قادرة على أخذ القارئ إلى نسيج العمل بحيث يصبح جزءا منه.

حسين عبد الغني: طيب أسألك دكتور يوسف، ألا تعتقد أنك قد أذنبت في أو تشعر بالذنب لأنك هددت الوحدة الوطنية المصرية وأثرت فتنة طائفية بهذا الكتاب؟

يوسف زيدان: الكتاب لم يثر أي فتن طائفية، الفتن الطائفية أثارها أولئك المتعصبون، الكتاب تم استقباله في الكنيسة أو الكنائس المصرية -لأن في الحقيقة هي كنائس، ليست كنيسة واحدة- بشكل طيب جدا وجيد جدا ولولا هذين الشخصين أو الثلاثة ما كان من الممكن يعني أن يطرح هذا الأمر.

حسين عبد الغني: هل لديك الشجاعة لتكتب نصا روائيا عن المتشددين في التاريخ الإسلامي وعن التعصب وعن مشاكل العقيدة في العقيدة الإسلامية؟

يوسف زيدان: أنا كتبت، مش لسه هل عندي الشجاعة لكي أكتب، أنا كتبت وبحوثي موجودة على الإنترنت وفي مجادلات طويلة بيني وبين الإسلاميين، بس أنا النقطة الوحيدة أني لا أنظر إلى هؤلاء باعتبارهم خارجين عني، القبطية والمسيحية والإسلام بمذاهبه المختلفة هم أنا.

حسين عبد الغني: هل تعتبر روايتك دعوة لنبذ العنف..

يوسف زيدان (مقاطعا): طبعا..

حسين عبد الغني (متابعا): في كل العقائد والأديان وأن هذا الطريق لا يقود المجتمعات إلا إلى الرجوع إلى الخلف؟

يوسف زيدان: طبعا، طبعا، وأنا قلت قبل كده يعني في حوارات سابقة -وزي ما قلت لك من شوي أنا حأبطل هذه الحوارات أصلا لأن الناس بتقعد تؤولها- بس قلت بوضوح في حوارات صحفية إن هذه الرواية ضد العنف وقال كده نقاد مفروض أن هم بيفهموا في النصوص الأدبية وأجمعوا على أنها عمل بيدين العنف، فكيف يجوز أن يكون يعني بابا -بسبب تعصب بعض الأشخاص وزي ما قلت لحضرتك هم ما يزيدوش عن عشرة- لإحداث عنف؟ هذه رواية بتمثل حيرة الإنسان.

حسين عبد الغني: أنت لست متعصبا دينيا بأي صورة من الصور؟

يوسف زيدان: لا، يعني زي ما قال ابن عربي

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي

إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

وقد صار قلبي قابلا كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وأوراق مصحف وألواح توراة

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني

حسين عبد الغني: دكتور يوسف زيدان مؤلف رواية "عزازيل" التي حازت على جائزة بوكر العربية شكرا جزيلا لك على هذا اللقاء مع قناة الجزيرة. أما أنتم مشاهدينا الأعزاء فحتى لقاء آخر من القاهرة هذا حسين عبد الغني يحييكم.